التناص الإجناسي
في رواية المسافة ليوسف الصائغ

 

أحمد ناهم (ناقد وصحفي من العراق)


تجنح رواية المسافة ليوسف الصائغ إلى استثمار صيغ وأنماط وأشكال الأجناس الأدبية المجاورة كفن الشعر وفن المسرح وفن الرسم وبقية الأجناس الأدبية وغير الأدبية" إذ إن شعرية النص الجديد تكمن في تداخلاته المختلفة على أصعدة مختلفة.

"إن ما تقدمه الممارسة الفنية من دلائل على التعالق والانفتاح لا يمكن إلا أن يحطم ذلك الانطباع السائد عن نقاء النوع الفني وأن يخلخل نموذجيته المحددة وهويته الخاصة، يصح أن ينتج تلاقح الفنون أنماطا  من التهجين الاستيتيقي وأنماطا  من التناص"(1) إذ يسمى هذا النوع من التناص بـ"التناص الإجناسي، إذ تتداخل الأجناس الأدبية وغير الأدبية مع بعضها البعض ف-ي طريقة التشكل والانبناء الداخل-ي على أصعدة متباينة"(2)، ونقصد بالتناص الإجناسي ذلك التداخل الذي يحصل بين الأجناس الأدبية المختلفة كتداخل الشعر مع فن القص والخطابة وفن السيرة، وكذلك التداخل الذي يحصل داخل الجنس الواحد على صعيد أدق كما يحصل في صيغة معينة أو شكل خاص لأنماط جنس أدبي كالتداخل بين الشعر العمودي والشعر الحر وقصيدة النثر أو التداخل بين القصة والأقصوصة والرواية "ويضع جينيت هذا النوع من التداخل ضمن التعالي النصي ويسميه علاقة التداخل التي تقرن النص بمختلف أنماط الخطاب التي ينتمي النص إليها وفي هذا الإطار تدخل الأجناس وتحديداتها كالموضوع والصيغة والشكل"(3) ويسمي هذا النوع من التناص بـ"التفاعل النصي العام، إذ يبرز فيما يقيمه نص ما من علاقات مع نصوص عديدة مع ما بينها من اختلاف على صعيد الجنس والنوع والنمط"(4).

إن أول مرتكز لهذا التناص هو التسليم بعدم اكتمال الجنس الأدبي وانفتاحه على محيطات مختلف الأجناس الأدبية المتاخمة له أو التي تتشكل وتنمو مستقلة عنه أحيانا  لكنه يدخل في حوار معلن أو خفي معها على مستوى الشكل أو على مستوى المضمون حسب باختين(5).

كذلك فان علاقة التناص بمسألة الأجناس الأدبية، علاقة وطيدة حقا، ذلك أن التناص يبرز التنوعات والتداخلات التي تحدث بين النصوص لتزحزح الجنس الأدبي في اتجاه اكتساب خصائص بنيوية جديدة(6).

يعطي هذا الاقتران بين أجناس متقاربة نصوصا  هجينية تحمل صفات مشتركة بين الأجناس الأدبية ولا يميز انحياز هذه النصوص إلى الجنس الأصلي إلا أمران: الأول يتعلق بالشكل أو الإطار الخارجي، والثاني خاص بقصدية المؤلف في إدراج نصه المهجن ضمن خانة الشعر أو خانة أخرى ضمن جنس آخر، وعلى وفق ترشيح المتلقي لجنس معين من خلال قرائن خاصة فيما بعد.

هذه مقدمة نظرية توضح مفهومنا للتناص الأجناسي قبل أن نخوض في مجال المفهوم على الصعيد الإجرائي الذي تم فيه اختيار رواية (المسافة) للصائغ لتكون حقلا  تطبيقيا  لهذا المفهوم: إذ يبدأ التداخل من خلال الغلاف، وقد كتب أسفل عنوان الرواية: المسافة/ قصة جديدة، ليتضح قصدية المؤلف في إدراج مؤلفه الجديد تحت تسمية جديدة هي غريبة من نوعها وتكمن الغرابة في (قصة جديدة) ليرشح المتلقي دلالات عدة على صعيد الشكل والمحتوى، وعند الدخول في صفحاتها نلاحظ المؤلف يفيد من بعض صيغ المسرحية المتمثلة في الحوار ورسم ملامح الزمان والمكان والمؤثرات الديكورية الأخرى، ليتضح لنا إن جو الرواية مفعم بفضاء مسرحي:

"أنا: (بهدوء) كان لابد من.............

صوت طفل: (يبكي).

صوت رجل: إنني مصاب بالربو.. سأختنق.

أصوات: هش...(7).

وهكذا تقوم بداية القصة، إذ أن الاستهلال جاء هنا بهذه الصيغة المسرحية التي سرعان ما يتداخل معها: الحوار القائم على التضاد والاختلاف، ولو توخينا الدقة الاصطلاحية (حوارية النص الروائي)- حسب باختين-. إذ أن الشخصيات- هنا- تكاد تعرض أفكارها بصورة متحررة حتى إنها تصرخ بوجه المؤلف الذي اكتفى بتسجيلها وعرضها ومحاورتها(8): وعند الاسترسال في القراءة تبدو لنا قصائد محشورة في بنية النص الروائي  نقرأ:

 قميصها... شعرها... عيناها وكان صوتها في أذني.. وكان على شفتي.. وكان على منابت شعري

- آه

- آه

كنا بدائيين... ولم يكن ثمة مطر.. ولا خوف ولا ريح(9)...

... لا يختلف اثنان في شعرية النص السابق،إذ أن هذه الشعرية تبدأ بالإيقاع مرورا  بالغرابة والمفارقة وانتهاء  بالاعتراف والإقرار بالخيبة والخذلان: نلاحظ هذا أيضا:

يسقط الفك-ر !... لم تكن الأفكار يوما  مجردة بهذا الشكل الذي تدعونني إليه.. إن فكري هو حاجتي... أما حين تجرد القضية حين تعزلها عن عواطفي... مخاوفي.. غضبي... أحزاني... حينذاك... كيف أوضح لك الأمر؟(10).

لقد منحت كريستفا التناص مدلولا  وميدان تطبيق واسعين، إذ تعرف المفهوم لا على التداخل أو التبادل بين النصوص، بل حتى على التداخل بين أنواع مختلفة مثل الكتابة، الموسيقى، الرسم(11)؛ ولكن شعرية التناص هنا في رواية المسافة ليست محددة فقط بهذا التداخل بين فن القص وفن الشعر أو فن المسرحية التي أفاد يوسف الصائغ من أغلب أجوائها.. فحسب، ولكن يتعدى الأمر إلى ما هو أخطر من ذلك عندما ندرك في خضم هذا التداخل، قمة في الإنزياح الشعري على مستوى السرد أو الشعر:

ويبدو لي أن هذا نابع من تجربة المؤلف في كتابة الشعر قد لازمته في مؤلفاته الأخرى كالرواية والمسرحية والمقالة، وهذا يؤكد مقولة (بيفون):

 الأسلوب . . . . . .هو الرجل نفسه.

 

المصادر

(1) ينظر: التناص في شعر الرواد، أحمد ناهم، رسالة ماجستير مقدمة لقسم اللغة العربية، كلية التربية، الجامعة المستنصرية، 1999، ص86.

(2) ينظر: المصدر نفسه، ص86.

(3) ينظر: مدخل لجامع النص، جيرار جينيت، ترجمة عبد الرحمن أيوب، دار الشؤون الثقافية، بغداد، دار توبقال للنشر (مشترك)، 1990، ص 091.

(4) المصدر نفسه، ص92.

(5) المبدأ الحواري، ميخائيل باختين، ترجمة فخري خليل، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، ط 1، 1992، ص30.

(6) ينظر: تجنيس الأدب في النقد العربي الحديث، سهام جبار، رسالة دكتوراه، كلية التربية، الجامعة المستنصرية، 1997، ص7.

(7) المسافة، قصة جديدة، يوسف الصائغ، اتحاد الكتاب العرب، ط1، 1974، ص6.

(8) قضايا الفن الإبداعي عند دستوفسكي، ميخائيل باختين، ترجمة د. جميل نصيف التكريتي، سلسلة المائة كتاب، دار الشؤون الثقافية، بغداد، ط1، 1986، ص213.

(9) المسافة، ص20.

(10) المصدر نفسه، ص73.

(11) ينظر: علم النص، جوليا كريستيفيا، ترجمة فريد الزاهي، دار توبقال للنشر، المغرب، ط1، 1991، ص70.


تصميم الحاسب الشامل