|
|||||
|
عند مُنتصف اللّيل أو قَبلهُ بِقليل، بعد أن هدأت الشَّوارعُ من ضَجيجِ المَارّة ودَورانُ عَجَلاتِ السَيّارات ومُباغتاتِ رجالِ الشُّرطةِ وبعدَ أن طوَى أصحابُ المَحلاتِ دكاكينَهم المَفروشةَ طوال النَّهار وأوصِدت الأبوابُ والنّوافذُ وفَتحاتِ المنَازلِ وصَحتْ الأسرّةُ في مُشاكساتِها اللَّيلية ، في ذلكَ الوقتُ خرجَ الرّجلُ من مَنزلهِ بعد نَهارٍ طويلٍ مَليءٍ بالسّجائر والقَهوةِ والرّكضِ والأرصِفةِ والاشتباكاتِ، خَرجَ الرّجلُ من مَنزلهِ في الشّقةِ رقم (٨) بالدور الخامسِ للبِنايةِ الّتي خَلفَ الشّارعِ الرّئيسي تمَامًا والمقابلةِ للمُجمعِ التّجاري الأكثَرَ شُهرةً في المَدينةِ ... في ذَلكَ الوَقتُ يبدو كُلّ شَيءٍ مُنظمًا وَهادئًا عَدا بَعضُ الأصواتِ اللّيليةِ العَابرةِ الّتي كَانت تَتكاثرُ بِبطء أو تَحتفي بِسرعةٍ في الحَاناتِ والأزقةِ الضّيقةِ ومَواقفِ السّياراتِ .. في هذه المَدينةِ المُطفأةِ كُلٌ يُمارسُ وَحشتَهُ وأحَاديثَهُ وقَهقهاتهِ كمَا يَكرهُ أو كمَا يَكرهُ.. كانَ الرّجلُ قد تجَاوزَ الشّارعَ الفَاصلَ بين مَنزلهِ ومَحلّ البقالةِ المُلاصِقِ لمَواقفِ السّياراتِ الخَاصّةِ بالبِنايةِ وكانَ الشّارعُ مُطفأ بأكمَلهِ ، وكان كمَا لو أنّ ماسًا ما قد عطّلَ الانَارةَ فالشّوارعُ والمَساراتُ الجانبيةُ على امتدَادِها بَدت مُظلمةً، وكان الرّجلُ يَمشي على الرّصيفِ، وكان أن قَفز الى الضِّفَّةِ الأُخرى من الشّارعِ ،ولم يَمكُث الرّجلُ في دَورانهِ كثيرًا حولَ البِنايةِ فأدارَ ظهرهُ للمَدخلِ الرّئيسي وَمسحَ المَدى بِنظرةٍ سَريعةِ تجَاوزت سُمكَ الظّلمةِ الى الشّارع العام الّذي يضُحُّ بِالانارةِ. ... ومَا كان من أمرِ الرّجُلِ أنَّهُ كان يَبرح مَنزِلهُ في نَفسِ التّوقيتِ يَمشي ملوحًا بيديهِ حَاملاً حَقيبةً مُعلقةً على ظَهرهِ مُنتصفَ النّهارِ حَيثُ تَفرشُ الشّمسُ أشِعّتها على الأشجَارِ ورؤوسِ المَارّة وأسطٌحِ البِناياتِ وعَلى صَلعةِ الرّجلِ المَلساءَ الّتي تَعكسُ خَرائطَ المَدينةِ بكل انحِناءاتِها وخَباياهَا، يَمشي الرّجلُ ذَارعًا الأرصِفةَ والمَحلاتِ والمَطاعمَ وَمواقفَ البَاصاتِ وسَياراتِ الأجرَةِ لايَتكلّمُ أبدًا الاّ عن الوَقتِ أو السّاعةِ أو البَوصلةِ وهوَ في كُلِّ هذا لا يَتحدثُ الاّ مع نَفسهِ واذا تَصادفَ وكَلّمهُ أحدٌ يَرفعُ ثَوبهُ الى نِصفِ سَاقَيهِ ويَجري تَاركًا غُبارًا من الأسئِلةِ وعُيونًا تَركضُ وَراءَهُ وضَحكاتٍ تَتداخلُ مع ضَرباتِ نِعالهِ على اسمَنتِ الشّارعِ حيثُ ينَحني الرّجلٌ أحيانًا فاتحًا ذِراعيهِ كالطّائرِ ثم يَركضُ على خَطّ التّشجيرِ بِمحاذاةِ الشّارع مُلوحًا على السّياراتِ والمَارّةِ بِحديدةٍ طَويلةٍ تُشبهُ حَديدةَ الحَفرِ ، يَقضى الرّجلُ نهَارهُ مُشاكسًا المَارةَ بِحديدتهِ ولا يَعودُ الى مَنزلهِ الاّ عند الغُروبِ حيث يَلبدُ على مَدخلِ البِنايةِ وبَعدها الى مَنزلهِ في الدّور الخَامسِ .. كانت هذه المَرّةُ الأولَى الّتي يَخرجُ فيها الرّجلُ في مُنتصفِ اللّيلِ .. خَرجَ الرّجلُ لَيلاً ... المَساءُ في المَدينةِ يَبدو أطولَ من المُعتادِ وعلى الرُّغمِ من هُدوءِ الطُرقاتِ والمِساحاتِ الشّاسعةِ للظُّلمةِ الاّ أن الرّجلَ الذي كان يَبرمُ الرّصيفَ بِقدميهِ كان يَشعرُ بِجَلبةِ خُطواتٍ وأجسادٍ مُتدافعةٍ، وشَيئًا ما يُشبهُ عَصًا غَليظةً يَفركُ ظَهرهُ، وأصَابعَ تَعبثُ كمَا يَحلو لها أسفلَ الازَارِ، فَرفسَ كمَا لو أنّه كان يَتخلصُ من حَبلٍ مَعقودٍ بِرجليهِ ومَشدودٍ نَحوَ الخَلفِ ورَكضَ شَاتمًا المدينة والحَظّ ووُجوهًا مُتكررةً لبشَرٍ مَرّوا في مُخيلتهِ كمَا اتفَق . تَوقفَ الرّجلُ قَليلاً وانتصَبَ فَاردًا طُولَهُ ثُمَّ التفتَ الى وَرائهِ وَبصقَ وأدارَ ظَهرهُ الّذي كان مُتنملاً نحو الخَلفِ ثمّ نَحوَ الأمَامِ ثُمّ وَاصلَ مِشيتهُ بِخطواتٍ مُتأرجِحةٍ وهو يُغنِّي أو يَضحكُ أو يَبصق حتى انتهى الى الشَّارعِ الرئيسي ومن ثَمّ الى مَواقف سَيّاراتِ الأجرةِ على الخَطِّ المُقابلِ بعد أن عَبرَ الجِهةَ اليُمنى من الشّارعِ العَامِ والَّذي بدا على امتِدادهِ نَاصعًا كمَا لو أنّهُ غُسلَ لِلتَّوِّ حيث كانت الشّاحناتُ الكَبيرةُ الّتي مَسحت الشّارعَ ولمّعتهُ كمَا يُلمّعُ الحِذاءُ قد مرّت لتوّهَا مُواصلةً سَيرهَا البَطيءَ وَتنظيفَها المُتقنَ باتِّجاهِ النُّقطةِ الأخرى من الشّارعِ العَامِ تاركةً الشّارعَ يتلألأُ كَصفحةِ المَاءِ حيث سَيمرُ المُراقبُ في بِدايةِ الصّباحِ فَاحصًا الاسمنت والمساحاتِ الجَانبيّة المُبلطة أو المُعشّبة لِيرفعَ تَقريرهُ لمأمور البَلديّةِ . كان الوَقتُ قد تَجاوزَ مُنتصفَ اللّيلِ بِكثيرِ هذهِ المَرّة وذلك كمَا أشارَت دَقّاتُ السّاعةِ المُثبتةِ على تِمثالٍ اسمَنتيٍّ وَسطَ بَاحةِ الحَيِّ التِّجاريِّ المُجاورِ ، كانت السّاعةُ الثَالثةُ والرّبع صَباحًا عندما انتَصبَ الرّجلُ بِمحاذاةِ الشّارعِ بعد أن أخرجَ من مَلابسهِ عَمودَهُ الحَديديّ غَيرَ عابئ بِطولهِ وَلا بِغلظتهِ وَلا حتّى بِجانبيهِ الحَادّينِ وبدأ كَعادتهِ في السّاعاتِ النّهاريةِ التَلويحَ بِيدهِ تَارةً وبالعَمودِ الحَديديّ تارةً أخرَى . وبعدَ فَترةٍ من التّلويحِ ومن اللّيلِ ومن الرّكضِ نَجحَ الرّجلُ هذه المَرُة على الرّغمِ من الهُدوءِ الُذي يَعمُّ المَكان في تِلكَ السَّاعةِ - كما لو أن هذه المدينة لا تؤتى الا على غفلة من اللّيلِ - من ايقافِ مَجموعةٍ من سَياراتِ الأجرةِ وخَمسةِ أشخاصٍ آخرين تَصادفَ خُروجُهم من حَانةٍ باحدى الفَنادقِ المُجاورةِ كانو يَمشونَ باتجاه مَحطّةِ البَاصاتِ وَسطَ ضَجّةٍ من الانتِشاءِ والسُّعالِ والضّحكِ حيث وَقفوا أمَامَ الرّجلِ الّذي كان مُنتصبًا على أحدِ الكراسي المَوجودةِ باستراحةِ المَواقف: (هيه اس سسسسسسسس ...اجلِسو جَميعُكم ... لا اقترِبو أنتم سَأخبركم اللّيلةَ سرًّا ولكن تفو... أنتم لاتفهمون) كان أحَدُ سَائقي سَياراتِ الأجرةِ يَلعبُ بِميداليةِ سَيّارتهِ الّتي كانت على شَكلِ تِمساحٍ زُجاجيٍ بِداخلهِ سَائلٌ زِئبقيٌّ وَكراتٌ مُلونةٌ وفُقاعاتٌ تَسبحُ في فَضاءِ الزّجاجِ ، قَذفَ السّائقُ الميداليةَ في الهَواءِ ثُمّ التَقطها بِحركةٍ بَهلوانيةٍ من خَلفِ ظَهرهِ بينما كان الآخرُ قد بدأ يُشعلُ سيجارةً سَحبها من أُذُنهِ اليُمنى ، حَاولَ السّائقُ اشعالَ السّيجارةِ بَعد أن كَشطَ بِعودِ الثقاب على عُلبةِ كِبريتٍ صَغيرة من نوع (المقص) ولَم تَشتعِل ولكِنّهُ عَاودَ مَرّة أخرى بِكشطةٍ مُعاكسةٍ للاتّجاهِ فاشتعَلَ عودُ الثّقابِ حتى كاد الفَتيلُ أن يُلامسَ شَعرَهُ المَتروك باهمالٍ على مُقدّمةِ رأسِهِ وبدأ يَنفِثُها باتجاهِ الرّجلِ الّذي صَرخَ: (أقول لكم أن الملك سيموت الليلة في الدقيقة الأخيرة من هذا المساء....اييه.. لا تقلقو أبدا سيأتيكم ملك آخر فلا يوجد حدّ للمتاهات التي يمنحها الرّب) كان الرّجلُ يَتكلمُ وَعينيه مَقذوفتين للأعلى كمَا لو أنّه كان يُشيرُ الى شَيءٍ ما في الأدوارِ العُليا للبناياتِ المُجاورةِ وكان يَصرخُ فَينعقدُ الصّوتُ ثمّ يَسقطُ مُدويًّا على سائقي الأجرَةِ الّذين كانوا مُتشاغلينَ عنه، والأشخاصِ المُترنحين والُذينَ تكوّمُوا على المِقعدِ المُقابلِ للرّجلِ تَمامًا تحديدًا قريبًا من صَفيحةِ الزُّبالةِ المُعلّقةِ على الحَائطِ الجَانبيّ لاستراحةِ المَواقفِ والّتي كانّت بِلونٍ يَتناسبُ تمامًا مع اللّونِ الأصفرِ الّذي صُبغت به مِظلّة الاستراحةِ. قَفزَ الرّجلُ من المِقعدِ الّذي كان يَقفُ عَليهِ بعد أن كَوّمَ وبِصوتٍ هَامسٍ شَتائم ألقَى بِها مَع كُتلةٍ من البُصاقِ فَتناثرَ الطُشاشُ في الهَواءِ، انتصَبَ الرّجلُ من جَديدٍ بعد أن قَفزَ من المِقعدِ، وأضاف: (أنتم أيها العاطلون ستكونون رعايا الملك الجديد ، أما انتم هناك سائقو الأجرة قد يبصق الملك على رقابكم تفو ..قلت..سيموت الملك الليلة بعد آخر مضاجعة له هذا المساء) انتفَضَ الجَميعُ بعد أن شَاهدوا دَوريّةً للشُرطةِ قَادمةً تُلوِّحُ من بَعيدٍ وقَفزوا فَوقَ السّياراتِ الّتي اختفَت في لَمحِ البَصرِ تاركينَ الرّجلَ يَصرخُ وَيلوِّحُ في الهَواءِ بِعمودهِ الحَديديِّ الّذي يُشبهُ أداةَ الحَفرِ. ٭ ٭ ٭ ( لَم تَكن مَلامحهُ دَقيقةً تمَامًا ، جَبينهُ كان مُلتويًا ومَليئًا بالخُطوطِ والنّدوبِ الجِلديّةِ ، يَدهُ اليُسرى أصبحَت بِثلاثِ أصابعٍ فَقط، كمَا أنّ شَعرهُ الّذي كان طويلاً صارً أطول لكنّني أستطعتُ مُؤخرًا معرفةَ أنّ المَجنونَ الّذي يَمشي بدونِ صِبيةٍ يَركضونَ وَراءهُ بِمحاذاةِ الشّارعِ ذارعًا الأرصِفةَ على امتدادِ المَدينةِ طيلةَ النَّهارِ كان حامد) خليفه أحمد الصديق الأقرب لحامد حمد في الفترة من( 1972-1976) (... كُنتُ عَائدةً الى المَنزلِ حينما لاحظتُ أن شيئًا ما يُشبهُ الشّبح قد قَفزَ نحو الشُارع العام وكانَ بِيدهِ عَمود حَديدي ولأنه كانَ دائمًا يَلبسُ نَعالاً أشبهُ (بالقبقاب) وكان خَفيفًا كمَا لو أنّه كان دائمًا يَستعِدّ للرّكضِ، وكان يُلوِّحُ بِيديهِ الضّئيلتينِ اللّتينِ عرَفتُهما جَيّدًا حيثُ لا يَزالُ الخَاتَمُ بِيدهِ اليُمنى، و...). زينب سليمان خطيبة حامد التي عادت معه من الدراسة عام 1971 (كُنتُ أنتظرُ أن يَغرسَ آلتهُ الحَديديّةَ على جَبيني حَيثُ كان قَد صَوّبها بين عَيني عِندَما كُنت أمُرُّ وَحيدًا في الرُابعةِ عَصرًا بِمحاذاةِ الرّصيفِ الجَديد الّذي كان مَفروشًا بالبلاطِ ثُمّ أصبَحَ مُقسّمًا الى أحوَاض زِراعيّةٍ وكان ذلك باتجاه جِسرِ المُشاةِ ولكنّهُ أنزلَ حَديدَتهُ وَضربَ بها على مُفترقِ قَدميهِ ثُمّ رَفعَ ثَوبهُ وَركضَ). أحد الماره عام 1996 بالقرب من جسر عبور المشاه في الشارع المنتهي الى لسان البحر ومن ثم الى الحي التجاري |
|||||
|
|||||