الفن
والحرية

 

شربل داغر (شاعر واكاديمي من لبنان)


تبدو صورة "الحدود" مناسبة للحديث عن "الفن والحرية"، أي عن علاقات الفن بما يحرمه، او يهدده، او يمنعه، أو يراقبه وغيرها من الممارسات المقيدة له. فما الحدود؟ هي خط مادي يعني، لغة وقانونا واصطلاحا، التمييز بين حيز وآخر، سواء بين البلدان والمقاطعات او غيرها من المساحات مما يقع فيها الفصل. وتعني "الحدود" أيضا التمييز بين حيزين مختلفي الطبيعة، بين حيز عيني وآخر محجوب، أو بين حيزين مختلفي القيمة والحجم، بين حيز "الأقوى" و"الاسمى" و"الاعلى" و"الأب" وبين حيز "الأضعف" و"الاحط" و"الاسفل" و"الابن"، الى غير ذلك من صفات التمايز الذي يشكل موضوعا لتراتبية مطلوبة بين البشر، ولو انها تتوسل بقوى خفية أحيانا.

 

فـ"الحدود" تعين عادة خطأ قد يكون طبيعيا بين الدول على سبيل المثال، عند حدود جزيرة او ممر نهر او غيرها من الحواجز الطبيعية الفاصلة.

وقد يكون الخط موضوع مفاوضات او فرضا، لا يجد اساسه في أي شأن طبيعي، بل في الفرض او الاتفاق. و"الحدود" تعين أيضا فواصل بين مناطق في التصورات والاعتقادات والافعال والاقوال، مما يجوز (او لا يجوز) مسه او التعرض اليه، أو تجاوزه، أو التلفظ به، أو اخراجه من الظن الى الفعل. وفي ذلك نجد المعنى الثاني للفظ "الحدود« في العربية: بلوغ النقطة الأبعد في حيز محدد. ذلك أن الفصل بين المناطق وتأكيد التراتبية بالتالي، لا يقوى على ان يكون فعلا من دون قوة مادية وعنفية تحرسه وتثبته، ويؤديها حراس مولعون بتأكيده، بالاستناد احيانا الى اعراف واتفاقيات ومعاهدات وقوانين. فنحن لا ننتقل من حدود الى اخرى من دون جواز سفر، من دون تأشيرة في غالب الاحيان. ونحن لا نقوى، بالمقابل، على التبضع والشراء في الامكنة الواقعة ضمن الحدود الجديدة من دون تبديل العملات. عدا ان الحدود هذه تتطلب وجود سفراء، أي وسطاء، يتم قبول (او عدم قبول) أوراق اعتمادهم، واللجوء اليهم في حال خرق أحد المسافرين قانونا  قد لا يكون ساريا  في بلده، وإنما في البلد الذي حل فيه. كيف لنا ان ننظر الى الواقفين في الصف أمام شرطة الدخول عند الحدود؟ أنحتاج الى جواز السفر لكي نكون "موجودين"؟ وماذا لو سرنا في شوارع انجلترا وفق القوانين المتبعة في الطرق الفرنسية، أي وفق المسموح به والممنوع عنه فيها، لا في انجلترا؟ هل يعني ذلك أننا على خطأ، وأي خطأ بالتالي؟ ما تعني التمايزات؟ ما قيمتها؟ ما تساوي في حساب الطبيعة الانسانية، وفي حساب التدبيرات والقوانين المقرة ضمن حسابات مخصوصة؟ هل نسير بالمقلوب، أو لا نحسن السير، أو لا نعرف المشي اذا أخللنا بنظام السير في انجلترا؟ ولكن كيف لنا أن ننتبه الى وجود "الحدود" هذه؟ كيف لنا أن نعرفها؟ هذا ظاهر بين الدول، في خطوط مادية، ملونة أحيانا، تشير الى الفصل بينها، ولكن كيف نتبين الحدود بين المناطق الرمزية، أي الواقعة في اعتقادات البشر وتمثلاتهم، ومنها الفنون؟

نتحدث، إذن، عن أمرين متلازمين، هما:: الفصل بين مكانين طلبا لتمييز واحد عن الآخر، وتعيين المسموح بلوغه في حيز بعينه، او منع اجتيازه الى الحيز الآخر المطلوب تمييزه.

وتكون الحدود بالتالي، والحالة هذه، صورة رمزية للامكان والقبول، للتعين والاختلاف، للمسموح والممنوع، للحد والخرق، وللرغبة والقانون، وفي آن، فأين تقع الحدود في الفنون؟

 

أربعة انتقالات لحدود

أفضل الكلام عن "حدود" لأنني أرى أن ألفاظ "الحرية" أو "الرقابة" أو "التحريم" او "النهي" او غيرها تحدنا في نطاقات دلالية، وربما ثقافية واعتقادية، فيما يبقى لفظ "الحدود" مجردا  من دون حمولات أخلاقية ودينية، بعد تغير حمولاته عن معانيه الاسلامية القديمة. فلفظ "الحدود" صالح لتناول الحالات كلها، التي تطلب الفصل وتأكيد القوة بين المناطق الاعتقادية. كيف لا، ونحن لو تجولنا في عدد من المناطق الانسانية التي وقعت فيها ممارسات ووقائع لفصل "الحدود«، لوجدنا انها حافلة بالشواهد على انتقالات الحدود هذه، بين ثقافة وأخرى، بين طور تاريخي وآخر، وضمن الثقافة الواحدة. وقد انتهيت الى رسم أربعة انتقالات أو أربع محاولات لرسم حدود في المعتقدات والفنون.

لو عدت الى الكتابات القديمة، في الاغريقية والعربية، لوجدت أن لفظ "الجن" (GENIYS)، مشترك بينها، ولعله من اصل يوناني اعتمدته العربية (ثم اللغات الهندية- الأوروبية نقلا عن اليونانية)، ويعني في هذه اللغة أو تلك "التابع"، قبل ان تتفرع منه دلالات قرنته بـ"العبقري" و"الجنون" و"التميز" وغيرها. هو "التابع" إلا انه هو الذي يمد غيره، الشاعر تحديدا، بالكلام "البليغ" و"النفيس"، الذي يميزه عن الكلام "العادي" و"المشترك" بين البشر: كلام منفصل عن غيره، ومعين على انه الأجمل والاسمى والاصح. كيف لا ونحن نعرف أن عددا  من الشعوب لم يتأخر عن قتل الشاعر، بل العراف، الذي كان يخطئ في أقواله، أي تنبؤاته. فنحن نتبين في هذا الطور تعايشا  وتنافسا  ثم انفصالا  بين "الكاهن" (والعراف والساحر) وبين الشاعر، يؤدي الى احتلال الثاني وظيفة الاول.

ما يعنيني قوله، والالتفات اليه، هو كون الشعراء القدامى طلبوا عبر الجن "اختراق" الحدود التي كانت تفصل بين عالم البشر وعالم الخفاء (حتى لا أطلق عليه تسميات أخرى):: ان تقول شعرا  متميزا  يعني أنك تجلبه من مكان لا يصله احد ( "وادي عبقر" في الجاهلية العربية)، ولا يقوى على اجتياز حدود أي كان، بل توجد قوى وسيطة، هي "الجن« تحديدا، التي تنقل الكلام من الحيز الخفي الى حيز البشر. كلام ممهور بقوة الخرق التي تسهله قوى غير بشرية، قد تكون مسموعة من دون أن تكون مرئية، مثل العديد من المخلوقات التي عرفتها اساطير الشعوب عن أنصاف الحيوانات- أنصاف البشر. هذا ما نعرفه عن الشعر، كما عن الغناء، في عدد من الاساطير القيمة (مثل اسطورة أورفيوس)، والتي تحدثنا عن "أصوات" لا مثيل لها، متميزة، أي من صنيع الجن، ما لا يقوى البشر على فعله. هذا ما أجد أخباره في العربية القديمة وأخبار الجاهلية واعتقاداتها، بين الشعر والجن، وبين الغناء والجن. وهذا يصح في الغناء كما في العزف: "العزيف: اصوات الجن ولعبهم، وكل لعب عزف" (في "كتاب العين" للفراهيدي). وأجد في كتاب المسعودي "مروج الذهب" أقوالا  وأوصافا  عديدة عن هذه الاصوات الخصوصية والمميزة: "أما الهواتف فقد كانت كثرت عند العرب، واتصلت بديارهم، وكان أكثرها ايام مولد النبي(صلى الله عليه وسلم) وفي أولية مبعثه. ومن حكم الهواتف ان تهتف بصوت مسموع وجسم غير مرئي (...)، وقد كانت العرب قبل ظهور الاسلام تقول: إن من الجن من هو على صورة نصف الانسان، وانه كان يظهر لها في أسفارها وحين خلواتها وتسميه شقا".

هذا ما نتبينه في مجال الرؤية أيضا، حيث ان الجن "يري" البشر صورا وأطيافا لا يرونها عادة، بل قد تصيبهم "الخطفة" من جراء ذلك. الى هذا فإن الجن، ومنها ابليس، تقدم على صنع أعمال، منها نحت الأنصاب وغيرها مما يعد أعمالا  متميزة ومجلبة للشر، طالما انها تأتي بصور وهيئات من مناطق "محظورة". ونتبين أن للجن مواضعها: لها موضع في البادية، هو "عبقر« (ويرد في القرآن). ولها "منازل" أيضا "يكره النزول بها" طبعا. ونتبين ان الشعراء "يهيمون" في هذه المواضع: فالشيطان "يستهوي" الشاعر، بحيث يصبح "حيران هائما"، ذلك ان الشيطان "فتان" له قدرة على أن "يخبط" الانسان، أي ان "يمسه بأذى"، و"يجنه" و"يخيله"، عدا انه "يخطر" في قلب الانسان، أي يوصل اليه "وسواسه". ونعرف أن الجن،  أي عددا  منها، يلازم عددا من الشعراء: مثل ابليس لامرئ القيس، ومسحل للأعشى وغيرها. والجن "يسترق« السمع، من جهة، أي "يقرب من السماء فيستمع ثم يذيع"، أي وساوسه. كما ان الشاعر يسترق السمع للجن، من جهة ثانية، أي ذهب الى لقائهم، ويذيع، هو بالتالي، هذه الوساوس. وتسمي العربية هذه العملية بـ"الختل"، او "الاستراق"؛ ونحن نجد في هذا الأمر الاسباب التي ادت الى تشكيك الاسلام بالشعر وهي اسباب تجد في الاستراق الى عالم غير منظور انصرافا  الى السوء واقتراف الخطأ. لقد طلب الاسلام القطيعة مع الشعر بوصفه منبعا  اعتقاديا، وعدم اعتباره بالتالي مصدرا للمعرفة. وهو ما نجده بينا  في قول مأثور لعمر بن الخطاب: "كان الشعر علم قوم لم يكن لهم علم  أصح منه". ولكن ما الذي "ي بلغه" الشيطان للشاعر؟ أو عما يبحث الشاعر في "عبقر"؟ كيف يتحقق الاتصال بين الطرفين؟

نجد في أخبار العرب القديمة أقوالا تفيد عن العلاقات "المحرمة" او "الخاطئة" التي أقامها اعداد من البشر، مثل الشعراء والمغنين والنحاتين والعازفين وغيرهم، مع الجن ولاسيما مع إبليس. وهي علاقات "اجتياز"، عبر وسيط، لمناطق يراد فصلها عن غيرها، أي عن عالم البشر، فلا تقع في متناولهم. كما لو أن العمل اختراق لمنطقة غير منظورة، وللشيطان وحده  قدرة اجتيازها، هو الوسيط بين عالمين، بين العيني والخفي. كيف لا يكون وسيطا  متنقلا، وهو طيف، أي إمكان صورة لا تتحقق إلا بعد قبول الانسان لها؟ كيف لا يملك هذه القدرة، ولعينه نفاذ  سيء على البشر! إبليس هو هذه القدرة على الاتيان بأعمال، بصور، ليست لكل البشر، بل لعدد منهم ممن أقاموا الحوار معه، ممن جعلوا أطيافه صورا، ووساوسه أشعارا. إلا أن هذه العلاقة تخيف بقدر ما تعجب. وهو ما ننتبه اليه في حمولات الخوف والفزع والروع التي تقترن بالجمال في العربية: "الروع: الفزع. راعني هذا الأمر يروعني، وارتعت له، وروعني فتروعت منه. وكذلك كل شيء يروعك منه جمال أو كثرة. تقول: راعني فهو رائع" (في "كتاب العين" للفراهيدي). وهو ما نجده أيضا  في تعريف "الهول" و"التهاويل" خصوصا، التي تعني في آن زينة الوشي والتصوير والسلاح. ويجمع الشاعر في صفاته، في العربية القديمة، بين "العفرتة" و"الشيطنة" و"الخبث"؛ وهي صفات "مستقبحة". وهو ما نقع عليه في دلالتي "السحر": تعين، من جهة، "كل ما كان من الشيطان فيه معونة"، وتعين، من جهة ثانية، التوفق في الأمور القولية، او "البيان في الفطنة". نقع، إذن، على تعريفات تقوم على حدود من التنازع والتشارك في آن، هي الحدود عينها التي تقضي بعبور الإنسان لحدود، لممنوعات، مخيفة بقدر ما هي مرغوبة، خافية بقدر ما هي ساحرة.

أقول ذلك لأفيد أن "الجن" كان الصيغة الاولى للفنان، هذا "الوسيط" بين عالمين، وهذا المخلوق الثنائي النسب. ونحن نجد في مسار انتقاله، مثل مسار انتقال دلالات هذا اللفظ (من الجن الى العبقري المتميز) شيئا  من مسار البشر في اعتقاداتهم عن الفن، وعن سبل الوصول اليه. كان الجن يجلب "الكلام" ("أو الاصوات، أو الصور" من أمكنة خفية لا يقع عليها النظر، ولا تبلغها الأدوات الصناعية (مثل الآلات، أو قرض الشعر وغيرها): المدهش والساحر يقعان في جهة غير منظورة. ان صور "التابع" و"الوسيط" و"ناقل الرؤى والأخبار" وغيرها، نلقاها في آداب ومعتقدات العديد من الشعوب، ما لا نحتاج لذكره الآن، وهي كلها تفيد طلب الفصل، عن طلب التمايز عما هي عليه حال الانسانية، وهو طلب الفن الأول: طلب  يقوم على التميز، ويتوسله في الابتكار، أي الاختلاف مع السوي والاعتيادي من صنائع البشر.

 

"حدود" الانسان الداخلية

أطلت  الكلام عن الجن لأنها تمثل الصيغة الاولى لقيام "الحدود« في المعتقدات، خاصة وأن الفنانين سعوا في هذا الطور، والى غير رجعة في تاريخ البشرية، الى تعيين كلام غير الكلام، وصور غير الصور، وأصوات غير الاصوات المألوفة والاعتيادية، على انها "عبور"، ولو عبر وسطاء في هذا الطور، لمناطق محظورة، ممنوع اجتيازها. وهو ما سنعرفه في انتقالة أخرى تليها، وأجد معالمها في مدى الفلسفة الاغريقية والأديان التوحيدية، وتقوم برسم "حدود" أخرى، وبتعيين "سبب واحد"، أو "علة أولى" للكون والظاهرات، أو "الله الواحد" في التفسير الديني. مع هذا التفسير سنتعرف، ولأول مرة ربما، على صورة طوبوغرافية للكون، وعلى وعي بحجمه إذا جاز القول، أي بحدوده بالتالي: كون ينقسم الى عالمين متباينين، هما:: عالم المثل وعالم النسخ المتدهورة (حسب افلاطون)، والسماء والأرض في الأديان التوحيدية. ستصبح الحدود في هذا الطور بين عالمين: علوي وسفلي، بل بين السماء والأرض. تتضح الحدود الجديدة من دون أن تنقطع اسباب الصلة بين العالمين، ما يتمثل في "المقايسة" و"المناسبة" بين العالمين، بين الكامل والجزئي، وبين المثالي والمنحط. هذا ما أقع على اخباره وشواهده في اجتهاد الفنانين في حسن تصوير غضب زوش أو جمال فينوس، أو في طلب الفنانين لـ"الأدلة" المتوافرة عن الوجود الاسمى. لم تعد الصور (والأصوات والكلمات وغيرها) موجودة في أمكنة خفية لا يصل اليها إلا الوسطاء، وإنما هي في أمكنة بعينها (السماء حصرا )، ولا نبلغها إلا في تتبع الكتب المقدسة والتمعن في معانيها.

سنقع في انتقالة ثالثة على حدود أخرى، تقع بين الفنانين و"الطبيعة"، سواء الانسانية او الجامدة، مع احتفاظ بفكرة "المقايسة" و"المناسبة". وهي انتقالة ستصبح فيها للفنون قواعدها الداخلية التي تحتكم اليها، أي محدداتها الخاصة، وهي ما تختلف فيه كل ثقافة وفن عن غيرها من الثقافات والفنون. كما ستصبح لها "قوانينها"، لا "محرماتها"، التي ستعين الحدود الواجب احترامها، او التقيد بها. والقوانين هذه قد تكون أسلوبية (أسس النوع الفني، أو قواعده المقرة)، أو اجتماعية (عدم التعرض لـ"الأخلاق العامة")، أو سياسية (عدم التعرض للنظام القائم) وغيرها، مما بات في جزء منه خاضعا  للمحاكم، أي للأخذ والرد، والقبول والاستئناف، ومنها ما أصبح بمثابة "اللامفكر به" في ثقافة ما، أي "أنويتها المخصوصة" التي تجعلها ترى الى فنونها وآدابها وأساليبها وقيمها الابداعية على انها قوانين العالم بأسره، أو قبلة التطور فيه.

انتقلت الحدود، إذن، وباتت تقوم فوق الارض، بين أيدي البشر خصوصا: "الحقيقة" موجودة في "الطبيعة"، الانسانية والجامدة، وما على الانسان سوى تتبعها، والتنبه الى قوانينها وظواهرها واعراضها. ولم يعد الفن اخبارا  وسردا  وتزيينا، بل بات محاكاة ونقلا  واستعادة وترتيبا  لما يمكن أن يكون عليه العالم في صورته الطبيعية، على انها الصورة الفنية: يتم هذا الانتقال في حدود واقعة على الأرض، هذه المرة، وبين الانسان والموجودات.

أما ما شهدناه مع كشوفات فرويد وأدب دوستويفسكي خاصة فهو انتقالة رابعة، هي الحالية، إذ باتت "الحدود« قائمة في الانسان، بينه "واعيا" و"لا واعيا"، أي في نفسه، بين نفسه ونفسه، وبين عوامل جسده المتضاربة. فما عاد "عبقريا" كما في عهد الرومانسية الظافر، ولا "ناطقا  أكيدا من أقواله" كما في العهد السحري، ولا "شاهدا" على الحقيقة التي يستجمع قراءتها كما في العهد الديني. أصبح الفنان هشا، متصدعا، ضعيف البنية؛ وفي ضعفه هذا قوته الابداعية. فكيف يمكن الحديث عن حال "الحدود" راهنا، ولا سيما في السياق العربي والاسلامي؟

 

النزاع حول الصورة

يجري الحديث أحيانا عن "تحريمات"، فيما استحسن الحديث- كما سبق القول- عن حدود، بالمعنى الساري الحالي لهذا اللفظ، ذلك ان التحريمات تطلب تمايزات، وتقع على تشابكات مع المقدس خصوصا، ما عدنا نلقى آثارها على هذه الصورة في فنون اليوم، بالإضافة الى ان "سارق النار" ما عاد يتعرض للقتل المبرم. طبعا  نحن نقع على "متبقيات" من هذه التحريمات في هذه الثقافة او تلك، إلا أننا انتقلنا الى عهد "المدنس"، و"الدنيوي"، اذا جاز القول. ولقد بدا لي مفيدا  في هذا المجال ان أتبين قضية شغلت الباحثين والفنانين في الثقافة العربية والاسلامية، وهي مسألة "تحريم الصورة"، أو النزاع حولها. فما يمكن القول فيها؟

علينا أن نقول، بداية، إن المسيحية لم تجعل من الصورة مجالا  للتمايز بين العلوي والسفلي، بين المثالي والمنحط، بين الكامل والجزئي؛ وما كنا نشاهده في المعابد الوثنية، وفي القصور والدور، من فن تمثيلي سنجده في الكنائس وبيوت العبادة والدور والقصور المسيحية، ولكن لموضوعات مختلفة. أما الاسلام فقد جعل من الصورة "مسألة«، ومجالا  لتمايز، ولحدود. فما الحدود هذه؟

ماذا لو نتوقف، بداية، أمام دلالات الصورة في القرآن: ترد ألفاظ عديدة مشتقة من "صور" في عدد من سور القرآن، في استعمالات اشتقاقية مختلفة، ويرد مرة واحدة لفظ "المصور"، من دون أن تكون المعاني متباينة بينها. فالفعل "صور" مخصوص في هذه الصور بالخالق وحده- هو "المصور"-، كما يعين الفعل فيها تصور الخالق للمخلوق، أي لصورته قبل الخلق؛ عدا أن صورة المخلوق السابقة على الخلق، والموضوعة من الخالق، لا تخضع لأية صورة، لأي أصل، بل هو "المصور"، يصورها وحده، "وكيف يشاء".

أخرج من هذا العرض بنتائج بينة تفيد أن المصور هو الخلاق، وان الصورة هي هيئة الانسان قبل خلقه وبعده، وان الخالق هو الذي يضعها بنفسه من دون إيعاز او سابق صورة او مثال. هذه الاستعمالات الدلالية تحد بالتالي من الاستعمالات التي كانت عليها مشتقات "صور" في عربية الجاهلية، لا بل تقصرها على مجال بات خارج النطاق الانساني. إن هذه المعاني المستجدة التي أتبينها (والتي كانت من دون شك محل تفسير واجتهاد وتعليق من المفسرين والفقهاء المسلمين بعد وفاة الرسول خصوصا، ولكن في أيامه أيضا) تتعالق مع تفسيرات لا تنهي عن التصوير بوصفه فعل الخالق وحده وحسب، بل أتبين أيضا  سبب النهي في أمر آخر، وهو الصلة بين "الروح" (بالأحرى الكائنات الحية) والصورة.

تبينا في هذه المصادر كونها واجهت، بين أخذ ورد، المسائل عينها، ومنها بل أولها وضع نظرية الحقيقة- الحق: تقديم تفسير واحد للكون على أساس تفكري- اعتقادي. فنحن نشهد، بعد تعدد الآلهة عند الاغريق وغيرهم، ووفرة الاصنام في الكعبة، تبلور أنظمة تفسيرية تجعل "الخالق" واحدا : هو "المبدأ" او "العلة الأولى" عند الفلاسفة الاغريق، و"الله" الواحد عند\ الاديان التوحيدية الثلاثة. كما نتبين تباريا  واجتهادا  في التوصل الى تفسير جامع، لا لهذا الميدان أو ذاك، بل في الاساس للمبدأ الناظم لكل شيء، بعد أن توصل التفكر الى الاقرار بوجود "سبب واحد« خلف هذه الظواهر كلها. هكذا نلقى في تعيينات كل تفسير جامع، مهما اختلفت تعييناته، عددا من المقولات والقضايا الواحدة، مثل مسألة "المناسبة« بين العلوي والسفلي التي احتلت مكانة خاصة في عمليات التفكر والتعيين. وكما انتبهنا الى وجود "المناسبة" في الفكر الاغريقي، ولا سيما عند أمبيدوكل وبعده، أي ما يناسب (او لا يناسب) الله في صفاته، ما لبثنا أن تبينا (المناسبة" في غير نظام تفسيري: عند المسيحية في الخلاف اللاهوتي الشهير بين "طبيعة" (و" طبيعتي") الله و"مشيئته"، ("مشيئتيه"،) بين الارثوذوكسية والكاثوليكية: وعند المسلمين في المقالات المختلفة بين "الصفاتية" و"المشبهة".

نلاحظ، إذن، بين هذه الانظمة تقاربا، أي سعيا يتأكد من نظام الى آخر، لإجراء عملية "تبعيد" بين العلوي والسفلي: التبعيد أساسا  للتعيين. ويصل هذا التبعيد الى حد اكبر مع عدد من الفرق الاسلامية، التي لم تقم بعملية تبعيد، بل بعملية قطع ناجز بين النطاقين، من دون "وسائط" او "متقربات" (حسب لغة الصابئة). ويزيد من حدة هذا القطع كون  مفاهيم التعيين واحدة للنطاقين: جسم، هيولي، صورة، عرض، كم وغيرها. فلا تسمي العلوي، ولا السفلي، بصفات تخصه، بل تسوق التعيينات نفسها، ولكن في مجال نفي او اثبات، كما في هذا القول للاشعري عن المعتزلة: "ان الله واحد ليس كمثله شيء، وليس بجسم ولا شبح ولا جثة ولا صورة ولا لحم ولا دم ولا جوهر ولا عرض (...) ولا يوصف بشيء من صفات الخلق الدالة على حدثهم (...) لم يزل أولا  سابقا  متقدما  للحادثات، موجودا  قبل المخلوقات، ولم يزل عالما  قادرا  حيا، ولا يزال كذلك".

يستوقف، في تتابع هذه المقالات المختلفة، القطع  الذي مثله التفكير الاسلامي في مسألة تعيين الصلة بين العلوي والسفلي. فما حقيقة القطع هذا؟ نقع في هذه المقالات على أفكار مثل "التنزيه" و"التسبيح" و"التوحيد" وغيرها، وهي تعيينات تطلب "خلوص" الله الى ذاته وحدها، من دون أية شراكة من أي نوع كانت؛ مثلما تطلب أيضا التمنع عن وصف الله، و"تبرئته" عما يصفه به "المشركون". إعلاء، إذن، من قيمة العلوي الى درجة يصعب معها، بل يستحيل، إمكان التعيين نفسه، أو التقرب أو "التوسط" كما يمكن لنا أن نتبينها في الأنسقة التفكرية الأخرى.

تتناول هذه التعيينات مسألة "المناسبة"؛ ولكن بعد أن تلغي أساسها، أي إمكان اجراء مقابلة بين العلوي والسفلي، بين الإلهي والانساني. المقابلة ليست ممكنة، بل أكثر من ذلك: التوهم نفسه غير ممكن، هو الآخر، وهو ما نقع عليه في تعيين "البدع"، وهو "إحداث شيء لم يكن له من قبل خلق ولا ذكر  ولا معرفة. والله بديع السماوات والأرض ابتدعهما، ولم يكونا قبل ذلك شيئا  يتوهمهما متوهم، وبدع الخلق". فما فعله الله وما أحدثه "بدء تام"، لا أصل له، مهما كان هذا الأصل، حتى لو كان توهما او مجرد ذكر. فبعد أن سعى الفلاسفة او اللاهوتيون الى تعيين الصفات "الكاملة" أو "المتناغمة" أو "الصحيحة" في "واحد« بعينه وحسب، نجد عددا من التعيينات الاسلامية يمتنع حتى عن مجرد التسمية او الوصف او التقرب.

إلا أن بعض المقالات الاسلامية، ولا سيما عند المتصوفة وغيرهم، سعى الى "التقرب" و"الوصف" الشديدين: "فلما أكلوا وشربوا وخلعت الملائكة الخلع وطيب مطر السحاب، شخصت ابصارهم وتعلقت قلوبهم ثم برفع الحجب؛ فبينما هم في ذلك إذ رفعت الحجب فبدا لهم ربهم بكماله، فلما نظروا اليه والى ما لم يحسنوا او يتوهموه ولا يحسنون ذلك أبدا  لأنه القديم الذي لا يشبهه شيء من خلقه، فلما نظروا اليه ناداهم حبيبهم بالترحيب منهم وقال: مرحبا  بعبادي، فلما سمعوا كلام الله بجلاله وحسنه غلب على قلوبهم من الفرح والسرور ما لم يجدوا مثله في الدنيا ولا في الجنة، لأنهم يسمعون كلام من لا يشبه شيئا  من الأشياء": هكذا نتحقق من صعوبة "الوصف" حتى حين تتحقق "المشاهدة بالعين«. غير ان هذا التمنع لا يعني موقفا  استكانيا  بالضرورة، ولا تسليميا وحسب، بل يقوم على الاعلاء الذي لا يحده فوق ولا تحت، وعلى الاعتبار الذي لا يحده أي اعتبار: انه لا يوصف وحسب، بل هو فوق الوصف. انه ليس كاملا فقط، بل الكمال الذي لا نبلغ أبدا  مقدار كماله أبدا. ما أريد قوله هو أن الاعلاء من الله، وجعله خارج التناول في صورة وصفية او تقريبية، لم يعطل التفكر، بل جعل النطاقين متباينين تماما.

هكذا جرى تجنب  الحس مثل التمثيل، مما كان له أثره القوي على صناعة الصور، كما على المقالات التفكرية التي تخصها، وهو ما يقوله الباحث الفرنسي الان بيزنسون في حديثه عن ان الاسلام يجعل الصورة "مستحيلة التصور بسبب المفهوم الما ورائي لله". إن موقف الاسلام المتشدد، بل الناهي للتصوير العبادي، ولوصف الله، يعني واقعا رفع الله في الاعتبار، في التصور، بحيث لا يدانيه أحد: فصل  الله عن الحسي، وفصل  الخلق عن المصنوعات. هناك شيء لا يحده وصف، ولا تشعر به حاسة؛ وما قام به المتصوفة من أوصاف ومشاهدات يأتي، ولو مختلفا، في تتابع النسق التفكري الي جعل الجميل في ماهيته ومادته خارج البشر. ولكن ماذا عن حال "التحريم" راهنا ؟

أعلى الاسلام، إذن، من فكرة الله، من صورته، من صوته، من كل صفاته وأفعاله، بحيث أعدم وألغى "المقايسة" و"المناسبة" بين العالمين، التي سبق أن تحدثنا عنها، والتي كانت تجعل "الحدود" قابلة للعبور والاجتياز والخرق بسهولة. ان قوة "التبعيد" التي نجدها في الاسلام، وضعف "التبعيد" في المعتقدات الاخرى، هما اللذان يفسران الحال المختلفة للصورة بين هذه الثقافة وتلك. ان هذه المناعة نلقاها في الاسلام، مثلما نلقاها في اليهودية أيضا، اللتين وقفتا موقفا متشابها، من "تحريم التصوير". فنحن نعرف أن اليهود "الاصوليين" يمتنعون في أيامنا هذه حتى عن الذهاب الى السينما والوقوع على صورها "المضللة".

يمكننا القول ان تحريم الصور والتماثيل في المساجد الاسلامية لا يزال متبعا، مثله مثل تحريمات نلقاها في الاديان الاخرى، ولو من طبيعة مختلفة: هذا يصح في عبادة الايقونة وغيرها من الرموز والصور الدينية التي تقع عليها في الدور والمعابد وغيرها. وعلينا في هذا السياق ألا "نفاضل" بين هذا التحريم وذاك، بل أن ننظر اليها على أنها "حدود" ممنوع اجتيازها، سواء أكانت تتصل بالصورة او بمنعها، كما هو عليه الحال في الاسلام، أو بعبادتها وترويجها، كما هو عليه الحال مع المسيحية. فانزال صورة في مسجد أو تصويرها على حائط فيه لا يقل جرما  في الحساب الديني الاسلامي عن دوس صورة المسيح أو تمزيقها في الحساب المسيحي.

علينا أن ننظر، ضمن هذا المفهوم، إذن، الى مسألة "تحريم الصورة« في الاسلام، أي ان ننظر اليها تبعا  للمحددات التي تقيدت بها. وهذا ما يمكن قوله في "المصير السعيد« الذي عرفته الصورة في المجتمعات الغربية، أي النظر اليها ضمن المحددات التي جعلت الصورة والتمثال استكمالا ، على المستوى التنفيذي، للتقليد الاغريقي- الروماني، وتأكيدا على المستوى العقائدي للدعوة المسيحية. أي أن الصورة المسيحية، والحالة هذه، تعبير ديني، وفي المقام الاول، أي تقع عليها الحدود والقيود والتحريمات؛ وهو ما نعرفه عن المعارك الدموية والجدالات الصاخبة التي طاولت الايقونة في التاريخ المسيحي.

تدعوني هذه الملاحظات التي التنبه الى طبيعة القيود والتحريمات والنواهي والأوامر وغيرها، والى النظر اليها بعيدا  عن محتواها، في وظيفتها وحسب. فما هو تحريم في هذا المعتقد ليس كذلك في المعتقد الآخر، ولا يجوز، والحالة هذه، اجراء "مفاضلة" ولو في صورة عفوية غير مقصودة، بين هذا وذاك. فالمصير "الباهر" للصورة في البلدان ذات الثقافة المسيحية لا يعود الى تذوق رفيع للفن التشبيهي، او التمثيلي، في ذاته بل لأن الديانة طلبت هذه الصور والتماثيل في طقوسها الدينية. ونحن لو طلبنا مقارنة بين "الحدود« المسيحية والاسلامية لوجدنا ان التي طلبها الاسلام أرفع وأرقى مما هي عليه في المسيحية، إذ نقلها من الحسي والتشبيهي الى التجريدي والمثالي، بعد أن حافظت المسيحية على الصلات، التي تحدثنا عنها منذ افلاطون، بين العالم العلوي والعالم السفلي، وبعد ان اقامت المسيحية البيزنطية موقعا "توسطيا"، هو الايقونة، بين العالمين هذين. والاساسي في أمر هذه "الحدود" هو النظر الى وظيفتها، لا الى الاغراض والرموز التي تصيبها والسؤال يبقى: أين هي "حدود« المقدس والمدنس في كل معتقد، وفي كل ثقافة؟ ونطرح السؤال في صيغة اخرى: ألا يزال للصورة مكانها المحظور او الشاغر في المجتمعات الاسلامية؟

 

الصورة المحجبة

لا نقع، اليوم على صور وتماثيل في أمكنة العبادة الاسلامية (ولو اننا نقع أحيانا  في بعض المجتمعات الاسلامية الآسيوية على خروقات لها، تتمثل في صور للامام علي أو لأحداث من "السيرة النبوية« ). وهو ما تحتفظ به المجتمعات هذه من ماضيها الديني حتى أيامنا هذه: نذكر في هذا السياق أن أحد المخرجين، مصطفى العقاد، امتنع في فيلم "الرسالة« عن ابراز صورة الرسول نفسه، وهذا ما يصح في مسلسلات تلفزيونية أخرى أيضا. كما نعلم أيضا أن الضجة التي أثيرت في مصر حول فيلم "المهاجر" ليوسف شاهين، وحول أغنية لمارسيل خليفة مستقاة من قصيدة لمحمود درويش في بيروت، تتذرع بأسباب من المعين الاعتقادي عينه، ولكن في سياقات سياسية متأزمة، بعيدة عن الدين نفسه. كما نعلم كذلك بأن عددا  من الاكاديميات والمعاهد الفنية العربية باتت تمنع، بعد سماح واقرار، تصوير "الموديل" العاري في محترفات التدريب الفني؛ وهذا ما بلغ بدوره المعروضات والمشتريات، في الصالات الخاصة أو الحكومية. هذه "الحدود" المستجدة تنهل من مسألة "تحريم التصوير" العبادي، وتعول عليها في المخيلة والذائقة، وفي ترويج فنون أو اساليب، وفي تبخيس غيرها.

هكذا نجد في نزوع العديد من الفنانين العرب والمسلمين الى الخط العربي في التشكيل، والى تنشيط الممارسات الزخرفية، سواء على الورق او على الجدران او على الكتب، تقيدا، بل تطويعا  للنهي الاسلامي عن التصوير العبادي. هو مماشاة على الزقل لصنف دون آخر في التصوير، وهو الدلالة ايضا  على عدم اختراق الحدود القديمة، الدينية والفنية، المعينة للممارسة الفنية في الماضي القريب.

ونتساءل بالتالي: هل يقع التجديد في الاسلوب، في المعالجة، أم في ما تتيحه اللوحة من رؤى، قد تكون صادمة في ما تعرضه او فيما تحجبه؟ فكم من الأعمال الفنية قد تكون "مهددة" لاساليب الفن، مثل "ثورة« الفن التجريدي على سبيل المثال على الفن التشبيهي، فيما هي مسالمة للعين في مرجعياتها ومألوفها بإمكاننا أن نتساءل كذلك عن مدى اسهام صنوف التجريدية العربية، من حروفية وزخرفية وغيرها، في "غسل" العين العربية، في تجديد ذائقتها، وتبديل صورها الفنية المألوفة. ذلك ان بين صور اللوحات والعين المتلقية لها تاريخا  اجتماعيا، لا فنيا  ولا أسلوبيا  وحسب، من التلقي، أي ما يثيره في العين الباصرة من صور مودعة، متخيلة، مشتهاة، محجوبة وغيرها. ألا تزال "الحدود" قوة منع في الراهن؟

نقع على متبقيات من هذه الحالات المنعية والرقابية في صورة جماعية ومسبقة في مجالات الفنون، إلا أنها تبقى مهددة بالزوال او بالتطويع، مثلما حصل مع الدعوات الناهية عن الموسيقى في الايام الاولى من "الثورة" الايرانية. وهذا يصح ايضا في حال الروائي سلمان رشدي، التي تحتاج لبعض العرض والتفصيل: قد توحي للبعض "الفتوى" الصادرة في حق رشدي والتي تجيز هدر دمه، بأننا لا نزال نعيش في اطار قديم يتم فيه فصل الحدود الممكن اخباره وغير الممكن اخباره، ويتم فيه أيضا الجمع التعسفي بين "الخبر« (من صحيح وفاسد) و"التخيل السردي" (وإن المستند الى وقائع واخبار). وهو ظن خاطئ، لا لأن الحالة هذه نادرة، بل لانها تتصل أيضا بما يمكن تسميته، حسب دوركهايم، بـ"الادارة الدينية للمقدسات"، في سياق تنازعي يشمل دولا  بعينها، خلف خنادق رمزية ومادية. فمهما قيل عن طبيعة هذه الفتوى، فانها لا تعدو كونها "تدبيرا اداريا"، ولو انه تدبير رهيب يقضي بالموت، ولا تنفذه جهة بعينها مولجة بحراسة القوانين، بل أي مؤمن كان، وفي أي مكان لن أستعيد ما قيل في هذه القضية، بل اكتفي ببعض الملاحظات السريعة، منها ان هذا التدبير (الذي انتهى الحديث عنه في ايامنا هذه) لم يعرفه الاسلام في تجربته التاريخية الا فيما ندر، مع أحد المتصوفة الحلاج، ممن "اجتازوا" الحدود الفاصلة بين الله والمؤمنين، متحدثا عن "الحلول" في جسد الله. اما عن الاخبار التي تناولها رشدي في روايته "الآيات الشيطانية«، موضوع الفتوى فهي مبثوثة في الكتب العربية القديمة بين جملة اخبار اخرى تطال النبي والاحداث التي اتصلت بتبليغه "الرسالة".

ما أريد قوله هو اننا لا نقع، لا في المعتقد الديني ولا في سوابق التاريخ الاسلامي، ولا في حاصل التجارب التاريخية الاسلامية المعاصرة، ما يؤكد اللجوء الى هذه الفتاوى، ولا الى تنفيذها على أي حال. وعلينا، بالتالي، ان نبحث عن أسباب هذا الصراع في أمور واقعة في علاقات الشرعية بالسلطة، والدين بالسياسة، ليس بين الدول وحسب، او بين دولة وأخرى، وانما في الاساس بين "مديري المقدس"، بوصفها ادارة (المؤمنين أنفسهم، ولا يغيب عن بالنا، اذن، حقيقة الضغط البين والاكيد الذي تمارسه هذه التدابير الدينية على معتقدات المؤمنين حتى أيامنا هذه، وما يمكن أن نجمله بعدم وجود الفصل الناجز بين الدين والدولة، وبين الحدود والقانون.

ان التشاركات بين الحدود المختلفة ليست جديدة ولا ناشئة، طالما أنها تتصل بطرفين يقطعان بين العالم وتمثله من جهة، وبين النظام الترتيبي والاخضاعي الذي تقوم عليه اية قائمة للممنوعات، من جهة ثانية. فبين الطرفين علاقة تحكم تنتج عن طلب اخضاع العالم لنظام يعين المسموح به وغير المسموح به، وهو اخضاع يواجه "الفن" بالضرورة بوصفه "وسيطا" بين هذا العالم وبين صورته، سواء أكانت لغوية، أم تشكيلية، أم فوتوغرافية، أم سينمائية. واذا كانت الحدود عنت في حساب المعرفة التاريخية انتقالا بينا من عهد "السحر" الى عهد "الدين"، فتغيرت بينهما، أو ارتقت الحدود هذه الى عهد أعلى، فان هذا الانتقال على صحته، وقد تناوله  عدد من علماء الاتنولوجيا والاجتماع والسلوكيات البشرية- لا يلغي الحقيقة التالية، وهي ان البشرية تنتج، على اختلاف مشاربها وثقافاتها واعتقاداتها، او تتدبر حدودا  أخرى ولو انها تتفاوت او قد تبدو أشد توترا بين ثقافة وأخرى.

ان صورة الفنان القديم (سارق النار او جالب الاخبار والاقوال البعيدة والخارقة، وعابر الحدود بين العوالم باتت بعيدة عنا، ومن مخلفات التاريخ القديم. تخف او تتساقط الحدود، فلا يبقى سوى بعض حمولاتها، او الآثار المترتبة عنها في بعض السلوكيات الحالية، ومعها تخف طاقة الايهام الشديد التي للفن: لم يعد الفنان "رائيا"، ولا "ناطقا" بل ذاتا منفصمة ومتصدعة؛ ولم تعد تقديمات الفن "شهادة" أو "دليلا" عن حقيقة او حق، وانما هي مدونة عن عالم جواني تشتبك فيه الحدود وتختلط. هل انتفت الحدود بالتالي؟

لا، ذلك ان البشر والثقافات والاعتقادات تبدل حدودها، على ان في التبدل ما يشير دوما  الى خرق الانسان المتمادي لها، حيث اننا نرى في الحدود الواقعة في النفس الانسانية ما يبلبل، ولو في صورة غير ناجزة، معالم الحدود هذه.


تصميم الحاسب الشامل