يوسف الصائغ:
اكتشفت انني ما عدت صالحا  للشعر !!

 

حاوره: ناظم السعود (صحفي من العراق)


ان تحاور شخصية مكتنزة، بالإبداع والتحول والتوجس، كيوسف الصائغ، فكأنك تحاول النفاذ، جاهدا، في مساحة جغرافية مترامية، في شموخها وإغناءاتها، وفي معلومها ومجهولها، وفي اتساعها وحجم مهابتها (على الطبيعة) مقابل تداخل وضيق حجمها (على الخارطة !).

هكذا أجد المبدع يوسف الصائغ في آثاره ومواقفه وحياته، كأنه يتلبس مسوح شخصية (جيولوجية) تسعى إلى البحث في الغور العميق عن تلك اللقى والمعادن والأشياء المحتسبة لتظهرها بعد تلفحها بفيض الرؤية ونفيس الحكمة وجسارة الصعود في درب الجلجلة ! !

يوسف الصائغ، قلادة الأدب العراقي الثمينة، واحد أبرز من يحق لنا أن نتباهى بهم وبإنجازاتهم: في الرواية والشعر والمقالة والرسم والمسرح، وقبل كل ذلك هو من تلك الندرة التي لم تتهيب أمام حشد الخنادق ولم تركبها (كثرة النقائض) بل سعت على الدوام إلى أن تحقق (التفرد) وأن تغلف الكلمة بما يبقيها متألقة على "اللوح غير المكتوب!".

هكذا أمهد لمحطتي الحوارية الجديدة مع الصائغ يوسف الذي أشعر بازائه بزهو خاص وهو يتفتح ويشع أمام أسئلتي التي اخترقت "سكونه المتدفق" بكل محبة.

* أراك تلجأ إلى صمت طويل، كأنك عازف عن الكتابة أو نشر ما تكتبه.. ترى هل يتعلق الأمر بعدم توافقك أو استجابتك لـ "شهوة الإبداع" أو أن الأخيرة ما عادت تغريك وتغويك كما كان الحال في الزمن السابق؟

- لست صامتا.. ومع هذا، يحتل الصمت من تجربتي مكانة هي، الحساب النهائي الأقرب للكرامة (!). ولقد كان ممكنا دائما، وأنا أحرص على أن أكون بليغا أن أغلق شفتي حين أحس بلا جدوى الكلام أو الصراخ، وأكتفي بأن أفتح عيني على سعتهما لتستوعبا ما أحتاجه من حقائق أو من أوهام تساعدني على صمتي !.

إنني، بهذه المناسبة، استعيد بإعجاب صوت مخرج مسرحي أحبه وهو يناشد بطل مسرحية الباب أن (يصرخ بصمت !).

* وهل يمكن للصراخ أن يأتي بصمت؟ !

- أجل يمكن لمن هم على شاكلتنا أن يصرخوا بصمت.. أو أن يصمتوا(!) وهكذا يغدو مفهوما، بعد ذلك، أن يصمت المرء تعبا، أو أدبا، أو عتيا بل لمجرد المشاكسة فيصمت حين يصرخ الجميع.. ويصرخ حين يغرق الآخرون في الصمت وتصير القصيدة هكذا:

(.. أكفر بالشعر والشعراء.. / الآن.. أريد صراخا يكفيني.. / صوتا.. / يصعد من كعبي قدمي.. / إلى رئتي.. / ويدفع حنجرتي.. ملء فمي.. فأقيء صراخا.. / ودما.. / وبقايا الإنسان.. / لكن وأسفاه / حنجرتي لا تصلح.. / شوه ها السكر.. / وبدلها الصبر.. / وزيفها الكتمان !..)

* يوما ما قلت لي أن (العزلة هي العدو) وكنت وقتها تشغل "منصبا وظيفيا مرموقا" إضافة إلى أن حمى الإبداع كانت مستعرة عندك وتتوهج عبر أشكال إبداعية متعددة.. فماذا تقول اليوم؟ ! هل تراك تجاهد بصمت عدوا شرسا هو "العزلة" أم أنك روضت الأعداء كلهم ليتعايشوا في (زمنك الجديد) تحت خيمة الأصدقاء؟!

- هل قلت ذلك حقا؟ ما أكثر الأعداء إذا (!) كان الكذب عدوا وما يزال.. والغباء والإبتذال وسوء النية.. وسوء الظن.. انتهاء بسوء الفهم والتفاهم ساعة يغدو (سوء الفهم هو السفاك.. / سمك يتعشى سمكا فبماذا يتعشى السماك؟ !).

بلى... لقد استيقظت من نومي ذات يوم من عام 1986. وإذا بي (مدير عام) لدائرة السينما والمسرح. وكان ينبغي لي أن أستعين بأكبر قدر من الرصانة لاستيعاب ما ينطوي عليه هذا الأمر بالنسبة لي من مفارقة !

* وأين تكمن المفارقة؟!

- أنا كما يبدو لي. لا أشبه ولا يلزمني أن أشبه مديرا  عاما ، قدر ما كان لا يهمني أن أشبه نفسي (!) ولقد كان.. بحيث راهن العديد من أصدقائي وأعدائي الذين يعرفون جيدا حدود إمكاناتي و(مواهبي) على إنني لن أصمد في (منصبي) هذا أكثر من بضعة شهور، فخيبت لهم ظنهم وبقيت (أمثل) دوري بصدق طوال عشر سنوات (!). وقل أنت ما شئت عما استطعت أن أفعله خلال هذه السنوات بنفسي وبدائرة السينما والمسرح... فالتواضع ليس زينة دائما، ونكران الجميل فاكهة تضرس القلب !.

* وكيف آلت معادلة المبدع و (المنصب) ؟

- حين يكون المبدع موظف-ا  فانه يلزم بأن يعرض نفسه لكل ما يتعرض له زملاؤه الموظفون.. ومن بين ذلك، احتمال أن يفصل من وظيفته، أو يستغنى عنه، أو يحال على التقاعد لسبب من الأسباب كأن يكون مثلا قد بلغ (السن القانونية) وهكذا سيكون.. بحيث ما أن يستيقظ رجل مثلي صباح عيد ميلاده الثالث والستين حتى يجد في انتظاره من يستعجله (لإخلاء منصبه) من أجل أن يحتله موظف سواه أجدر منه.. وأصلح؟ !

* إذا كان بإمكان المرء ولا سيما إن كان أديبا أن يتقاعد عن الوظيفة - فهل بإمكانه - لو شاء - أن يتقاعد عن الإبداع؟!

- ليست صفة (المتقاعد) لقبا يتباهى به أصحابه. وحين يرتضي مبدع أن يتقاعد عن الإبداع فذاك يعني أن ثمة ما يضطره إلى ذلك.. وهو اضطرار لا بد أن يبعث على الأسى والأسف في جميع الأحوال. وبصرف النظر عن التباس المصطلحات، يمكن الإدعاء، بأن المبدع قد (يستقيل).. لكنه لن يتقاعد !

* أجدك في السنوات الأخيرة تكثف طاقتك كلها في جنسين إبداعيين هم-ا المسرح والرواية (على قلة المنشور لك فيهما) فماذا عن الشعر وأنت من المعدودين في تاريخنا الشعري؟!

- أضع يدي على قلبي اشفاقا، وأنا أتحدث عن فن الشعر، حذر أن تصيبني حوبته مؤكدا  قناعتي بأن الشعر كان، وسيبقى روح كل الفنون.

وعلى مهل، بحيث يمكن أن نتفحص بإنصاف كاف وموضوعية، افتراض أن (الأزمة) في هذا الزمن هي أزمة شعر وليست أزمة شعراء ! ! ولكي لا أجور على أحد سأكتفي بالتركيز على تجربتي معترفا  مقدما  بمسؤوليتي في اضطراب علاقتي بالشعر.. وبش-عري أنا.. قبل أشعار سواي، إني لأرجو إلا أفاجئ أحدا، حين أعلن بقدر مناسب من التواضع أنني شاعر عافت نفسه قصائده(! !) فهي ما عادت تستهويه قدر ما تستفزه لفرط ما تثير في روحه غالبا من إحساس بالملل !.

* هل جاءك هذا الإحساس فجأة؟ !

- لقد انتبهت في السنوات الأخيرة بشكل خاص، إلى أن ما كنت أسميه (منجزاتي الشعرية) فقدت عندي مبرراتها(!) وانسحبت لتكون مجرد علامات في تاريخي وذاكرتي.. فهي الآن لا تكفيني !. حدث هذا يوم جاءت قصائد (سيدة التفاحات الأربع) لتكون على الضد قصائد من (اعترافات مالك بن الريب).. ثم قصائد (المعلم) على الضد من قصائد (سيدة التفاحات).. وهكذا انتهاء بمجمل ما قدمته من قصائد في زمن الحرب.. وما حاولت تقديمه تحت  وطأة العدوان ! فهل يكفي هذا وحده لشرح بعض جوانب (أزمتي) باعتبارها وجها من أزمة كل الذين سجنتهم (انجازاتهم) فصاروا يقلدون أنفسهم دونما أي إحساس بالملل واللاجدوى ! 

* أتحسب هذا الشرح كافيا لتوضيح مثل هذه الأزمة؟!

- لا أحسبه يكفي.. بل ثمة ما هو أخطر وأعمق أثرا.. يتمثل في مدى قدرة الشعر والشاعر على حل معضلة العلاقة الذهبية بين الخاص والعام، وهو مستوى لأمناص من محاولة الاقتراب منه في ظرف كهذا الذي نعيشه، تحتشد فيه أحداث جسمية تملك أن تهز الكثير من القناعات لتهدمها وتعيد بناءها من جديد. إنه تحد من طراز فريد لا مناص من أن يواجهه العراقي عامة والمبدع العراقي على وجه الخصوص.

* أنت من الداعين إلى أن يغير الشاعر لغته عقب حصول حدث كبير، وذلك لأن لغة ما قبل الحدث تفقد قدرتها على التعبير بعدها.. فماذا ترى الآن بعد كل هذه الأحداث محليا وإنسانيا؟ أتراك قلبت لغتك على جمر الأحداث وجددت فيها لتكون قادرة على التعبير عما جرى؟!

- يرتبط الجواب على هذا السؤال ببعض ما تقدم، ولكي لا نجوز على الملاحظة فنجعلها مبسطة إلى حد التسليم بأن الشاعر مؤهل لأن يغير من لغته استجابة لمزاج، أو لنزوة أو بناء على توصية ناقد من النقاد ! وأحسب أننا متفقون على أن لغة أي شاعر، أو بالأحرى قصائده، هي نتاج لما تتركه الحياة وما فيها من أحداث  في ذاته، ومن ثم  في وعيه وتجربته. ووفق هذا المنظور يصبح  من حق أي ناقد أن يتقصى مثلا عن الحيز الذي شغلته حرب استمرت ثماني سنوات أو عدوان غاشم وما تركه من آثار في قصائد هذا الشاعر العراقي أو سواه.. إذ ليس من المعقول أن تمر أحداث من هذا القبيل بشاعر صادق (مرور الكرام) فلا تترك أثرا  يتناسب مع سعتها وثقلها سلبا وإيجابا وعلى مختلف الأصعدة.

* فماذا عن تجربتك في هذا المجال؟

- لا بد من الإقرار أولا بأن هذا الموضوع شغلني ولا يزال، وكان السبب في ما أعانيه حقا من ارتباك، لقد جربت الاستجابة لحالة الحرب  بقصائد رغم قلتها ما زلت  أحس أنها كانت تكفيني، ولو إلى حين ! وتوحي لي أنني مؤهل للوصول إلى حافة تجربة جديدة وإنجاز إضافي.. لكن ما أعقب على بلدي الحبيب.. كل ذلك وضعني أمام أقسى تحد روحي وثقافي وإنساني واجهته في حياتي بحيث لم أجد ما أفعله سوى الاحتماء بذهولي مكتفيا بالتطلع إلى ما يجري، منتظرا  اللحظة التي سأستيقظ فيها وأهرب من هذا الكابوس الرهيب.

* وهل جاءتك لحظة الاستيقاظ هذه؟!

- نعم، لكن يقظتي جاءت متأخرة(!) وحين فتحت عيني هالني ما رأيته وبعث اليأس في روحي، فقد اكتشفت  أنني ما عدت صالحا للشعر(!) وأن أدواتي لا تكفيني.. فالقصيدة تبدأ هكذا:

(ها أنا واقف فوق أنقاض عصري.. / أقيس المسافة ما بين غرفة نومي.. وقبري.. / ثم.. / أهذا إذا كا ما قد تبقى؟!

سريع كسيح../ وغرفة نوم مهدمة../ ما تزال معاطف من رحلوا / معلقة فوق جدرانها/ ومكتبة سقطت كل أسنانها../ وأهملها العاشقون/ علام إذا ينكر الشعراء قصائدهم/ ومم ترى يشتكون../ فما زلت أذكر/ أنا مشينا وحيدين/ نبحث عن فندق للعناق/ وحين وجدنا الشوارع مهجورة/ والفنادق ممنوعة على العاشقين/ اخترعنا الفراق.. )

* بعد كتابتك لسيرتك الذاتية تحت عنوان (الاعتراف الأخير لمالك بن الريب) هل كنت تحيي فنا مجهولا في أدبنا المعاصر؟

-هل كنت، حين جربت كتابة (الاعتراف الأخير..)، أنوي حقا أن أحاول كتابة "سيرة ذاتية"، باعتبار هذا النوع من الكتابة الأدبية، محدود في أدبنا العربي..

أبدا

فأنا دائما أتجه للتعويل على الأدبي الذي  يملك أن يستوعب التجربة اكثر من سواه...

 لكنني في السنوات الاخيرة انتبهت الى أن الاشكال الادبية التي جربتها، ما عادت تتسع لأن تستوعب ما عندي... وهو كثير..

وأرجو الا اكون مغاليا، حين أدعي، أنني عشت  حياة حافلة، مزدحمة، وشديدة الاضطراب والتعقيد على مختلف الأصعدة... وحين تطلعت الى الأفق، أرهبني حقا، أن العمر المتبقي، مهما امتد ما عاد يستطيع، أن يوفي كل التجارب التي عشتها حقها،  أنا عولت على الرواية، أو المسرح، أو الشعر.. وكان يعني هذا عندي، أن التساهل في انتظار أن تتوزع كل هذا التجارب على هذه الأنماط، يعني التفريط، على الأقل، بما هو أصدق منها، ومؤثر، ومفيد..

وفق هذا النوع من التفكير، خطر لي، أن الكتابة، مباشرة عن هذه التجارب هي ممكن في هذه المهلة في العمر الجديد وبدا لي أن من العدل، والأمانة أن (أحكي) هذه التجارب لابنتي الوحيدة، التي كانت آنذاك في السنوات الأولى من عمرها المبارك.. أو أن أبسطها لانسانة اخترتها شريكة حياتي..

وقد فعلت..

كتبت مئات الصفحات.. ثم حين أعدت قراءة ما كتبته، خطر لي، أن بالإمكان اختيار ما هو جوهري في هذه الحياة، ونشره.. تحت عنوان (الاعتراف الأخير) اشارة الى مجموعة (اعترافات مالك بن الريب..) وكناية عن فكرة أن حديث المرء عن حياته، وما يتطلبه من خبرة وصدق وأمانة.. هو آخر ما ينبغي له أن يضعه بين يدي أصدقائه ومحبيه.. قبل ان يرحل، وتنطوي معه الصفحة من هذه التجربة..

ولقد كان علي، وأنا أخوض هذه المغامرة، أن أحرص أشد الحرص على اعتماد أقصى حد من التواضع.. والحذر من أن اتسبب في أيما ضرر قد ينجم عن هذا النوع من النبش في زمن قديم.. أو حديث..

لقد تحدثت بشيء من التفصيل عن ذلك في مقدمة الجزء الثالث من الاعتراف الأخير. فقد أشرت فيها الى أن السيرة الذاتية ليست نميمة أو فضيحة!.

"بلى قد تخدم الفضائح التاريخ، حتى ليتوهم المرء، أن التاريخ في جوهره، هو القدرة على اكتشاف الفضائح، وربطها ضمن سياق، بحيث يمكن اعتماد النماذج الأمثل، فاذا بالذين صنعوا هذه الفضائح.. أبطال روايات ومسرحيات، هاربون من تصانيفهم" "والاغراء شديد.. زال التحرير من الكتمان بالبوح، بحيث يستطيع المرء أن ينام دون أحلام مزعجة.. وبالتالي، أن يموت، بسهولة مدركا، أنه لن يأخذ معه الى الفناء، تلك الأزهار اليابسة التي اعتاد أن يسميها (أسراره) أو أسرار الآخرين.

* في مسرحيتك (ديزدمونه) محاولة لاختراق النص الشكسبيري بعد أربعمائة عام على كتابته الأولى... هل كنت تخطط لأحداث أثر انقلابي ضد شكسبير؟

-لم يكن عدلا أن أطلق على المسرحية التي كتبتها في (معارضة) "عطيل"  شكسبير عنوان "ديزديمونه"... كان الأجدى والأكثر دقة أن أسميها (أميليا)... ولابد أنني انسقت الى أسم "ديزديمونه" تحت تأثير شهرة الاسم وصاحبته... فأميليا شكسبير... تبدو هامشية وثانوية، قياسا الى شخصية ديزدمونه... وقد أزدهاني أن أعيد الى أميليا اعتبارها، وأن أجهد في أن أفضح تلك الأميرة المدللة "ديزدمونة"...

ومن يقرأ عطيل، وفق المزاج الفلكلوري والنفسي والعاطفي الذي قرأته به، كفيل بأن يلمح في شخصية (ديزدمونه شكسبير)، عددا  من الأدلة، على أن هذه الأميرة، لم تكن تملك، من السجايا، ما تتفوق بها على سواها... بل ثمة من الأدلة ما يمكن أن يشير الى أنها، (حتى وفق ما رسمه شكسبير) كانت مؤهلة لأن تخون عطيل حقا.. ألم يحذر أبوها، عطيل من أن هذه الأميرة ستخونه - كما خانت أباها من قبله؟

واذا كان لا بد من الحديث عما أسماه السؤال "المحفز".. يمكن أن أشير بدءا الى أنني ما ان قرأت "عطيل" أستطيع أن أطمئن الى أن عطيل مغفل الى هذا الحد.. بحيث يمكن أن يخدعه ياكو وبهذه السهولة.. اللهم الا أن شكسبير اراد أن يصوره لنا كذلك بسبب أنه رجل مغربي.. وأسود اللون.. وليس عنده ما يتفوق به، سوى كونه قائدا عسكريا.. ضخم الجثة.. أقرب الى الجلف طيب القلب.. فهو نقيض صاحبته.. البيضاء، الرقيقة.. المدللة.. التي لا تستطيع كبح نزواتها.. ومعالجة اللؤم الذي تنطوي عليه.

ومهما يكن.. وبعيدا عما يمكن أن يثار من اعتراضات في هذا المجال.. أجد من الضروري القول، أنني ما أستطيع أن أنظر لأشخاص مسرحية عطيل، ولا لأحداثها النظرة نفسها، التي ربما كان منطقيا، أن ينظر بها شكسبير ومجايلوه.. بل تمنيت، ان ننظر لها نحن، وكأنها تحدث في زماننا لنكتشف الفرق.. ألخ.

* أنت مؤمن بمقولة للسياب مفادها أن ثمة ولادة مرتقبة للشاعر الكبير، ما الذي يؤخر هذه الولادة؟

- ليس سهلا تحديد مفهوم واضح لما تعنيه تسمية  (الشاعر الكبير) أن لدينا في ادبنا العربي نماذج عديدة من الشعراء، كان لهم حضورهم وتأثيرهم في حقب عديدة.. ولنأخذ مثلا شعراء العصر العباسي.. فثمة (أبو العلاء.. والمتنبي.. وأبو تمام.. والبحتري.. وأبو نواس.. والشريف الرضي..ألخ).

فهل كان هؤلاء كلهم شعراء كبار؟.. وأن لم يكونوا.. فمن الذي يستحق بينهم مرتبة الشاعر الكبير؟!

قد يقول أحدهم: المتنبي.. وقد يضيف آخر أبو العلاء.. مع هذا يبقى السؤال.. عما ان كان المتنبي، شاعرا كبيرا في زمانه.. أو في ما تلاه. بمعنى أنه شاعر كبير حتى في زماننا. وقد يكون ذلك من وجهة نظر بعينها صحيحا.. أنما.. لماذا، وكيف؟

ويمكن الاستطراد.. كيف يمكن أن يكون الشاعر كبيرا، وأن لم تكن لشعره القدرة على البقاء.. ومن الكفيل بتحديد ذلك.

يسهل القول، أن الشاعر، هو من يمتلك استيعاب زمانه والتعبير عنه.. فاذا تجاوز ذلك، أي أن استطاع أن يتخطى زمانه الى أزمنة قادمة. فهو عند ذاك، يمكن أن يكون (شاعرا  كبيرا).. وهو حكم فيه الكثير من التبسيط.. بحيث يحق لنا وفق هذا المنطق، أن نتساءل، ان كان المتنبي، مثلا، ما زال حاضرا، ومؤثرا في حياتنا المجنونة هذه.. الى أي مدى وكيف؟ لست أدري.. لقد فتحت عيني على الفن والأدب.. والوسط الأدبي والعالم يحاول أن يوحي لنا أن الرصافي والزهاوي، شاعران كبيران.. ثم لم تمض بضعة عقود حتى نسي الوسط الأدبي بشكل خاص حكمه هذا.. وأوعز بدفن الرصافي والزهاوي مقترحا علينا، اسم الجواهري، ولم يكن هذا الاقتراح بدون أسانيد فهل الجواهري.. شاعر كبير؟

متى.. أين.. والى متى.. وبأي مقياس؟

تصعب الاجابة.. وفي هذا السياق، يمكن يخطر على البال أن القصيدة الكبيرة، يمكن أن تكون بديلا عن مصطلح الشاعر الكبير. فهذا أسهل وأهون ويمكن أن يكون أكثر دقة.

وأعود من جديد الى نبوءة السياب، التي أحسبها الساعة تحصيل حاصل.. اذ ما دام الشاعر الكبير، عراقيا أم عربيا - لم يولد حتى الساعة.. فاين ينبغي لنا أن ننتظر ولادته؟.. في المستقبل من دون شك.. ومن أي جيل؟

في الأجيال القادمة..لا محالة!!.

* أراك تمارس تمويه أو الغاء الحدود بين الأجناس الأدبية، فما مسوغ ذلك، وهل قلت، حقا أن الرسم أرحم من الشعر؟

- ما دام الابداع هو الشرط. فما جدوى الحدود؟ أنني أتطلع الى (سابع جار) وتهمني الفاكهة التي تنضج في حديقته، ما دامت تساعد على اكتمال الخمرة التي تعلمت صناعتها بليل..

مدينة بلا خرائط.. ومنازل بلا أسوار.. أن ذلك يجعل السرقة بدون معنى، والتلصص ضربا من الغزل.. وأنظر أنت الى أين يمكن أن يقودني ذلك أو يقود سواي.. الا ترى ما فعله اختراع السينما.. ومن بعدها التلفزيون.. هذه الحاجة الى الفنون وفق قانون من الشهوة شديد الدعارة.. راهن ومثير ولم لا؟ وينبغي-دائما- القدر المناسب من الشعر.. ينبغي لكل شيء وفي كل شيء.. وكان أن.. ومثله من الموسيقى.. وذلكم هو كيمياء الابداع.

هل قلت مرة ان الرسم ارحم من الشعر... حسنا... لعلي قلت ذلك فانا مثل كثير من الاصدقاء ( اقول) كثيرا... وانسى ما قلته... لانني دون ذلك لا استطيع الاستمرار. والعتب.. وفي حالة كهذه.... ان يأخذ الذين يحبونني او يكرهونني ما اقوله مأخذ الجد... الرسم ارحم من الشعر. كيف. متى؟ قد يصدق ذلك للحظة ثم لا يصدق بعد قليل... لكننا سنبقى دائما خاضعين لنفوذ احساسنا بالتناقض بين ما تنطوي عليه.... وقدرتنا في التعبير... والرحمة كل الرحمة، الا نسقط من خيبة او من اعياء... والا نفقد احترامنا لتجربتنا ثم فليكن بعد ذلك ما يكون!! ما الذي يمكن ان يكون؟ سوى ان يبقى الابداع رديفا للابداع وان تبقى لهذه الابداع اسماؤه الحسنى!  الشعر مرة... والمسرح اخرى والرواية... والموسيقى... والرسم وال.......

* هل انت تحلم كثيرا؟

-اجل انا احلم كثيرا.. ولا اجيد الاحصاء -مع الاسف- واخطىء دائما في الحساب... لكن يندر ان اخطئ في حلمي... او في كوابيسي وما زلت اذكر بحنان قصيدة (استيقظ يا يوسف)وتلك المقاطع التي اقول فيها (أي عذاب هذا... لأن تستشهد في الحلم... وتبقى بعد استشهادك ملقى فوق العشب...تمر الغيمة فوقك.... والعصفور يحط على جرحك... لا... ما هذا حلم... تلك امرأة. ولدتني في منتصف الليل.

وما زلت الى هذي الساعة... اذكر دفء جدار الرحم... ورائحة الحبل السري...واضحك...اذ اتذكر... اني لحظة ميلادي... قبلت اصابع قابلتي... فاحتضنتني باكية!

* لك تجربة طويلة مع الصحافة الثقافية العراقية، قراءة وكتابة  وعملا، فهل لك أن تعطي تقويما  ما لهذه الصحافة؟ وهل أن صحافتنا قادرة على احتضان النتاج الإبداعي المنهمر؟!

- يشكل العمل في الصحافة، بالنسبة لي، ميدان إغراء دائم ما استطعت يوما، ولا أردت أن أقاومه. أني لاستحضر الساعة اسم الصحيفة الأولى التي عملنا  فيها، مجانا وبإخلاص، وأنا مدرس في الموصل قبل ما يزيد على الأربعين عاما، كان اسمها (الأخبار التجارية) ولا بأس ! ما دام صاحبها كان من طيبة القلب إلى درجة أنه سمح لي ولصديقي الراحل شاذل طاقة، أن ننشر بين (أخباره التجارية) خواطر لن يلبث أن يكتشف (خطورتها) حيث يفاجأ بإنذار من الجهات المعنية يقضي بالكف عن نشر هذه الخواطر الهدامة وإلا.. !. ثم تتابعت الأسماء لأكثر من عشر صحف ومجلات آخرها ألف باء للمرة الرابعة ! !

* تبدو رحلة طويلة فهل كنت سعيدا معها؟!

- كنت في عملي الصحفي هذا سعيدا  وصادقا، وشديد الحماس، لا فرق عندي في أن أعمل في الأقسام الثقافية أو سواها، بل حتى في الأقسام السياسية أو صفحات العمال والفلاحين ! ! المهم أنني خلال هذا الخضم حاولت أن أظل حريصا على احترام قرائي احترامي لنفسي فكسبت محبتهم بحيث ميزوا اسمي وصانوه حتى في لحظات الضعف أو حتى طائلة الزلل ! واجد أن في سؤالك ما ينطوي على الجواب المطلوب فالسؤال عما ان كانت الصحافة الثقافية عندنا (قادرة على احتضان النتاج الإبداعي المنهمر.. ) فأنت تدري وأدري أنا، ويدري الآخرون، أنها غير قادرة قطعا.. وكيف بإمكانها أن تكون "وفي هذه الظروف على وجه التحديد" إن الإقرار بهذا الواقع كفيل بأن يجيب على (الأسئلة الأخرى). ويعفيني من اللجاجة والتكرار !


تصميم الحاسب الشامل