|
|||||
|
لقد أضلتني صورة البيت الخرب قادني إليها هزاء، حلم ملتبس وعماء صفحات وفوضى نص، وقد انتهى بي المطاف بعد طول لأي الى نفس الموضع القديم أجمع في يدي شذرات صور لا عداد لها ولا نهاية. لقد أوعزتني الشجاعة للكتابة عن تلك الصور والشذرات التي أمضيت وقتا طويلا لا أعرف مداه عاكفا عليها، أعيد ترتيبها وتصنيفها وعندما تعبت روحي ودب في السأم اسلمت اليها يدي والى وجوه الصور التي تراءت لي وظلت قابعة بداخلي زمنا طويلا كمرآة تختزن في جوفها وجوها لم تكن قط، لقد غير ت تلك الشذرات والتي لا تؤلف شيئا ذا معنى فيما بينها من طبيعة النص السينمائي الذي كنت أنشده في مخيلتي فلم اكن قد خططت قبيل كتابته أن أضمنه إياها في أضيق الحدود. هأنذا أعلن صوتي لك- أيها القارئ العزيز- دون مواراة او تخفى وراء نص فيلم شرعت في كتابته والذي اختلط - دون إرادة مني بنصي (أنا) الشخصي كما اختلطت الأصوات والصور اختلاطا شديدا في ذهني فلم أعد أفرق الآن بين التصورات الذهنية والوقائع أو بين الذكريات والأحلام فما عرفت ما لي وما له - النص- وقد التبس علي الأمر فكلانا يسير في عماء وفوضى.
"مسودة أولى": صورة حلم ... يكتب فرانز كافكا في احدى يومياته الكئيبة المؤرخة بتاريخ 21 اغسطس 1913 قائلا: "إن أوضاعي لا تحتمل لأنها تتناقص مع رغباتي وميولي الوحيدة وأعني بذلك "الأدب". الأدب هو كياني ولا أريد ولا استطيع أن أكون غير ذلك، أوضاعي الحالية لن تتمكن أبدا من اغرائي بل انها لا تستطيع إلا أن تدمرني وتقضي علي تماما وهذا ما سيحدث لي عن قريب". وفي صفحة أخرى من اليوميات وقد شارف كتاب الحياة على نهايته سيكرر "كافكا" مرددا نفس الصوت وقد قهرته الحسرة والوحدة ووهن الجسد مسلما نفسه كليا دون كفاح او تبرير: "إذا مت في المستقبل القريب أو أصبت بالعجز التام فسيكون لي أن أقول إنني مزقت نفسي بنفسي، الدنيا وأنا مزقا كلاهما جسمي". وفي يوم 6 ديسمبر من عام 1986 يكتب المخرج السينمائي الملهم "اندريه تاركوفسكي« بعد أن انتهى به المطاف في رحلة النفي طريحا في مستشفى باريسي ممددا في فراش تكسوه ملاءة بيضاء- كصفحة بيضاء بغير سوء- تحدق بنفس العماء الى جسد مطروح باستسلام هادئ للرقاد بين أهدابها وطياتها الجافة. تحوطه من كل جانب جدران عارية تؤطر لوحة انتظار نهاية مرتقبة واظلام وشيك: "آلام شديدة لا تحتمل أشعر بضعف شديد.. هل سأموت؟".. وبعد عشرة ايام وفي 15 ديسمبر 1986 يخط "تاركوفسكي" في دفتر يومياته "بيد مرتعشة" عبارة قصيرة ينهي بها حياته ذاتها والتي استحالت الى لغة مجازية واستعارة شعرية وتحويل سحري لصيغ الوجود المرئي في العالم المحيط به كما في أفلامه: "لم أعد أملك القدرة على فعل شيء".. "ثم صمت" وفي 29 ديسمبر 1986 يموت تاركوفسكي. أما "آنا" ففي فجر 11 اغسطس 1999 وقبل تسع ساعات من كسوف الشمس وسقوط نصف الكرة الارضية في قبضة خاووس وبعد ما يقرب من عام كامل من الخمول الذهني والشلل التام والعجز عن كتابة وتحقيق أية مشروعات سينمائية ستنتابني يقظة مفاجئة ومؤلمة الى حد القسوة منتفضا من أسار حلم يموج بهلاوس وهذاءات ما تجرعته روحي في الليالي السابقة وأنا أشعر بثقل دوار "صور" تراءت لي في غفوتي القلقة المشوشة. ميلاد آخر بريء وعار. كميت يفتح عينيه بطيئا بطيئا بعد طول رقاد وقد ردت اليه الحياة من جديد دون أن يملك القدرة على أن يتعرف ويعي حقيقة العالم الذي وجد نفسه فيه بغتة. وجود خام انتزع من تيار الزمن، يحيا زمن اللحظة الآبد او الزمن الوحيد الذي يعيشه حيوان يرعى في البرية بلا تاريخ او ذكريات او تتابع كرنولوجي، وقد انحصرت كينونته الموهومة في فعل واحد "فتح عين" وانتقال فوري من غياب صورة العالم الى حضورها اللحظي بمجرد انفراج ضعيف للجفنين واصطدام الضوء بالحدقتين. مرت بي غفوة من غياب تام بعيد صحوي كسحاب رقيق من عتمة النسيان لم اتعرف خلالها على نفسي او حجرتي في تلك اللحيظات المارقة التي لم يتجاوز زمنها الفعلي بحسابات البشر الفانين- مثلي ومثلك ايها القارئ- ثانيتين او ثلاثا ولكنها كانت- الأبد- بالنسبة لي أو "له«. كنت في تلك الهنات اللازمنية مجرد مجال لإدراك متعال من قبل شخص يجهل منه-و في الحقيقة وأين هو؟! وحتى الآن لا أستطيع الجزم بان ما كنت أراه او يتراءى لي في تهويمات النعاس الثقيلة من محتويات حجرة نومي له ثبات ورسوخ الحقيقة العينية المباشرة التي تنقلها إلينا حواسنا المشوشة التي لا تقبل الدحض- وقد قدر لها ان تدحض نهائيا عبر ثانيتين تافهتين من الزمن- وإنني نفسي كنت جزءا من وهمية هذه الحقيقة العينية، مجرد عين ترى حجرة او حجرة ترى عينا دون تحديد للرائي والمرئي وأيهما يدرك الآخر ويعقله. عندما فتحت عيني غمرني إحساس غامض وثقيل بأن ما أراه أمامي أراه للمرة الأولى: الكتب المرصوصة دون ترتيب بكعوبها الجلدية التي نحلت أطرافها السميكة من القدم. الأوراق المشعثة المتناثرة في فوضى عبر أرجاء الحجرة. قطع الأثاث الكئيبة. الأقنعة الفينيسية الأنيقة في صياغاتها الغرائبية. كانت الاشياء والجدران وبقعة الضوء الحادة المنعكسة عن لمبة الأباجورة تلوح لي كأنما عبر صفحة من زجاج مغبش يعزلني ويفصلني عن ذاتي شيء واحد فقط من عناصر المشهد كان ينتمي إلي وإلى عالمي اللامحدود الذي وجدت نفسي فيه ثملا بين اليقظة والنوم: كانت لوحة ماجدالينا كارافاجيو- "نسخة طبق الأصل من اللوحة الأصلية" والمعلقة أمامي على الجدران المواجه لفراشي الضيق وكان وجهها المربد بطبقة زيتية منطفئة يحيا معي في زمني المتخثر كفقاعة هشة. أراها عبر الاطار في جلستها الملتوية القسرية وجسدها المكتنز الشهواني ورأسها ملقى الى الوراء يسبح في خضم ظلمة مجزعة باللون البني المحروق المتقلب في تباينات لونية كثيفة في ايقاع غنائي اوبرالي ممغنط كالذي ينفلت فجأة متفجرا كالبرق في حزم ضوئية مغناطيسية في أفلام فيسكونتي العزيز تلهب أجساد ممثليه بسياط لامرئية تتطوح في فراغ منعدم الجاذبية. أما شعرها الطويل الذي جففت به قدمي المخلص المشتهي فكان يلتف بنعومة حريرية بالعنق الصلب ويحيط بكتفيها العاريتين منزلقا على ثدييها المختبئين في ظلمة ازار فضفاض له ملمس كتاني ناعم الوبرة. عيناها كانتا مغمضتين بارتعاشة ألم وتقاطيع الوجه الناتئة تلقي بظلال تتذبذب على حناياه التي اخذت تتقلص برغبة عصية ومنفية منذ البدء وقد امتزجت تحت بشرتها الانسانية ملامح الشهوة والتصوف والخطيئة والعرفان. ثبت عيني دون نأمة على الوجه الماثل لي والمنفي في آثامه وقد عدت وأفقت الى نفسي. كان كارافاجيو في الحقيقة يطل علي في فجري الملتبس عبر القناع الحسي الانثوي لماريا ماجدالينا- بعد ايام قليلة من يقظتي سأفكر وأنا منحن على وجهها او صورة الوجه المرسوم الذي عكست عليه صوري الشبحية الأخرى: كيف يمكن ليد كارافاجيو الزائلة التي لم تختبر نفسها أبدا إلا في إمساك الفرشان للرسم او إمساك المدية للقتل ان تحفر كل هذا العويل على سطح جارح ومعاد؟! وكيف يتأتى لسطح تافه "زيت على توال (Okio Su Tela) ان يتحمل هذا الثقل لوجود مكتنز بوحشية. وجود فادح في ألوانه وظلاله المنبسطة على سطح لوحة. أما الوجوه الأخرى- أيها القارئ العزيز- التي راودتني في حلمي فكانت وجوه عائلتي. أو هذا ما تخيلته فيما بعد عندما أعدت التفكير في هزاءات صوري: إن الوجوه التي تبدت لي أعرفها معرفة حميمة ووثيقة لكنني كنت كمن يجلس خارج اطار الصورة، أمام شاشة سينمائية، أشاهد عرضا هزليا لعلاقات عائلية تدور في وسط مقفل ومغلق على نفسه. وكنت ايضا أرى نفسي بينهم مشاركا في نفس اللعبة الأثيرة (لعبة حلم) ومتفرجا في ذات الوقت على نفسي. كان المشهد يحمل لي شفرة غامضة كالتباس قصيدة ممزقة الى جزازات ورقية مهترئة علي أن أصل بين أجزاءها ببطء وحذر. الاشخاص الذين عرفتهم في الماضي وزايلوا عالم الاحياء منذ زمن بعيد، كانوا يحيون داخل حلمي حياتهم اليومية الرتيبة، وبصورة اشد إضحاكا وخفة من الماضي داخل بين جدتي "بحي الحلمية" صورة تشارف ان تكون "جروتسكية" وشهوانية في طابعها المكاني الذي له رائحة حريفة ونفاذة. كل شيء كان مكدسا في مكانه الطبيعي. رأيت البيت الذي عاصرته وانا طفل بنفس جغرافيته السحرية القديمة. "كم كان فسيحا لعيني وانا غصير بشكل مرعب الى حد لا يمكن تصوره او احتماله" لكنه في الحلم كان قد أصابه التدمير والخراب الشامل، وقد رسمت له صورة اخرى غير التي عهدتها في الماضي، ويخيل إلي انها الصورة الأشد أصالة ونقاء وسحرا، لأنها تحتمل داخلها كل الصور الأخرى المتخيلة التي يوجدها حاضر أبدي. صورة التحطيم والتشوش الاكثر دينامية بالنسبة لكائن زمني. كانت الجدران في حلمي قد تهدمت بشكل اكثر تعقيدا وايغالا في صنع الخيال. قطع الاثاث المتهالكة والمزينة جوانبها بالأويما المتقنة الصنعة مقلوبة في فوضى اوركسترالية. المرايا الطويلة لضلف الدواليب قد انتزعت من أماكنها الأليفة وتهشمت الى قطع صغيرة تناثرت بين أجزاء الهدم. المشاجب الخشبية والراديو العتيق وملابسنا ملقى بها بين زخم وركام الأحجار الرملية وكدس الأشياء والنفايات معفرة بالتراب. الصور الفوتوغرافية القديمة المؤطرة بأطر خشبية داكنة اللون قد سقطت عن جدرانها والاقدام الحافية تطؤها وتدهسها في رواحها ومجيئها الذي لا يهدأ أمامي بقسوة غير عابئة بتلك الوجوه الورقية الهشة والوانها السحرية المتراوحة بين الأبيض والأسود والسيبيا المنطفئة. وصور الوجوه التي كنت في طفولتي استعذب النظر اليها في ثباتها ونقائها اللازمني متوهما ان العيون المرتسمة على سطوح ورقية كانت تتبعني وترمقني بحدقاتها الجامدة اينما تحركت داخل مستطيل الغرف بنظرات طويلة ثابتة متباينة المشاعر- من الغضب والحزم الى الهشاشة والرقة العذبة. في الحلم تبدت لي الأشياء والصور والوجوه كأنما يغمرها تيار من ماء زيتي القوام وتحت ضغط العمق المشع بضوء لا مصدر له رأيت وجوه أقربائي الذين عرفتهم حق المعرفة- وجه أمي وعماتي وأعمامي وأبي- وقد حفرتها خطوط الزمن وأوغلت في اللحم المجعد كسطح رخامة مشرجة ونالت العظام. رأيتهم في غير وضوح مجرد صور متميعة الحدود عبر غلالة شفافة وكانوا جميعا مستغرقين ولاهين في شؤونهم بنفس الحماس القديم على الرغم من الموت الذي حل بهم في الواقع والخراب الذي حل بالبيت داخل حلمي ولمحت بينهم أشخاصا آخرين لم أستطع التعرف عليهم وعلى هيئتهم ربما لأن الزمن المتسارع في الحلم ومونتاجه التعسفي لم يمنحنا الوقت الكافي للتعارف. كل شيء كان بطيئا في حركته ووتيرته وكأن المشهد قد تم تصويره بسرعة بطيئة 48كادر/ث. نساء البيت كن يتحركن بايقاع متراخ عبر حجرات وشرفات وممرات البيت المغبشة مع ثقل واكتناز أجسادهن المضغوطة في الأرواب البيتية وهن يندفعن بلهوجة الى داخل الحجرات التي تهدمت جدرانها وسقوفها ولم تخلف وراءها سوى حدود هشة من عروق خشبية ومخلفات حجارة كفواصل وهمية في ديكور سينمائي مصنوع من ورق مقوى لا يصعب تجاوزها وعبورها ورؤية ما يدور في الحجرات الأخرى المجاورة التي سقطت أبوابها وجدرانها. تلك الحجرات التي لن أعرف أبدا ما الذي كان يدور وراء أبوابها المغلقة وأي أسرار وكلمات قيلت فيها. الآن في الحلم كل شيء كان مباحا لي. أن ارى نفس الايماءات القديمة وغمزات الأعين الخفية والغضبات المفاجئة وتبدلات الاقنعة وحركة الشفاه المكتنزة بالأحمر الفاقع لأقلام الروج ذات الاغلفة المذهبة التي اندثرت موضاتها منذ زمن بعيد كاندثار موجة طليعية. كل شيء كان مندرجا تحت سيطرة "ميزانسين« مرسوم بدقة حرفية عالية وكأن كل شيء كان قد أعد سلفا ببراعة مهنية من قبل شخص غير مرئي رسم لنا جميعا - الأموات والأحياء- سينوغرافيا الامكنة المهجورة. لم نكن نتبادل الاحاديث ايضا في الحلم، وكأن حياتنا "الحلمية" يجب ان تمارس ايضا في طقس مشحون بسرية تامة واحترام واجب كعهد غير مدون بيننا. ان نكتفي ببدائية الصور كمعطى أولي لا يتطلب شروحات او تفسيرات لغوية غير لازمة او مطلوبة لوجودنا المؤطر والمقدر له سلفا أن يعاش هكذا في صمت يغلفنا ويحيطنا بسياجه ويفرض علينا بضراوة ايقاعه وثقله الملائم لوقع "صور" تتتابع أمامنا بعشوائية في حركة متهادية بنفس الاثارة المشبوبة والمرتقبة عند رؤية الأموات الأعزاء مجددا وهم يضحكون ويثرثرون ويتبادلون السجائر فيما بينهم وهم جالسون باسترخاء جسدي في فوتيهات رثة سقطت أحشاؤها وغاصت بهم وبأناقتهم البيتية العتيقة التي تكشف عن جمال متناغم ومنسجم في هرمونية عالية مع صور الحطام والاحذية المتزاحمة بمقاساتها المختلفة التي تركت نهيا للحزن على فراق الاقدام عند عتبة باب البيت حفاظا على قدسية السجاجيد المتوارثة. على الفور دو نت تلك الصور التي تراءت لي ودون ترتيب وكيفما اتفق وكما تداعت الى ذاكرتي أثناء الكتابة الآلية- على طريقة السيرياليين الأعزاء- دون أدنى تدخل مني في صياغتها. كنت فرحا بها وكأنني عثرت على ضالتي المنشودة في تلك العطية الممنوحة لي دون توقع وبعد طول جفاف وعزوف عن الكتابة. كتبت الصور دفعة واحدة بغير لحظة توقف او تفكير فيما تخطه يدي. تركت السطور تتسربل مني على الورق بشكل هذياني، كنت أبغي ان أفرغ ما في أحشائي وأن أتقيأ الصور التي تثقلني وتضغط علي . بمرور الوقت دربت نفسي في حزم وصرامة ان أقذف بشهوة الصور المستثارة داخلي والتي تهاجمني بشكل فجائي دون أن أدري ماذا أفعل بها في المستقبل وكيفية الانتفاع بها عبر نصوص سينمائية سأكتبها فيما بعد وكيف ستخرج الى النور وتتجسد في مجراها الطبيعي المرجو ممتزجة بمشاعر الممثلين حيث تفقد عندئذ صلتها بي. واذا سهوت عن ذلك فانها تظل حبيسة معي وداخلي، احدنا يعتقل الآخر في جب مظلم يفوح برائحة العطن وشيئا فشيئا اصير قبرا لاحبائي لصوري وأصواتي المتخيلة التي تنخر في عظامي وتنشب في مخالبها وتعمل في عمل شياطين دوستويفسكي وغابرييل ماركيز ودي ساد معا. وكثيرا ما ينتابني القنوط والتعب من وراء الجري خلف مشروعات سينمائية لا تعرف طريقها الى الشاشة بسبب الظروف المتعثرة للانتاج السينمائي بعد أن أكون قد صرفت وقتا وجهدا كبيرين في كتابتها واعدادها مما يصيبني بالدوار واليأس ومن اجل شحذ قوى النفور واذكاء روح التحدي مجددا في مواجهة واقع سينمائي مترد فإنني أولي وجهي شطر أشياء وغوايات غريبة من أجل شحن المخيلة بالطاقة اللازمة فمثلا لبثت ما يقرب من شهرين كاملين اقتفي اثر خيال تولد عن دوام النظر والتحديق في صور فوتوغرافية قديمة التقطت منذ مائة عام، عثرت عليها بطريق المصادفة العابرة، لشخصيات لا اعرف عنها شيئا ولا يربطني بها أية صلة مقتفيا ومتتبعا اثر حياة "نصية« لحضور مراوغ على سطوح ورقية مصقولة بالأبيض والاسود في ثبات ابدي حيث أخذت أشيد خريطة وهمية من حيوات ومصائر نسجتها كخيوط عنكبوتية حول اصحاب الصور المجهولين الذين لم يخلفوا وراءهم سوى حضور ماثل في الغياب وصور مبهمة غارقة في ومضات النسيان. تلك الخريطة المتخيلة هي نفسها التي سأستعين بها لاحقا داخل نسيج نصي السينمائي "تاريخ وموت الصورة". ومع تقادم السنين وانتصار الادراج المعفرة علينا والتي تحتوي في جوفها نصوصنا السينمائية التي لا تعرف طريقها الى الشاشة يأتي الشعور بوطأة الزمن بالنسبة الى المخيلة فالزمن يفعل فعله المدمر البطيء في الروح والخيال كأمواج تلعق صخورا وتعريها من صلابتها مقوضة إياها وفق قانونها الخاص، وصورنا وأصواتنا تظل زمنا معتقلة الادراج وجفاف الورق تصرخ ان تتنفس حياتها الحقيقية في الضوء، ومع الوقت فان المخيلة تصاب بعطب وشيخوخة ثم موت مثلها مثل أجساد نهمة الى الانصياع وفق قانون الطبيعة المهلك. ان الطرق البالية لصناعة الافلام وسيطرة الاتجاه الواحد وتسييده في تشكيل الذوق- وهو ليس جدارا أصم كما يتخيل منتجو أفلامنا الاعزاء- لا تساهم فقط في تخريب روح الصانع والمتلقي معا وتقويض مخيلة المبدع أو على أقل تقدير تشويهها بمطالب متعسفة، بل تعمل ايضا دون وعي منها على تدمير وتقويض الشروط غير المعلنة لسوق صناع الفن الذي يطالب دائما- وبآلية شرهة- بإنعاشه وتجديده بصور سينمائية جديدة وسلع طازجة لها مذاق خاص ومميز من انتاج مصنع الخيال- وبالطبع فانه في حدود ضيقة يطالب ايضا بقطع فنية اصيلة غير مقلدة او مستنسخة - تعمل على ضخ دماء جديدة الى شرايين صناعة الفيلم السينمائي. فضلا عما يخلفه ذلك من صور الانغلاق الثقافي وتدمير روح الخيال واعتقال مخيلة المبدع السينمائي وفق تصور نمطي مسبق أقرب الى "باترون" لا يجب الخروج عنه! وعليه وعلى المخيلة الاصيلة ان تحاول عبثا ترويض وتكييف نفسها وفق المتطلبات الآنية وشروط الموضة واللعبة التي يضع قانونها وشريعتها اصحاب رؤوس الأموال والتكتلات الغامضة؟ من الذين يقتاتون على موائد الماضي. والنتيجة النهائية هي ان نكون جميعا وقودا ملهبا لمخيلة الاموات الناضبة. إن واقعنا السينمائي الدنس يحيلنا بآلية مدهشة- لا تزال تعمل بكفاءة حفاري القبور دون ضجر من استنفاد نفسها في ألعاب مكرورة وكريهة- الى مسوخ للماضي وآبائه ونسخ متشابهة بلا خيال او ذوات انه يدفعنا الى تكريس أنفسنا بهمة وبلادة لما قبلنا وكأننا نعمل في خدمة الاسياد الأموات المستغرقين طوال الوقت في لملمة عظامهم المتناثرة والتي لا تشغل بال أحد سوى نابشي القبور وسارقي الاكفان. أما بالنسبة لي والمعروف عني ولعي بالخيانة وكراهية التاريخ فقد قمت بواجبي الحق نحو الموتى. ألقيت بهم منذ زمن بعيد في جوف صناديق قمامة تليق بمجدهم السينمائي والفني الآسر. فعلى الموتى ان يفسحوا مكانا للأحياء منا. الآن وقد تضخمت ثروة صناعة الصورة المرئية- عبر وسائطها المختلفة- وبشكل لا مثيل له من قبل حتى أضحت الصورة وجهة "فتشية" بديلة ولكن بالنسبة لنا فان هذه الثروة لم يواكبها تضخم مماثل في ثورة الخيال وحرية التعامل مع مخيلة المبدع والذات الفردية بدون قيود او شروط مسبقة- أيا كان الذي يكتب هذه البنود ويعتقل الصورة داخل شفرة محددة سلفا- فان الصورة كمنتوج تظل فقيرة وخالية من الحياة والروح الانسانية غير مخدومة بالخيال اللازم لسحر وصنعة الفن. انها تموت في نفس اللحظة التي تولد فيها; وقد أضفت عليها تكنولوجيا الاستعمال تعقيدا ومشروعية جمالية على فقرها الابدي كوثيقة لا تدحض. أليس هذا هو حالنا الآن نحن صانعي الافلام ان نرضى قسرا دون صوت بالجلوس بتلك المقاعد المتهالكة التي يقدمها لنا- بمكر- أمواتنا من منتجي الافلام القديمة الجديدة لكي تظل جيوبنا عامرة بالأموال اللازمة لحياة قذرة وموت مجلل بفيلموجرافيا كئيبة لا تساوي شيئا واذا كانت تلك الظروف المأساوية التي يجد المبدع السينمائي مخرجا/ كاتبا- نفسه حيالها مضافا اليها مظاهر الكبت والحصر التي يمارسها المجتمع بشكل ضاغط وعبر أنسقته المختلفة المغلقة على نفسها كدائرة محكمة تحرمه من التعبير بالشكل الذي يريد لمادته ان تصل به الى المتلقي دون تزييف او تحريف لمخيلته وطموحاته الفنية وزمنه المعاصر فان الامر يزداد صعوبة بالنسبة الى "الممثل" الموهوب ذي الحساسية الخاصة والذي يجد نفسه في اطار صناعة فجة حيث يصبح القناع حاضرا في غائيته دون تحقق في ظل نسيج محكم من النمطية والاستنساخ المفرغ للطاقة والمستنفد للذات. ثمة صوت مكتوم من الاسى لا تخطئه الاذن في نبرة "تاركوفسكي" المستبق لموته وهو يدون يومياته في انتظار وإملال ان تسمح له السلطات في بلده بممارسة العمل وان توافق على مشروعاته السينمائية التي يتقدم بها تباعا ولكن دون جدوى. "هل سأظل مرة أخرى جالسا في مكاني لسنوات منتظرا ان يتكرم شخص ما ويسمح لي بالعمل بحرية".. انه يكرر دائما بانه "متعب" و"مفلس ماديا" ويشعر بالحزن، انه سوف يبلغ الاربعين عن قريب دون ان يقدم ما يحلم به من أفلامها قد بلغت الأربعين، وماذا فعلت طوال هذه السنوات؟!".. وفي 27 يونيو 1974 يصف بدقة "حلم« تراءى له في الليلة السابقة على تدوينه. حلما اقرب الى رؤيا كاشفة صوفية الهوى لمصيره الشخصي: "البارحة حلمت انني ميت لكني بامكاني أن أرى وبالاحرى ان أحس بما يجري حولي. أشعر ان لاريسا بقربي مع احد اصدقائي واشعر بشيء كان منسيا منذ زمن طويل. شيء لم يحدث لي منذ فترة طويلة.. الاحساس بأن هذا ليس حلما بل حقيقة. ألم شخص آخر كما لو ان حياتي الماضية هي حياة طفل.. بلا تجربة، بلا حماية". ان الاحلام جميعها تتشابه فيما بينها مع اختلاف الوقع والمنحى الشخصي. ان أحلامي ايضا تصيبني بالفزع والخوف مثل تلك الصور التي أضمنها في كتاباتي وأفلامي. انها تتوالد في ذهني بعنف وهمجية دون ارادة مني في منعها والحيلولة بينها وبيني ودون ان يكون بينها وشائج قربى أو لها الحق في احتلال أماكني القديمة وذكرياتي. انما هي فوضاي. أفكر الآن بغموض ان الاحلام التي تتراءى لصانعي الصور من المحترفين الذين يتعايشون على مادة تلك الصور تكون بخيلة وشحيحة الى اقصى حد ممكن لأنها لا تمكن الحالم/ الصانع من تبيان مصادر الضوء الذي ينسكب داخل حدود المشهد الحلمي كاشفا عن انفعالات ووجوه المؤدين، فلا وجود في الحقيقة لمصابيح تتدلى من أسقف باروكية الطراز أو اباجورات بشابوهات بيضاء موزعة في الاركان والزوايا تريق ضوءها على جسد بض غارق في سباته. ففي الحلم انت ترى المكان ولا تراه في نفس الوقت، تلمس الاشياء دون حقيقة او يقين، يحدث الاورجازم بغير مضاجعة فعلية. تظل الاحلام من الامور المتعذرة المستعصية على الفهم بصورها الاليجورية "(Allegary) انها أشد المفاجآت إرباكا وخلخلة لمجرى حياة رتيبة مفعمة بوهم حقيقة العالم وتماسكه. ولكن صورة العالم لا تكمن فقط فيما نراه ونلمسه منها انما تكمن ايضا فيما وراءها. لقد ارتأى السيرياليون والطليعيون الاوائل في فن السينما القدرة المذهلة على ابراز "صورة الحلم" وتضمينه في مجرى يقلقل الصورة الايقونية الراسخة في أذهاننا لذلك فان المعضلة سيطرت على البحث الجمالي لفن السينما عبر تاريخها يندرج في اشكاليتين أساسيتين: تمثيل الحلم/ الواقع وآلية التزاوج بينهما ومفهوم الزمن وتفتيته عبر حركة التي هي الوجود الأسمى لإمكانياتها- فكل شيء يتحرك ويتبدل- والازمنة تقدم لنا بوصفها حاضرا أبديا فالسهم قابل ان يعود الى نقطة الانطلاق التي انطلق منها في ماض سحيق الى اليد التي اطلقته في البدء منذ ثوان. والمسعى السريالي يهدف أساسا الى ادخال وتضمين كل ما هو سحري في مجرى حياة يومية رتيبة حيث تمتزج الحياة والحلم والمدرك واللامدرك والذي تحقق عن طريق السينما التي اصبحت لهم اللسان الأكثر إفصاحا عن لغتهم المافوق واقعية. فالزمن هنا كما يقول اندريه بريتون "مقوض، معدم، محطم والحاضر والمستقبل لم يعودا متناقضين نعيش الامس والغد في وقت واحد". فالصورة الحلمية تبرز بشكل لا نهائي وغامض معنى شيء بوصفه "صورة في فيلم" والحلم يجري كما السينما خلال زمنه الخاص الذي يمكن له أن يكون مختلفا اختلافا كليا عن الزمن اليومي. ومن الممكن ان نرى في فيلم مثل "الكلب الاندلسي" لبونوييل او أعمال "بودروفسكي" تلك الكيفية المدهشة لعرض وحشي وحياة عضوية سرية وغامضة. عوالم خفية تحيا داخلنا ولا يمكن للعقل ولوجها وكان "ريتشيوتوكانودو" يرى ان الصدق الأسمى للسينما يتمثل في التعبير عن داخل النفس وليس في تقديم الواقع، فعلى صانع السينما ان يحول الواقع ليجعله على صورة حلمه الداخلي؛ عليه ان يتلاعب بالاضواء التي يتم التقاطها في سبيل استثارة حالات روحانية داخلية وليس تصوير وقائع خارجية. فالوجود المزدوج والثنائية هو ما يطرحه الحلم إزاء الواقع في نفي كل منهما للآخر مع احتوائه في الوقت نفسه وبقوة. ان كثيرا من الانجازات الفنية التي حققها السيرياليون والمخرجون العظام في الربع الأول من قرننا المنصرم كانت تحمل في طياتها اعجازا تنبئيا بقدرة الفن السينمائي الوليد على التغلغل وابراز السحر الماورائي للحياة الانسانية والتي تظل حتى الآن مؤثرة وفعالة وحية بقوة غير مستهلكة في رؤاها وتقنياتها على الرغم من طغيان تكنولوجيا الصورة "المصنوعة" ولكنها بلاشك لم تبلغ ما بلغه "رينيه ماغريت 1898- 1967" الذي قام بتفكيك صورة العالم الذي نألفه كالخراء.. تأمل ايها القارئ "اللوحة« المنشورة على هذه الصفحة: هل شعرت بخفة صخرة معلقة بين سماء وبحر وهميين. ان الحقائق القديمة لا تزال قادرة على ان تبعث فينا بالدهشة مجددا. "مسودة ثانية" ضائعون في جحيم من صور كل شيء يتحول من حولنا الى صور ورموز تغمرنا وتجرفنا ببطء دون ان نتمكن لحظة من توقيفها والنظر اليها. ونحن ايضا لن نخلف وراءنا سوى صور لكن أشد الصور "هولا" هي تلك الصور المزيفة لصورة العالم الخارجي وفي عالمنا السينمائي يوجد نوعان من صانعي الصور: أحدهما يستنسخ بمهارة وحذق صورة العالم على الشاشة- أما الآخر فهو يكتفي بالتهامها دون جهد يذكر وهو مغمض العينين فاذا عزت عليه صورة الخارج فان جوعه يدفعه الى التهام صورته نفسها. يتقوت عليها مثل فامبيرو. ولا يتمايز احدهما على الآخر في شيء فكلاهما مجيد في عمله وماهر في اصطياد الصورة على شاكلة روحه وان كان النوع الثاني أكثر شرا وتورطا لذلك فهو أكثر إحساسا بالملل والكسل في صنع "صورته" لأنه كان قد سبق ان عاشها في غرابة وغربة. في كتابه "حياة وموت الصورة" يلقي "ريجيس دوبرية" نظرة متأملة وعميقة على تاريخ الصورة وتجذرها في مختلف فضاءاتها التاريخية والفنية والدينية مشيدا وعيا بتحولاتها الذوقية والجمالية والفلسفية عبر وسائط مختلفة على مر العصور فيورد حكاية صينية قديمة وغريبة تقول ان احد الاباطرة الصينيين القدماء طلب يوما من الرسام الاول في البلاط الامبراطوري ان يمحو بفرشاته صورة شلال من الماء كان مرسوما على أحد جدران القصر لأن ضوضاء سقوط ماء الشلال الموجود في الصورة تمنع الامبراطور من النوم. تأمل أيها القارئ حدود تلك الصورة العجيبة!! التي أوردها دوبرية في تعاريج نصه: صورة في حالة توحش، والى أي حد كان صخب صوت الشلال عاليا لأن لون الماء المنهمر على سطح الجدار كان كثيفا ومرهقا ومهيجا لنظر الامبراطور الذي كان يرى ويسمع توحش ذاته اللامرئية فيما وراء صورة جدارية صماء. لا أحد منا بالطبع- انا وأنت ايها القارئ- يعرف المصير الذي ناله الامبراطور في نهاية حياته الخيالية غارقا في صورة شلاله المتدفق على سطح جدار والذي ربما كان قد جرف معه ايضا قصر الامبراطور العظيم في احدى نوبات التخيل القصوى وحدود مدينة كاملة لا يحدها بصر إنسان والتي كان قد تكالب على تشييدها أجداد الامبراطور الذي كان يرى أشباحه رؤية العين. ولكن صورة الامبراطور الغرائبية تستحضر في ذهني صورة أخرى ليست اكثر سحرا ولكنها أشد غرابة في الاثر الذي تحدثه وهي "صورة دوريان جراي" لأنها منذ لحظتها تؤطر للشرخ الكامن داخل الفنان الحديث والصور التي تنتجها مخيلته مع اختلاف وسائطه التي يتعامل معها. فالصورة تحمل تصدعا وانشطارا في المنظور يشرخها في العمق وهو شرخ سيطول ويمزق كل فناني القرن التاسع عشر ومحدثيه العظام الذين كانوا متحمسين للحياة الحديثة واعداء لها في آن، مصارعين- بلا كلل- تناقضاتها والتباساتها وهذا ما سيطبع "صورهم" واصواتهم بحالة من القلق العصابي والاحساس بالهوة المرتقبة التي تكمن وراء الصورة التي كافحوا من أجل تحريرها من براثن الجمود العقلي والانطلاق بها نحو لغة جديدة او رطانة بربرية كما نادى بها رامبو "يجب أن نكون مطلقي الحداثة" ومن أجل تلك العبارة الشعرية كان على رامبو أن يدفع ثمنها غاليا"!! ان فن القرن التاسع عشر كان منذورا لذلك الانشطار المأساوي ففيه يتلخص كل صراع الفنان ضد كل القوى التي تشل حركته في انتاج عمله بالشكل الذي يرتئيه مناسبا لفهمه لدور الفن بالنسبة لعصره وطبيعة الوسيط الذي يعمل من خلاله؛ ولكنه انتج أيضا كل أشكال العصاب المسيطرة علينا الآن فمنذ ذلك التاريخ ترك الفنان دون عزاء من أي قيم اخرى تقف وراء انتاج صوره وتمثيل مخيلته "باستثناء أحكام وقوانين السوق المتضخم" متحررا أيضا من أسر الوجود الموضوعي للعالم فهو مجرد صانع غائب يقف خالي الوفاض دون ايمان بشيء خارج حدود الاطار الذي يعمل فيه يديه وذهنه. هذا العرض الذي سيأخذ شكل البارانويا الاستعراضية لفنان ما بعد الحداثة والذي يؤكد عزلته في انتاج سلعة من أجل سوق عالمي وكتل جوف تستهلك صوره وقد فقد موقعه القديم. فمنذ هذه اللحظة اصبحت الصورة فخا وشركا للصانع والمتلقي معا واللذين تسيطر عليهما ثنائية المشاعر تجاه "الصورة" من الافتتان والكراهية في نفس الوقت. نص دوريان جراي في رواية اسوكار وايلد "الوريث الانجليزي المتأنق لتيار الخيال الانحلالي والنزعة الجمالية المتطرفة في العقدين الاخيرين من القرن التاسع عشر". لا يخرج عن كونه عرضا صافيا للموضوعات المألوفة لحركة الخيال الانحلالي "الجمالية المنعزلة عن الحياة- عبادة الصنعة لا الطبيعة0 الولع القوطي بكل ما هو شاذ وغير مألوف- الايمان بخصب الشر فنيا". فدوريان جراي النبيل الارستقراطي يتمنى في نفسه امنية غريبة وهي ان يتبادل الدور مع اللوحة التي رسمها له صديقه الرسام "بازيل هولوورد" ان تشيخ الصورة بينما يخلد هو في شبابه الغض. فالوجه المرسوم على اللوحة يتحمل وزر آثامه وشهواته وشروره بينما دوريان جراي يظل ينعم ببراءة وجمال طفل. لقد أدرك الارستقراطي المتأنق دوريان جراي تحت تأثير كلمات ربيبه الروحي "لورد هنري" معتنق مذهب اللذة الجمالي بشكل متطرف ان الانسان يفقد كل شيء يوم ان يفقد جماله "فما يطهر الروح إلا الحواس وما يطهر الحواس إلا الروح" فالاحساس أثمن ما في الوجود والجمال أعلى منزلة من الفكر والحياة تجود من آن لآخر بشخصية معقدة تؤدي وظيفة الفن وهذه الشخصية هي في ذاتها أثر فني صاغته الحياة، فكلما اقترف دوريان جراي إثما من الآثام سجلته الايام على صفحة الوجه المرسوم غضونا وخطوطا ملتوية تشوه جمالها فالصورة التي رسمها "بازيل" ستكون لدوريان جراي نبراسا يهتدى به في ظلام الحياة وهي الشاهد الوحيد على دنس خطاياه. فها هو يعود الى تأمل وجهه بعد أن غدر بمحبوبته الممثلة "سبيبل فين" تاركا اياها تقدم على الموت فحبه لها يموت بمجرد أن تفشل في أداء دورها على المسرح فهو لا يرى شيئا إلا وقد تلبسه روح الوهم وفي منتصف الرواية يهدي اللورد هنري الى دوريان نسخة من كتاب "هوسمان"- ضد الطبيعة- وهو نفس الكتاب الذي كان له تأثير السحر المدمر في جيل بأكمله منذ بودلير وفيرلين وادجار الآن بو- وعندما بدأ دوريان في مطالعته رأى الخطايا السبع أمام عينيه وأحس أن الكتاب هو ترجمة لحياته نفسها فالكتاب الذي هو قصة لا عقدة لها بطلها شاب باريسي من ابناء القرن التاسع عشر تنكر للقرن الذي يعيش فيه وحاول أن يجرب كل العواطف التي جربتها القرون الأخرى وفي نفس الوقت كان دوريان حريصا على أن يلعب في لندن الحديثة الدور الذي لعبه مؤلف ساتيركون في روما المنحطة "الكسل الارستقراطي/ الجمال اللانساني/ الخطابة البراقة التي تخفي وراءها تمجيدا للحماقة/ النهم الشديد لأطايب الحياة" فالخطايا كما يقول "اللورد هنري" ترف لا يملكه إلا الأغنياء والثمن الذي يدفعه هو تأنيب الضمير والآلام والاحساس بالانحطاط. فدوريان جراي يحيط نفسه بكل صور الترف والبذخ المتخلف عن العصور الفنية السابقة فهو يرتدي "روب دي شامبر مطرزا بالحرير" ويستخدم حماما مرصوفا بالفسيفساء ويقتني خادما يقدم له الشاي على صينية من سيفر قديمة; ونرى نوافذ حجرة نومه لامعة زرقاء وكل يوم تأتيه دعوات الغداء وبرامج الجمعيات الخيرية والحفلات الموسيقية ويدفع فواتير باهظة الثمن مقابل شراء أدوات للزينة من طراز لويس الرابع عشر، وجدران حجرة نومه مزينة بأبسطة تعود الى عصر النهضة; وهو يحلم بابتكار أسلوب جديد في الحياة قوامه التجربة وكما يردد دائما مقولته الأدبية المقتبسة "ان الغاية ليست في ثمار التجربة ولكنها في التجربة ذاتها". وهو يشتهي ان يجرب كل رغبة محرمة وكل غواية شاذة وكل الشرور التي كان يجد فيها ما يحقق فكرته عن الجمال فهو يعتنق الكاثوليكية لأن طقوس الكنيسة تلهب خياله ثم يتجه الى الايمان بالمادية الداروينية لانها تفسر له الأفكار والعواطف تفسيرا عضويا ثم يهجرها الى دراسة الفن القوطي وخيالاته المحمومة التي تزدحم فيها الأشباح المحسوسة. وبطل "هوسمان" كان يشارك دوريان جراي الاحساس نفسه بأن الدنيا قد اجتمعت فيه فيتخيل نفسه في احدى نوبات الوهم يجول متخبطا في دهليز على جانبيه مرايا من رخام باحثا في صفحتها عن خيال لخنجر اعتزم ان يقضي به على نفسه وقد اتلف روحه الملل. وفي النهاية يقرر دوريان جراي أن يمزق صورته ولكنه كان أيضا يقتل ذاته ليموت كهلا ولتعود الصورة كما كانت في البدء فلم تكن الصورة الفنية إلا فخا منصوبا له. "مسودة ثالثة"
صورة ديرك جارمان الأخيرة ... أما الصورة الاخيرة التي خلفها لنا المخرج الانجليزي "ديرك جارمان« قبل موته متأثرا بمرض فقدان المناعة "في فيلمه" Blue، فقد كفت عن الصراع مع المادة التي صيغت فيها ومع اطارها المقنن، قد استحالت الأشكال والخطوط والمساحات الى لون وحيد "أزرق" لون الصمت وقد انمحت صورة العالم الخارجي مبتذل الخيال كانها لم تكن قط ليحل محلها وجود إنساني خالص أصبح شكلا خالصا بلا شروحات أو تبريرات. وماذا على المتفرج ان ينتظر من مخرج سينمائي يواجه موته القادم؟! وربما يكون التحديق طويلا في مجرد شاشة زرقاء عملا مرهقا ومؤذيا للعين أقرب الى الحماقة التي نمارسها احيانا في ليالي الشتاء الباردة عندما نديم النظر الى نار مستعرة أمامنا تختبئ في بقعتها البرتقالية صورنا وذكرياتنا ووجوهنا المتخيلة. ولكن التحديق في شاشة زرقاء ليس أكثر صعوبة في رأيي من ثني عنق والنظر عاليا في جهد من أجل الامساك بأشكال الافريسكو لمايكل انجلو في كابيلا ستينا. فالعذاب الجسماني الذي مر به مايكل انجلو طوال أيام وشهور وهو مستلق على قفاه فوق سقالات خشبية من أجل ان يخلق عملا صوفيا; مثل هذا ينتقل عبر اربعة قرون الى الرائي الذي يستشعر بعد ساعات من دوام النظر المتعب وكان أطرافه وعضلات عنقه قد اصابها التيبس. ولا يمكن بالطبع الاحاطة بهذا الشعور المعذب في رؤية عمل فني عبر مستنسخات عديمة القيمة وهي خاصية تنسحب على مجمل اوبرا مايكل انجلو وايضا فيلم "جارمان« الأخير، وذلك لأن الأثر قائم على التصادم المباشر بين الرائي والمرئي بالوقوف على عذاب الصياغة الذهنية والحسية للشكل وهو يعافر ويجاهد في الخروج من أسر الخام أو جهد تمثيل أشكال الافريسكو وهي تحاول الانفلات من جدار من اجل التحليق. صورة جارمان في Blue او صرخته في الفراغ تجعلك تنظر الى الشاشة أقل وأن تتخيل أكثر دون بذل جهد في الامساك بصورة الوجود الحقيقية (إنها صورة تحررك من جداري الزمان والمكان) فأمامك "شاشة زرقاء". ومن الممكن أن نقول "غيمة زرقاء" وصوت ديرك جارمان يرتل صوت الذات الغائبة وتجليها الجمعي وهو يقترب ببطء من موته المحقق.. صورة شخص ينخر الموت في عظامه وكل منهما يتقدم صوب حدود سديم/ بقعة/ افق أزرق. هل هذه هي فكرة الفيلم؟!! ولكن الاشكالية بالنسبة لفيلم "جارمان" تكمن في انه بدلا من ان تكون قدرة الصانع/ الفنان/ مرتهنة بصياغته الفنية عبر فعل جمالي يترك أثرا جماليا على المادة الخام يغير من طبيعتها المجبولة عليها ويخرجها من وجودها الغفل كما تواتر على ذلك تاريخ النظرة الفنية عبر العصور- منذ بدأ الانسان الاول يستخدم الصورة كمصيدة للموضوع المراد التهامه- كأداة سحرية- فان "اللافعل" في فيلم جارمان يشكل نظرة مضادة لتاريخ كامل في مواجهة العدم. وبينما ظلت "الصورة« وعبر ازمنة مختلفة وسيلة لمحاربة العدم والانحلال وتمثيل الخلود في رمزيتها فان صورة جارمان الوجودية قد احتوت العدم والخلاء ذاته. وفترات التوقف الاجبارية التي صاحبت "تصوير/ تسجيل" الفيلم كانت متزامنة مع كثافة الضعف الجسماني للمخرج نفسه وفقدانه القدرة على أداء مهنته. انه فيلم لا يمثل فقط اشكالية وجودية لفنان سينمائي يقف بوعي مشروخ على نهاية حياته انما بالأحرى ينطوي على اشكالية فنية في تاريخ السينما والفنون قاطبة وجماليتها الموضوعة بين قوسين وهي تجربة من الصعب تكرارها في تاريخ فن الفيلم وفي علاقة الفنان بمادته وتاريخه الشخصي وباشكاليات الخلق الفني والعجز عن الفعل. وربما نجد صورا مماثلة في أعمال مايكل انجلو وكارفاجيو وبودلير وتاركوفسكي وموتسارت وانجمار برجمان وهيرمان هسه ولكن تلك الاعمال لا تعود من ناحية اشكاليات تخص الفن وخلق الصورة الفنية بقدر ما هي انتقال من مجرد عمل فني الى اعتراف صوفي وتدليل انساني ميتافيزيقي معا. ويخيل الي أن فيلم "أزرق" قد صنع فقط من أجل عاشقي الموسيقى والعميان الذين كفوا عن النظر الى الصورة الوصفية لمظهر العالم لأن العالم كما صاغه شوينهاور كاعلان محير "العالم هو فكرتي" قد وجد ضالته في مقولة الشاعر الفرنسي ملارمية "لقد وجد العالم كي يتحول الى كتاب" وفي حالتنا فان العالم قد تحول الى فيلم أو غيمة زرقاء، حياتها ووجودها محدد بزمن عرض عبر شاشة محددة بنسب رياضية بحتة، وقد استسلم جارمان اخيرا الى الراحة والسكون والعزلة التامة في مواجهة شاشة يتأمل صوره المختبئة وراء غيمة زرقاء أو مجاز الشاشة فخير وسيلة للحفاظ على صورة الخيال هو إبقاؤها في طي الكتمان، وهي صورة أقرب شبها بالصور التي يدركها راهب في تأملاته المتعالية. طقس جارمان الذي يفرضه على مشاهده يشبه ذاته طقس التأمل الاساسي في بوذية ZEN فالتأمل يمثل جانبا هاما من أركانها ومما يتناقل ان مؤسسها Bodhidharma جلس بلا حراك محدقا في جدار طوال تسعة أعوام في دير Shaw lin ssa ويرمز الجدار الذي حدق فيه خلال ممارسته للتأمل الى عمق الاستنارة. إن التدليل المباشر على زرقة شاشة جارمان يكمن في استعارته الرامبوية "نسبة الى الشاعر رامبو" وجدتها! ما هي؟ الأبدية انها البحر مختلطا بالشمس. .. وفي حالة "جارمان" فستكون الأبدية "صورة لبحر قد اختلط بسماء" وقد لخصت خواصهما في سديم لوني. أزرق هو أكثر الافلام احتفاء بالخيال، وأقصى درجة يمكن ان يصل اليها فيلم سينمائي- وبشكل متطرف- وفي دحض المرئي لحساب اللامرئي. ففي انحلال الشكل وفقده لكل ثقل المادة وتحوله الى بقعة لونية- ضوئية حيث يغمر الشاشة نصوع حاد يمحو معه الصورة ومحدوديتها فإذا كنت تريد أن تمحو المرئي وحسب المقولة الشائعة "عليك ان تتكفله بالأداة الوحيدة التي تجعله مرئيا وهي الضوء" ان تمنح الصورة حدها الاحتراقي الذي تستحيل معه الى "هيولي" صورة بالامكان. .. فيلم أزرق هو اقصى درجة بلغتها الوسيط ألما ما يعد حداثيا في مشاركة الجماهير لصورة "موت« تحولت الى عرض فني يحياه إنسان لحظة بلحظة عبر شاشة وهي نفس التجربة التي عايشها الجمهور على الهواء وهو يرى الكاتب الفرنسي الشاب "أرفيه جييبير" وهو يموت من خلال أحد البرامج التلفزيونية الذي سجل اللحظات الاخيرة في حياته قبل أن يموت في ابريل 1992 على اثر اصابته بمرض الايدز حيث رأى الجمهور "الكاتب" وهو يستعرض أمام الكاميرا جسده العاري الذي أخذ ينحل ويتحلل وقد منح نفسه كموضوع للمراقبة.
"مسودة رابعة" نظرات وشرائط فيديو وتاريخ للنفي ... لعام كامل ظللت أتردى في هذيان محموم بحثا عن فكرة (ما) من الممكن ان تصبح موضوعا لفيلم. وبالمعنى المباشر لم يكن ما أبحث عنه هو "فكرة" فالأفكار لا تصنع أفلاما ولا أعول عليها كثيرا والسينما ليست في الحقيقة سوى ايقاع ينتج عن تزامن صور زمنية معينة بأصوات زمنية معينة والشخصيات التي تحيا في فضاء النص المتخيل يجب أن ترتبط جماليا بالشاشة ذاتها وليس بالأفكار- ولكني لم أعرف في حينه الصور التي يجب علي أن أعرضها في فيلم، كان يحدوني شك في مخيلتي التي كفت عن اصطياد صورها.. ولكن أليس الشك من دواعي الايمان؟ ألم ينتج (اندريه روبلوف) الشك ذاته في مقدرته على الرسم وفي جدوى ما يفعله وفي قيمة الفن أساسا؟! في مواجهة كل أشكال التدمير التي تلحق بالمرء. ولكن خلال فترة الفراغ التي مرت بي لم أجد العزاء إلا في الفرجة على الأفلام. أعدت رؤية كل تراث السينما الامريكية في فترة الاربعينيات المحببة الى أفلام هيوارد هوكس والنوم العميق.. مارلين ديتريش الغامضة وجوزيف فون ستيرنبرج العظيم.. جون هيستون وافلامه السوداء.. كازابلانكا همفري بوجارت وانجريد برجمان.. جيلدا كارلوس فيدور.. روسيلليني وآنامانياني الساحرة.. أين ذهب كل هذا السحر؟! كنت أريد أن أشحن مخيلتي مجددا بالصور وان استعيد ولعي القديم بلذة الفرجة على الافلام والتي خبت الآن بداخلي بعد أن صرت محترفا في صناعة الأفلام.. وحتى هذه اللحظة وبعد ان تجاوزت الثلاثين لا أعرف حقيقة كيف تصنع الأفلام؟ "بالطبع أعرف بطبيعة الحال كيف يتم طبخها واعداها للالتهام كوجبات شهية طازجة" ففي كل مرة وهي جميعها تتشابه في فعل البدء المتعثر تعود الدورة من جديد الى نقطة الصفر! حيث اقف حائرا لا ادري كيف يمكن لي أن أبدأ كتابة فيلم وتحويل كل هذه الفوضى التي تملأ رأسي الى نظام ووضوح ونسق فني! ذلك التشوش الاعمى لميلاد الصور واختلاطها أمام عيني. وبعد كل تلك الساعات التي لا تحصى ولا تعد والتي قضيتها في ظلمة صالات السينما بجميع أنواعها ودرجاتها وآلاف الأوراق والسيناريوهات والصور التي عكفت على كتابتها ثم أعدت تمزيقها بنفس الوهج والدأب الذي كتبت به مسريا نفسي بان متاهات البداية المتكررة لا تلبث أن تجرني الى نهاية ما دون أن أدري. لم أعرف قط قانون البدء؟ أثناء ذلك فكر ت أن أكتب (فيلما كوميديا) كانت قد جاءتني فكرته في احد الايام اثناء انتظاري في محطة قطارات "(TERMINI) بروما: يدور حول رجل في الستين من عمره قضى ما يقرب من خمسين عاما متخبطا بين القطارات والمحطات المختلفة.. يعمل "قومسيونجي" ويقوم برحلات سفر غريبة وغامضة من اجل ان يقوم بتوصيل أشياء تافهة لأناس - تافهين مثله لا يعرف عنهم شيئا ولا هم أيضا يعرفون عنه شيئا فهو بلا بيت او عائلة وماضيه غامض ومزور وعندما تضطره ظروفه اثناء الرحلات المتواصلة الى المبيت فانه يتخير دائما فنادق رخيصة تقع في حدود المحطات التي يصادف ان ينزل بها دون أن يجرؤ على الابتعاد أكثر من مبنى المحطة. وحياته التافهة عبارة عن لقاءات عابرة وعلاقات عابرة وجنس عابر وقصص عامرة تولد وتموت في القطارات وعلى الارصفة وفي الفنادق والحجرات الخاصة بأناس غامضين وغرائبيين مثله وفي النهاية يموت غريبا في حادث تافه أيضا وسط قطارات خربة ومهجورة بعد أن يسرق منه كل ما يدل على هويته وماضيه داخل احدى المحطات المهجورة التي لا تقف بها قطارات.. ولكن بعد تفكير عدلت عن الفيلم وفكرت انه في ظل هذه الظروف الانتاجية الراهنة لن يقبل أحد على تمويله. لكن الصور او المشهد الحلمي الذي تراءى لي في بداية النص "صورة البيت الخراب ذات المزاج الجروتسكي كانت هي الصورة التي بنيت عليها نصي السينمائي "تاريخ وموت الصورة او حالتي" ففي هذه الصورة الحلمية كنت قد عثرت على بغيتي وكان الذي ابحث عنه غافلا داخلي دون أن أدري او انتبه. وفجأة استيقظ من غفوته نافثا في وجهي أنفاسه. قلت لنفسي: لماذا لا اصنع الفيلم عن عشوائية الصور التي تهاجمني بعنف والتي لا يوجد فيما بينها ترابط منطقي، أن أكتب فيلمي عن (مخرج سينمائي) مثلي لم يعد لديه شيء يقوله للآخرين ولكنه أيضا لا يجد نفسه صالحا لأي شيء آخر "للأسف" غير أن يكون مخرجا وكاتبا وهو يبذل جهدا شاقا من اجل العثور على فكرة فيلمه. وفكرت انه من الممكن أن يصبح مجرد التراكم العشوائي لمادتي المتنامية بشكل شره هو موضوعي الاساسي فالمشكلات المرتبطة بسيرورة عملية كتابة فيلم وانتاج المخيلة لصورها ترتبط بطبيعة المادة التي اشتغل عليها. أن يأخذ الفيلم شكلا سينمائيا أقرب الى الدراما العشوائية او كتابة المسودات غير المرتبة. الكتابة التي هي بمثابة هوامش أي هي شيء غير نهائي وهي في اللحظة التي تكتب فيها تحتمل في اللحظة التالية الشطب والالغاء. فالذي نراه طوال الوقت مجرد صور تتتابع في طوفان مستمر وهي تقوض نفسها بنفسها باستمرار منذ البدء مثل الشخصيات الغرائبية التي يقابلها "المخرج" مصادفة اثناء بحثه عن فكرة فيلمه. أناس يحيون وجودا مشروخا وهم يعكسون عليه أيضا صورهم. وفكرت ان الفيلم يجب أن يحافظ في صورته النهائية على شكل هذه المسودات البصرية، ان انظر الى مادتي بصيغة الشك والخفة في محتواها بعمل خلخلة أسلوبية في كتابة واخراج المشاهد وان يبدو الفيلم للمتفرج كاسكيما غير نهائية من التصورات والصور والاحلام تنهمر في سيلان محموم لا يثبت على شيء، مشاهد مليئة بالثغرات والفراغات مثل ذاكرة الشخصيات نتف من صور أقرب الى ومضات حلمية فجائية. شذرات لحالات انسانية غير مكتملة في حركتها تقطع في تعسف مونتاجي فالمخرج "عزيز-40 سنة" الذي نضب معينه من الصور يمضي وقته في اختلاس صور الآخرين عبر كاميرا فيديو صغيرة يسجل بها كل ما تقع عليه عيناه. صور لأناس لا تربطه بهم صلة او يجلس مراقبا لحظات متقطعة من تيار حياة لأناس يمارسون حياتهم في مجراها الرتيب يتنقص صورهم ثم يعود الى استعادتها واسترجاعها عبر شاشة حيث يمتزج ويختلط عبر أجزاء الفيلم صورتان: صورة الواقع وصورة الشاشة أي انه يحيا زمنين متقاطعين في المنظور. "زمن الواقع الفعلي لحظة حدوثه/ زمن تمثيله عبر شاشة" مما يخلق حركية من التوتر الجمالي للوسيط ذاته. فكل شيء من حوله يتحول الى صور معتقلة داخل اطار وشخصيات الفيلم التي يجد المخرج نفسه داخل اطرها الوجودية تختزن أيضا ذاكرة عبارة عن صور واصوات تكتنفها فجوات مونتاجية في تيار الزمن وشيئا فشيئا تغرق شخصيات الفيلم بعضها بعضا في تيار من الصور الذاتية والهذيانية التي تعمد الى تشويه النص الى اقصى حد ممكن من التشوش والفوضى السمعية بصرية وهي تحيا عزلتها المختارة داخل "صورها" التي تبثها وتمحي بها صور الآخرين المشوهة عبر فلاتر من النسيان وعشوائية الواقع والنفي الوجودي. وقبل نهاية الفيلم يذهب "عزيز" يائسا الى مخرج آخر عجوز اعتزل ممارسة المهنة وتفرغ منعزلا داخل بيته لمشاهدة الافلام الصامتة واختراع ألعاب بصرية غريبة ذات طبيعة سحرية من ورق مقوى كتلك التي كنا نلعب بها ونحن أطفال. "فكرت ان يقوم بتمثيل الدور المخرج الكبير توفيق صالح" حيث يخبره عزيز بإحساسه بالعجز أمام العثور على فكرة فيلم ويسأله بالحاح ان يعيد على مسامعه الدرس القديم.. كيف يمكن لمخرج أن يكتب فيلمه ويعثر على صوره!! في المشهد التالي المقتطع من سياق نص "تاريخ وموت الصورة" يحلم "عزيز" بصور قديمة له وهو "طفل" عندما كان يذهب مع عائلته الى صالة السينما القديمة المجاورة لبيته والمشهد لا يقدم بوصفه "ماضي مسترجع" وانما كشظايا صور يعاد تركيبها والتلاعب بمفرداتها البصرية المشوهة داخل رأس حالم.
سينما الحلمية/ داخلي * صالة السينما: على شاشة العرض تتتابع أمامنا صور من فيلم "الملاك الأزرق« لمارلين ديتريش وصوت الفيلم غير واضح تماما. الشاشة عبر مقاعد الصالة الفارغة. ورجل يجلس في الصف الامامي للصالة قريبا جدا من الشاشة معطيا ظهره للكاميرا. .. يبدو منعزلا وخلفه تظهر عدة صفوف من المقاعد الخاوية ينعكس على ظهورها أطياف ضوئية. "نسمع بوضوح ازيز آلة العرض وصخب المتفرجين وصرخات طفل رضيع«. "تنطلق بين وقت وآخر عبر العرض ويتردد صداها في الصالة". وجه الشيخ العجوز "في السبعين تقريبا تتذبذب عليه الاضواء الرمادية المنعكسة عن الشاشة.. هو وحيد أمام وجه مارلين ديتريش يدخن بتوتر ويبدو مستغرقا تماما في الفيلم وهو يحدق بعينيه الحسيرتين بوله شديد الى الشاشة والاصوات تقتحم عليه عزلته. الشاشة وتتابع لمارلين ديتريش والاصوات الخارجية تشوش على حوار الفيلم المعروض أمامنا. الشيخ العجوز يجذب عدة أنفاس من السيجارة التي شارفت على نهايتها ولكنه غير منتبه إليها . وسحب الدخان ترتفع فوق حاجبه.. فوق وجهه وراءها. * "كابينة العرض": "صوت أزيز آلة العرض أكثر علوا". "جدران كابينة العرض الضيقة تكسوها افيشات لأفلام قديمة تعود الى الاربعينيات وصور فوتوغرافية" "لنجوم ونجمات السينما الامريكية لنفس الفترة، تتوسط الجدار صورة فوتوغرافية ضخمة جدا لمارلين ديتريش من فيلم "الملاك الازرق". ..الخواجة "شقال- عامل العرض "في الاربعين من عمره" "يركب بوبينه جديدة في آلة العرض الثانية بينما الاولى لا تزال دائرة. يظهر الآن في كامل فتوته واناقته كأحد نجوم السينما وجهه متقد بحمرة وله شارب مشذب رفيع على طريقة كلارك جيبل، عيناه مكحولتان وشعره مسرح الى الوراء بعناية فائقة يلمع بسواد مكتوم والسيجارة معلقة من زاوية فمه مثل همفري بوجارت. يلقي الآن نظرة خاطفة على الماكينة الاخرى الدائرة ويداه تثبتان بوبينة الفيلم داخل "خزنة" آلة العرض. ضوء ساطع يخفق بشدة عبر عدسة آلة العرض... .. كادرات متتابعة لمارلين ديتريش تجري بسرعة أمامنا وتبدو ثابتة مكررة لنفس الصورة. * "صالة السينما": يد (مرشد المقاعد) تتحرك في ظلمة الصالة ممسكة ببطارية تنبعث منها بقعة ضوء حادة تومض في مواجهة الكاميرا. بقعة الضوء تتقافز في حنيات الصالة في خفة يمينا ويسارا اثناء حركة اليد غير الثابتة. بقعة الضوء تسقط عفوا وبشكل مفاجئ على وجوه المتفرجين كاشفة عن الحياة الخفية التي تدور في صالة السينما المظلمة. .. الآن نصطدم بوجه أحد المتفرجين يجلس في منتصف الصالة متجها بوجهه الى الشاشة وهو يقزقز اللب ويبصق أمامه بالقشور بعصبية دون ان يحول عينه عن الشاشة. .. قشور اللب تتطاير مصطدمة ببقعة الضوء في حركة بطيئة جدا وهي تلاحق بعضها بعضا. أمام وجهه. * "بلكون السينما": ليلى والأم وعزيز "في السادسة من عمره" ينزلون جميعا في اضطراب الظلمة المفاجئة للبلكون المتحدر وهم يتحسسون طريقهم وتظهر أجسامهم معتمة على خلفية الشاشة المضيئة وبوجه مارلين ديتريش الساحر وهي تبدأ في الغناء وسط جوقة "الكبارية". "أصوات فتح واغلاق ابواب يتردد صداها "في القاعة" "مختلطة بصوت ازيز آلة العرض والفيلم المعروض" "وحركة دوران Rewinder بكابينة العرض". * "كابينة العرض": يد الخواجة شقال نذير Rewinder، وهو يلف فصلا من الفيلم على بكرة في حركة سريعة جدا . "صوت دوران الريواندر". * "صالة السينما": بقعة الضوء المشاكسة تعبر الالواج والبناوير الجانبية الفارغة. .. تسقط بشكل مفاجئ على وجه مارلين ديتريش المعروض على الشاشة ووجه مارلين ديتريش يخيم قليلا على الشاشة وراء بقعة الضوء التي تلاحق جسدها قافزة على أجزاء الجسم المثير. "الجمهور القليل في الصالة يتململ بصوت صفير حاد". * "بلكون السينما" "الصفير يأتي من صالة السينما". .. في الظلمة المشروخة بالاضواء الرمادية المنعكسة عن الشاشة: يد الام ممدودة أمامها تتحسس طريقها في العتمة وتهمهم بكلمات غير واضحة وتسحب من ورائها يد "ليلى" التي تتبعها متخبطة في العتمة وتمسك هي الاخرى بيد الصغير (عزيز) المضطرب بشدة من العالم الجديد الذي وجد نفسه فيه. .. يد الأم تصطدم عفوا بالمقاعد الفارغة التي تتعثر بها وهي تشق طريقها .. يد عزيز متشبثة بيد "ليلى" التي تنبعث منها اثناء نزولها الدرجات أصوات شخللة الأساور في معصمها. .. عبر الفجوات الكائنة في الجدار الخلفي يظهر وجه الخواجة شقال عبر نافذة العرض ملقيا نظرات خاطفة ثم يتوارى بسرعة. ..شريط الفيلم يمر بسرعة خاطفة عبر تروس آلة العرض. * "صالة السينما": طفلان (في سن السادسة تقريبا)، في ملابسهما البيتية (بيجامات) يجريان ويلعبان عبر ارجاء الصالة غير عابئين بالفيلم المعروض. .. يتقافزان فوق المقاعد في فوضى هائلة ويعبرا من فوق اكتاف المتفرجين وقد تسببا في هرج شديد بالصالة. بقعة الضوء تصطدم بأيدي المتفرجين الذين يحاولون الامساك بالطفلين اللذين يتقافزان بخفة ومرح فوق المقاعد وسط صرخات نسائية وضجيج دبدبة الاقدام على المقاعد. .. يد تنجح بالكاد في جذب سروال احدهما معرية مؤخرته. .. الطفل ينجح في الافلات وهو يتقافز من صف الى آخر وهو يشد سرواله لأعلى. * "بلكون السينما": عزيز ينزل متحسسا في العتمة موضع قدميه على الدرجات الزلقة التي تنعكس عليها لطشات ضوء أحمر مكتومة. عزيز متلفتا حواليه عبر ذراع ليلى الممسكة بيده. ومن وجهة نظر عزيز نرى وجوها متفرقة (عائلات) تجلس في البلكون اكثر هدوءا واناقة من متفرجي الصالة تنعكس على وجوههم أضواء منعكسة من الشاشة لا تكشف عن الملامح بصورة واضحة. * "صالة السينما": بقعة الضوء تصطدم اثناء رواحها ومجيئها عبر الصالة بطفل (4 سنوات) يقف فوق مقعد بقدميه مستغرقا في عمل شيء لا نتبينه في بادئ الامر.. وجهه منحن لأسفل وهو يكركر ضاحكا بشدة سعيدا بلعبته. .. بقعة الضوء تسقط بسرعة لأسفل حيث تكشف عن يد الطفل وقد انزل (الشورت) ممسكا عضوه الصغير ويتبول على أرضية السينما فرحا بصوت البول المنهمر منه. "صوت خرير الماء ممتزجا بصوت مارلين ديتريش". بقعة الضوء تنسحب ببطء على خيط الماء الأرضية وشظايا الماء المتدفق من أعلى لأسفل كموجة متكسرة تبرق في ضوء البطارية. * (احد البناوير في القاعة العلوية): .. العائلة قد استقرت اخيرا في احد البناوير الامامية. ليلى والام تلهثان في مقعديهما وكل منهما تسوي ثوبها عليها وتتهيآن لمشاهدة الفيلم. وجه ليلى الشبيه جدا بوجه مارلين ديتريش يميل على وجه الام الناظرة أمامها الى الشاشة وليلى تهمس اليها بكلمات غير واضحة. الأم تنفجر فجأة بالضحك وهي تضع كفها على فمها متلفتة حولها في خجل وعزيز يجلس صامتا ومبهورا لما يراه والضوء الناعم يتذبذب على وجهه الطفولي. * (صالة السينما): الكاميرا تتابع بحيرة هائلة من ماء البول المتدفق كشلال يجري على أرضية الصالة المنحدرة تحت المقاعد وأقدام المتفرجين الذين خلعوا احذيتهم وجلسوا في استرخاء كيفما اتفق. طوفان البول يجرف معه اكياس اللب الفارغة والقشور وأعقاب السجائر وحبات الفيشار وكل مخلفات (الحفلة) السابقة. "صوت تدفق الماء على أرضية السينما" شلال الماء يصطدم بالاقدام العارية للمتفرجين الذين بدأوا يحسون بخطر البلل. الرؤوس تنحني باحثة بين اقدامها وقد فوجئوا بالشلال. "أصوات لغط غير مفهومة تتعالى من بين جنبات الصالة" "تشوش على صوت غناء مارلين ديتريش". .. المقاعد ترتفع في خبطات متوالية الطفل ما زال يكركر ويضحك كاشفا عن سنتيه الاماميتين المكسورتين ورشاش الماء يتدفق منه متطوحا يمينا ويسارا في الهواء وكأنه يرش حديقة متخيلة! .. شاشة العرض عبر أجساد المتفرجين ورؤوسهم المنحنية بين المقاعد محاولين تفادي البلل برفع اقدامهم فوق المقاعد ومارلين ديتريش تؤدي فقرتها الغنائية والبروفيسور يجلس بين زبائن الكباريه "يشاهد عرض الملاك الأزرق". * (بنوار العائلة): عزيز في مقعده ناظرا أمامه الى الشاشة خارج المجال "صوت ازير آلة العرض" .. عزيز من البروفيل واذنه تحتل الشاشة منصتا الى صوت ازيز آلة العرض ببطء يدير (عزيز) وجهه الى الخلف ناظرا عبر ظهر المقعد الى أعلى الجدار الخلفي وشباك العرض والاطياف الضوئية المتماوجة تسبح داخل مخروطها ذرات من الغبار المتطايرة وخيوط دخانية تتحرك بافعوانية. يقف نصف قومه متطلعا الى الاطياف وهو متشبث بيده في ظهر المقعد يلفه السكون وفي عينيه نظرة متألقة باكتشاف ما. يلتفت الى الوراء دون ان يغير وضع جسمه ناظرا الى الشاشة. .. الشاشة والفيلم المعروض عليها. .. عزيز يعود ناظرا مرة أخرى الى الاطياف وعلامات التعجب بادية على وجهه. .. الكاميرا تتحول نحو الأم وليلى وهما تثرثران بأحاديث غير واضحة اثناء متابعتهما للفيلم وليلى تتحسس شعرها بين وقت وآخر بنعومة "أصوات شخللة الاساور في معصم ليلى تنبعث بايقاع ثابت" .. عزيز يلتفت الى يد ليلى والاساور المشخللة وجانب وجهها مواجه له بينما وجه الأم خارج الوضوح البؤري .. ينظر مرة اخرى الى الفجوات المضيئة في جدار الكابينة معطيا ظهره للشاشة عبر نافذة العرض نرى ظلال الخواجة شقال وهو يتحرك بداخل الكابينة. صوت دوران جهاز Rewinder وفتح واغلاق علب البوبينات لها صدى مرجع" فجأة تسقط على وجه عزيز بقعة ضوء البطارية الآتية من الصالة عزيز يستدير بشكل مباغت في رعب نحونا. * "صالة السينما) بقعة ضوء البطارية تتحرك عابرة بحركة "بانوراميك" هادئة مقاعد الصالة .. الآن بقعة الضوء تصطدم بوجه شحيم لرجل "في الخمسين من عمره" يجلس في الصفوف الخلفية مع عائلته وقد راح في غفوة وسقطت نظارته الطبية على أنفه; بقعة الضوء تومض على رأسه المسند على ظهر المقعد وذراعه ممدودة على حافة المقعد وراء رؤوس الابناء المجاورين له بقعة الضوء تسقط على صدره الذي يعلو ويهبط بالتناوب وهو يتنفس بعمق "صوت شخير عميق" تتحرك بقعة الضوء كاشفة عن الابناء المجاورين للأب النائم (3 أبناء ذكور) "مفرطو البدانة ويشبهون الأب بشكل مضحك" .. بقعة الضوء تكشف عن حركة ايديهم المحصورة بين المقاعد وهي ترتفع وتنخفض بالتناوب في حركة آلية لتلقم الافواه اللحيمة شيئا ما لا تتبينه في الظلمة. "صوت حركة اسنان الابناء وهي تمضغ وتهرس وتطحن المأكولات تتزحزح بقعة الضوء جانبا لتكشف عن الأم الجالسة في الطرف الآخر. في الثلاثين من عمرها وجهها كامل التدوير ويبدو كقناع مسرحي في بقعة الضوء تحت ألوانه الصارخة التي تزيده دسامة وشهوية. وجه المرأة من البروفيل متجها الى الشاشة (خارج المجال) ونرى شفتيها المصبوغتين بأحمر فاقع تتحرك وهي تمضغ (لبانا) بشكل مثير وشهواني جدا "صوت فرقعة اللبان في فمها" كشاف الضوء يتحرك منسحبا عن الوجه في حركة سريعة بانورامية الى وجه الأب.. لا يزال نائما يتنفس بعمق. الآن تعود بقعة الضوء الى الوجه الشهواني المثير للمرأة وهي تنظر أمامها الى الشاشة خارج المجال. فجأة تتوقف المرأة عن مضغ اللبان وقد أحست بالضوء المنصب على وجهها.. الآن تستدير بوجهها نحونا ببطء وثبات حيث مصدر الضوء، تحدق بعينين واسعتين في حدة. ..بقعة الضوء ترتجف بارتعاشة خوف من نظرات المرأة النارية منسحبة في حركة سريعة عن الوجه الذي يسقط في الظلمة. وجه المرأة لا يزال متجها نحونا.. يحدق في نفس الاتجاه. "صوت مضغ اللبان يعود مرة أخرى ولكن أقل بطئا وأكثر وحشية" .. بقعة الضوء تروح وتجيء في عصبية مستثارة عبر الصالة باحثة عن شيء ما وتصطدم في حركتها الهوجاء بوجوه اخرى عفوا لكنها لا تثبت على شيء. .. فجأة يدخل وجه المرأة السابق حيز الضوء الذي يعبرها غير منتبهة اليه.. ولكن بسرعة بقعة الضوء تعود متلهفة الى الوجه الشهواني ليثبت عليه لحظة.. "صوت مضغ اللبان بنفس الايقاع البطيء المسترخي" .. الضوء ينقطع عن الوجه الذي يعود يسبح في انعكاسات ضوء الشاشة عليه. عبر الفسحة الضيقة المحصورة بين المقاعد بقعة الضوء ترتجف باستثارة على قدمي المرأة الحافيتين والمسندتين فوق فردتي حذائها". الآن تصعد بقعة الضوء المنسحبة على ساقي المرأة الربلتين ثم فخذيها المنحسر عنهما فستانها المشجر الضيق حيث يبدو عبر طوقه جانب من وركها. الآن تصل بقعة الضوء الى حجرها الممتلئ باستدارته.. عيناها ثابتتان امامها حيث الشاشة خارج المجال. ولكن ببطء ترتخي اعصابها متوقفة عن مضغ اللبان منتبهة لما يحدث. تخفض وجهها ناظرة الى بقعة الضوء التي تصعد متحسسة جسدها حتى تثبت فوق ثدييها العملاقين والمجرى العميق بينهما عيناها تنكسران وهي تنظر الى نفسها وبقع الضوء قد افترشت بلاطة صدرها والمجرى العميق بين الثديين. "أنفاسها تسمع بوضوح في توترها" الآن وجهها يستدير نحونا حيث مصدر الضوء ولكن بحركة اكثر رقة ومغرية جدا .. من وراء احد الاعمدة المستديرة يظهر شبح "مرشد المقاعد" غير واضح المعالم وضوء لكشاف في يده يومض مرتعشا في مواجهة الكاميرا شفتا امرأة تنفرجان ولسانها الاحمر يتلوى في خندق الشفتين وعبرهما يبزغ ببطء الى الخارج (بالون اللبان) الذي يأخذ في الانتفاخ التدريجي داخل (بالونة اللبان) تتموج صورة مارلين ديتريش من فيلم الملاك الازرق (S E) .. بالون اللبان تصل الى ذروتها بالانفجار الساحق بصوت فرقعة مدوية "ضوء الكشاف ينقطع مع الصوت«. "إظلام" "صوت الفيلم مستمر" * (بنوار العائلة) عزيز لا يزال يراقب اطياف الضوء الخارجة من نافذة العرض وهي تتماوج.. فجأة تظهر الفراشة تتطاير وترفرف بجناحيها وتسبح في مجرى الضوء الطباشيري وسط الغبار وخيوط الدخان المتحركة. "صوت رفيف جناحي الفراشة". .. عزيز ناظرا باندهاش وتعجب لما يراه. (الفراشة/ الكاميرا) تحلق على رؤوس المتفرجين ترتفع الى علو شاهق ثم تهبط بسرعة هائلة نحو الصالة (Birds- Eye View) .. عزيز ينهض من فوق مقعده قافزا يطل عبر سور البنوار الى اسفل باحثا بعينيه عن اثر للفراشة. الصالة من وجهة نظر عزيز .. عزيز يرفع وجهه يأسا وتصطدم عيناه بوجه مارلين ديتريش.. يملأ الشاشة أمامه عيناه تغيمان قليلا في نظرته الحالمة الى وجه مارلين يدير رأسه الى الخلف حيث تجلس (ليلى) ناظرا اليها .. ليلى غير منتبهة لنظرة عزيز إليها فهي مندمجة في الفيلم المعروض .. عزيز مندهشا لوجه الشبه بينها وبين مارلين ديتريش ثم يحول وجهه الى الجدار الخلفي ونافذة العرض حيث يظهر عبرها وجه الخواجة شقال .. تتلاقى عيونهما في نظرات طويلة ثابتة.. كل منهما ينظر الى الآخر .. عينا عزيز تختلجان قليلا .. الخواجة شقال يختفي من وراء نافذة العرض. وتطفأ أنوار الكابينة "صوت الفيلم مستمر" * "كابينة العرض" الخواجة شقال في السبعين من عمره وقد شاخ وهرم وجهه كثيرا يجلس في ضوء شمعة متقدة تلقي بظلال كثيفة على الجدران من حوله ماكينة العرض القديمة دائرة على الفصل المنسي من "الملاك الأزرق". وجهه يبدو عبر زخم الاشياء وماكينات العرض ومخلفات علب الافلام والبوبينات المنسية والملصقات والصور ممزقة. بروفيل وجهه وهو ينصت الى صوت غناء مارلين ديتريش مغمضة العينين. .. الآن يفتح عينيه بطيئا; يظل ثابتا دون حراك، الظلال تتراقص على وجهه المجعد.. صورة مارلين ديتريش الفوتوغرافية ممزقة الى جزازات منفصلة متناثرة على الأرض .. الكاميرا تنسحب فوق الصورة الممزقة الى قطع جانب الوجه عينها ويدها الممسكة بالسيجارة شفتاها.. شعرها المموج.. ساقاها العاريتان المسحوبتان برشاقة داخل الجوارب المخرمة.. الظلال الناعمة تنعكس على كولاج الصورة الممزقة عبر نافذة العرض يبزغ وجه الخواجة شقال ينظر مضيقا ما بين عينيه الى الشاشة .. الشاشة (من وجهة نظر الخواجة شقال) حيث نرى صورة الفيلم المعروض متميعة خارج الوضوح البؤري الصالة فارغة والمقاعد محطمة "صمت.. فقط صوت أزيز آلة العرض" * "صالة السينما" عزيز في (السادسة من عمره) يتقدم عبر الممر المنحدر بين المقاعد المحطمة معطيا ظهره للكاميرا في شورته القصير وقميصه الابيض. .. يتقدم على خلفية الشاشة والفيلم المعروض .. الاضواء الرمادية تغمر وجهه بالتدريج وهو ينظر الى اعلى حيث الشاشة "خارج المجال" .. وجه مارلين ديتريش يملأ الشاشة في حركة ابطأ من سرعة عرض الفيلم المعتادة .. ماكينة العرض وشريط الفيلم- يجري بين التروس. كادرات متتابعة لنفس المنظر متكررا الى مالا نهاية .. وفجأة يتمزق الفيلم داخل ماكينة العرض وهج متذبذب شديد ومتقطع يخفف بشدة عبر عدسة آلة العرض "صوت غناء مارلين ديتريش يتشوه ثم ينقطع بانين ممطوط" ولكن ازيز آلة العرض مستمر .. الشاشة وصورة مارلين ديتريش المسقطة على الشاشة تحترق امامنا ببطء شديد .(ES) .. جيلاتينا الوجه تتقشر امامنا كجلد يحترق في حركة بطيئة جدا. "صوت احتراق السلولويد" .. مستطيل ابيض متقطع ينعكس امامنا على الشاشة الممزقة والمتربة
"مسودة أخيرة" بين سينما الحلمية ومارلين ديتريش واندريه تاركوفسكي سيبدو لي الآن الامر برمته وكأنني قد دفع بي دفعا الى ان ألج هذا العالم المغوي وانني أيضا قد اسقطت نفسي فيه عامدا متعمدا. في وسط اجتماعي مغلق ومقفل على نفسه يتقوت على أفكار متوسطة القيمة كانت السينما والافلام شيئا من السحر الحقيقي- سحر الاكتشافات الاولى الذي لا يعادله سوى سحر اكتشاف طفل بريء لأعضائه الجنسية- هذا الطقس السحري الذي احاط بي عندما ولجت السينما لأول مرة ورأيت لأول مرة وجها بكل هذه الضخامة والكبر ينعكس أمامي على جدار.. "في طفولتي كنت أتوهم بأن المناظر التي أراها على الشاشة انما هي كائنة وراءها فخلف الشاشة توجد شوارع وانهار وكل العالم«. ويخيل لي الآن بان هذا الطقس لا يختلف كثيرا عن طقس كتابة واخراج الافلام ذاتها.. نفس القلق والخوف والتردد بين امكانيات الخيال المدهشة. نفس الاصطدام المروع والانتقال المفاجئ بين النور المبهر والظلمة المخاتلة. انتقال العينين الحائر بين الاطياف الغامضة التي تحلق فوق رؤوسنا والاختيارات المحفوفة بالمخاطر والتي لا سبيل الى تصحيحها فيما بعد. خوض لحظات التمرغ الشهواني مع الخيالات الثملة كارتطام جسدين في شهوة تبغي تجربة كل الامكانيات المتاحة وكل الاوضاع المتخيلة في وقت واحد وبطرق متعارضة تعمل جميعا ضد الجاذبية واللياقة البدنية. الآن يصعب الامساك باللحظة عندما نستعيدها مرة أخرى او تفاجئنا بغتة في الحلم.. كيف يمكن استعادة واسترجاع التدفق المحموم لصور وأصوات؟ الامساك بتزامنهما عبر "فيلم" المشهد السابق الذي أوردته عبر نص كنت قد كتبته عشرات المرات وبصياغات مختلفة عبر نصوص وسيناريوهات متباينة القيمة وظل المشهد في غموضه البصري والحسي يحيرني وأعيد كتابته محاولا تخيل الذي كان يدور في رأس "طفل" لم يتجاوز السادسة من عمره وهو يخطو اولى خطواته المتعثرة داخل السينما المجاورة لبيت عائلته ممسكا بيد "أمه« وهو يتعثر ويقع في درجات السلم الزلقة ويحس بالخجل أكثر من الألم في جسده لانه سقط متدحرجا أمام الناس الغرباء ومن حوله في الظلمة المرتعشة همسات وضحكات ووجوه غريبة عنه وقد استسلمت اخيرا ليد أمي دون مقاومة تذكر والى عتمة الصالة والى الصوت الأجش لمارلين ديتريش في الملاك الأزرق والذي يمتزج فيه بغموض موح ذكورية معلنة معجونة بشبق انثوي مكبوت او على الاقل غير مصرح به. هل كان فيلم "الملاك الأزرق" هو أول فيلم شاهدته معروضا على شاشة في أول مرة أدخل فيها السينما؟! "فيلمان عظيمان في بروجرام واحد". هذه هي العبارة المكرورة التي كنت أطالعها عند الذهاب الى السينما سواء واجهة سينما الحلمية.. ثم في فصل الصيف على واجهة سينما حديقة النصر وريو الصيفي والتي كان يرتادها العجائز من الاجانب المقيمين في وسط البلد. ولكن السحر الأكثر بالنسبة لي لم يكن في تلك الصور المعروضة أمامي على شاشة فضية معتكرة البياض غير نظيفة تماما وانما كان في تلك الأطياف الخارجة من فجوات صغيرة منقورة في الجدار الخلفي من القاعة العلوية وانا أنقل عيني حائرا بين ما أراه أمامي وما يسبح ورائي في العتمة المشروخة بانعكاسات الضوء والظلال. في عام 1992 شرعت في تصوير فيلم "ابيقوري الجسد.. والروح" في نهاية دراستي السينمائية لكنه لم يكن الفيلم الذي أحببت أن أحققه كأول فيلم يتيح لي بشكل عملي ولوج صناعة الافلام.. كنت ارغب في صنع شيء آخر: فيلم عبارة عن مشهد واحد طويل يستغرق عرضه حوالي سبع او ثماني دقائق عن لحظات ولوج طفل لأول مرة صالة عرض شعبية حيث يرى ويتعرف على عالم آخر مناقض للذي يعرفه. فيلم تتداخل فيه الصور والاصوات بشكل هذياني أقرب الى حلم سيريالي من وجهة نظر طفل من الطبقة الوسطى النظيفة تماما في كل شيء حيث تدفعه الحماقة في أحد الايام الى الذهاب وحده بعيدا عن حماية العائلة الى دار سينما مختلفة عن تلك التي كان يرتادها مع عائلته وهناك داخل هذه السينما يجري عرض فني في صالة السينما مواز للفيلم المعروض على الشاشة ولكن انتهى بي الأمر الى تصوير "الجسد والروح" الذي لا يخرج عن كونه مجرد ألعاب للفرجة في زمن عرض. نوع من اللغو والهرطقة الفنية تأخذ شكل "باستييش" حيث يتخذ من مواد وأعمال فنية سابقة "لوحات تصوير ايروتيكية/ أعمال يوهان سبستيان باخ" مادة له يعيد المخرج تشكيلها. أي انه فيلم أقرب الى "اسكيما" لمخرج يفكر في مادته ووسيطه السينمائي حيث لا شيء خارج حدود الشاشة مجرد فيلم يتقوت على نفسه، وكنت أرغب في اللعب فنيا على طريقة "الكسندر كلوج" ولكن البعض اعتبره عملا منافيا للذوق ومشحونا لأقصى درجة بالخيال الجنسي!! أي انهم قاموا بقراءة عمل فني من "أسفل«! ولكن حسب المقولة الشائعة اننا لا نقرأ الأعمال الفنية ذاتها بقدر ما نقرأ في الاعمال الفنية أنفسنا والذوق الجمالي السائد حيث نخلع عليها محصلة أفكارنا وتاريخنا الشخصي. وفي الحقيقة كنت فقط أريد أن أتحدث بطريقتي أن أتلعثم واخطئ (إن كان في الفن وممارسته تسري أحكام الخطأ والصواب) وربما ما أقوله لا يفوق ما قيل من قبل جمالا ولكنه أيضا لن يكون اكثر قبحا وبلاهة مما قيل من قبل. .. ولكن على يقين أيضا انه لن يكون شبيها بمن استغرق تصوير الفيلم ما يقرب من العام بشكل غير متصل ولكن عمليات المونتاج وتسجيل الاصوات وتركيب الموسيقى والتحميض والطبع تمت في اسبوع واحد حيث قام بعمل المونتاج (المونتير الموهوب "خالد مرعي" تحت اشراف فني لعادل منير الذي ترك لنا جهاز المافيولا الخاص به نعمل عليه بحرية تامة ولم يبخل علينا بخبرته الفنية العميقة. وفي يوم 16 يوليو 1979 يصل تاركوفسكي الى روما حيث يقيم في منزل الشاعر والسينمائي الايطالي "تونينو جويرا" ويشرعان معا في التفكير في فيلم مشترك بينهما عن حالة الحنين ورحلة بحث روحية. وفي 18 يوليو 1979 يكتب تاركوفسكي في مفكرته: "أنا وتونينو نناضل من اجل اكتشاف السبب- بالمعنى الشعري بلغة الصور- لرحلة البطل. يمكن ان يبدأ الفيلم بحلم فيه يتجادل البطل مع زوجته". ثم يكتب عنه انجمار برجمان قائلا: "عندما لا يكون الفيلم وثائقيا فانه حلم ولهذا فان تاركوفسكي هو أعظمهم على الاطلاق انه يتحرك بحرية مطلقة في عوالم الأحلام دون ان يقدم شروحات وماذا يجب عليه ان يشرح؟ فجأة وجدت نفسي على باب غرفة مفاتيحها لم تسلم لي، غرفة كنت أريد دوما أن ادخلها، حيث كان هو يتحرك فيها بحرية ويسر، لقد شعرت بالتشجيع والحافز ان هناك من يعبر عن أشياء كنت أريد أن أقولها ولكن لا أعرف كيف". .. نعم انه الاعظم والاجل بين صانعي الافلام، ان ايقاعه وحركته السينمائية لأصيلة ولا يمكن تقليده او تكراره بشكل زائف لقد توصل الى لغة أشبه بالنصوص المقدسة ولغة المتصوفة غير المنطوقة والاشارات والرموز البدائية. لغة أشد قربا وفهما لطبيعة السينما والموسيقى. انه يمنحك الخيال كشيخ صوفي يشير الى المريد ببداية طريق وعليه ان يواصل رحلته دون دليل فاذا تمكن فقد وصل. أفلامه ليست مجرد ألعاب شكلية وحيل تكنيكية فالسينما هنا لا تنحصر في مفهوم الصنعة الضيق لأنها اصبحت مستوعبة ومهضومة في مجال الذوق وإذا كان "هيرقليطس" يرفرف بجناحيه على الذوق الجمالي لعصرنا "لا يمكن النزول الى نفس النهر مرتين"، فانه بالامكان عند تاركوفسكي النزول الى نفس النهر مرات ومرات دون ان يفقد المرء متعة السباحة فيه لأن ايقاعه بمثابة نهر الزمن الذي لا يمكن سبر أغواره من حياة واحدة. أما لارسي فون تريير فهو "الضد« بجماليته المأخوذة مباشرة عن التقنيات التي ولدتها تكنولوجيا الصورة الاستهلاكية المصدرة من قبل الشركات الكبرى لصناعة الكاميرات الجماهيرية الصغيرة بحجم كف اليد والتي يحملها السياح والاطفال في نزهاتهم الخلوية وحيث انقلب عنده شعار "الكسندر استروك«- الكاميرا قلم: Camera Stylo الكاميرا أداة للكتابة- الى الكاميرا أداة للمراقبة حيث كل التكنيك المرتجل بتخطيطه السريع الخشن والادراك العابر غير العابئ والمكترث بموضوع التصوير وحركة الكاميرا المهتزة النهمة الى تسجيل كل شيء وهو الاسلوب الذي أصبح شائعا ومستهلكا أيضا في الحلقات التليفزيونية الامريكية الانتاج والاقرب الى تكنيك الاستربتيز فأجزاء الجسم تفقد سحرها في التو بمجرد أن تنزع عنها قطعة الملابس، ولذة الرؤية التي تحدث لا تستغرق اكثر من زمن خلع القطعة الواحدة، وما ان تصل الموديل الى القطعة الاخيرة حتى يدب السأم في نفس المشاهد ويفقد اهتمامه بالعرض ذاته صارخا باستبدال الموديل واحلال الفقرة التالية. "وفي 22 اكتوبر 1979 يكتب تاركوفسكي: "يا الهي كم أشعر بالبؤس والتعاسة الى حد الغثيان الى حد انني أرغب في شنق نفسي.أنا وحيد تماما وهذا الشعور يصبح أسوأ عندما نبدأ في ادراك ان الوحدة هي الموت. كل شخص خانني او سوف يخونني؛ إني وحيد وكل مسام في روحي ينفتح ويتسع وروحي بلا حماية ولا دفاع لأن ما ينزهه هو الموت. أخاف أن أكون وحيدا .. لا اريد ان أعيش، أنا خائف.. حياتي اصبحت لا تطاق". .. وفي يناير 1998 كنت اقتفي اثر تاركوفسكي عبر ربوع Toscana في نفس المواقع التي قام فيها بتصوير مشاهد فيلمه Nostalghia ولكن لا اثر لأقدام على الأرض فكل شيء محتمل الحدوث هنا الزمان والمكان تلاشيا.. الآن ايها القارئ العزيز.. انتهى؟! لا فليس بعد فمن يدري..؟ يدري.. من..
الهوامش - (فرانز كافكا 1883- 1924 ): كاتب ألماني ولد في براج بتشيكوسلوفاكيا لاسرة يهودية ثرية درس القانون وشغل وظيفة حكومية بالنمسا. كان بطيئا مدققا في كتابته فلم يستطع أن يعيش من التأليف وحده عاش حياته ممزقا يكتنفه شعور مأساوي بالخطيئة والقلق وفي عام 1917 أصيب بداء السل الرئوي ونشرت أعماله بعد وفاته تحت اشراف صديقه الكاتب "ماكس برود 1884- 1968 والذي كان كافكا قد أوصاه أن يحرق كل ما كتبه. من أشهر اعماله رواية المحاكمة (والتي تم تحويلها الى فيلم سينمائي من اخراج اورسون ويلز) ورواية القصر ورواية "امريكا" التي ظل المخرج الايطالي فيدريكو فيلليني يحلم بتحويلها الى فيلم سينمائي حتى قبيل وفاته. * نص يوميات كافكا الخاصة "واقعية بلا ضفاف: روجيه جارودي "كافكا" ترجمة: حليم طوسون * (اندريه تاركوفسكي 1933- 1986): ابن لشاعر روسي "ارسيني تاركوفسكي" بدأ حياته السينمائية فور انتهائه من دراسته السينمائية بموسكو بفيلم "طفولة ايفان". في عام 1963 فاز الفيلم بجائزة الاسد الذهبي ببينالي فينيسيا للسينما وفي نفس العام كتب بالاشتراك مع "اندريه كونشالوفسكي" نص فيلم "اندريه روبلوف" الذي انجزه فقط في عام .1966. في عام 1969 فاز الفيلم بجائزة النقاد الدولية بمهرجان "كان« السينمائي ثم منع من العرض داخل روسيا بتهمة "الروحانية".. في عام 1972 قدم فيلم سولاريس Solaris. - 1974 فيلم المرأة ستالكر او "الدليل). - في عام 1980 ترك تاركوفسكي روسيا للعمل في ايطاليا والسويد. - في عام 1983 قدم فيلم "نوستاليجا« Nostalghia وقام بتصويره بايطاليا. - في عام 1986 قدم فيلم القربان والذي فاز بجائزة لجنة التحكيم الخاصة وجائزة الفيبرسي بمهرجان كان.. توفي 29 ديسمبر 1986. * يوميات تاركوفسكي المختارة داخل متن النص عن المختارات المترجمة الى العربية من كتاب "الزمن" ترجمة اليوميات من الروسية الى الانجليزية: كيتي هننز- بلير. ترجم المختارات الى العربية الكاتب البحريني "أمين صالح". * ANDRE J TARKOVSKI J SCOLPIRE IL TEMPO منشورات Ubulibre بالايطالية * مايكل انجلو كارافاجيو 1569- 1690): ولد كارافاجيو في Borgo باقليم لومبارديا اشتهر اسلوبه بالخروج عن الروح التكلفية الاكاديمية واحتقار محاكاة القدامى والقواعد الجامدة في الفن وكانت موضوعاته وطرق معالجتها غير مألوفة واضفى على الموضوعات الدينية روحا انسانية واتسمت لوحاته بالمسرحية والدرامية في توزيع الضوء والظلال والتباينات الضوئية الحادة. كانت حياته الشخصية مضطربة وتتسم بالجموح فقد اشتبك في مشاجرات عدة مع آخرين قتل أحدهم فيها ففر من روما ليعمل في نابولي عام 1670 ثم اشتبك في مشاجرة أخرى فألقي القبض عليه واودع السجن لكنه تمكن من الفرار حيث زاول مهنته في باليرمو بصقلية وعاد مرة أخرى الى نابولي ثم قرر العودة الى روما وفي الطريق أصيب بمرض الملاريا وتوفي. * مريم المجدلية "ماريا مجدالينا"): قديسة مسيحية ضمن اول من رأين المسيح عند قيامه من الاموات وكانت بالقرب منه عند صلبه أجمعت الآثار انها المرأة الزانية التائبة التي مسحت قدمي يسوع بالعطر "لوقا".. رمز لها بالتوبة ومن هذا جاء اسم "المجدلية" وكانت قصتها ملهمة للوحات فنية. | |||||