نبيل سليمان

 

حاورته :  نعمة خالد (كاتبة من فلسطين)


رواياتي تذهب عميقا  في

النفير من أجل الحلم "المستحيل"

أحاول ألا تأتي الفكرة (في الرواية) كنغمة

أيديولوجية شخصية خاصة بي ككاتب

 

* من رواية إلى رواية يتواصل ويتعزز هاجسك الأكبر في تفكيك البنى المكرسة. أنا أيضا  من الذين يقولون ذلك. وقد يكفيني أن أذكر من رواياتك (جرماتي) و(المسلة). بل لماذا أعود عشرين سنة أو أكثر إلى الوراء؟ ها هي روايتك (أطياف العرش) قبل عشر سنين. وها هي روايتك (سمر الليالي) قبل خمس سنوات. ما الذي ترومه من رمي سهام أسئلتك ومن نفيرك ضد البنى المكرسة والمحرمات الكبرى؟

- مبكرا  جدا  - أظن أني كنت في الثامنة - وشمتني أمي بأنفاس ونظرات قلقة، وبدموع حبيسة وطافرة، بينما كانت عروس أبي الجديدة في يومها الأول بيننا في بيت صغير من قرية صغيرة ومنسية. ما زلت عاجزا  عن كتابة ما كانت أمي عليه. لكن ما وشمتني به ذلك اليوم سيصير بعد عشر سنين، وإن شئت بعد عشرين سنة، سؤال جارح: ما هذه البنية الأسرية التي تتعدد فيها الزوجات؟

في ذلك الزمن البعيد كانت عمتي الصغرى المرحومة نجاح شابة، رفضت تزويجها من صديق لوالدها الشيخ الصارم، وذاقت الأمرين جراء رفضها، لكنها انتزعت حريتها إلى حين، ثم اضطرت إلى الزواج من أرمل. وكل ذلك سيصير بعد عشر سنين أو عشرين سنة ذلك السؤال الجارح: ما هذه البنية الأسرية التي تذيق تلك الشابة الأمرين؟

من مثل هذين الجذرين هجست مبكرا  بتفكيك البنى المكرسة، ليس في الأسرة وحدها، بل في الشارع: فتى يسمع أباه الشرطي يروي في آخر الليل ما عاد منه للتو: اعتقال الدكتور فلان والأستاذ فلان. تلك كانت سنوات الوحدة السورية المصرية التي ورثت  منها حتى اليوم الامتلاء بالوحدة العربية ومحبة جمال عبد الناصر. لكن السؤال الجارح تدجج: ما هذه البنية التي تخطف رجلا  من بيته آخر الليل لأنه يختلف معها؟

هي الأسرة إذن، وهي السلطة  السياسية، وهي المدرسة... وسنة بعد سنة، وبالثقافة، وبالسؤال الجارح، سأرى نفسي في عيشي وفي كتابتي مهجوسا  حتى النخاع بتفكيك تلك البنى التي تتعنون بالمحرمات الكبرى الطريفة والتليدة والعتيدة. وربما كان هذا الهاجس هو ما جعلني أبدأ في روايتي الأولى (ينداح الطوفان) عام 1970 من هتك النفاق الاجتماعي، سواء تسربل بالأخلاق أم بالدين أم بالجنس.

* بالوصول إلى ما ذكرت أولا  (روايتا جرماتي والمسلة) كان السؤال قد بات غامضا  جدا ، أي واضحا  جدا : ما الكتابة إن لم تكن تعرية وهتكا  لكل ما يعيق صبوات الإنسان وحريته، ولكل ما يكبله ويقهره ويحرمه ويشوهه؟

- هذه المرة اخترت - وربما كان الأصح أن الكتابة اختارت لي - الحرب كعنوان للمؤسسة العسكرية وللصراع العربي الإسرائيلي في واحد من أكبر مفاصله: حرب 1973. والتفكيك عنى هذه المرة إذن، في رأس ما عنى، الوحش الإسرائيلي الذي يقتل ويدمر، والسلطة التي تصارع هذا الوحش وتخسر الأرض. وحين تعود الأرض تبدأ السلطة بعمرانها، فإذا فيه من اليباب ما فيه، لأنها - ببساطة - منخورة بالاستبداد والفساد. وهذه سانحة أغتنمها لأذكر بتأخر الرواية العربية في تفكيك المؤسسة العسكرية، على الرغم من أن هذه المؤسسة هي صانعة تاريخنا العربي الحديث منذ أكثر من نصف قرن، بالانقلابات والشعارات والهزائم. على أن الرواية العربية بدأت منذ عقد على الأقل تعوض ما تأخرت فيه، بفضل الديكتاتورية العربية والعولمية، وبفضل حربي الخليج الأولى والثانية بخاصة. ولعلي لا أشكو من النرجسية إن رأيت في روايتي (جرماتي) و(المسلة) قبل خمس وعشرين سنة ريادة ما لذلك أو لبعضه على الأقل. ولأن المحرمات الكبرى قد ازدادت  عتوا ، ولأن البنى المكرسة قد ازدادت عتوا ، تذهب رواياتي أبعد فأبعد، وربما أعمق فأعمق، في النفير من أجل الحلم الذي يكاد يبدو مستحيلا ، ليس بين ظهرانينا فقط، بل في العالم كله: حلم التحرر والحرية.

* إذن، لناقد  مثل الناقد السوري المرحوم محمد أبو خضور أن يرى فيما كتب مبكرا  عن روايتك (ثلج الصيف) أن رواياتك كشف عن أفكارك، ولها.

- عن أفكاري؟ نعم. وعن أحلامي وهواجسي وأسئلتي وما يتراءى لي - ولو إلى حين قصير ومحدود - من أجوبة. لكن أمر الأفكار في الرواية  - وفي الآداب والفنون بعامة - أمر شائك وخطير. وهذا هو نقدنا الأدبي، وهذه هي روايتنا، تؤكدان ذلك عبر التنازع بين من يصدع بأن مطرح الأفكار ليس هنا، بل في الفلسفة أو التاريخ أو المقالة أو... وبين من يصدع بالخطاب الأيديولوجي وبالبيانات في رواية.

لقد حفظت عن دوستويفسكي مبكرا  ما رددته غير مرة، أنه كتب إلى استراخوف بصدد رواية (الأبله): أنا لا أقف إلى جانب الرواية، بل إلى جانب فكرتي. وقد كتب دوستويفسكي أيضا  إلى مايكوف بصدد رواية (الشياطين) مقرا  بإغراء فكرتها له وتعلقه بها، ثم يتساءل: هل أتمكن منها دون أن أفسد الرواية كلها؟ هذه هي المصيبة.

هذه هي المصيبة حقا  كما قال هذا المعلم الذي عل منا كيف يتجاوز الكاتب خطاه ويواجه نفسه. هذا هو الامتحان حقا. فمع كاتب مثل دوستويفسكي، ومع رواية مثل (الأبله) ليس الأمر تسييدا  للخطاب على الفن، بل هو - وكما سأتعلم ولازلت من الرواية ومن الثقافة بعامة - أن تقوم الفكرة في الرواية بالعلاقة الحوارية مع غيرها، وأن تتوحد الفكرة بمن يحملها أو تحملها في الرواية، وبألا  تأتي تلخيصا ، وبألا  تكون جاهزة أو نهائية أو قاطعة.

لقد حاولت ولازلت أحاول ألا تأتي الفكرة - مهما كنت خارج الرواية وفي الرواية متبنيا  لها - كنفحة أيديولوجية شخصية خاصة بي ككاتب، وعلى أن تكون الفكرة حدثا ، صورة، تكوينا بين تكوينات - من قال ذلك؟ ولا ريب لدي  البت ة أن ذلك لم يتحقق كما رمته، وأنه يتفاوت بين رواية ورواية. غير أن بين طب الي وزماري الحداثة من يجفلون من أية (فكرية) في الفن. وقد نالني ونال سواي من أولاء الكثير، لكنني ما برحت وما برح سواي يكتب الرواية للأنا وللعالم، وبالأنا وبالعالم، لا للتزجية ولا للخطابة. أما العلامة التي أستهدي بها فهي دوما : السؤال. هكذا كان السؤال في (ثلج الصيف) سؤال هزيمة 1967، على الرغم من أنها لم تذكر إلا في الإهداء، (عرفانا  بالجميل) كما كتبت. وهكذا جاء السؤال بعد ثلاثين سنة من (ثلج الصيف) عن الحضارة والتاريخ، عن قيامة الدول وزوالها، كما حاولت رواية (في غيابها) عبر التجربة الأندلسية. ومن صلب سؤال الهزيمة (1967) إلى السؤال الأندلسي قامت أسئلة الجسد والرحلة والقتل والصداقة: هل هذه هي الأفكار؟ هل هذا كشف الأفكار؟ عظيم.

* بحسب الروائي والناقد المغربي شعيب حليفي، كان كل ما كتبت قبل رباعية (مدارات الشرق) مهادا  لها. هل توافق؟

- حتى الآن. يبدو أن (مدارات الشرق) هي مشروعي الروائي الأكبر، ليس لأنها جاءت في أربعة أجزاء أو في ألفين وأربعمائة صفحة، وليس لأنها استنزفت من عمري سبع سنين، بل لغير ذلك مما كان قبل سنوات واضحا  جدا  لي، وهو الآن غامض جدا ، أشبه بعشق كاسح وغير مفهوم.

لقد جربت قبل (مدارات الشرق) كثيرا ، من البناء الكلاسيكي في الرواية الأولى (ينداح الطوفان) إلى تعدد الأصوات في الرواية الثالثة (ثلج الصيف) إلى ملاعبة السيرة والوثيقة في الرواية الخامسة(المسلة) إلى تفتيت الجملة والمشهد والصورة في الرواية الرابعة (جرماتي) إلى..

ولا ريب في أنني كتبت (مدارات الشرق) وأنا أختزن كل تجربة سبقتها. بل وأنا أختزن محاولاتي النقدية وكنوز قراءاتي. لكنني لم أفكر البتة بفنية معينة طوال كتابتي للأجزاء الأربعة من (مدارات الشرق). كانت لذة الكتابة هي كل شيء. كان المشروع يكبر ويغوي وكنت أندفع بشهوة عارمة ليل نهار. والآن أحسب أن تجربة الكتابة في (مدارات الشرق) بالغة الاختلاف عن كل ما كتبت قبلها وبعدها، وإن كانت تختزن ما سبق، وإن كانت أرهصت فقط مما تلاها برواية (أطياف العرش). وبعد هذا كله، هل وافقت شعيب حليفي أو خالفته أم..؟

* في (مدارات الشرق) نصوص تحتية يصعب عدها وحصرها، منها التاريخي ومنها الديني ومنها الغنائي ومنها السياسي، بل والاقتصادي. وأنا أيضا  ممن يقولون بأن تفاعل هذه النصوص في أعماق (مدارات الشرق) هو في رأس ما جعلها تفكك الحاضر وتخاطب المستقبل، مع أن زمنها يعود بنا إلى ما بين مطلع القرن العشرين ومنتصفه.

كيف حققت ذلك التفاعل بين تلك النصوص التحتية وبين كتابتك؟ وهل كان ما ذهبت إليه مع غيري من تفكيك الحاضر ومخاطبة المستقبل هو هدفك؟ بالأحرى، ماذا تظن أنه تحقق من هذا الهدف؟

- قبل (مدارات الشرق) كانت تجربتي الأكبر في لعبة التناص في رواية (المسلة). وفي الإعداد لمشروع (مدارات الشرق) استغرقت طويلا  وعميقا  مع قرابة مائتين وخمسين مرجعا، عدا الدوريات المحتجبة. وقد خرجت من هذا كله بما أحسبه كنوزا ، ليست فقط معلومات مغيبة أو أرقاما جافة أو إضاءات. وسأضرب مثلا  بما يردده باحثون من ندرة الكتابة الاقتصادية في عصر النهضة في بلاد الشام. لكنني اكتشفت الكثير من هذه الكتابة التي أنارت لي ما هو أهم من المعالم الكبرى للحياة الاقتصادية والاجتماعية (والسياسية). لقد أنارت لي تفاصيل ثر ة تتصل بالزراعة والبداوة والتجارة الدولية والوكلاء والدواء والملكية والنقابات... وكل ذلك كان ماء  أو دما  سرى في نسغ الرواية، وكون ما كون من الشخصيات المحورية في الرواية: الباشا شكيم وسليم أفندي وهشام الساجي.. ولولا ذلك الماء أو الدم لكانت هذه الشخصيات جافة وفقيرة وهيكلية.

غير أن فعل النصوص التحتية الأخرى، غير الاقتصادية، في الرواية، كان فعلا  مضاعفا . فمن مجلة (المضحك المبكي) الساخرة تولدت أوراق الفنان الشاب عدي البسمة، وتولد لهشام الساجي الكثير في جريدته (ألف ياء). ومثل ذلك هي الأغاني الشعبية وغير الشعبية، فلولاها ما كان للرواية أن ترسم التطور الروحي الثقافي في المجتمع عبر شخصية الفنانة ترياق الصوان. وسأكتفي أخيرا  بمثال من مئات الأمثلة، هو لعبة التناص مع دستور المملكة السورية 1920 وما يتعلق منه بالأحكام العرفية وقانون الطوارئ والتوقيف والمحاكمات: أنا على يقين من أن تلك الصفحات الأخيرة من الجزء الأول من (مدارات الشرق) قد انكتبت في مطلع القرن العشرين خصيصا  من أجل نهايته، ومن أجل بداية القرن الحادي والعشرين.

ما أصدق القول بأن كل نص هو شبكة نصوص. لقد علمتني (مدارات الشرق) ذلك، ليس فقط بما لعبته، بل فيما كتبت بعدها من الرواية. ولئن كانت هذه اللعبة غاية، فقد كانت العين تتطلع دائما  إلى اليوم وإلى الغد. فسؤال النفط الذي انطلق في سورية منذ سبعين سنة، ها هو يجلجل. وسؤال الجمهورية والملكية، وسؤال الأحزاب القومية والإسلامية والشيوعية، وسؤال العائلة والعشيرة، وسؤال العسكرة... كل هذه الأسئلة تخاطب يومنا وغدنا، ليس في سورية وحدها. ولذلك جاء عنوان الرواية (مدارات الشرق) وترامى فضاؤها في فلسطين ولبنان والعراق ومصر وتركيا وإيطاليا وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وأمريكا. وسأقول ببساطة: لولا اليوم والغد لما كتبت هذه الرواية. وبالتالي فالبحث في الجذور وفي الهامش وفي المغيب وفي غير الرسمي، أضاء فيما أظن الكثير مما يتصل باليوم والغد. ولأن الرواية ليست بحثا  بقدر ما هي بحث، لأن الرواية فن أولا  وأخيرا ، لعبت (مدارات الشرق) مع الوثائق والمراجع واستنبطت منها ما استنبطت كنصوص تحتية، جرى تمث  ل أكثرها تماما ، وترك بعضها - بدرجة أو أخرى من الشفافية - كعلامة في نسيج الرواية.

* ابتداء  من رواية (المسلة - 1980) يتوالى الحضور القوي للسيرة في رواياتك. ليس لأن الراوي (البطل) يروي بضمير المتكلم، بل بفضل ما بات معروفا  من سيرتك في المحاورات التي تجرى معك وفي الشهادات التي تقدمها على تجربتك. هكذا جاءت تباعا  روايات (المسلة) و(هزائم مبكرة) و(قيس يبكي). أين هو الروائي وأين هو السيري هنا؟ هل كتبت الرواية السيرية أو السيرة الروائية كما تصف بنفسك روايات أخرى لكتاب آخرين؟

- لقد تسلل قدر محدود من حياتي إلى روايتي الأولى (ينداح الطوفان). لكنني نأيت عن هذه السبيل حتى رواية (المسلة)، حيث بدا لي أنه فيما عشت من الخدمة الإلزامية في الجيش، ما لعله يستحق أن يكتب، فضلا  عما عشت من موران سبعينيات القرن الماضي في الثقافة والسياسة والصداقة والأسرة والحب، ولا تنسي بخاصة حرب 1973 وما انتهت إليه من فصل القوات وما أدراك.

لا أدري لماذا سكنني كل ذلك حتى فرض علي  قدرا  أكبر من السيرة في رواية (المسلة)، حتى أنني تركت للراوي أو البطل كما تقولين اسمي الأول (نبيل). ولم أكن قد اطلعت على مغامرة غالب هلسا في تسمية بطله باسمه الأول (غالب)، وهو ما تابعه حتى روايته الأخيرة، بينما تلب ست  في (هزائم مبكرة) وفي (قيس يبكي) شخصية الراوي وتلب سني.

منذ سنوات كتب محي الدين اللاذقاني يتساءل عن اليوم الذي يكتب فيه نبيل سليمان سيرته الذاتية. والحق أني لم أفكر في ذلك يوما . وقد يقال هنا: هذا هو الجبن. لكنني أظن أن ما يتسلل إلى رواياتي من السيري ينفي الجبن، أو على الأقل يقلل دوره. وقد يكون السبب أنني لا أرى في حياتي ما يستحق أن يكتب كسيرة. وقد يكون السبب أن قدرا  ما من السيرة انسرب في هذه الرواية أو تلك. هل ترين التناقض في هذا التعليل؟

 حسنا . لقد جاء من السيرة إلى رواية (هزائم مبكرة) ما جاء من سنوات اليفاعة والشباب، سنوات التكون الروحي والسياسي والجنسي عبر سنوات الوحدة السورية المصرية وما تلاها من سنوات الانفصال. وربما كان اختراق المحرم الجنسي هنا هو الأبرز في علاقة خليل بزوجة أبيه الثانية أم قاسم، بينما كان الأبرز في رواية (المسلة) اختراق المحرم السياسي. وتبقى تجربة (قيس يبكي) تجربة خاصة، تم حي فيها الحدود بين المتخيل والمعيوش فيتوح دان ليصيرا سيرة روائية أو رواية سيرية، لا أعلم.

أليست الكتابة أساسا  حاجة روحية؟ لوعة شخصية جدا ؟ أليست الرواية ذاتا  كما هي موضوع وربما أكثر بكثير؟ هل يجلو ذلك سر الرواية السيرية أو السيرة الروائية؟ تراني أهرب من الجواب إلى السؤال؟

* غابت السيرة عن رواياتك بعد (قيس يبكي) طويلا ، ثم عادت في رواية (مجاز العشق) وفي رواية (في غيابها). هل من فروق بين تجربة هاتين الروايتين وبين تجربة الروايات الثلاث السابقة؟

- هناك على الأقل فارق شخصي أساس، لعله علاقتي بنفسي، بحياتي، بمنعطف يمتد بالمرء من اقترابه من الخمسين إلى اقترابه من الستين.

والفارق الثاني فيما أظن هو المضي  أبعد في مغامرة التجريب في كتابة الرواية. والفارق الثالث لعله كتابة سيرة الرواية نفسها بالاندغام مع ما فيها من سيرة الكاتب، والكلام هنا عن (مجاز العشق) بصورة خاصة. أما الفارق الرابع فهو أنني في رواية (في غيابها) اشتغلت لأول مرة على واحدة من رحلاتي (الرحلة إلى إسبانيا) وهو ما أظن أنه سيشغل مشروعاتي القادمة أو بعضها.

أليس هذا كافيا ؟

* مؤخرا  تزايد إلحاحك على القول بالسيرة النصية والسيرة المجتمعية، وأنت تتابع المشهد الروائي العربي. ولكن ماذا عنك أنت وهذا القول؟

- من الجلي  جدا  أنه حتى في تلك الروايات التي تبدو مشغولة بنفسها أو بسيرة كاتبها، يسري فيها قدر أو آخر من سيرة مجتمع. ولكن ثمة روايات أخرى مشغولة أولا  وأخيرا  بسيرة مجتمع أو أكثر، وإن يكن يسري فيها قدر أو آخر من سيرة كتابتها أو سيرة كاتبها. وفيما أظن، فإن السيرة المجتمعية تعنون أغلب ما كتبت. فإذا كانت (مدارات الشرق) قد كتبت من هذه السيرة ما يعني النصف الأول من القرن العشرين، ومثلها جاءت (أطياف العرش)، فقد جاءت بداية  (ينداح الطوفان) لتكتب من السيرة المجتمعية ما يعني العقد التالي، أي خمسينيات القرن الماضي، ومطلع ستينياته، حيث تتمفصل السيرة المجتمعية في سورية عام 1963 مع الانقلاب (الثورة) الذي جاء بالبعث إلى السلطة. ولأن السيرة المجتمعية تتمفصل كثيرا  بالمفاصل السياسية كتبت منها (هزائم مبكرة) ما بين قيام الجمهورية العربية المتحدة (الوحدة السورية المصرية  1958 - 1961) والانقلاب البعثي.

بالطبع، ليس من المحتم، وليس من الضروري دوما ، أن تتعلق السيرة المجتمعية بالمفصل السياسي. بل قد تتعلق بمفصل زمني ينطوي على أكثر من مفصل سياسي، وربما لا، كنهاية قرن وبداية قرن، وهو ما عنيت  به رواية (مجاز العشق) ورواية (سمر الليالي) ورواية (في غيابها) على الرغم من أن الأخيرة قد نادت أيضا  الزمن الأندلسي إلى وداع ألفية ولقاء ألفية. أما (مجاز العشق) فقد كتبت أيضا  سيرة كتابتها، وفكرت في نفسها، ولعبت لعبة الميتا رواية، وكل ذلك مما أؤثر تسميته بالسيرة النصية التي أخذت تروج في الرواية العربية. وربما جاءت (مجاز العشق) كذلك لأنها مضت إلى تجربة جديدة في الكتابة، لأنني كنت بحاجة إلى هذه التجربة كي أخرج من تجربة (مدارات الشرق) وتاليتها (أطياف العرش)، أي كي أخرج من نزيف عشر سنوات هي ما استغرقته هاتان الروايتان. وقد يضيء كل   ذلك كتاب  جديد لي سيصدر مطلع العام القادم وعنوانه (السيرة النصية والسيرة المجتمعية).

* منذ (مجاز العشق) يكاد يتوحد في رواياتك زمن الكتابة وزمن الرواية وزمن القراءة، فأين يقع ذلك من خطر الراهن أو الحاضر على الكتابة الروائية؟

- بعدما كان في (مدارات الشرق) و(أطياف العرش) ما كان من القول في وعن النصف الأول من القرن العشرين، وهو القول الذي رام أن يتصل أعمق الاتصال بالحاضر وبالمستقبل; بعد ذلك تقدمت في كل ما كتبت حتى اليوم إلى دور الشاهد. وفي هذا الدور يتطابق أو يتقاطع على الأقل الزمن الروائي بزمن الكتابة. كما يتطابق إلى أمد محدود مع دور القراءة. ولقد سبق لي أن تقدمت إلى هذا الدور في روايتي (جرماتي) و(المسلة). فالزمن الروائي فيهما هو حرب 1973 وما تلاها عام 1947من حرب الاستنزاف إلى فصل القوات والانسحاب الإسرائيلي من القنيطرة. وقد صدرت الرواية الأولى في القاهرة عام 1977 والثانية في بيروت عام 1980. وهذا يبين كم تقاطع زمن الكتابة مع الزمن الروائي، وكم تقاطع ذلك مع زمن القراءة إبان ثمانينيات القرن الماضي. وهاتان الروايتان إذن تثيران سؤال الشاهد. ولكنني تساءلت مرارا  بصدد الحديث عما يسمى بالرواية التاريخية، عما إذا كانتا قد صارتا اليوم أو ستصيران بعد عشر سنين مما يسمى بالرواية التاريخية؟

لم يغب عني قط، لا مع هاتين الروايتين، ولا مع كل ما كتبت منذ (مجاز العشق) خطر الراهن أو الحاضر على الكتابة الروائية. لم يغب عني قط خطر دور الشاهد. ولكن هل هو قانون رياضي أن تقوم الرواية بفعل التذكر؟ أن تقوم على الماضي؟ ولماذا لا تغامر في الحاضر كما تغامر في المستقبل، سواء أقامت على الماضي أم قامت على الحاضر؟

إن التحدي هنا أكبر، والأشراك هنا كثيرة ومموهة جيدا . ولا بد من رؤية عميقة وحس تاريخي نقي ومدرب ومجرب، من أجل تجاوز الأشراك ومواجهة التحدي. وفي زعمي أن ما يكفي من ذلك قد توفر لـ (مجاز العشق) ولـ(سمر الليالي) بعدها، ولـ (في غيابها) بعدها، ولآخر ما كتبت (درج الليل.. درج النهار). ولست أنكر أنه قد يكون وراء ذلك ما تمور به الروح مما نعيش، ليس فقط في سورية أو في العراق أو في فلسطين أو.. بل في العالم كله. بل إني أزعم أن مشروعا  روائيا  تراءى لي منذ (مجاز العشق)، وراح ينبني رواية رواية، كأنه المشروع الثاني بعد مشروع (مدارات الشرق) وتاليتها (أطياف العرش). فإذا كان المشروع الأول ينادي النصف الأول من القرن العشرين، فالمشروع الثاني ينادي السنوات المعدودات من نهاية القرن العشرين وما مضى من القرن الحادي والعشرين.

* للمرأة حضورها الطاغي وخصوصيتها النادرة فيما كتبت، ابتداء  من (سعدا) في روايتك الأولى. وتلك هي نجوم الصوان في (مدارات الشرق) وحورية في (أطياف العرش) وريا في (سمر الليالي)... هل هذا مما تسميه تأنيث الرواية؟

- لماذا لا يكون من تأنيث العالم؟ هل يمكن أن يكون تأنيث الرواية دون أن يكون تأنيث العالم؟

كفى التاريخ ذكورية. كفى الرواية ذكورية. كفى المرأة نفسها ذكورية. كفى ما خسرته البشرية منذ انتصر التذكير على التأنيث.

ربما كان ذلك هو الجذر الروحي والفكري الذي يتأسس فيه حضور المرأة في رواياتي، سواء أكانت زوجة أم عاشقة أم راقصة أم مناضلة أم سجينة أم قاتلة.. وبالطبع، فالجذر الآخر هو ما قد أكون عرفت من المرأة. وإن كنت لم أعرف شيئا ، فهو ما عشت من التجارب مع الحبيبة أو الصديقة أو الزوجة أو الابنة أو الأم أو الزميلة، ولكن ليست التجربة الشخصية هي المعين الوحيد ولا المعيار. وهذا يتبين جدا  في نساء (مدارات الشرق) وفي نساء (أطياف العرش)، من نجوم الصوان وترياق الصوان وحسن نيله إلى حورية. نساء أحبهن وأخاف من أن تخرج الواحدة منهن من الرواية لتعجل بموتي. ولكن لماذا لا ينتابني هذا الخوف ولا أعرف هذا الشعور مع نساء رواية (سمر الليالي)، على الرغم من أنهن مثل نساء الروايتين المذكورتين، قد جئن من العالم إلي ، بالأحرى، على الرغم من أني لم أعرف أية واحدة منهن إلا تخييلا ؟

أظن أن نشأتي وثقافتي وصداقاتي قد علمتني مثلما علمتني الكتابة الروائية بخاصة، أن أسيطر على عقدة الذكر، أن أتحرر منها، أي أن أعيش طبيعيا ، حيث لا سطوة لذكر على أنثى ولا لأنثى على ذكر. إنه مستقبل البشرية بامتياز، ولأنه كذلك، لابد من أن يفعل فعله العميق في تشكيل الشخصية الروائية النسائية، مهما يكن دورها في الرواية، وسواء أكانت مثقفة أم عاهرة أم تمارس السطوة الذكورية.

* في رواية (مجاز العشق) لعبت بمفردات: الحب - حب - العشق - عشق.. وكان للتعريف شأنه وللتنكير شأنه. أي حب نشدت وتنشد كتابة وعيشا ؟

- اسألي سعدا من رواية (ينداح الطوفان). اسألي رائدة وماري ا من رواية (المسلة). اسألي نجوم الصوان وباسمة وصبا العارف وري ا وشهد وهبة من رواياتهن. هن  أدرى بأي حب نشدت وأنشد في كتابتي وفي عيشي. ولكن بوسعي أن أقول إنه نشدان واحد في الكتابة وفي العيش، دون أن أنكر أنني أجبن في العيش وأتخلف وأتردى عما في الكتابة. وبما أنك تذكرين (مجاز العشق) والتعريف والتنكير، يهمني أن أشير إلى أن التجربة اللغوية في هذه الرواية هي التي أعادت تشكيل مفهوم الحب ومفهوم الجسد ومفهوم المعرفة والنكرة. لقد جئت إلى هذه الرواية غير بريء. أي جئتها محملا  بنظر عمره عشرات السنين، لكن التجربة اللغوية، بل وتجربة البناء برمته، فعلت فعلها في النظر الذي كنت أحمله. ورغم ذلك، ورغم كل ما سبق (مجاز العشق) وما تلاها، ها أنا حائر في الجواب على هذا السؤال. ها أنا أغمغم وأتلعثم وأفكر وأرغب وأخاف وأمتلئ روحا  وجسدا ، فهل لهذا علاقة بالحب أو بحب؟ هل له علاقة بالعيش أو بالكتابة؟

* بين الروائيين كثيرون يكتبون النقد أيضا : جبرا إبراهيم جبرا ومحمد برادة وواسيني الأعرج والياس خوري وإدوار الخراط.. وفي حالات غير قليلة يأتي التنظير للرواية أقوى من النص نفسه. هل عانيت مثل هذا المأزق أو التحدي؟

- لا أظن، فأنا كما لا أفتأ أردد، مريض بالانفصام، مريض بالازدواجية على الأقل. ولذلك لست ناقدا  البتة عندما أكتب الرواية، والعكس ليس صحيحا .

لقد واجهت هذا التحدي إلى النهاية في رواية (مجاز العشق)، حيث فكرت الرواية بنفسها، وقل بت مفهوم الرواية على وجوهه الكبرى والصغرى واللا متناهية. ولا أظن أنني (نظرت) للرواية في غير (مجاز العشق)، هذا إن كان ما فعلت تنظيرا . بل لا أظن أنني نظرت لأمر ما في رواية ما. وهذا لا يعني ألا تفكر رواية ما في قضية ما أو أكثر. هل نعود إلى سبق من القول في فكرية الرواية وفكرنتها؟

* ربما كنت أكثر من يتابع كتابة  تجربة الجيل الجديد روائيا . ما الذي يمكنك قوله في هذه التجربة؟

- عندما بدأت أحاول النقد كنت أحاول معرفة ما يكتبه جيلي من الرواية. كنا جيلا  شابا  جديدا ، وكان غيري من النقاد الطالعين مثلي أو من السابقين واللاحقين، يولي عنايته الكبرى للنصوص المكرسة، للنجوم، لما أنجزه الأوائل، بينما كانت تشغلني الكتابة التي أعاصر. ولأن جيلي قد شاخ، وتكرس من إنتاجه ما تكرس، وتبدد ما تبدد، ولأن جيلا  آخر أو أكثر قد أتى، تابعت العناية بما أعاصر من كتابة هذا الجيل. وكما في البداية، أراني اليوم مهموما  بمعرفة ما يحققه الآخرون، لأعرف نفسي وروايتي، لأغتني بالإنتاج الجديد ولأتجنب عثراته إن أمكن.

وحسبي أن أشير الآن إلى أوهام كثيرات من الكاتبات اللواتي يقعن في شرك اجترار التجربة الذكورية وهن  يصدعننا بالكتابة النسائية والنسوية وما أدراك. حسبي أن أشير إلى الاستسهال اللغوي الذي أراه في كتابات كثيرة من شتى البلدان العربية، للكتاب والكاتبات.

هذا الاستسهال، مع ما ألاحظه من ضجيج التجريب ومجانيته، خطر حذرت منه وأحذر، كما حذرت وأحذر من تكرار العرس الروائي (يقولون: زمن الرواية) لما كان في الشعر الحديث، حيث عج ل بأزمة الحداثة الاستسهال والتجريب المجاني والنرجسية ودعوى قتل الآباء وتجاوزهم والوهم بأن تاريخ الشعر أو الرواية يبدأ مما كتب فلان أو فلانة. وإذا كنت قد بدأت بالإشارة إلى هذه السلبيات والمخاطر، فهذا لا يعني التقليل من شأن الإنجازات التي يحققها كثيرون وكثيرات من الجيل الجيد، وهو ما احتفيت به فيما أكتب من النقد في الصحافة وفي الأبحاث منذ أكثر من خمس سنين.

* بعد كل ما كان من منازلات كتابتك مع الرقابات، وبعد الاعتداء الجسدي الذي تعرضت له قبل أكثر من ثلاث سنوات، أين أنت الآن فيما تكتب وفيما تعيش؟

- أرجو أن أكون قد غدوت أكثر وعيا  لما أعيش ولما أكتب. وأزعم أني الآن أكبر شجاعة ومقدرة على المواجهة، على الرغم من أن الستين تقترب مني وأنا أنأى عنها. وعلى الرغم من كل ما يقال في سوءات الزمن الذي نعيش، أحسب أن حسن الحظ هو الذي وف ر لي أن أكون في هذا الزمن.

لست من الذين يتباكون وهم يشيخون على الزمن الجميل الذي عاشوه. الجميل في الأمس وفي اليوم وفي الغد. ولئن كنت لا أوفر سبيلا  في الكتابة أو في العيش لهتك عورات هذا الزمن - وما أكثرها وما أقبحها وما أقواها وما أخطرها - لكنني سعيد بأن أكون في لج ة النهر الجارف، نهر المعرفة والعولمة والمعلوماتية والاستنساخ وقيام الدول وانهيار الدول. هذا زمن استثنائي لا يجود التاريخ بمثله إلا (كل مدة ومدة)، فلماذا نجبن أو نترفع عن الخوض فيه حتى آذاننا؟

فليمنع من يمنع رواية. وليكشر هذا الوحش وليغافلك فجرا  على باب منزلك ليضرب، وربما ليقتل. لقد عرفت الخوف بعد الاعتداء علي  أياما  - نعم: أياما  فقط - لأول مرة على هذا النحو الكاسح والفاجر. ولكنه سرعان ما تبدد. ولا ريب أن أصدقائي وكل من تضامنوا معي قد كانوا عونا  في البرء من حم ى الخوف. ولكن هل كنت برئت لولا أنني عشت التجربة إلى أقصاها، ولولا أني واجهت جسدي والكابوس والخوف وجها  لوجه؟

منذ شبابي إلى هذا اليوم وأنا أرى جسدا  يذهب إلى الموت اختيارا  وجسدا  تشل عه رصاصة أو إعصار أو سيارة مفخخة أو تعذيب المعتقل أو السرطان أو.. وعلى الرغم من تعلقي بهذا اللغز المسمى (الروح) إلا أنني لا أرى أمامي إلا هذا اللغز المسمى بالجسد، وهذا اللغز المسمى بالكون.

أحيانا  أتمنى لو كان لي إيمان سواي بالتقمص. وإزاء كل ذلك: هذا هو الزمن، هذا هو الجسد، هذه هي الكتابة. ما أحلاها! ما أحلاها بحلوها ومرها. أما من يراقب الناس فسيموت هما  - كما يقول المثل - لتبقى كتابتي وكتابة غيري من المنشقين والمارقين والحالمين. وأما من اعتدي أو يعتدي على جسدي وعلى روحي، فسأحاسبه بالقانون حسابا  عسيرا  ذات يوم آت  لا ريب فيه. وها أنا أقهقه شامتا  ومنتصرا .

* على وقع السلام والظلام، وكما عبرت في كتابك (الثقافة بين الظلام والسلام) يصطخب الراهن والمستقبل، وتصير الكتابة مثل العيش، وها هي المفاصل الكبرى تنادي: سقوط بغداد، الإرهاب، الإصلاح.. فبماذا تجيب؟

- أمام جبروت وديمومة الديكتاتورية تساءلت ولا زلت أتساءل: هل كان سقوط بغداد محتوما  كي يسقط الديكتاتور؟

لقد زرت بغداد مرة واحدة في مطلع 1972. ومنذ حين قصير أخطط للإقامة فيها شهرا  أو شهرين. لماذا؟ لأن علي أن أكون هناك، وأعاين بالملموس سؤال سقوط الديكتاتور (بعد خراب البصرة) - كما يقول المثل.

لقد أوصلتنا الديكتاتورية إلى عنق الزجاجة، كما أوصلت نفسها. وما يزيد عنق الزجاجة عسرا  وضيقا  هو هذا الذي أوصلت العالم إليه ديكتاتورية الإمبراطورية العظمى، كأن لم يكفنا ما كان في فلسطين عام 1948 لتأتي بغداد عام 2003. وهنا يأتي في الصميم سؤال الإرهاب. فهؤلاء الذين يتجلببون بأي دين، ينشدون ديكتاتوريتهم، ويدمرون الأخضر واليابس، هؤلاء هم استفاقة الوحش في الإنسان، كما هي استفاقة هذا الوحش بالأسلحة الذكية والحروب الوقائية أو الاستباقية.

الوحش هو الوحش، في الديكتاتورية وفي العولمة وفي القتلة، سواء كانوا إرهابيين أم جيوش الإمبراطورية. والأس الحضاري والإنساني في الكتابة كما في العيش، هو تعرية هذا الوحش كخطوة إلى الخلاص منه على طريق الجلجلة الإنسانية الطويلة الشائكة.

كل أصولية هي رحم للإرهاب، مثلها مثل الفقر والاستبداد. لا فرق جوهريا  بين أصولية في إسرائيل أو أصولية في أفغانستان. لا فرق بين أي ممن يتسترون بالمسيحية أو الإسلام أو اليهودية وينشرون الذعر والخراب والقتل بالطائرات أو بالسيف، بالحداثة وما بعدها أو بالتخلف والتخليف. وكل ذلك يعق د سؤال مقاومة الاحتلال ومقاومة الاستبداد في العالم كله. إنه زمن استثنائي حقا ، وها هنا يأتي في الصميم سؤال الإصلاح.

وهذا هو مشروع الشرق الأوسط الكبير ينادي بالإصلاح ليفصل المنطقة حسب مسطرته ومصالحه وديماغوجيته: كلمة حق يراد بها باطل.

والديكتاتوريات تنادي بالإصلاح يا ما شاء الله! لقد بات الإصلاح ضرورة للديكتاتوريات بعدما جف ت دماؤها ونخرها الفساد. ولكن لا هي ولا حليفها وسيدها صاحب الإصلاح العالمي، مهمومين بالمواطن إلا بقدر ما تقتضيه مصالحهما. وعلى الرغم من ذلك، فللمواطن مصلحة في أي درجة من درجات الإصلاح، بعدما استشرى التعطيل السياسي والخراب الاقتصادي في المجتمع.

ولكن قبل ذلك وبعده لابد من الإصلاح على أي مستوى: التعليم والمرور والقانون والدستور والإدارة و و.. لابد من الإصلاح على مستوى المعارضات كما على مستوى الأنظمة.

في مساهمة المواطن المتواضعة في الإجابة على نداء سقوط بغداد والإرهاب والإصلاح، كتبت ما كتبت في الصحافة. ولئن كنت قد جمعت من قبل ما كتبت في السلام وفي الظلام في كتاب (الثقافة بين الظلام والسلام - 1995) فلست مواظبا  على هذا النوع من الكتابة ولا متمكنا . ولذلك حاولت في السنوات الأخيرة متابعة التعبير الروائي عن الديكتاتورية وعن الإرهاب وعن حقوق الإنسان. وقد اجتمع لدي من هذه المتابعة ما شك ل مخطوطة كتاب سيصدر في العام القادم وعنوانه (الرواية العربية والمجتمع المدني). والأهم من ذلك هو أن الإصلاح وسقوط بغداد قد شك لا سداة ولحمة روايتي الجديدة (درج الليل.. درج النهار).

* ومع روايتك الجديدة أترك لك الختام.

- لا يتعلق الفساد الناشب - أشرس وأعم - فقط بالجامعة أو القضاء أو الضرائب أو البنوك، بل بالروح، بالقيم، بالقسوة والنفاق والكلب...

وكما بدأت الكوارث جراء هذا الفساد العميم تظهر في الحروب وفي الاقتصاد، بدأت الكوارث الاجتماعية والروحية. مرة أخرى: إنه زمن استثنائي.

منذ سنين انهار في سورية سد زيزون، فرسم لي علامة فارقة وكبرى لرواية ستنادي طوفان نوح. وقبل ذلك وبعده صدح في سورية خطاب الإصلاح، لكن الخطى كما يقال مترددة وبطيئة ومرتبكة ومحدودة، بينما يزداد الفساد استشراء وشراسة. وهذا خط آخر نادى الرواية الجديدة ونادته. ومنذ سنة كان سقوط بغداد، وهكذا صار للرواية الجديدة إيقاع جارح.

بالاشتباك مع كارثة زيزون ومع كارثة الفساد ومع كارثة بغداد نادت الرواية الجديدة شطرا من الفسيفساء المجتمعية والدينية، هو المعنون باليزيدية. أما الجسد الروائي لكل هذا الاشتباك فهو المرأة، هو إعادة تشكيل الجسد الأنثوي في لغة أخرى وبناء آخر، في شهادة جديدة على الراهن ونداء آخر لمستقبل آخر. إنها الرواية الجديدة (درج الليل.. درج النهار) كخطوة تالية - فيما سميته قبل قليل بالمشروع الروائي الثاني الذي بدأ برواية (مجاز العشق).


تصميم الحاسب الشامل