|
|||||
|
صدقوني ان هذا الانسان الضرير الذي تدفعكم الشفقة الى قيادته في المعابر متقززين من منظر عينيه المحفورتين كغارين مهجورين، قد قاده حرف العين الى هذا المصير الاسود، فمأساتي مع حرف العين بدأت حين صدم احد "العطال" - (هكذا نسمي في بلدنا من لا عمل له سوى التزلج بسيارة- والده المسؤول- على الطرقات باستهتار) - صدم ابني، فشل نصفه ولأن العدالة تعطل أيام محاكمة العطال، لم أجد وسيلة للقصاص من ذابحني في ابني الا بتفريغ نقمتي على صور السيارات الحديثة جدا في المجلات، فكنت أغلق الباب على نفسي ثم أروح أدوس بقدمي على الصور شاتما صانعها وراكبها ومصورها وناظرها، لقد كنت أمزقها بهستيريا، واذا ما سألتني زوجتي عما أفعله في خلوتي الهجينة، كنت أرد عليها: إني أمارس الرياضة، بلى الرياضة، وكنت أردد بيني وبين نفسي: إني لأكذب إني أمارس رياضة تفريغ القهر ومناكدة الدهر. ويبدو أن امتحاني في هذه الدنيا كان بحرف العين فلكل امتحانه، فلقد جاءنا في العمل مدير جديد (بخمس نجوم) من النفاق وحب البروزة ولو على خازوق، حيث كان عملي في مؤسسة العلف الوطني، لقد كان هذا المدير الملسوع بكل زنابير ولع السلطة يرى ان الدنيا كلها تقوم على قوائم الكرسي لذلك فهو شديد الحرص على علفنا بشعاراته النتنة عن وطنية العمل، مما دفعه للتغزل بالعلف، وكثيرا ما يسرب المقربون من حياته الشخصية ان زوجته طلبت الطلاق منه لأنه جلب الى بيته كرسيا شبيها بكرسي ادارته ولا عمل له إلا مسحه وتدليعه بل كان ينام عليه ولو حن مرة على زوجته واراد أن يتغزل بها فانه يقول: حبيبتي يا كيس العلف يا كرسيي الحبيب، وكان هذا المدير يردد في خطبه التي يصفعنا بها كل ما هز الكلب ذنبه: العلف ثروة الأمة وتراثها العتيد انه زادها الحضاري للعولمة، ولأن إلهام العلف له بأفكار تطقق المرارة فكنا دائما نتحسب لمفاجأته في التطوير التعفيس، لقد اخترع هذا المدير وظيفة جديدة لنا هي مطاردة الفئران التي كانت تغير بفروسية (أبجر عنترة) على أكياس العلف، فصار يبدأ يومنا بمراقبتها والانقضاض عليها بالأحذية، لا تدرون مقدار فرحتنا وزهونا عند اصطياد احداها، حيث كنا نجتمع حول العدو المارق المتآمر على ثروة الأمة كالديوك المنفوخة مزهوين بغنيمة معركتنا المظفرة، نتبادل التهاني وبسمات النصر، ونقلد أحذيتنا أوسمة النصر التي نرسمها عليها بدم الفئران، لكن بالمقابل الويل لمن يفلت منه فأر ويمزق كيسا، فسوف يأتي المدير ينط كقرد ديس ذنبه صارخا: علي وعلى اعدائي عقوبة.. خصم أجرة يوم، لكن التغيير الذي سود عيشتنا كان بالحقيقة هو انضمام موظف جديد الى مجموعتنا. والغريب في الأمر أنه جاء الينا فخورا بنفسه كديك رومي كونه انتقل بمحض ارادته من مجال تربية الأجيال (التعليم) الى مجال تربية الدواجن معللا ذلك بأننا نعيش عصر العولمة والعوعوة وهذا العصر يفرض على المرء التخصص في المجال الذي يبرع فيه ويستشهد لحالته بتحول (الحجاج) السفاح المشهور من معلم مغبون الى قائد مسعور، ولطشنا هذا المأسوف على عقله بأول مقترحاته علينا، وهي أن نسمي أنفسنا بأسماء قو اد المعارك المشهورين إثر كل معركة مع الفئران نسميها باسم يوم من ايام الفخار العربية، من الطريف ان هذا المعلم كان وقت القيلولة يتمدد على الأرض قالبا رجله على الأخرى، يشرب الشاي بقروية بائسة، ولو سألته كيف الحال، لرد فورا : " زي الكلب"، نهرته مرة احتراما لحقوق الانسان ففاجأني بأنه انقض علي وكأني فأر، ولم يتراجع عني إلا بعد تدخل الزملاء الذين كانوا متآلفين بسبب العدو المشترك (الفئران)، قال: بلى نحن جميعا زي الكلاب المنتوفة، ألا ترانا مثل الكلاب نطارد الفئران ونعود لاهثين ممطوطي الألسن، وتقديرا منا لقيمة الاختصاص في عصر العولمة علينا الالتحام بمهنتنا نحن مبدعون في العوعوة، ألا تعد حروف العين في خطب مديرنا، لم يطل تبجح صديقنا بفلسفته الكلبية، إذ بعد معركة حامية الوطيس مع الفئران أبدع فيها إذ قتل وحده اثنين وعشرين فأرا لكنه عاد بملامح جنرال عربي ابان الهزيمة عالي الكرش على غير عادته اثر كل معركة ينتصر فيها، فقد كان يعود رافعا حذاءيه عاليا على شكل اشارة نصر والنشوة تعوعو في عينيه، أما هذه المرة فقد عاد بحذاء واحد اذ رمى بالثاني فأرا يتسلق الأكياس فسقط بينها ولما حاول اللحاق به تخدش وجهه ويداه، لكننا رغم هذه الخسائر فقد أطلقنا على معركتنا (ست المعارك) ولم ندرك ما كان يخفيه القدر لنا، فقد استغل فأر تشويش صديقنا وانقض من ناحية جبهته على أحد الاكياس فمز قه ولم ننتبه إلا والمدير فوق رؤوسنا معوعوا: عقوبة علي وعلى اعدائي وفجأة تحركت كلبي ة صديقي وظن المدير فأرا فقذفه بالحذاء على فمه ولأن المصادفة بنت حرام أحيانا كسر الحذاء بعض أسنانه ومزق قطعة من لسانه. وهكذا صديقنا زي الكلب ذهب الى السجن والمدير الى المشفى وبينما كنا نحن ننتظر مصيرنا واذا بقرار يصدر فور خروج المدير من المشفى يقضي بترقية المدير الى منصب اعلامي مهم تقديرا لبطولته التي استهدفت عناصر غريبة عن المجتمع متواطئة مع الخارج، وما ان تولى المدير عمله الجديد في الإعلام حتى نقلنا الى موقعه الجديد بالوظيفة نفسها فنحرس هناك الارشيف ونشرات الاخبار من الفئران كوننا نملك خبرة عتيدة في حرب الفئران، لكن المشكلة ان المدير لم يستطع بسبب اصابة لسانه نطق حرف العين فكان يخرج هذا الحرف من فمه ألفا، كما انه لم يستطع نسيان ولعه بالعلف فكان يخطب نفس الخطب بالكلمات ذاتها الفارق الوحيد هو الذي نحن فقط من يعرفه هو استبدال حرف العين بالألف فراح يصيح: الآلام ثروة الأمة وذخيرتها الحضارية في هذا العصر، بل سمى برنامجه التلفزيوني الذي كرم بتقديمه (آلام الآلاف) ونحن من كان يعرف معناها الآخر (اعلام الاعلاف) سواء بسوء نية أم بحقيقة، لكن ما لفت نظرنا هو الشبه الفريد بين حقيقة كلمة آلام وكلمة اعلام فالآلام تشل جسد الانسان وتركز كل الحواس والاهتمام بنقطة واحدة مركز الألم وكذلك الاعلام يشل جسد الامة ويموه الحقيقة مركزا على نقطة واحدة مساحتها ما بين قوائم كرسي السلطة، يضيئها ويظلل ويعتم عما سواها، وحين قد م المسؤول الاعلى مديرنا ترحيبا له في التلفزيون معلنا عن برنامجه الجديد اشار هذا المسؤول الى ان اصابة هذا المدير المناضل كانت في احدى المعارك التي استهدفت الأمة قائلا: ها هو أمامكم شهيد يمشي بينكم فلننحن احتراما لبطولته، لقد فهمنا ان الاعلام يشل الحقيقة، لكن هل يعني حقا ان البطولة العربية كما وصفها نزار قباني حقيقة انها كذبة عربية. لم أعد ادري أهي عقدة حرف العين ام صدمتي بزيف الابطال جعلني أنقل لاشعوريا نقمتي على صور السيارات انتقاما بسبب "العطال" الى اسماء الابطال وبينما اخذني سهوا احصاء ما مزقت من اسماء الابطال، غافلني فأر وانقض على نشرة الاخبار وكأنه مدسوس من دولة اجنبية فقضم كلمات معينة من الخبر، ولما جاءت المذيعة تقرقع تارة بكعب حذائها وأخرى بعلكتها لم تنتبه للمصيبة بل اخذت ورقة نشرة الاخبار التي شوهها الفأر وراحت تقرأها كما هي، وعندما تصل الى كلمة قضمها الفأر تلفظ كلمة (شق ) مكان الكلمة المشقوقة، فقرأت الخبر على النحو التالي ".. عواصم شق وزير الاعلام ظهر امس أخيه معالي وزير اعلام... شقيقتنا على مائدته...) وقبل ان تنهي الخبر شقت السماء مدافع شقيقتنا ثأرا لوزيرها المشقوق حسب الخبر، وهكذا اشعل فأر ومذيعة حرب (بسوس) لا نهاية لها بين الاشقاء، في هذا الوقت خرج مديرنا مرعدا مزبدا عاضا على ما تبقى من لسانه حتى قطع كل مقدمته، هربنا من هول المشهد ممسكين أحذيتنا بأيدينا، اخترقتني لحظتها العبقرية فحاولت تهدئته بأن قلت له: لا تخف سيدي المدير، اطمئن انها فرصة أخرى لك في الترقية ألا تذكر انك حين فقدت جزءا من لسانك وعجزت عن نطق حرف واحد رقوك الى مسؤول قد الجحش في الاعلام، أما الآن وقد عجزت عن نطق كل الحروف فسوف يرقوك الى منصب مندوب الأمة الى مجلس الامن، هكذا فلتت مني العبارة، أظنه لشدة غيظه شتمني.. لكننا لم نعد نفهم منه ولا كلمة فتابعنا هزيمتنا (زي الكلاب) الشاردة، بينما رفعت الفئران رؤوسها ضاحكة من ضجيج معاركنا التي دائما تنتهي بالهزيمة، وبينما كنا نتابع ركضنا، فاجأتني نوبة حب الانتقام ولما اختلط علي الامر في تفريغ نقمتي ولم أجد جرائد أمزقها رأيت تمثالا ضخما جدا لأحد الأبطال صعدت الى رأسه ورحت أدوس بأقدامي على رأسه دون أن يطأطئ فأبطالنا لم يطأطئوا رؤوسهم رغم كل الهزائم، كنت أظن أني سأنجو بجلدي من عيون رجال الأمن كون الجميع ينشغل الآن بحماية الحدود وفاتني ان الأمن الداخلي هو الأهم عندهم، فقبضوا علي متلبسا ، وبعد تحقيق طال وطال معه ابداع فنون التعذيب وجدوا الحل بأن يفقأوا عيني تخليصا لي من عقدة حرف العين تلك مأساتي فإياكم وحرف العين فهو ثروة عظمى للأمة وذخيرتها الى العولمة حتى لو فرضت هيئة الأمم المتحدة علينا تغيير لغتنا. |
|||||
|
|||||