قصتان

 

 محمود الريماوي (قاص وباحث من الاردن)


1- نعاس

استيقظ سليمان بصعوبة بالغة، كما في كل صباح على نداءات زوجته له، وبدت عليه كما في كل يوم، علامات الذهول والحنق، لكونه مضطرا مرة أخرى للاستيقاظ. ومع ذلك فقد منحه النهار الذي ملأ الغرفة، الشعور بقدر من الرغبة في الحياة والتصالح مع نفسه، بما في ذلك مع الوظيفة. لقد مضى عليه في عمله أزيد من عشرين سنة، دون ان يبدل هذا الزمن الطويل، من إحساسه بالانفصال عن وظيفته كمسؤول إداري في البلدية متوسط الدرجة،لا تنقصه المهابة والاحترام.

وكما هو برنامج كل صباح في نحو الثامنة، فقد دلف الى الحمام وتأخرا كعادته وقد سارر نفسه هناك، بانها ليست الوظيفة التي تجعل نفسه مظلمة، فهناك "أشياء« أخرى، لكن طبعه الكتوم منعه حتى من البوح لنفسه بتلك "الأشياء".

ثم اغتسل، وأدى الواجب الثقيل بحلاقة ذهنه وتعطر وارتدى لهذا اليوم السبت ملابس غير التي ارتداها طيلة الأسبوع الذي مضى، واقبل على وجبة الفطور البسيطة بشهية، فقد بدأ ينشط تحت ضغط الوقت القصير المتبقي، واستعدادا للمغادرة جلس قبالة التلفزيون شارد الذهن وخيالات النوم لا تفارق ذهنه، وبدأ في تناول الشاي وتدخين السيجارة الأولى،التي يمنعه إغراؤها من الإقلاع عن التدخين، ولم يلبث أن أشعل ثانية، بيد أنها أخذت تحترق ببطء في المنفضة.

زوجته في المطبخ المجاور والمنهمكة آنذاك في غسيل أطباق الفطور، جعلت تحذره بانه تأخر أكثر من المعتاد، ويحس ن به المغادرة قبل أن يشتد زحام حركة السير. ولبضع هنيهات وبخداع مألوف ومتعمد للنفس، فكرت الزوجة أن النعاس  غالبه وعاود النوم، رغم أنه لا يغفو عادة إلا على سريره، وذلك قبل أن توقظه صرختها التي ندت عنها، على الحقيقة.

والان وبعد مضي قرابة سنة على ما حدث، فإنه يعتريها وهي تزوره من وقت الى آخر، في المناسبات التي تخصه وتلك التي تجمعهما.. يعتريها شعور بأن النعاس قد غالبه حقا، والفرق أنه لم يعد عرضة لإلحاحها عليه بالاستيقاظ.

غير ان العدوى بدأت تنتقل إلى الأرملة الأربعينية، التي لم تنجب أبناء والتي سبق لها ان تخلت عن الوظيفة، إذ أخذت تنتابها نوبات مفاجئة من النعاس تثير حيرتها: فهل تغتبط لأن الأمر قد ينتهي بها للذهاب إليه"هناك« وملاقاة الرجل الوحيد، الذي عرفته وملأ عليها حياتها والتي أمضها الشوق اليه، ام عليها ان تتكدر وتتطير، مخافة ان تفارق الحياة فجأة،مثله، ودون أن يدري؟.

 

 2- أرض الله

حين تناهى إلى سمع الصغير، صوت ابيه وهو يجادل تاجرا كبيرا لشراء قطعة أرض من هذا الأخير، فإن الصغير ابن السادسة، لم يدرك ما سمع، بل إنه لم يصدقه. لم يتخيل الأمر كدعابة، فقد كان التاجر متجهما، والأب جادا جدا.  على ان ذلك لم يضع حدا لدهشة الصغير، فكيف للأرض التي يمشي عليها الناس وتدب عليها الحيوانات وتعبرها السيارات والدراجات أن تباع. وكيف للتراب الذي لا يساوي شيئا لأنه تراب، أن يباع ويشترى ؟.

لقد بدا الأمر لغزا من الألغاز، وعليه وعلى الصغير أن يتقدم في العمر، كي يتمكن من إدراك سر هذا اللغز، وبما يضيف دافعا جديدا للطفل كي ينمو ويكبر بسرعة، فلا تظل الألغاز عصية على إدراكه.

وقد مضى الزمن بطيئا وسريعا، نع م  فيه الطفل الذي أصبح فتى بقطعة الأرض التي اشتراها أبوه، والتي تحولت إلى بستان لأشجار الفاكهة، ولنباتات ومزروعات وأعشاب يجهل بعض اسمائها، دون ان يقلل ذلك من تعلقه بها، كما غاص مرات في طين البستان، وتخبط في عتمته وانتشى بإشراقة الشمس عليه، وطارد بين انحائه قططا وحملانا وضفادع وجنادب، كما طاردته أشباح وصادف على أديمه هوام  وحشرات وزواحف بلا عدد، إلى ان فارق بيت الأهل وبستان العائلة، وأنشا عائلته الخاصة به في شقق سكنية عالية تكثر فيها الأبواب والجدران.  وما ان تقدم به العمر، وامكنه لأول مرة وبشق النفس شراء قطعة ارض صغيرة، اصغر بكثير من تلك التي اشتراها ابوه قبل خمسين عاما في في مدينته الأولى (اريحا)  فقد استشعر وتذكر انه إنما يتقمص هذه المرة وبصورة من الصور دور أبيه، وبعد ان دار الزمن دورته ولم يكن هناك ابن في السادسة او حولها ليشهد على تتابع الأدوار وتقلبها إذ أن اصغر ابنائه فارق سن الطفولة.

 غير ان الصغير القابع في نفسه، عاود في هذه المناسبة، ترديد سؤاله القديم :  فما دام ان الله قد خلق السماء والأرض، وما دام ان السماء لا تباع ولا تشترى، فكيف يصح إذن بيع وشراء ارض الله ؟.

حتى انه شعر في نفسه، رغم ما في الأمر من غرابة شديدة، انه بإقدامه على فعلته هذه،  إنما يرتكب ما يشبه التجديف، إذ يقتطع جزءا من ارض الله لذات نفسه. لكنه لم يبح بذلك للبائع، الذي أ تفق انه رجل ملتح شديد التدين، يؤمن بان الحلال بين والحرام بين.


تصميم الحاسب الشامل