|
|||||
|
ظللنا نسير ونحن نحاول ألا نكف عن الكلام، أو بمعنى أصح يندفع محمود متكلما عن أي شيء كلما اوشك صمت أن يخيم علينا، وكنت أساعده بقول تعليقات سريعة تدفع عني شبهة اضطراري للسير معه. مع مرور الوقت تأكدت ان الموضوع كله مختلق، فلم يحدث شيء لملابسه التي أكد محمود انها ستبدأ في التآكل بمجرد خروجنا الى الشارع، ولم أكرر له شكوكي خوفا من أن يخرج الملابس المتآكلة من الحقيبة التي يحملها، ويعرضها علي أمام الناس ليؤكد حكايته. - أكيد التمشية هي السبب. فهمت ما يريد قوله، لكنني سألته عن قصده لأبدو مهتما. قال ان التآكل يبدأ ما ان يشرع في الخروج الى عمله او موعد، المهم أنه يخرج "بجد" وليس للتمشية كما نفعل الآن. وقبل أن أكمل سؤالي عما اذا كان التآكل قادرا على تمييز نوع الخروج، صاح: - ممكن. ما أنا عايز أفهم. قالها بصوت عال . لم يلتفت الينا أحد السائرين، لكنني قلقت من معاودته التحدث بهذه الطريقة كما كان يفعل قبل خروجنا، فمع أي تلميح مني بالشك يبالغ هو في رد فعله كأنه بمبالغته يريد أن يكون في مستوى غرابة ما يحدث له. ظننت حينما بدأ يحكي لي في الشقة انه سيهدأ تدريجيا لكن زاد احتداده رغم اشاراتي له ان يخفض صوته، حتى شعرت أن الجيران كلهم عرفوا الحكاية، ودفعني هذا الى مقاطعته اكثر من مرة بأسئلة مبالغ في طولها لأجعله يصمت او يكف عن الصراخ قليلا، لكنني فوجئت ان اسئلتي دفعته لتكرار ما حكاه من قبل، واضافة تفاصيل جديدة، فلم يحك في البداية- حينما اكتشف حكاية التآكل في المترو- عن هذا الراكب الجالس الذي انتبه لانسحاب طرفي بنطلون محمود الى أعلى فابتسم، ومع ازدياد التناقص، سأله "إيه ده؟ عندها تأكد أن تآكل البنطلون ليس وهما وأنه من المستحيل مواصلة طريقه الى عمله. كان محمود اثناء روايته يسأل أحيانا الأسئلة المتوقعة مني وبعضها لم يخطر- اصلا - في بالي، مثلا لماذا لم يذهب الى طبيب، أجاب أن أمه اتصلت بقريب لهم يدرس في كلية الطب فنصحها بأن يرتاح أياما في البيت، واذا أراد الخروج فمن الافضل ان يلبس ملابس أخيه. وهذا ما فعله بعدما جر ب ملابس كثيرة له، أصابها كلها التآكل، وأحضر معظمها معه في حقيبته لأراها. حدثني عن ضيق أخيه من كثرة استعارة محمود لملابسه، وانه بدأ يطالبه بشراء أخرى جديدة، وارتفع صوته مؤكدا لي أن رفضه الفكرة ليس بخلا منه، لكن شراء شيء ليستعيره هو بعد ذلك يعني تكيفه مع التآكل والعيش معه. حينما يكون أحد أصدقائك جادا، وغير معروف عنه غرابة التصرفات، ونلجأ له كثيرا لنعرف رأيه في مشاكلنا، سيصير من الصعب السخرية منه حينما يحكي لك- جادا أيضا- ما لا تصدقه، خاصة حينما يأتيك فجأة بدون موعد، على غير عادته، ويخرج ملابس تقطعت أطرافها، ويشير اليها منفعلا ويردد "تآكلت" مرات عديدة فلا تقدر إلا على أن تتابعه وتبدي على وجهك علامات الدهشة التي ترضيه وتدفعه الى مواصلة الكلام. لكنني رفضت في البداية أن اخرج معه لأشاهد بعيني ما يحدث له ومع إلحاحه أخذت أشكك في كل ما قاله، فأخرج ما في حقيبته مرة أخرى وهو يرمي بكل قطعة في الهواء وغطت احداها وجهي فأبعدتها عني سريعا خوفا من أن تعديني، وطلبت منه ان يلملمها كلها بنفسه وبسرعة. بنطلونات وقمصان وبلوفرات بدت وكأن مقص مجنون قصقص أطرافها بدون انتظام، ولاحظت قميصا ما زال تيكت السعر ملصقا على ظهره. - لبسته في المحل اللي اشتريته منه، ومشيت بيه كده في الشارع. اندهشت من كثرة الملابس المتآكلة رغم مرور يومين فقط على ظهور الحالة، فأوضح لي أن معظمها نتاج اليوم الاول الذي بدل فيه ملابس كثيرة- صيفية وشتوية- على أمل أن تنجو أية قطعة وربما لظنه أن التآكل سينتهي لو أتى على كم كبير. وهو يلملم القطع المتناثرة على الأرض قال: - كويس انك ساكن لوحدك. حاسس كأني في بيتي. فقد تكرر هذا المشهد مرات كثيرة في بيته كلما شكك أحد من أسرته فيما أصابه او اتهمه بالمبالغة في رد فعله، فلا يكون منه سوى ان يخرج الملابس ويقذفها في وجوههم، وأسر لي انه في كل مرة يفعل هذا يتمنى ان تخذله الملابس فتخرج سليمة كما كانت او على الاقل لا يجدها بعدما تكون تآكلت تماما. وجدت ان استرساله في الكلام يزيد بمرور الوقت ليدفع عني أي ملل أشعر به، تذكر مرة أخرى الراكب في المترو وكيف انه سارع بالجلوس على الكرسي قبل أن يجلس عليه محمود ووضع يده على صدره مستنشقا نفسا عميقا وعيناه مغمضتان ثم قال "تعبان شويه"، كانت كلماته التي قالها ببطء وبصوت خفيض تناقض تماما اندفاعه للجلوس، وعندما لم يرد عليه محمود تظاهر بالنهوض "طب تعالى اقعد"، "لا. والله" قالها بتلقائية وضغط بكفه على كتف الراكب الذي أكمل عرضه للنهاية بـ"اوعى تكون زعلان". شرح لي لماذا اختارني ليبوح لي بسره، فهو يثق في انني كتوم ولا أفشي الأسرار إلا بصعوبة، وذكرني بالمحاولات الكثيرة التي حاولها حتى عرف مني سبب جرح صديقنا جلال وربطه رأسه بالشاش "حوالين داير" فقد كسرت صديقته زجاجة على رأسه حينما كانت عنده في البيت حينما حاول أن ينام معها بالغصب، - وحتى لو حاولت تقول ما فيش حد حيصدقك قالها بنفس طريقته التي أعرفها عند حسمه لنقاش حول مشكلة ما، لكن هذه المرة زادت حدة خبطة كفيه في بعضهما واتسعت مساحة حركة ذراعه علامة على نهاية الكلام. - كنت حتعمل ايه لو كنت مكاني؟ أفضت في الاجابة مكررا طريقتي في إسكات محمود أطول فترة ممكنة، وبدأت بتذكر برنامج اذاعي كان اسمه "لو كنت مكاني" يقوم على إبداء الضيوف الحاضرين في الاستوديو بآرائهم في احدى المشكلات التي بعث بها "مستمع كريم" وفي مرة اتصل صاحب المشكلة وبعد ان رآهم بسمل وشكر المذيع والجمهور صاح "ما فيش حد فاهم مشكلتي، ومستحيل حد يكون مكان حد وأصابع الايد الواحدة مش زي بعض..." وهنا انقطعت المكالمة، وقبل ان يظن محمود أن هذه اجابتي على سؤاله سارعت بحكي كيف شارك والدي في الحلقات بعدما كتب خطابات كثيرة للبرنامج ليستضيفوه، وكان الضيف الذي سبقه في الاعلان عن رأيه قد اطال في مقدمته التي استشهد فيها كثيرا بآيات قرآنية واحاديث نبوية حتى قاطعه المذيع "يعني انت مع الطلاق ولا لأ".. "لا؟" وانتقل الى ابي بنفس السؤال "لأ" وكان هذا كل ما شارك به ابي في البرنامج. لم تكن هذه طريقتي في الكلام، فأنا أحب الاجابات المختصرة والتي تصل الى هدفها بأقل الكلمات، لكنني شعرت وأنا أتمهل في اجابة سؤاله، وأطيل في المقدمة وتفاصيلها براحة كانني أتكلم مع نفسي فلا أنا اخشى من ملل المستمع الكريم ولا هو يرغب في مقاطعتي بل يشجعني على الاسترسال والاطالة. انتظارنا لظهور التآكل بالإضافة الى محاولتي اسكات محمود أطول فترة ممكن جعلني أشعر بمزايا التمهل في الحكي والتي قد تدفعك الى تذكر حكايات طواها النسيان و اعادة قولك شيئا يعرفه من يسمعك، والأهم انها تدفعك الى التفكير فيها أثناء حكيها. كان محمود يرى أنني أحب والدي جدا ولا أحكي عنه إلا قصصا جميلة، حتى حكيت له مرة عن احساسي بمظاهر الكبر على والدي سواء ضعف الحركة او تزايد نسيانه الذي يجعله يعيد قول الشيء مرات للشخص نفسه وربما في يوم واحد، وكلما اصطدمت بهذه المظاهر يتولد داخلي احساس مضاد ينفض عني أية صفة أجدها تتشابه او تتماس مع حالة والدي حتى لو كانت مجرد تأجيل مكالمة صديق، فأجدني ارفع السماعة واتصل به مباشرة، لكنني صرت أتضايق من كثرة هذا النوع من ردود الأفعال فما يكسبني الحيوية هو رد فعلي على ما يجعلني أتشابه مع والدي وليس ما هو أصيل في، وقتها قال محمود ان تكرار رد الفعل قد يتحول الى طبيعة أصيلة بمرور الوقت. وبعد وفاة والدي وجدت ان رد الفعل هو الذي يحكم علاقتي معه، واصبح مرآة أقارن أمامها حياتي، فعندما يتملكني الخجل في جلسة ما أتذكر والدي ومقدرته على جذب السامعين فأتحرر قليلا من الخجل وانطلق في الكلام دون مخزون الحكايات الذي كان يملكه والدي فأتلعثم لكنني استمر مؤكدا لنفسي ان والدي لم يولد حكاء، وانه بالتأكيد تلعثم كثيرا حينما كان في مثل عمري. أفقت او بمعنى أدق ارتبكت حينما صاح محمود: - أكيد كان بيتهته لما كان في سنك فقد كنت أظن انني لا أتكلم معه وانني افكر في صمت، ولوهلة شعرت ان صوته امتداد لحواري مع نفسي او كأن تعليقه صوتي وان اختلفت النبرة قليلا مع المبالغة في التأكيد. ازداد ضيقي من هذه التمشية التي قد تعرضني لأشياء لا اريدها والتي رغم كل شيء تسعى لهدف غامض لا أصدقه وفي نفس الوقت انتظره. قاطعني باقتراح ان نذهب الى هشام او الى أي صديق اختاره فوجود هدف لتمشيتنا قد يوفر المجال الطبيعي الذي يعمل فيه التآكل، "ابراهيم" تلقائيا نطقت بالاسم وانتبهت بعد ذلك انه اكثر الشخصيات التي يكرهها محمود ويراه لا يطاق سواء في كلامه او صمته، لكنه وافقني على أمل أن يكون ارغامه على الذهاب يهيئ المجال الطبيعي. اشار الى ناحية الشمال وقال ان كل هذه البيوت آيلة للسقوط وهناك أوامر بازالتها لكنها لا تنفذ وأعرف اصدقاء يسكنون فيها - كلها؟ - تقريبا وواحد منهم لسه متجوز جديد وعارف ان البيت حيقع. - امتى؟ - في أي وقت لم أنبهه الى ان الناحية التي أشار نحوها خالية من البيوت وليس فيها سوى مصنع موتسيان للسجائر، استمر في الكلام موضحا انه بنفسه كتب عدة قرارات بالازالة وسلمها لأصحاب هذه البيوت. وجدت ان كلامه مجرد ملء للوقت، واذا كنت أسير معه منتظرا التآكل فطبيعي ان أسايره في أي شيء يتفرع من هذا الانتظار ولا داعي للمجادلة في وجود شيء من عدمه - حاجة غريبة انك مش شايف البيوت. - أنا ما قلتش كده - جايز لا اصدق حكاية التآكل من أساسها إلا أنني صرت واثقا من عدم معرفتي متى أتكلم مع نفسي ومتى أكون متكلما مع محمود. - وانا بيحصلي كده بالضبط فيجد من يكل مه يقاطع حواره مع نفسه ويبدي رأيه فيما ظنه محمود شيئا يقوله لنفسه، لكنه لم ينشغل بهذا الأمر ورآه من أعراض التآكل. توقفت ونظرت الى طرف بنطلوني فوجدته في حالته العادية لكنني قلقت من عدم تغطيته لرباط الحذاء كبقية بنطلوناتي وقلت ربما يكون السبب سرعة توقفي، ولم يعلق محمود او لم أعرف ان كان يسمعني أم لا. التفت الى الوراء كان محمود يتكلم مع شخص بصوت عال وظل ينفي له ما سمعه من اخيه "انت أكيد فهمت غلط، ما فيش أي مشكلة". عرفت منه ونحن نكمل السير ان أخاه حكى لصديقه بالتفصيل عن التآكل. - الحقيقة انه خايف على لبسه وعايزني اقعد في البيت. بدأ محمود يكثر من النظر الى طرف بنطلونه وهو مسترسل في الكلام عن أي شيء، ولا يرد علي كلما اقترحت العودة الى شقتي او تأجيل التجربة الى يوم آخر. خبط على حقيبته بقوة. - تفتكر الحكاية انتهت؟ - أكيد - ارجع انت، وأنا حاروح. رفض أن أصحبه الى بيته، خاف أن يكون استمراري معه جزءا من التمشية مما يعوق تأكده من انتهاء التآكل، ووعدني بالرجوع الي سريعا اذا حدث شيء لملابسه. |
|||||
|
|||||