|
|||||
|
القصيدة ليست مجرد انفعال أو خلق لغوي بل تعبيرا عن معايشة حية ما لا نستطيع أن نكتبه شعرا يفرض نفسه نثرا
ليس خالد المعالي شاعرا فحسب، بل إن هذه الكلمة تضيق عليه، إنه تجربة كاملة. فهو وريث جيل من الشعراء العراقيين تشتتوا في أصقاع الأرض، وصار لكل واحد منهم مسعى شعري وحياتي مختلف، قد يتقاطعان، وقد تسكت التجربة. تجربته وجيز لمدن مختلفة عربية وأوروبية. مدن مر بها وعبرت ذكراها شعره ونثره. قصائده التي يحفر فيها، عميقا، في اللاشيء هي على جانب منها معطى لهذه التجربة. وفي هو للشعر. لم ينقطع عن الكتابة أو يتوقف ضمن فضاء لغوي وبيئي غير عربيين. يقيم فيه منذ عام 1980 هناك في كولونيا في ألمانيا سيؤسس الشاعر منشورات الجمل عام 1983وسيصدر عنها بين عامي 1990 و1993 مجلة فراديس ومجلة عيون عام 1995.
أصدر الشاعر عددا من الكتب الشعرية والنثرية : صحراء منتصف الليل 1985، في رثاء حنجرة 7891، عيون فكرت بنا1990، دفاتر الفاتر1992، يوميات حرب ونصوص أخرى 1993، خيال من قصب1994، الهبوط على اليابسة1997، العودة إلى الصحراء1999، حداء2002، فضلا عن ترجمته وتقديمه: غوتفريد بن1997، باول تسيلان 1999 ، إضافة إلى انطولوجيا: بين "السحر والإشارة"، الشعر العربي منذ عام 1945 حتى اليوم باللغة الألمانية، وباللغة العربية 2002. هذا وقد ترجم العديد من المجموعات الشعرية العربية إلى اللغة الألمانية، بالاشتراك مع آخرين، للشعراء: بدر شاكر السياب، سعدي يوسف، سركون بولص، عبد الوهاب البياتي، أنسي الحاج، محمود درويش، محمد الماغوط، أدونيس، محمود البريكان. وحاز على العديد من الجوائز الأدبية في ألمانيا. كما صدرت بعض أعماله مترجمة إلى الألمانية. هنا حوار مع خالد المعالي: ** في مجموعتك الشعرية "عيون فكرت بنا" ثمة سعي لكتابة قصيدة بوصفها كسورا.هل تحدثنا عن هذا التوسل الشعري، وعلاقته بوحدة القصيدة ككل؟ - هذه المجموعة التي تضم نتاج عشرة أعوام شعرية، كتبت خلال فترات الخروج من العراق، ثم الطوفان في بعض المدن الفرنسية، في أوضاع تشرد وجوع، وأعوام الإقامة في الملجأ بألمانيا، والسنوات التي تلت الخروج من الملجأ، وبداية التواصل مع حياة أخرى مختلفة. يمكن اعتبار هذه النصوص تمتمات منخفضة أو صرخات عالية، أو مجرد تعبير عن حالات الإقامة المختلفة على الأرض، أي أنها التعبير الأكثر واقعية عن كسور هذه الإقامة وأوجاعها. ** تحاول حياكة شعرية، تتبدى على شكل جمل متقطعة مخنوقة، مع ذلك نجد توازنا ما بين الحركة الشعورية والاشتغال اللغوي. ما رأيك؟ - هذا التوازن الذي تحدثت عنه شيء ايجابي. القصيدة كما أراها، الآن، يجب ألا تكون مجرد انفعال أو مجرد خلق لغوي، بل منتوجا حيا، وتعبيرا عن أشياء معاشة وبالتالي إن الإسراف في اللغة أو في العواطف سوف يؤدي إلى إلغاء هذه المعايشة، أو ما يسمى بالجانب الحيوي فيها. على القصيدة أن تكون ابنة وقتها، وأن تعكس تجربة كاتبها وكاتبتها الحيتين، سواء كانت تستنطق ما هو حاضر أو ما هو تاريخي أو أسطوري. بالتأكيد لا وجود لقرار مسبق في القصقصة التي ذكرتها، ذلك أني أكتب القصيدة دون تخطيط ولا أغير فيها إلا الشيء البسيط، فيما بعد، هذا إذا احتفظت بها. ** التشكيلات الفانتازية التي تحيل على تفاصيل المنفى، هي الأخرى مموهة لصالح هذا الاشتغال الشعري. إلى أي حد برأيك يمكن الذهاب إلى هذه المنطقة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على هذا التوازن؟ - إني أحاول أن أكتب قصيدة وليدة الواقع وابنته، وليس تصويرا له. تجمع ما بين المرئي واللامرئي، وليس هناك من استغراب في أن يساهم اللامرئي في القصيدة، أي أن تكون هناك موسيقى تصويرية بحيث نرى القطار والطاولة والإنسان الجالس ولكننا لا نرى العازفين. ** في مجموعتك "في رثاء حنجرة" جفاف. لكن مع ذلك لا ينبثق هذا الجفاف من الصور الذهنية، بل على العكس يتوازى وينبثق من طبيعة الاشتغال الشعري نفسه. ماذا عن بحثك الشعري في هذا المجال؟ - ربما هناك سببان في الحقيقة لذلك: الأول وهو الأساسي هو أني أستعيد حياة شخصية، أو محطة كانت في الماضي. استعدت في هذه القصائد عوالم الطفولة والشباب. وكل هذا الجفاف بكل دلالاته قادم من هناك، أي هناك نوع من الاشتغال على التاريخ الشخصي، وذلك بعد أن بعدت السنوات حوالي عشرين عاما، عدت إلى ما هو ماض، لكي أراه من جديد، لكي أصوغه وأتأمله. أما الجانب الثاني، وربما هو جانب طبيعي، وهو نوع من التعويض عن الفقدان، فقد تركت أحضان القرية وأنا مراهق. إنه نوع من الحنين. ** في قصائدك تفوح روائح الذاكرة، مع ذلك لا نجد الماضي بتفاصيله الصغيرة طافيا على سطح القصيدة. كيف استطعت التخلص من سطوته داخلها؟ - أعتقد أن الكتابة الحقيقية والتي ترتكز على ما هو تاريخي، أو أسطوري عليها أن تستعيده بشكل شعري، أي عليها ألا تكرره وإنما أن تتحرك بقوته، وتكون حية. الآن وهنا، وليست مجرد إعادة سرد، أو نظم، كما فعل أدونيس في الكتاب الذي هو كتاب ثقيل الظل والخاطر. ** تحضر في قصيدتك حيوانات معينة. إلى أي حد يمكن تحميلها اشارات وجودية شخصية؟ ماذا أردت أن ترسل عبرها؟ - هناك حيوانات صحراوية في قصائدي، ربما لأنني ابن بيئة صحراوية، لذا لها حضور أكثر من غيرها، وهي تحضر في القصائد ليس بصفتها جزءا من الذاكرة فحسب، وإنما بدلالاتها الأخرى، الأفعى ودلالاتها، والكلب ودلالاته. كذلك الحصان والذئب والطيور، وهي بشكل عام أشياء أو حيوانات تفرض نفسها بنفسها، سواء بصفتها جزءا من الذاكرة، أو ذات مدلولات أخرى. ** ((حداء))، و((العودة إلى الصحراء))، و((صحراء منتصف الليل))، عناوين مجموعات شعرية لك. لماذا هذا السعي الحنيني إلى الرمل؟ ما الذي يدفع بالقصيدة إلى هذه المطارح الموحشة، برأيك؟ - يمكن ارجاع هذا إلى التجربة وليس اللغة. فالتجربة كما أعتقد هي التي تكون اللغة بهذه الصفة، وما تدعوه بالتصحر في "عيون فكرت بنا" عائد إلى تصحر في العلاقات البشرية ضمن تجربتي الشخصية آنذاك. إنها صحراء البشر كما يدعوها بود لير. هناك كنت أجد نفسي. في حين أن العوالم في العودة إلى الصحراء، بغض النظر عن أماكن كتابتها، كالشارقة وأبو ظبي، هذه الأماكن ساهمت في استعادتي جزءا من المشهد البيئي الذي افتقدته. ففي "عيون فكرت بنا" ثمة تجربة خارجية وروحية أيضا. وفي العودة إلى الصحراء تجربة شخصية تعود إلى سنوات التكون الأولى، فتضاريس التجربة تفرض على الأغلب طبيعة اللغة التي ستكون عليها القصائد. ** ما الذي يدفعك كشاعر أن تصدر كتبا نثرية؟ كأنك لا تستطيع أن تقول كل شيء عبر الشعر؟ - أنا أمارس هذه الكتابة في شكل مستمر. لأن هناك الكثير من الأشياء التي لانستطيع أن نكتبها شعرا، وتفرض نفسها علينا نثرا، أو ربما الكتابة النثرية محاولات فاشلة وتنفيس عن رغبات سرية غير معلنة في كتابة قصة أو رواية. لقد قرأت أوليس لجيمس جويس، وأنا أحلم بكتابة رواية هائلة دائما. وكل هذه المقطوعات النثرية البسيطة التي نشرتها، ولم أنشرها هي تنفيس فاشل عن هذا الحلم بالعبقرية. ** تطل في قصيدتك إشارات تحيل على السيرة الذاتية، في شكل غير مباشر. هل تعتقد أن الشعر يمكن أن يؤدي وظائف محض نثرية دون أن يخسر شيئا؟ - هناك مقولة تقول أن كل رواية هي نوع من السيرة الذاتية. في القصيدة يمكن أن يستند الشاعر بكل تأكيد على سيرته الذاتية لكن السيرة الذاتية هل هي سيرة الشخص مع ذاكرته ومجموعته البشرية؟ هل هي السيرة التي تستنطق الطبيعة وماضي الطبيعة ؟هذه قد تكون ألغازا. ولكنها أشياء واقعة لدى جميع الشعراء. هناك شعراء جاهليون يتحدثون عن دول وممالك في الجزيرة زالت منذ أزمان. أي أن هؤلاء الشعراء يستندون إلى الذاكرة الجمعية أي السيرة في شكل عام. ** تنقلت في أماكن عدة، مع ذالك لايحضر المكان في شكل مباشر في قصيدتك.ما تأثيره على شعريتك؟ - علي أن أقر بأن للأماكن جميع الأماكن تأثيرا ظاهرا أو باطنا في عمل الشاعر الذي يعيش في هذا العالم. بالنسبة لي ساهمت الأماكن التي عشت فيها، وهي أماكن ربما لم تظهر في شكل علني في قصائدي، لكن حالها حال كل المؤثرات الأخرى، لهاو جود أساسي، يمكن أن تراه في "عيون فكرت بنا" وفي الإهداء. فقد أهديت الكتاب إلى طائر العقعق، وهو طائر موجود لدينا أيضا، وقد عايشته خلال نزهاتي الطويلة في الغابات الألمانية، التي لها وجود أيضا في القصائد، حيث يحظى الخريف بوجود أساسي. ونحن في العراق لا نعرف الخريف بصيغته الأوروبية، التي تحيل على منتوج ثقافي أوروبي كبير متعلق بهذا الفصل. أيضا هناك عالم يتغير وهو الحضور الرمزي للمطر، الذي هو رمز الخصب في العراق، في حين أنه هنا وضمن الاستخدام العام في أوروبا ذوودلالات أخرى، وعلى الأقل لا يبعث على الفرح. ** في مجموعتك "في رثاء حنجرة"، باكرا ذهبت إلى التحرر من الإرث البلاغي، ورمي الخطابية في مواقعها الأساسية. هل تحدثنا عن ذلك؟ - بطريقة غير مباشرة كنت أرثي من يزعق. أرثي هؤلاء الصارخين الذين يتصورون أن الصرخة تعبير شعري، وأنها القصيدة التي تملك دلالة ووضوحا وإثارة إلى حدث لايستطيع صاحب الحنجرة التعبير عنه. أردت أن أستهزئ بكل الشعر النضالي البطولي، وأنا في تلك الفترة كنت أعيش الفاقة وتقريبا كنت أقتات من المزبلة. ** العيون، واليد، والتلويح، مفردات تتكرر دائما في قاموسك الشعري. ماذا يمكن أن يتكثف شعريا ووجوديا، بالنسبة لك، عبر العين والنظرات التي تتكرر في ((عيون فكرت بنا))، مثلا؟ - ثمة العيون، وأكثر منها هناك اليد والتلويح. إنها لقطات مأخوذة كما هي من السيرة الذاتية. اليد باعتبارها دليلا إلى السلام مع الآخر، والتصافي معه.ولكن كل هذه الأشياء التي تحيل على مواقف متعددة خصوصا، العينان اللتان نراهما خلال شباك أو من وراء حجاب، أو عيني الضحية. التقاطات مرئية عابرة تم القبض عليها واستعادتها في زمن آخر، ومكان مختلف، من قبل الكاتب الذي يحاول أن يصف ويرسم لنا عالما افتقده. ** أشعر أحيانا كما لو أن مشاهد الطفولة يتم وضعها دون قصقصة شعرية في القصيدة. ما رأيك؟ - إنها مشاهد طفولة كاملة، مأخوذة من الذاكرة، دون أدنى اشتغال عليها. تلويحة يد من خلف الشباك، تكفي لكي تكون شعرا خالصا. الشاعر حاله حال الطباخ، الطباخ الذي يأتي بالمواد الأولية ويجهز لنا طبقا ساحرا، من أين خلق هذا الطباخ هذا الطبق الساحر؟ من أشياء في هذه المشاهد كتلويحة اليد والعينين والأفق إلخ. فالشاعر حينما يدخل المشهد داخل قصيدته، عليه أن يكون قد أنجز وطبخ هذا المشهد داخلها. والقصيدة ليست مجرد تجميع أو تراكم صور متتالية أو مواد أولية. ** شعرنة وسرد الماضي، واستنطاقه شعريا. كيف برأيك يمكن التخلص وفصل التاريخي عن الشخصي داخل التجربة نفسها؟ - في المجاميع الشعرية الأخيرة حدث أن استنطقت الحياة الأولى، ولم أستنطق ما هو تاريخي، بل ما هو شخصي. فبعد مجموعة العودة إلى الصحراء جاءت مجموعة حداء، أي بالمعنى الرمزي عدت إلى بلدي الأصلي، وحين استقر الأمر بي، هناك، أخذت أحدو. ما يعني كتبت شعرا من بعض ما عشته سابقا، معجونا بمداد التجربة، ليس هذا استعادة بالمعنى السردي، سرد ما حدث، وإنما أن أرى وأسمع الآخر الذي هو القارىء أو أنا نفسي. مشاعر وأغنيات، كانت تخطر في ذهني. أردت أن أغني كالحادي الذي كنت أسمعه وأراه وأنا صغير. ** تعيش في ألمانيا وتترجم من الألمانية لشعراء هل من علاقة شعرية ومماثلة حياتية تربطك بهم خصوصا الشاعر باول تسيلان؟ - أشكرك على هذا السؤال. بالطبع لا أستطيع أن أقارن نفسي بباول تسيلان. فعلاقته باللغتين الألمانية والفرنسية تختلف كثيرا عن علاقتي باللغة الألمانية والعربية، فباول تسيلان تلقى محبة الألمانية، لغة وأدبا عن طريق أمه، وقد قتل الألمان والديه. أي أنه كتب بلغة قتلة عائلته، هو الشاعر الروماني .أما علاقته باللغة الفرنسية فقد كانت ضعيفة بحكم الدراسة والانهمام الأدبي. في حين أني أكتب بلغتي الأم، وأعيش في ألمانيا، وفي مرابع اللغة الألمانية التي لم أحبها أبدا. فأنا كنت أحب الفرنسية والإيطالية، لكن ظروفا جعلتني أقيم هنا، وأتعايش، وأهتم وأتذوق الألمانية. ما يعطيك إي اه الاغتراب اللغوي، هو أنه يجعلك تغور عميقا في لغتك الأم، وتكون أكثر تجذرا فيها، وأكثر تواصلا معها، وتحاول أن تعقد مقارنات لا تنتهي مع اللغات الأخرى. وهذه المقارنات تجعلك يوما بعد يوم في اكتشاف دائم لمزايا لغتك الأم. ** قمت بترجمة شعراء سبق أن ترجموا. ماذا تفيد عملية إعادة الترجمة برأيك؟ - لقد ذكرت نموذج باول تسيلان، وترجمته عن اللغة الألمانية، إذ لم يترجم له عنها سوى قصائد معدودة، على أصابع اليد الواحدة. ثمة ترجمات أخرى لشعره من لغات غير الألمانية. والذي يعرف شعر باول تسيلان كم هو صعب، يعرف بأن كل ترجمة عن لغات أخرى محكوم عليها بالفشل. والترجمات التي تذكرها تمت عبر لغات ثانية، ولم تتعد قصائد قليلة في حين أن ترجمتي جاءت عن اللغة الأم وهي ترجمة شاملة لشعر باول تسيلان وتقع في 300 صفحة تقريبا وقد عملت عليها عشر سنوات. ** ما هي الصعوبات التي تواجهها في عملية الترجمة من وإلى الألمانية خصوصا بالنسبة للشعر؟ - في كل ترجمة ثمة صعوبات. فلكل لغة مميزاتها. ولكل شاعر مميزاته الخاصة. يجب الوصول إلى نص يحتفظ بأكبر قدر من ذلك، وأن ينقل أكبر جزء ممكن إلى اللغة الأخرى. بدأت عملية الترجمة منذ عشرين سنة خلت، ولم يكن ثمة عمل مستمر. فترجمة الشعر العربي إلى اللغة الألمانية قليلة، ولا وجود لاهتمام حقيقي بهذا الأمر. أما الآن فالأمر مختلف كثيرا، وقد أنجزت العديد من الكتب الشعرية العربية المعاصرة، فورد أقل لمحمود درويش هو الآن في طبعته الثالثة، وبدر شاكر السياب في طبعة ثانية، والبياتي أيضا. بالطبع أنا أنجز هذه الترجمات بالاشتراك مع مترجمين آخرين، وقد كتب عن هذه الترجمات في أهم المجلات والصحف الألمانية. |
|||||
|
|||||