التمفصل الحكائي والبنية الاطارية:
رواية السرداب (رقم2)  ليوسف الصائغ

 

عبد الستار جبر الأسدي (ناقد وقاص وصحفي من العراق)


على الرغم من أن هذه الرواية قد نشرت في عام 1997، إلا أنها- اذا جاز لنا التحقيب الانتمائي- ارجاعها الى عدد من الروايات المنشورة بعد(67) أي ضمها معها، تلك التي حملت معها "مؤشرات التجاوز وتعميق الرؤية الواقعية" وحققت التعرية المطلوبة من خلال الفضح والاحتجاج "وابراز اشكالية القوة الشعبية المحتبسة في زنازن الخوف والسلطوية"(1) فمؤلفو هذه الروايات كانوا يكتبون ايمانا بثورية الكتابة وفق مبدأ " ان تكتب لئلا تكرس الهزيمة، ان تكتب لتراهن على الحرية"(2) التي تنشدها الجماهير المسلوبة الارادة والحقوق، وليس هذا المدخل محاولة تصنيفية لجر هذه الرواية الى خانة الروايات السياسية او صبغها بهذا الطابع المكهرب الذي حاول المؤلف تجنبه والابتعاد عنه قدر الامكان وبشكل لافت للتأمل في كلمته التي تصدرت روايته والتي يبدو انها كانت لابد منها، لتحول وتقف امام أي تأويل وإحالة سياسية ذات ارتباطات زمانية وجغرافية لعالم الرواية الذي اراد له أن يكون مقطوع الانتماء الى واقع مسمى بعينه(زمانا ومكانا)، ولكن الى واقع حدث في زمننا المعاصر وفي بقعة من ارضنا العربية(دون تشخيص لهما)، علينا ان نواكب حدوثه ونطلع على حيثياته، غير انه ليس علينا ان نتعرف على هويته الزمانية والمكانية والعرقية ايضا، رغم ان الاخيرة تكشف عنها لغة او لهجة الحوارات التي تدور بين الشخصيات، وبحق يكفينا الاطلاع على هذا الواقع المشذب الذي يمثل وثيقة ادانة حية وفضحا لأعمال عنف السلطة وقمعها للحريات ومصادرتها للحقوق من جانب، ومن جانب آخر يكشف عن اوجه المقاومة والنضال التي ينخرط فيها الجماهير، التي اختارت الرواية منهم عينة تعرضت لعسف السياسة فوصفت واقع هذا العسف وما جره من معاناة انسانية مريرة، فكانت الواقعية اسلوبا روائيا يصف هذه الحياة، وقد ارتبطت الرواية العربية عموما بظاهرة "ملاحقة الواقع المادي باشكال تعبيرية مباشرة او بمطابقة لاتخلو من تسجيلية، كما لو كان الانتصار على الواقع هو في محاصرته وتقديمه في شكل وصفة ادبية قارة"(3)، فقد فهمت الواقعية وفق معناها الواسع  على انها  "الامانة في تصوير الطبيعة" أو "التمثيل الموضوعي للواقع المعاصر"(4) ليس فى ساحتنا الادبية العربية بل الغربية كذلك مع اسبقيتها، فقد لعب مفهوم المحاكاة لقرون طويلة دورا بالايحاء بفكرة مشاكلة الواقع، فلجأ الكثير من الروائيين الى الطريقة التقريرية في تأدية الاحداث سواء أكانت تافهة أو حتى خارجة على المألوف، والى "التفاصيل الدقيقة والحاسمة من اجل تصوير الاحداث والشخصيات بصورة صادقة قدر الامكان"(5) لكي تؤدي الى الايهام بالواقعية التي تصف الحياة كما هي، أو تعيد "انتاج الواقع في شكل الحياة نفسها"(6) أو كما يسميها  لافريتسكي الواقعية المباشرة حيث البساطة والعفوية من معايير تحديدها الفنية(7). او مثلما سميت في النقد الامريكي بالواقعية الموضوعية التي اتسمت "بنقل حياة البسطاء دون ميل إليهم"(8)، فقد امتازت رواياتها بتكديس الاحداث وتسجيل الحياة، حياة حاضر باهت خائر في اغلب الاحيان، واحداث غير ذات معنى في ظاهرها لحياة الجماعات البشرية المتخلفة، فرواد هذا الاتجاه من امثال همنغواي وكالد ويل ودوس باسوسس وشتاينبك، كانوا يتصلون "اتصالا مباشرا بالام وبكثافة حياة الشعب" ويتمنون ان يعبروا عنها بفجاجتها(9). وقد ساعدهم توظيفهم للجملة القصيرة كأسلوب سردي في "نقل اشد الشعور بدائية، فما من جملة موصولة وما من افكار  أو طرافة أو تعليق"، وما اقربها من اساليب الواقعيين الاشتراكيين التي مالت الى "البساطة والوضوح  والابتعاد عن الجمال الشكلي  او البلاغة اللفظية  والحيل الميكانيكية والمبالغات والتهريج"(10) غير انها احيانا اسرفت في البساطة والسطحية  وابتعدت عن الجمال الفني، ولكي لا نتشعب اكثر في اتجاهات الرواية الواقعية وتفريعاتها التصنيفية، وفي الوقت ذاته علينا ان لا نغض النظر عن جذور الظروف التاريخية والشروط الاجتماعية والفكرية التي ساهمت في نشوء الرواية الواقعية التي انبثقت تعبيرا عن  "التفاعل الجدلي بين الفردية والسياسة خلال مدة بطولة البرجوازية التارخية وهي تصنع نفسها بنفسها"(11)، ثم دخل هذا التفاعل مرحلة جديدة بتطور قوى النتاج التي صاغت علاقاتها الاقتصادية وفق نماذج الانظمة الاحتكارية المتمثلة بالكارتلات، وما نظام الكارتل الا "صورة من صور السيطرة الجماعية الاقتصادية التي من شأنها ان تبتلع جهود الفرد وتخنقه، فتغير طبيعة النظام الاقتصادي من اقتصاد تنافسي ليبرالي يمجد الفرد والفردية ويطلق لهما العنان الى اقتصاد احتكاري ادى الى عدم اهتمام بالشخصية الفردية كبطل ثم اختفائها ليظهر الاهتمام بالرجل العادي ومشاكله وهمومه"(12)، واذاما كان الفرد في الواقع الاجتماعي الغربي مستلبا امام نظم الكارتلات الاقتصادية فانه في المجتمعات الشرقية عامة والعربية خاصة يتعرض للاستلاب نفسه ولكن من قبل الانظمة السياسية الحاكمة المتمثلة بالسلطات الدكتاتورية، لذا يرى بعض النقاد ان الرواية الواقعية المعاصرة  تحديدا قد عكست لنا "ازمة مجتمعنا وألقت الضوء عليه"(13) وانها جعلتنا نواجه بشكل صريح "مسألة مغزى  وقيمة وضعنا الاجتماعي والتاريخي المفروض علينا"(14)، ويبدو لي ان هذه الرواية تشترك مع سرب الروايات التي تتبنى مواجهة الواقع وازاحة الستائر والاقنعة لتكشف عن وجه الحقيقة المرصودة، فلجأت الى الواقعية الى الموضوعية في السرد،حيث بدلا من ان يخبر المؤلف القارىء بما حدث "يسمح له بتجربة ما حدث مباشرة عن طريق مسرحي"(15) اعتمادا على الحوار بوصفه تقنية سردية، حيث يحتل الحوار في هذه الرواية مساحة كبيرة من متنها، وتقترب لغته كثيرا من اللهجة العامية، لا لتعزز من الايحاء بالواقعية فقط، بل لتكون اكثر صدقا ودلالة في التعبير عن لسان حال الشخصيات.

ينهض بناء الرواية في مظهرها الخارجي الشكلي على تقسيم متنها السردي الى احد عشر فصلا قصيرا يتحدث كل فصل عن شخصية من شخصيات السرداب، والشخصية الاخيرة هي الراوي الذي كان يروي القصة بكاملها ولكن على شكل اجزاء او حلقات صغيرة متصلة مع بعضها زمانا ومكانا وحدثا مع تركيز او تمحور كل حلقة حول شخصية ما، ثم يأتي دوره اخيرا كمشارك وليس كراصد او ملاحظ للاحداث والشخصيات، فيقترب هذا البناء مما عرف بالقصة الاطارية التي تتضمن مجموعة من القصص الفرعية الداخلية التي ترويها شخصيات الرواية وليس الراوي نفسه، وهذا ملمح اختلاف واضح مع هذه الرواية التي تشترك مع القصة الاطارية من حيث الملامح الخارجية فقط، فالمتن الحكائي لها واحد، كل متصل لا انفصال زماني او مكاني بينه، لكن الروائي لجأ الى نوع من التمفصل الحكائي اذا جاز لنا التعبير أي محاولة تقسيم القصة الواحدة او تصنيفها الى وحدات قصصية اصغر (وهذه العملية تتم على مستوى المبنى الحكائي/ الخطاب) تمحورت هنا ليس على الحدث او الزمني او المكان وانما على الشخصية، فمنحتنا هذا الايحاء او الادراك المزدوج بين اتصال القصص او انفصالها عن بعضها، او بمعنى ادق بتعدد او بتنوع القصة الرئيسة للرواية، غير ان الوحدة الاسلوبية للمبنى الحكائي تبين لنا ان محاولة العزل التصنيفي لمجرى الاحداث لم يمنع هذا المجرى عن تدفقه، فهي محاولة مشبعة بالقصد الدلالي الذي كان يرمي الى تسليط الضوء وتكثيفه في كل تمفصل حكائي داخلي للقصة على معاناة احدى الشخصيات، والحقيقة ان هذا الاشباع في القصد الدلالي لم يقتصر على هذه المحاولة فقط، بل توجها بتوجيه عنايته في نهاية كل فصل بمتابعة مصير الشخصية الذي غالبا ما كان ينتهي اما بالاعدام او بالاختفاء او بالموت تحت طائلة المرض او التعذيب، مستفيدا من تقنية القصة القصيرة ونزوعها  المعروف بالانحدار السريع نحو النهاية، مما يكشف لنا اسلوبيا عن الخصائص النوعية لطبيعة هذا التمفصل الحكائي الذي تمثل بالمزاوجة التقنية(شكلا وتركيبا) لآليات السرد بين الرواية والقصة القصيرة، غير غافلين ايضا عن التسرب الواضح لجوهر الدراما المتمثل بالحوار البيني المنتشر في ثنايا هذا العمل الادبي مما يسمح لنا بالقول بوجود بنية كلية وحدت النسيج  السردي وفق الطبيعة الشكلية لهذا التمفصل الذي اوحى لنا بملامح اطارية، فسنسمي هذه البنية الاطارية،حيث تمثل هذه البنية المظهر الشكلي العام للرواية، تحققه وتجسده وتعطيه هيئته السردية تقنية التمفصل الحكائي، فالعلاقة بينهما علاقة وجود وتأسيس لا يمكن العزل بينهما لانه سيؤدي الى تفكك النسيج الشكلي للسرد.

وقد اكتمل اشباع القصد الدلالي لهذا التمفصل في الفصل الاخير المتعلق بالراوي نفسه، الشخصية التي بدأت تكشف عن نفسها مؤخرا، لأن مسلسل النهايات المأساوية لشخصيات السرداب قد وصلها، واذا ما كان هذا امرا طبيعيا لانها الراوي، وكأنه بمثابة الناجي الوحيد من الكارثة، فان هذا الراوي قد جعلنا في حيرة وشك من انه ربما نجا -أي اطلق سراحه- ام ان مصيره كان كباقي نزلاء السرداب، حيث اسهم السرد المتقطع او سرد الفراغات (في نهاية الفصل) الذي لجأ اليه الراوي (وهي تقنية اسلوبية لم يكررها قبل هذا الفصل) في تعمية التحقق من معرفة نهايته/ مصيره، فدلالة هذا النوع من السرد وان كانت توحي برغبة داخلية في كسر اواصر الربط الطبيعية له، أي الخروج عن طبيعته الخطية المتراصة، فان هذه الرغبة تبدو نتيجة طبيعية تتعلق بالمضمون الداخلي الموجه لسيرورة السرد، لا كدافع خارجي او محاولة لتغيير النمطية التقليدية، وتبدو اكثر تعلقا بالمؤثرات السايكولوجية لشخصية الراوي نفسه وعلاقته مع شخصيات قصته التي يرويها، ومع المناخ التدرجي المتصاعد لسيرورة هذه القصة وهي تحاول ان تضع لنفسها تصورا مختلفا لنهايتها، لتقلب المعادلة التي بدأتها بين السرداب كمكان للنفي والاعتقال والعزل عن الحياة والعالم الخارجي وبين نزلائه من ضحايا العسف والقمع السياسي، اولئك الذين ينحدرون من مشارب وانتماءات ثقافية وعرقية مختلفة تمثل شرائح الشعب، سيما شرائح الناس البسطاء الذين لم تحمل عقولهم (رغم انخراطهم في العمل السياسي) افكارا عميقة لايديولوجيات فكرية وسياسية (حيث لم تتطرق الرواية  الى هذا الجانب حتى ولو باشارات عابرة، فلم تكشف عن البعد الايديولوجي لهذه الشخصيات وهو امر ينتمي الى تعمد الاقصاء الذي اعلن عنه المؤلف في كلمته -كما بينا انفا-، ينطبق الامر ايضا على الشخصيات المثقفة ذات التحصيل الاكاديمي كالدكتور احسان، وسلمان المحامي). فالسرد المتقطع تتخلله اشارات تريد القول ان ثمة اختراقا سيحصل لهذا العزل الذي يطوقهم به السرداب تحت باطن الارض ويوقف قطار النهايات المأساوية في محطته الاخيرة:

".... الجماهير.... الحرية... في انتظار.... المواجهة القادمة... سراحي... انا وسواي ممن.... الخ""

فالكلمة الختامية للرواية "الخ" فتحت الطريق امام نهاية جديدة مفتوحة كانت الرواية قد اتخذت من ضدها نسقا متكررا في نهاية وبداية كل تمفصل حكائي جديد داخل البنية الاطارية الموحدة للرواية.

 

الهوامش:

1- رواية عربية جديدة. د. محمد برادة. مقال ضمن كتاب "الرواية العربية: واقع وافاق". دار ابن رشد. بيروت.ط1/1981 :12.

2- م.ن،دفاعا عن الذاتية المتمردة، الطاهر بن جلون:279.

3- م.ن، الواقع والمتخيل والمحتمل في الرواية العربية، سعيد علوش:202.

4- مفاهيم نقدية، رينيه ويليك، ت.د.محمد عصفور، عالم العرفة، ع110،1987، الكويت: 381/197.

5- نظرية الرواية، د.السيد ابراهيم، دار قباء، القاهرة، 1998 :201.

6- نشوء الصورة وارتقاؤها،غاتشيف، ت.جميل التكريتي، ضمن موسوعة نظرية الادب،مج2، القسم الثالث، دار الشؤون الثقافية -بغداد،1994 :184.

7-في سبيل الواقعية،لافريتسكي، ت. جميل نصيف التكريتي،منشورات وزارة الاعلام، بغداد، 1974 :109-219.

8-تاريخ الرواية الحديثة. البير يس. ت جورج سالم. منشورات عويدات.بيروت.ط1،1967 :370-371.

9-م.ن: 372-373.

10- نظرة في المذاهب الادبية، د.حسام الخطيب.مج، الثقافة الاجنبية، ع3،1982- بغداد:37.

11-طرائق الحداثة، رايموند وليمز، ت.فاروق عبد القادر، عالم المعرفة، ع246،1999 :17.

12- النقد الروائي والايديولوجي.د. حميد الحميداني، المركز الثقافي العربي، بيروت ط1،1990 :129.

13-الواقعية والرواية المعاصرة. وليمز،ت. سعيد الحكيم.مج الثقافة الاجنبية، ع3،1987 :71 .

14- الرواية شكلا فنيا ومؤسسة اجتماعية، زيرافا،ت. حسين علوان، مج الثقافة الاجنبية، ع1،1983 :70.

15- نظريات السرد الحديثة، ولاس مارتن، ت. حياة جاسم، المجلس الاعلى للثقافة -القاهرة،1998 :77.

16- السرداب رقم 2، يوسف الصائغ، الهيئة العامة لقصور الثقافة -القاهرة، ط1،1997.


تصميم الحاسب الشامل