يوم خاص
 إلفريده يلينك

 

 تقديم وترجمة بسام حجار (شاعر ومترجم من لبنان)


مقدمة

إلفريده يلينك لم تعرف كروائية إلا مؤخرا، أي بعيد نيلها جائزة نوبل للآداب لعام 2004" يكاد القارئ العربي يجهل كل شيء عنها (ولا بد أن أعمالها، القليلة، هي اليوم في طريقها إلى ترجمات عربية تليق بها)، سوى أنها كاتبة، على حدة، لا تحظى، في بلدها النمسا، بكثير من الود أو الإقبال على قراءة أعمالها، لجرأتها غير المسبوقة في انتقاد البلد الذي تنتمي إليه، ولشكوك، سعت هي نفسها إلى إشاعتها، في أنها، كوالديها، مصابة بالجنون أو موشكة عليه.

لدى قراءة يلينك يتسل ل إلينا شعور  قل ما انتابنا من قبل، يدعونا إلى القلق الذي يردنا إلى أعماق السؤال الذي طالما حيرنا: هل نحن حقا أمام التجلي الخالص لأدب الذات، أم هي خدعة الكبار دائما، أمثال إلفريده يلينك، الذين يبرعون في مزج المتعة المفرطة بالقلق المفرط ؟

في ما يلي ترجمة نص  للكاتبة النمساوية يلينك آثرنا، في اختياره، ألا  يكون مجتزأ من رواية، سوف تجد طريقها بالتأكيد، وفي القريب العاجل، إلى القارئ العربي، بل انتقيناه من بين النصوص غير المنشورة بعد في كتاب للمؤلفة، عله يسلط ضوءا مختلفا على كتابتها وعلى حياتها.

هذا النص كتبته يلينك منذ عشر سنوات خصيصا لمجلة "لونوفيل أبسرفاتور" الأسبوعية الفرنسية لمناسبة انقضاء ثلاثين عاما على صدورها، ثم أعيد نشره في المجلة نفسها غداة نيل ألفريده يلينك جائزة نوبل لهذا العام.

                           ب. ح.

 

لينتس - 29 نيسان/ ابريل 1994. إنه يوم من تلك الأيام التي يبتاع فيها المرء  نفسه كتذكار. ولكنه، في آخر الأمر، لا يستطيع أن يضع هذا التذكار في أي مكان: ذلك أن ما يسمى للتو سرعان ما يزول، وما يسمى استدلالا  يولد شيئا آخر ليس هو ما كان. شيئا آخر يولد من الكتابة، لكي يتاح لنا النظر في ما انقضى" على ظاهر بطاقة بريدية مكتوبة بخط اليد لنصبح بها أو نمسي ولا حاجة  للنهار بها لكي يكون مر ة أخرى عرضة للتأمل. ذلك النهار الذي نستبقيه في ذاكرتنا لكي يجيبنا رب ما، يستحيل شيئا آخر، يتخذ شكلا محددا يصاحبنا ولا نقوى على النجاة منه. وينبغي لنا أن ننتظر نهارا آخر، رب ما الغد، لكي نغدو في حال مغايرة.

أستيقظ مستلقية على ظهري في لينتس، وإذا برأسي يهتاج كأنه أحد جمهور المشجعين الذين يصرون على الاحتفال بفريقهم وحيدين وسط الملعب. مستلقية في غرفة فندق وصداع الشقيقة يصدع رأسي فأفرغ ذاتي كما يفرغ مستوعب نفايات. أمس وصلت إلى لينتس لأشهد  افتتاح عروض إحدى مسرحياتي "في بلاد الغمام". العرض الذي قدمته فرقة مسرحية من الممثلين الشبان، كان ناجحا (وهذا لعمري حدث نادر). لقد مكثت واقفة - كجميع الحاضرين! - ساعة ونصف الساعة على منصة مشرفة على خشبة المسرح حيث سيارة "دعسوقة" تلفظ من جوفها أناسا كانوا يستخرجون ترابا من حقائب اليد التي يحملونها، وأبواقا مترددة وسواها، ويرمون بها أرضا. طبعا  سهر الجميع حتى ساعة متأخرة، وأنا لست معتادة على السهر. ففي العادة أنام باكرا لكي أبدأ بعملي عند السابعة صباحا، وحتى قبل ذلك في أيام الصيف. لكن الأمور تختلف خلال أسفاري، إذ تتضافر عوامل الضيق  والتوتر وقلة النوم وعلتي المهنية اللعينة (فقد أتلفت فقرات عنقي لفرط انكبابي على أوراقي المخطوطة إلى يسار الكومبيوتر، وذات يوم سوف تسبب لي هذه المهنة إعاقة مزمنة!) فتسبب لي نوبات صداع مريعة. وبما أني لا أسافر إلا فيما ندر، بل لا أسافر إطلاقا، لطالما كان حلولي في بيئة غريبة سببا  لاضطرابي وشعوري بالضيق. لينتس، عاصمة النمسا الداخلية، تبعد ساعتين بالقطار إلى غرب فيينا. وفي تلك المنطقة أقيمت فيما مضى مصانع هرمان غورنغ. وفيها توجد اليوم مصانع "فوست" المؤممة جزئيا، وفيها أيضا، على ضفة الدانوب، على ضفة نهرها، كان أحد الوافدين إليها من براوناو يحلم، سعيا منه لجعل لينتس عاصمة الرايخ، بأن يشيد قلعة  من الإسمنت أشبه بالصروح العظيمة، على طراز ريفنشتال. (...)

كل المدن المتوسطة متشابهة، سوى أن نهرا يجري في هذه المدينة أقيمت فوقه جسور وخطوط للسكة الحديد. نهر  كانت مياهه لتودي، عاجلا أو آجلا، بثكن الفوهرر المحصنة كما قد تودي بعربة مخيمين على ضفافها، ولتفتحت العيون على المسلسلات التلفزيونية (ديناميت لكاتدرائيات النازية حجراتها المحصنة!). هنا إذا قصد السيد الوافد من براوناو الألمان الذين قدروه، هم، حق  قدره. ولم ينقض وقت طويل طبعا حتى حذونا، نحن النمساويين، حذوه، ما دام قد تعلم كل شيء على أيدينا، وأول ما تعلمه هو الظهور بمظهر لم يكن يوما  لنا. "في لينتس بداية كل شيء"، هذا ما يردده الناس هنا. ففي هذه المدينة، مهد الاشتراكية الديموقراطية النمساوية، لم يبق شيء  مما سبق. لم يبق سوى ريح النهاية، أفول الصناعة المؤممة والوعي العمالي، البارز جدا في هذا القطاع. ونزعة الانتماء الجرماني، هذه الخطيئة المحببة لدى النمساويين، تتبدى، علانية، في العروض المسرحية، تتخطى المضائق والمعابر إلى كارنثيا حيث يتلقفها فتيان  ذوو أسنان لامعة. ولكن إذا فتحوا الأشداق سقطت منها خناجر.

أطلب طعام الفطور إلى الغرفة، راجية  أن يزول الألم، ولكن ه لا يزول، فلدى كل  إيماءة أو حركة مني تتلاطم في جمجمتي ودماغي مياه الغسيل الآسنة، وكزورق  يطفو الألم على صفحتها. بوادر غثيان. ليس بالأمر الخطير، إذ لطالما خبرت مثيله. لا يبدو جسدي مطيعا عندما أتحرك ولو قليلا، أو أنه ينصاع  بعد لأي، فلا أقوى على تلبسه تماما ولما أشاء. أستدير متلفتة بحثا عنه، فأجده بجواري، طوفا مترنحا ينبغي لي أن أمتطيه وإلا وقعت  خارج ذاتي، في الخضم الذي أتخيل لونه الزاهي: أخضر الأكواريوم. في المحطة ابتاع الصحف (كل هذا من أجل نص لمجلة "الابسرفاتور"). يصل القطار وهأنذا جالسة في مقصورة في إحدى عرباته! وسوف نرى إذا كنت سأجد هنا ما يسليكم. ما يثير اهتمامي أولا، أنا المشغوفة بقصص الجرائم والمحاكمات الكبرى، هي محاكمة جاك أونترفيغر المتهم بقتل إحدى عشرة امرأة، هن مومسات، على أثر إطلاق سراحه المشروط الذي ناضل للحصول عليه عدد كبير من زملائي (وأنا معهم، عبر التماسات عفو، وعرائض، وسواها: خمس دقائق من العمل من أجل راحة الضمير، حيث يتطلب عادة ساعات طويلة من العمل الدؤوب!). لا أدلة تثبت هذا الاتهام، لا شيء سوى أدلة ظرفية تقتصر، حرفيا، على شعرة واحدة تم  العثور عليها. أقرأ بنهم كل المقالات التي تناولت هذه المسألة وأقرر الذهاب إلى غراتس حيث تجري المحاكمة. ولكن هنا، في هذا القطار الذاهب إلى فيينا، ليس بيدي حيلة، لأن  المقالات التالية لن تنشر إلا في الطبعات التي ستصدر صباح الغد، فاليوم هو يوم المرافعات، وينبغي التريث حتى الغد. وبينما أواصل رحلتي الرجاجة، يمثل الشهود أمام القاضي، ويشيرون بأصابع الاتهام إلى هذا الرجل، الرجل الذي لا وجود له إلا  كسراب في حياة عدد لا يحصى من النساء (لا، ليس ما لا يحصى من النساء، فهو لم يطلق سراحه إلا منذ عامين ولم يعرف منهن سوى ستين)، إنه رجل غير موجود إذا  إلا نسخة سلبية هن وحدهن  القادرات على جعلها صورة، لكنه، مع ذلك، وبوصفه وعاء وصفحة انعكاس فارغة لتطلعات ورغبات هؤلاء النساء، يضطلع بدور ثان، يمكن وصفه بالشيطاني: فبالعكس، إنه - هو، الرجل الذي صار في السجن مؤلفا ويعبر، بما هو كذلك، عما هو خاص به - المحور الذي تدور حوله هؤلاء النساء جميعا. وعلى نحو ما إنهن لا يحيين - أو من تبدي منهن  اهتماما به على الأقل - إلا من خلاله، كما أنه، هو، لا يتخذ هيئته النهائية إلا عبر وعيهن. هو، "اك"، السفاح سابقا (بعد أن عذ ب فتاة حتى الموت) حكم عليه بالسجن المؤبد، ثم أفرج عنه، بمضي  خمسة عشر عاما، لقاء وعد بالعودة طوعا إلى السجن)، هو، جاك  يزداد قوة وبأسا أكثر بكثير مما تكتسبه أجساد النساء المحيطة به. ولعل في هذا يكمن الغرض من هذا الجانب من المحاكمة: تحديد الأطر، ورسم التخوم. لا بد  لي من قراءة ثانية، متأنية، للأجزاء الخاصة بموسبروغر في (رواية) "الرجل الغفل" لروبير موزيل. مما لا شك  فيه أن موزيل استلهم نموذجا تاريخيا، لكنه يرى في موسبروغر ضحية - ممسوخة - لأشكال العنف المروعة (وهذه الأجزاء هي أفضل ما كتبه موزيل بهذا الشأن). في حالة أونترفيغر لا نشعر بأننا إزاء ضحية، فهو مهيمن على كل شيء وعلى الجميع، كان يدير السجن بأكمله، وهو قادر أيضا، وأنا موقنة من ذلك تماما، على قيادة الدولة وأن يخوض هذه المحاكمة حتى النهاية بيسر وبراعة كأنه يدير دكانا لبيع السجائر. إنه إذا شخص قادر على تملك أي شيء، لكنه في الوقت نفسه، من يدري؟، موسبروغر. أحد الشهود، وهي امرأة متوسطة السن، تقدم له كيسا  من البلاستيك الأصفر مليئا بالهدايا لا يحق له أن يقبله، إذ يحظر القاضي عليه أن يقبله. وكانت هذه المرأة نفسها قد أهدته في الماضي خاتما شاهدته فيما بعد في إصبع بيانكا "فتاة مشيقة"، عشيقة عشيقها السابق. الآن، خلال الجلسة تسأل عشيقها السابق، وهي تنظر إليه راجية متوسلة: " هذا صحيح، أليس كذلك يا جاك ؟"، بينما يكتفي هو بهز رأسه، والتبسم وتدوين الملاحظات. ولكن هل هو يدو ن حقا ما يبدو له مهما لسير محاكمته، أم أنه يتشبث بهذا الشاغل الذي بات، هو وحده، القادر على إرضاء أناه الطموح، أو، لكي أعبر بنحو أقل  سلبية، الذي بات هو وحده القادر على منحه ديمومة، واليقين بأنه (موجود) ههنا، وبأنه يقف على أرضية صلبة، وله أناه الخاص؟ مع ذلك، عبر الكتابة، بلى، الكتابة، وبرغم كونه متهما ها هو يصد المرأة التي تتوسل إليه، ويحقرها رافضا الإدلاء بأي توضيح. ذلك أنه يحتفظ بالوضوح لنفسه. ومن خلال الكتابة يضع نفسه في مكانة أرقى من مكانة هذه المرأة، ذروة الكبرياء الذي عوض رفع  جانب من الحجاب يزيد الظلام ظلاما. "القاتل، أمل النساء"، عنوان مسرحية للرسام أوسكار كوكوشكا. لم شعرت أولئك النساء أنهن منجذبات إليه إلى ذاك الحد؟ لم دائما  يجذبهن؟ فما أن تنفصل عنه إحداهن، وتتخلى عنه، تكون الأخرى في الانتظار، ساعية للتشبث به أو الأحرى مساندته. أنا نفسي أتلقى باستمرار رسائل من نساء من مختلف الأعمار ساعيات إلى إنشاء لجان تضامن معه. من أين له ذلك ؟ تفسر الجاذبية التي يمارسها المجرمون على النساء بالكراهية التي قد تكنها هؤلاء على النساء الأخريات، أو الأحرى بالكراهية التي تكنها النساء لأنفسهن. أما أنا فأميل إلى الاعتقاد أن النساء المرغمات على التحول إلى موضوع  للرغبة بدل أن يشعرن، هن، بالرغبة، قد يستسلمن من دون خشية للشعور بالرغبة حيال سجين، أو معتقل. والحقيقة أن هذه الرغبة لن تكون قابلة للتحقق وتبقى بلا تبعات. لكنها تقتحم الحلبة، وتصول وتجول، قبل أن تنسحب. حيال ذلك يسود الجمع الذهول، وتبدأ الكشافات بحثها، وينجو الجسد مر ة أخرى. فالجسد لا يعرف غفرانا  آخر. وإلا القتل.

أبحث لرأسي عن وضعة تلطف من عويله. القطار يسير وفق وجهته، بحسب طريقه، وضفاف المناظر إلى اليمين وإلى اليسار، هاربة، في عيني، فلا جديد في ذلك. داخل جمجمتي منظر أعرفه، بالتأكيد، ولا أرغب في أن أراه كثيرا.

نصل إلى هوتلدورف، ضاحيتي التي تقع غربي فيينا، المنزوية بين هضاب فاينرفالد. لحسن طالعي يتوقف القطار فيها، ثم سيارة أجرة تقلني إلى منزلي في غضون خمس دقائق. كعادتها تود أمي أن أحكي لها، بالتفصيل الممل، ما جرى أثناء العرض وقبله وبعده، فلا أقوى على السرد طويلا وأكتفي بأخبار موجزة ومتفرقة، تشفق لحالي، قلقة، فأطمئنها، ليس بالأمر المهم، فلا حاجة بي لغير الاستلقاء على ظهري. يوم 29 نيسان/ابريل هو يوم ربيعي مشرق، أؤكد لكم، فقد حرصت أن يكون كذلك. أستلقي على كرسي طويل. ينهال علي الأخضر بزهوه من كل  صوب، وينتشر ويغلفني ويتسلل حتى عبر أجفاني المطبقة. كأن الشمس والأوراق والأعشاب تدخل إلى جمجمتي رامقة بنظرات مواربة الوحش الذي استقر فيها منذ بعض الوقت. وها هي تخرج شطائرها مخلفة على الأرض  قشور الفاكهة والبيض والورق المشبع بالدهون. أما أنا فأقف بجانبي، وفي تجويفي الدماغي أمني نفسي باليقين بأن  "الطبيعة جميلة، من دون أن تجمل نفسها"، غير أن الأمر ليس مماثلا في شخصي أنا، فأبذل جهدي، بقليل من المساحيق وحمرة الشفاه" وإذ أستعيد كل  أوصاف الطبيعة المتوفرة، أقول في سري، أن زادي قد نفد. فأنا أضيق بتلك الأشياء الضئيلة التي تنبت وتستأثر باهتمام البستاني. كما في المسلسلات التي يبثها التلفزيون، أتشوق لاكتشاف المذنب. فإما أن تكون الأشياء محسوبة بيسر فلا تشويق" وإما أن تكون مفاجئة. فلا أدري ما قد أصنعه بما هو طبيعة، كما هو. كما لا أدري لم لا يعترف الألمان بأن المرء ألماني إلا إذا ترعرع على أرضهم، إلا  إذا خرج، حرفيا، من ترابهم الوطني.


تصميم الحاسب الشامل