الفلسفة
في قرن جديد

 

جون سيرل
ترجمة: نجيب الحصادي باحث واكاديمي من ليبيا)


أعتقد أن عهد الابستمولوجيا الارتيابية قد ولى. بسبب نمو معرفة يقينية، وموضوعية، وكلية، لم يعد إمكان المعرفة مسألة مركزية في الفلسفة. في الوقت الراهن، يستحيل علينا سيكولوجيا أن نحمل مشروع ديكارت محمل الجد على النحو الذي فعل، إذ لدينا من المعارف ما يحول دون ذلك. هذا لا يعني أنه لا مجال للمفارقات الابستمولوجية التقليدية، بل يعني فحسب أنها لم تعد كامنة في صميم موضوع الفلسفة.

 

بمناسبة العيد المئوي لتأسيس الجمعية الفلسفية الأمريكية نشرت Journal of Philosophical Research، دراسات أعدها فلاسفة مبرزون تقترح التوجهات والتحديات التي تنتظر الفلسفة في أمريكا. من بين تلك الدراسات ما كتبه جون سيرل، أحد الفلاسفة الأمريكيين الذين ذاع صيتهم على جانبي المحيط. درس سيرل الفلسفة في اكسفورد، حيث وصل إلى هناك في مطلع الخمسينيات، ثم در س فيها بضع سنين قبل عودته إلى الولايات المتحدة، حيث ظل إلى يومنا هذا يدر س في جامعة كاليفورنيا ببركلي. "أفعال الكلام" الذي نشر عام 1969، وكتابه "إعادة اكتشاف العقل" الذي طبع عام 1992، من أشهر كتبه. هذه إذن شهادة فيلسوف مبرز على عصر من الفلسفة (القرن العشرين) تستشرف ما يأمل أن يكون عليه مآلها في المستقبل القريب (القرن الحادي والعشرين).

ملخص

نمو المعرفة مفاد الحقيقة الفكرية المحورية التي تميز الحقبة المعاصرة. إن نمو المعرفة هذا يحدث بالفعل تغييرا في الفلسفة، حيث يمكنها من إنجاز نوع جديد من الفلسفة. بالتخلي عن المحاباة الابستمولوجية في هذا المجال، يمكن لمثل هذه الفلسفة تجاوز كل ما سبق لفلسفة النصف الأول من القرن تصوره. إنها لا تبدأ بالارتيابية بل بما نعرفه عن العالم الواقعي; من حقائق على شاكلة ما تقره النظرية الذرية في المادة والنظرية التطورية في البيولوجيا، فضلا عن حقائق "الفهم المشترك" من القبيل الذي يقر أننا كائنات واعية، وأن لدينا أصلا أوضاعا ذهنية قصدية، وأننا نشكل جماعات اجتماعية ونخلق حقائق مؤسساتية. إن مثل هذه الفلسفة تعد نظرية، شاملة، منتظمة، وكلية من حيث موضوعها.

غالبا ما ينتج التأمل العام في وضع الفلسفة ومستقبلها مقاربات سطحية تمعن في إطلاق العنان للأهواء. من منحى آخر، فإن ورقة عشوائية في التقويم السنوي، تشير إلى بداية قرن جديد، لا تبدو كافية. على ذلك، سوف أغامر بقول أشياء عن الوضع الراهن والمستقبلي للفلسفة، رغم أنني أعتقد أنها سوف تكون مغامرة خطرة. لقد طرأت تحولات شاملة مهمة في الفلسفة إبان حياتي، وبودي نقاش مغزاها والإمكانات التي تثيرها نسبة إلى مستقبل هذا المجال.

الفلسفة والمعرفة

مفاد الحقيقة المحورية التي تميز الحقبة الراهنة هو نمو المعرفة. إن المعرفة تتنامى وتتراكم كل يوم، فنحن نعرف أكثر مما عرف أجدادنا، وسوف يعرف أبناؤنا أكثر مما عرفنا.

لدينا رصيد هائل من المعرفة يتسم بأنه يقيني، وموضوعي، وشامل، بمعنى سوف أوضحه بعد قليل. الحال أن نمو المعرفة هذا يحدث تحولا حقيقيا في الفلسفة. 

تأسس العصر الحديث في الفلسفة، الذي استهله ديكارت، وبيكون، وآخرون في القرن السابع عشر، على مقدمة عفا عليها الزمن، مفادها أن وجود المعرفة أصلا يشكل موضع شك، ومن ثم فإن مهمة الفلسفة الأساسية إنما تكمن في التغلب على مشكلة الارتيابية، وقد تعينت هذه المهمة عند ديكارت في تأمين أساس مكين للمعرفة. وفق منظور مماثل، اعتبر لوك كتابه Essays بحثا في طبيعة المعرفة البشرية ومداها. لاغرو إذن أن اعتبر أولئك الفلاسفة في القرن السابع عشر الابستمولوجيا العنصر الرئيس في مشروعهم الفلسفي، فبينما كانوا في خضم ثورة علمية، بدا إمكان المعرفة الموضوعية الكلية إشكاليا. لم يكن واضحا كيف يمكن إثبات معتقداتهم المختلفة بيقينية مطلقة، بل لم يتضح لهم حتى كيفية إثبات اتساق تلك المعتقدات. وعلى وجه الخصوص، كان هناك تعارض مقلق وغامر بين الإيمان الديني والاكتشافات العلمية الجديدة، ما أفضى إلى ثلاثة قرون ونصف تبوأت فيها الابستمولوجيا قطب رحى الفلسفة.

خلال معظم تلك الحقبة، استبين أن المفارقات الارتيابية كامنة في صميم المشروع الفلسفي. ما كان لنا فيما بدا آنذاك أن نواصل البحث الفلسفي، أو حتى البحث العلمي، ما لم يكن في وسعنا الرد على المرتابين. لهذا السبب أصبحت الابستمولوجيا أساس أي تخصص فلسفي مهما بدت أسئلته الابستمولوجية هامشية. مثال ذلك، كان السؤال الرئيس في علم الأخلاق هو "هل بالمقدور وضع أساس موضوعي لمعتقداتنا الأخلاقية؟". حتى في فلسفة اللغة، اعتقد كثير من الفلاسفة، كما ظل بعض منهم يعتقد، أن الأسئلة الابستمولوجية مركزية. لقد حسبوا أن السؤال "كيف نعرف ما يعنيه شخص آخر حين يقول أي شيء؟" السؤال المحوري في فلسفة اللغة.

أعتقد أن عهد الابستمولوجيا الارتيابية قد ولى. بسبب نمو معرفة يقينية، وموضوعية، وكلية، لم يعد إمكان المعرفة مسألة مركزية في الفلسفة. في الوقت الراهن، يستحيل علينا سيكولوجيا أن نحمل مشروع ديكارت محمل الجد على النحو الذي فعل، إذ لدينا من المعارف ما يحول دون ذلك. هذا لا يعني أنه لا مجال للمفارقات الابستمولوجية التقليدية، بل يعني فحسب أنها لم تعد كامنة في صميم موضوع الفلسفة. إنني اعتبر الأسئلة "أنى لي أن أعرف أنني لست دماغا في راقود، أو أنني لا أتعرض لتضليل شيطان ماكر، أو أحلم، أو أهلوس، الخ؟"، أو وفق تعبير هيومي خاص، "كيف أعرف أنني ذات الشخص اليوم الذي كنته بالأمس؟"، "كيف أعرف أن الشمس سوف تشرق غدا؟"، "كيف أعرف أنه هناك بالفعل أشياء من قبيل العلاقات السببية في العالم؟" -  أقول إنني أعتبر مثل هذه الأسئلة شبيهة بمفارقات زينون المتعلقة بحقيقية المكان والزمان. تظل المفارقة التي تتساءل كيف يتسنى لي أن أعبر الغرفة إذا كان يتوجب علي أن أعبر بداية نصفها، وقبل ذلك، نصف نصفها، وقبل ذلك نصف هذا النصف الأخير، وهكذا، مفارقة مثيرة. يبدو أنه يتوجب علي طي عدد لا يتناهى من الأمكنة قبل أن يتسنى لي أن أبدا أصلا، ولذا يظهر أن الحركة مستحيلة. هذه مفارقة مثيرة، وقيام الفلاسفة بحلها تمرين بارع، غير أنه ليس هناك من يشك بجدية في وجود المكان أو في إمكان عبور الغرفة بسبب مفارقات زينون. وعلى نحو مناظر، بودي أن أقول إنه لا يتوجب على أحد الشك في وجود المعرفة بسبب المفارقات الابستمولوجية. هذه تمارين بارعة للفلاسفة، لكنها لا تتحدى وجود معرفة موضوعية، كلية، ويقينية.

ألحظ أنه لا تزال هناك أبحاث تزدهر في الارتيابية التقليدية، بيد أنني أقترح أنه يستحيل على الأشكال التقليدية للارتيابية أن تحوز المعنى الذي حازت عند ديكارت وأخلافه، فالرصيد المعرفي المتراكم أعظم من أن يسمح بأخذ الحجج التي حاولت إثبات استحالة المعرفة مأخذ الجد.

ثمة توضيح لزام علي أن أقوم به. حين أقول إن الفلسفة لم تعد تدور حول الابستمولوجيا فإنني أعني أن مفارقات الابستمولوجيا الاحترافية، المفارقات الارتيابية، لم تعد محورية في المشروع الفلسفي. غير أن هناك، فضلا عن الابستمولوجيا بهذا المعنى الاحترافي التخصصي، ما يمكن وصفه بابستمولوجيا "الحياة الواقعية". كيف تعرف أن المزاعم التي تطلقها صادقة حقيقة؟ أي نوع من الشواهد، الدعم، الحجج، والتحقق بمقدورك تأمينه للمزاعم المختلفة التي تصدرها؟ تظل ابستمولوجيا الحياة الواقعية على سابق عهدها، بل إنها لم تفقد أهميتها; ففي مواجهة مزاعم الحياة الواقعية المتنافسة المتعلقة مثلا بأسباب الأيدز وعلاجه، أو المرتبطة بالسياسة النقدية والمالية التي تناسب تدبر أمور الاقتصاد، لا يقل إصرارنا على إجراء عمليات الاختبار والتقصي المناسبة أهمية عن أي وقت مضى. عندي، زمن الارتيابية الفلسفية التقليدية ولى إلى غير رجعة، لكن هذا لا يعني أنه يتوجب علينا التخلي عن المعايير العقلانية الخاصة بتقويم صحة ما نطلق من مزاعم. على العكس تماما.

قلت لتوي إن لدينا رصيدا هائلا من المعرفة يتسم بأنه يقيني، موضوعي، وكلي. إنني أؤكد هذه السمات الثلاث لأنها تتعرض خصوصا لتحدي صيغة معاصرة من الارتيابية المتشددة تسمى أحيانا "ما بعد الحداثة"، بفروعها الثانوية (مثال، "التفكيكية"، "ما بعد البنيوية"، وحتى بعض صيغ البراجماتية). وفق هذا التحدي الارتيابي، ما يجعلنا نقول بإمكان الاستحواذ على معرفة يقينية، موضوعية، وكلية، خطأ في أفضل الأحوال ، وفي أسوئها نزوة استبدادية. من منظور هذه الرؤية، لا يحصل البشر إطلاقا على مثل هذه المعرفة. هذا ما يفترض أنه تم إثباته عبر أبحاث بعينها في العلم، من قبيل تلك التي أجراها تومس كون وبول فيرابند، والتي تؤكد العناصر اللاعقلانية في تطور النظريات العلمية. وفق هذه الرؤية، لا يظفر العلماء بالحقيقة، بل يندفعون بطريقة لاعقلانية من بارادايم إلى أخرى. فضلا عن ذلك، فيما تروي الحكاية، يستحيل تحقيق الموضوعية، لأن كل زعم بالمعرفة منظوري، ينطلق من وجهة نظر ذاتية. وأخيرا، يستحيل تحقيق مطلب الكلية، لأن كل العلوم تنتج في ظروف محلية تاريخية، وعرضة لكل القيود التي تفرضها مثل هذه الظروف. أعتقد أن كل هذه التحديات باطلة، وبودي أن أوجز علة اعتقادي هذا. الأمر الأساس الذي أود إقراره هو أن ما يصدق بخصوص التحديات الارتيابية لا يتعارض بأية طريقة مع اليقينية، والموضوعية، والكلية.

تتعين إحدى المشاكل التي تصادفنا، إبان محاولتنا التصالح مع نمو المعرفة الهائل، في رؤية كيف يمكن لكل هذه السمات أن تتواجد في وقت واحد. كيف يتسنى للمعرفة أن تكون في آن يقينية، وتكون على ذلك مؤقتة وقابلة للتعديل; أنى لها أن تكون موضوعية كلية وتظل دائما من منظور ذاتي أو آخر; وكيف تكون كلية بشكل مطلق وتكون على ذلك نتاج شروط وظروف محلية؟ دعونا نناقش كل هذه السمات بالترتيب. مأتى اليقينية المعنية هنا حقيقة أن الشواهد التي تعزز المزاعم المقصودة قوية، وأن المزاعم نفسها مدمجة في فئة منتظمة من المزاعم المترابطة، تحصل بدورها على دعم شواهد قوية، إلى حد يجعل الارتياب في صدقها مسلكا لاعقلانيا. من غير الوجيه في الوقت الراهن الشك في أن القلب يضخ الدم، أن الأرض جرم تابع للشمس، أو أن الماء يتكون من هيدروجين وأكسجين. فضلا عن ذلك، كل من هذه المعارف مدمجة في نظريات فعالة، نظريات في فسيولوجيا الإنسان والحيوان، نظرية المركزية الشمسية في نظام الكواكب والنظرية المادية في الذرة. غير أنه بالإمكان في الوقت نفسه أن تحدث ثورة علمية تتخلى عن هذه السبل الكلية في التفكير في الأشياء، أن تحدث ثورة تشبه السبيل التي استوعبت عبرها الثورة الأينشتينية الميكانيكا النيوتونية بوصفها حالة خاصة. لا شيء في أية مرحلة من مراحل المعرفة، مهما كانت يقينية، يحول دون قيام ثورات علمية في المستقبل. على العكس تماما، يتوجب علينا أن نعترف باليقينية دون التغاضي في الوقت نفسه عن إمكان حدوث تغيرات جذرية في نظرياتنا.

بودي توكيد هذا الأمر: ثمة رصيد هائل من المعرفة اليقينية. إنك تعثر عليها في محلات بيع الكتب التدريسية في الجامعات،  في كتب الهندسة والبيولوجيا على سبيل المثال. المعنى الذي نعرف وفقه على نحو يقيني أن القلب يضخ الدم، أو أن الأرض جرم تابع للشمس، هو أنه في ضوء الحشد الهائل من المبررات التي تدعم هذه المزاعم، من غير الوجيه أن نرتاب فيها. بيد أن اليقينية لا تستلزم عدم القابلية للتعديل. إنها لا تستلزم أننا لا نستطيع تصور الظروف التي تستدعي التخلي عن تلك المزاعم. ثمة خطأ تقليدي، أحاول تنكبه، يتعين في افتراض أن اليقينية تستلزم عدم القابلية للتعديل وفق أي اكتشاف مستقبلي. لقد تنشأنا على الاعتقاد بأن اليقين مستحيل لأن المزاعم المعرفية مؤقتة دائما وقابلة للتعديل المستقبلي. لكن هذا خطأ. اليقينية لا تتعارض مع المؤقتية والقابلية للتعديل. لا ريب أننا نعرف الكثير من الأشياء بيقين، رغم أنها قابلة لأن تعدل وفق اكتشافات جديدة.

يفضي بنا هذا إلى توليفة من السمات: كيف يتسنى للمعرفة أن تكون في آن موضوعية بشكل تام ومع ذلك منظورية، تقر  وتقو م دوما من منظور أو آخر؟ أن تقول إن الزعم المعرفي موضوعي ابستمولوجيا، أن تقول إنه بالمقدور إثبات صدقه أو بطلانه على نحو مستقل عن مشاعر، ميول، محاباة، تفضيلات، والتزامات الباحثين. هكذا، حين أقول "إن الماء مكون من جزيئي هيدروجين وجزيء أكسجين"، فإن هذا الزعم موضوعي بشكل تام. إذا قلت "إن مذاق الماء أفضل من مذاق النبيذ" - فهذا زعم ذاتي. إنها مسألة رأي. تتميز المزاعم المعرفية من النوع الذي ناقشت بأنه عندما أقول إن مثل هذه المعرفة تنمو بشكل تراكمي، فإن المعرفة المعنية تعد بهذا المعنى موضوعية ابستمولوجيا. غير أن هذه الموضوعية لا تحول دون المنظورية. المزاعم المعرفية منظورية بالمعنى الواضح الذي تعوزه الأهمية والذي تعد وفقه كل المزاعم منظورية. كل التمثيلات تنجز من منظور بعينه، من وجهة نظر ما. لذا، حين أقول "إن الماء مكون من جزيئي هيدروجين وجزيء أكسجين"، فإن هذا وصف يتم على مستوى البنية الذرية. وفق مستوى وصفي آخر، مستوى الفيزياء دون_الذرية مثلا، قد نرغب في إقرار أن الماء يتكون من كواركات، ميونات، وجسيمات دون_ذرية متعددة أخرى. مفاد نقاشنا هذا أن حقيقة أن كل المزاعم منظورية لا تحول دون الموضوعية الابستمولوجية.

بودي إقرار هذا الأمر بصيغة توكيدية: كل تمثيلات الواقع، أكان إنسانيا أو خلاف ذلك، ومن ثم كل معرفة بالواقع، إنما تتم من وجهة نظر ما، وفق منظور بعينه. غير أن خاصية المنظورية التي تختص بها التمثيلات لا تستلزم توقف المزاعم المعرفية المعنية على تفضيلات، ميول، أهواء، أو نزوعات الملاحظين. إن سمة المنظورية التي تختص بها المعرفة والتمثيل لا تهدد بحال تحقق الموضوعية.

وأخيرا، المزاعم المعرفية من النوع الذي أتحدث عنه، حيث نصدر مزاعم عن طريقة سير العالم، مزاعم كلية. ما يصدق في فالديفستوك يصدق أيضا في بريتوريا، كما يصدق في باريس وبركلي. غير أن حقيقة أننا قادرون على صياغة، واختبار، والتحقق، وإثبات مثل هذه المزاعم بوصفها مزاعم يقينية، كلية، وموضوعية، إنما يشترط وسيلة اجتماعية_ثقافية غاية في الخصوصية. إنها تتطلب بحاثا مدربين، وتوفر الظروف الاجتماعية الثقافية الضرورية لوجود مثل هذا التدريب والبحث. لقد بلغت هذه الظروف أوج عنفوانها في أوروبا الغربية وفي فروعها الثقافية في أجزاء أخرى من العالم، خصوصا أمريكا الشمالية، خلال القرون الأربعة الأخيرة. ثمة معنى لا ضرر منه ولا أهمية له تعد المعرفة وفقه مشكلة اجتماعية. بهذا المعنى يتم التعبير عن المعرفة عبر إقرارات، أي مزاعم; ومحتم علينا أن نقوم بصياغة، وصورنة، واختبار، والتحقق، وفحص، وإعادة فحص مثل هذه المزاعم. اقتدارنا على القيام بكل هذا إنما يتطلب بنية اجتماعية_ثقافية غاية في الخصوصية، وبهذا المعنى، فإن مزاعمنا المعرفية مشكلة اجتماعيا. غير أن هذا الضرب من التشكيل الاجتماعي لا يتعارض بحال مع حقيقة أن المعرفة التي نخلص إليها على هذا النحو كلية، وموضوعية، ويقينية.

بودي توكيد هذا الأمر الثالث كما فعلت مع الأمرين الأولين: المزاعم المعرفية إنما تصدر وتختبر ويتحقق منها من قبل أفراد يعملون في سياق تاريخي وقبالة خلفية تتشكل من ممارسات ثقافية بعينها. بهذا المعنى، كل المزاعم المعرفية مشكل ة اجتماعيا. غير أن صحة هذه المزاعم المعرفية ليست مشكلة اجتماعيا. الصحة مسألة مطابقة بين حقائق موضوعية في العالم ومزاعمنا المعرفية.

اعتبرت حتى الآن ثلاثة اعتراضات موجهة ضد رؤية الفهم المشترك التي تقر أن لدينا رصيدا هائلا من المعرفة اليقينية، والموضوعية، والكلية. أولا، المعرفة دائما مؤقتة وقابلة للتعديل. ثانيا، فإنها تقر دوما من وجهة نظر ما. ثالثا، يتم الوصول إليها عبر جهود إنسانية متضافرة تبذل في سياقات اجتماعية بعينها مموضعة تاريخيا. الأمر الأساسي الذي أقره هو أنه لا تعارض بين هذه الأحكام والزعم بأن المعرفة التي يتم الخلاص إليها على هذا النحو يقينية، وموضوعية، وكلية.

إذا كانت "الحداثة" تشير إلى حقبة العقلانية والتفكير المنتظمة التي بدأت في عصر النهضة وبلغ أوج التعبير الواعي عنها في التنوير الأوربي، فإننا لسنا في عهد ما بعد الحداثة. على العكس تماما، فالحداثة بدأت لتوها. على ذلك، أعتقد أننا في عهد ما بعد الارتيابي أو ما بعد الابستيمي. إنك لن تفهم ما يحدث في حياتنا الفكرية إذا لم تلحظ النمو المتسارع للمعرفة بوصفه الحقيقة الفكرية المركزية. المفكر ما بعد الحداثي الذي يشتري تذكرة سفر بالطائرة عبر شبكة المعلومات، يستقل الطائرة، يعمل على حاسوبه المحمول إبان رحلتها، ينزل منها ليستقل عربة أجرة متوجها إلى قاعة المحاضرات، ثم يلقي محاضرة ينكر فيها بطريقة أو أخرى وجود معرفة يقينية، ويفصح عن ارتيابه في الموضوعية، ثم يقر أن كل مزاعم الصدق والمعرفة مجرد غنائم نفوذ مقنعة، إنما يسلك طريقة منافية للعقل.

عهد ما بعد الارتيابي

على افتراض أنني محق فيما أقول بخصوص سمات المعرفة تلك وبخصوص حقيقة أن المعرفة تواصل نموها، لنا أن نتساءل عن مترتبات ذلك على الفلسفة. كيف تبدو الفلسفة في عهد ما بعد الابستيمي أو ما بعد الارتيابي؟ يبدو لي أنه أصبح الآن ممكنا إنجاز فلسفة نظرية منتظمة بطريقة كانت تعد بوجه عام منذ نصف قرن مستحيلة. وعلى نحو مفارق، من بين أعظم إسهامات فتجنشتين في الفلسفة إسهام ما كان له إلا أن ينكره. إنه بحمله الارتيابية محمل الجد ومحاولة التغلب عليها، مهد الطريق لنوع من التفلسف النظري والمنتظم كان أبغضه وحسبه مستحيلا. الحال أن ما يجعلنا قادرين على الشروع في تأدية مهمة التنظير الشمولي أننا لم نعد مشغولين بالمفارقات الابستمولوجية التقليدية وبمترتباتها على وجود اللغة، المعنى، الصدق ،المعرفة، الموضوعية، اليقينية، والكلية.

يناظر هذا الموقف بطريقة ما ما حدث في اليونان بعد التحول من فلسفة سقراط وأفلاطون إلى فلسفة أرسطو. لقد أخذ سقراط وأفلاطون الارتيابية مأخذ الجد; أما أرسطو فقد كان منظ را منظوميا.

عبر إمكان تطوير نظريات فلسفية كلية، وضعف حدة الاهتمام بالانشغالات الارتيابية، تخلصت الفلسفة من كثير من عزلتها عن التخصصات الأخرى. هكذا غدا أفضل فلاسفة العلم مثلا على ألفة بأحدث الأبحاث لا تقل عن ألفة المتخصصين في تلك العلوم.

ثمة عدد من المواضيع التي أستطيع نقاشها فيما يتعلق بمستقبل الفلسفة، غير أنني سوف أقتصر بغية الإيجاز على ستة مواضيع.

1. إشكالية العقل- الجسم التقليدية

أبدأ بإشكالية العقل- الجسم التقليدية، لأنني أعتقد أنها الإشكالية الفلسفية المعاصرة الأكثر طواعية لتضافر جهود العلماء والفلاسفة. ثمة صياغات مختلفة لهذه الإشكالية، غير أن الصياغة الأكثر عرضة للنقاش في الوقت الحالي هي التالية: ما علاقة الوعي بالدماغ على وجه الضبط؟ يبدو لي أن العلوم العصبية قد تطورت إلى حد يمكن من تناول هذه الإشكالية بوصفها إشكالية عصب-حيوية، بل إن العديد من علماء بيولوجيا الأعصاب إنما يقومون بذلك. في أبسط صوره، السؤال كيف تسبب العمليات الحيوية- العصبية في الدماغ أوضاعا وعمليات واعية، وكيف تتعين تلك الأوضاع والعمليات الواعية في الدماغ؟ وفق هذه الصياغة، تبدو هذه إشكالية علمية امبيريقية. إنها تبدو مثلا شبيهة بالمشاكل: "كيف تسبب العمليات الكيمياء- حيوية على مستوى الخلايا الإصابة بمرض السرطان؟"، و"كيف تنتج البنية الوراثية للاقحة السمات الكائن العضوي الناضج المظهرية؟"

 على ذلك، ثمة عدد من العوائق الفلسفية الصرفة التي تعرقل الحصول على حل عصب- حيوي لإشكالية الوعي، ولزام علي أن أمضي بعض الوقت في التخلص من بعض أسوأ تلك العوائق.

يتعين أهم عائق مفرد يعرقل الحصول على حل لإشكالية العقل_الجسم التقليدية في تلبث طائفة من التصنيفات التقليدية التي عفا عليها الزمن: العقل والجسم، المادة والروح، الذهني والفيزيقي. طالما استمررنا في الحديث والتفكير كما لو أن الذهني والفيزيقي مجالان ميتافيزيقيان منفصلان، سوف تظل علاقة الدماغ بالوعي غامضة إلى الأبد، ولن نظفر بتفسير مرض لعلاقة الأطراف العصبية بالوعي. الخطوة الأولى شرط إحراز تطور فلسفي وعلمي في هذين المجالين إنما تتعين في التغاضي عن الثنائية الديكارتية التقليدية وتذكر أن الظواهر الذهنية ظواهر بيولوجية عادية لا تختلف عن التمثيل الضوئي أو عملية الهضم. يتوجب علينا أن نتوقف عن الانشغال بكيف يمكن للدماغ أن يسبب الوعي وأن نبدأ بحقيقة أنه يقوم فعلا بذلك. ثمة حاجة إلى التخلي عن مفهومي الذهني والفيزيقي كما كانا يفهمان تقليديا حين نصالح أنفسنا مع حقيقة أننا نعيش في عالم واحد، وأن كل جوانب العالم، بدءا من الكواركات والإلكترونات وانتهاء بمشاكل حكومات الشعوب وميزانية المدفوعات، تشكل كل بطريقتها أجزاء عالم واحد. إن عجبي لا ينقضي من أن التصنيفات التي عفا عليها الزمن والخاصة بالعقل والمادة تظل تعرقل مضينا قدما. يشعر كثير من العلماء أنهم لا يستطيعون سوى تقصي المجال "الفيزيقي". هكذا تراهم يتنكبون الوعي بذاته لكونه "ذهنيا" ولا يبدو "فيزيقيا". أيضا فإن العديد من الفلاسفة يقولون باستحالة فهم علاقات العقل بالدماغ عند البشر. وتماما كما أحدث أينشتين تغييرا مفهوميا بغية تقويض مفهومي الزمان والمكان القديمين، ثمة حاجة إلى تغيير مفهومي مشابه يقوض مثنوية الذهني والميتافيزيقي.

تتعلق الصعوبة الناجمة عن قبول التصنيفات التقليدية بأغلوطة منطقية مباشرة يلزمني فضحها. الوعي ذاتي بالتعريف، بمعنى أن وجود حالة وعي تقتضي احتيازه من قبل ذات واعية. بهذا المعنى، للوعي أنطولوجيا- ذات [أو أنطولوجيا - المتكلم]، إذ أنه لا يوجد إلا من منظور ذات بشرية أو حيوانية، أي "أنا" تحوز الخبرة الواعية. لم يدأب العلم على التعامل مع ظواهر أنطولوجيا المتكلم. تقليديا، يتعامل العلم مع ظواهر "موضوعية" ويتجنب كل ما هو "ذاتي". الحال أن كثيرا من الفلاسفة والعلماء يشعرون بأن كون العلم موضوعيا بالتعريف إنما يستلزم عدم وجود شيء اسمه علم الوعي، كون الوعي ذاتيا. غير أن هذه الحجة برمتها مؤسسة على خلط شامل، هو من أكثر الأخلاط تلبثا في حضارتنا الفكرية. ثمة معنيان متمايزان تماما للتمييز بين الموضوعي والذاتي. وفق أولهما، الذي أسميه بالمعنى الابستيمي للتمييز بين الموضوعي والذاتي، هناك تمييز بين المعرفة الموضوعية ومسائل الرأي الذاتية. إذا قلت مثلا "إن رمبراندت ولد عام 1906"، فإن إقراري هذا موضوعي ابستيميا، بمعنى أنه بالمقدور تحديد قيمته الصدقية بشكل مستقل عن ميول، أو مشاعر، أو آراء، أو أهواء القائمين بفعل التقصي المعني. أما إذا قلت "إن رمبراندت كان رساما أفضل من روبنز"، فإن زعمي هذا لا يشكل معرفة موضوعية، بل مسألة رأي ذاتي. وفضلا عن التميز بين المزاعم الموضوعية ابستيميا والمزاعم الذاتية ابستيميا، هناك تمييز بين كينونات العالم ذات الوجود الموضوعي، كالجبال والجزيئات، وكينوناته ذات الوجود الذاتي، كالألم والدغدغة. إنني أسمي هذا التمييز الخاص بأساليب الوجود بالمعنى الأنطولوجي للتمييز بين الموضوعي والذاتي.

الحال أن العلم موضوعي ابستيميا، بمعنى أن العلماء يحاولون تكريس حقائق يمكن التحقق منها بشكل مستقل عن ميولهم وأهوائهم. غير أن موضوعية المنهج الابستيمية لا تعني أن المسائل المناقشة ليست ذاتية أنطولوجيا. وفق هذا، ليس هناك من حيث المبدأ اعتراض ضد وجود علم موضوعي ابستيميا يتقصى مجالا ذاتيا أنطولوجيا، كمجال الوعي البشري.

ثمة صعوبات أخرى يواجهها علم الذاتية تتعين في التحقق من المزاعم الخاصة بالوعي البشري والحيواني. في حالة البشر، ما لم نقم بالتجريب على أنفسنا بشكل فردي، دليلنا الدامغ الوحدي على وجود الوعي وطبيعته هو ما يقوله الشخص المعني ويقوم به. غير أن الأشخاص يشتهرون بعدم جدارتهم بالثقة. في حالة الحيوانات، الوضع أسوأ، إذ يتوجب علينا التعويل على سلوك الحيوان حين يستجيب لمؤثرات. إننا لا نستطيع الحصول على أي إقرارات من الحيوان تتعلق بحالاته الواعية. أعتقد أن هذه صعوبة حقيقية، غير أنني أشير إلى أنها لا تختلف من حيث النوع عن الصعوبات التي نواجه في أشكال أخرى من البحث العلمي، حيث يتعين علينا الركون إلى وسائل غير مباشرة للتحقق من مزاعمنا. ليست لدينا وسيلة لملاحظة الثقوب السوداء، بل إننا لو تحرينا الدقة لقلنا انه ليست لدينا وسيلة لملاحظة الجسيمات الذرية ودون- الذرية بشكل مباشر. على ذلك، فقد قمنا بتكريس تصورات علمية في هذه المجالات، كما أن المناهج التي نستخدمها في التحقق من فروض هذه المجالات تؤمن لنا نموذجا للتحقق من فروض مجال دراسة الذاتية البشرية والحيوانية. إن "خصوصية" الوعي البشري والحيواني لا تحول دون قيام علم للوعي. في حالة "علم المناهج"، للمسائل المنهجية في العلوم الحقيقية الإجابة نفسها: كي تكتشف كيف يسير العالم، عليك أن تستخدم كل سلاح تعثر عليه، وأن تتشبث بالسلاح الذي يبدو فعالا.

وفق هذا، وعلى افتراض أن مسألة الذاتية والموضوعية لا تشغلنا، وأننا مستعدون للبحث عن مناهج غير مباشرة للتحقق من فروض الوعي، كيف يتوجب علينا العمل؟ تبدو معظم الأبحاث العلمية التي تجرى اليوم على مسألة الوعي مؤسسة على خطأ. يتبنى العلماء المعنيون ما أسميه نظرية الكتل في الوعي، وهم يجرون أبحاثهم تأسيسا عليها. وفق هذه النظرية، يتوجب علينا أن نعتبر مجال الوعي مكونا من كتل مختلفة، كالخبرة البصرية، الخبرة السمعية، الخبرة اللمسية، تيار الفكر، الخ. من هذا المنظور، تتعين مهمة النظرية العلمية في الوعي في العثور على الملازم العصب- حيوي للوعي، وإذا وجدنا ملازما من هذا القبيل لرؤية اللون الأحمر، فمن المرجح أن ينبئنا ذلك عن كتل الوسائل الحسية الأخرى وتيار الفكر. قد يستبان في النهاية أن هذا البرنامج البحثي صحيح، لكنه يبدو لي موضع شك بوصفه طريقة عمل في الموقف الراهن، وذلك للسبب التالي. لقد قلت إن ماهية الوعي هي الذاتية. هناك شعور نوعي  ذاتي بعينه يصاحب كل حالة وعي. من بين سمات الذاتية، وهي سمة ضرورية، أن حالات الوعي تنتابنا بشكل موحد. إننا لا ندرك لون الشي، أو شكله أو صورته فحسب، بل ندرك كل ذلك دفعة واحدة بشكل متزامن في خبرة واعية موحدة. ذاتية الوعي تستلزم الوحدة. الحال أنهما ليستا سمتين منعزلتين، بل وجهان للسمة نفسها.

لهذا السبب، فإن الملازم العصب-حيوي الذي نبحث عنه ليس الملازم العصب-حيوي لمختلف كتل اللون، والصوت، الخ، بل ما أسميه مجال الوعي الخلفي، الذي يشكل افتراض الاحتياز أصلا على أية خبرة واعية. المسألة الحاسمة ليست مثلا "كيف ينتج الدماغ خبرة الأحمر الواعية؟"، بل "كيف ينتج الدماغ مجال الوعي الموحد الذاتي؟". يجب أن نعتبر الإدراك الحسي لا على أنه يخلق الوعي، بل على أنه يعدل مجالا واعيا موجودا أصلا. يجب ألا نعتبر مجال وعي الحاضر مكونا من مختلف الكتل، بل مجالا موحدا، يتم تعديله بطرق بعينها عبر مختلف المؤثرات التي أستقبلها أو يستقبلها أي كائن بشري آخر. ولأن لدينا أدلة قوية من دراسات أجريت على حالات اختلال ذهنية تفيد بأن الوعي ليس موزعا على الدماغ بأسره، ولأن لدينا أيضا أدلة قوية على أن الوعي موجود في كل من نصفي الدماغ، أعتقد أن ما يتوجب علينا البحث فيه الآن هو نوع العمليات العصبحيوية التي تنتج مجال وعي موحد. أعتقد أن هذه سوف تشكل أهم أجزاء الجهاز العصبي بقشرة الدماغ. مفاد فرضي إذن هو أن البحث عن مكونات الملازمات العصبحيوية يخطئ بيت القصيد، وأنه يتوجب علينا البحث عوضا عن ذلك عن ملازمات مجال الوعي الموحد في سمات الدماغ الأكثر كلية، من قبيل نماذج فروع الأعصاب المتواقتة في الجهاز العصبي بقشرة الدماغ.(1)

2. فلسفة الذهن وعلم الإدراك المعرفي

إشكالية العقل- الجسم جزء من طائفة أوسع من المسائل، تعرف جماعية بفلسفة الذهن. لا تشتمل هذه الفلسفة على إشكالية العقل- الجسم التقليدية، بل تضم كل توليفة القضايا التي تتناول طبيعة العقل والوعي، الإدراك الحسي والقصدية، الأفعال القصدية والفكر القصدي. ثمة شيء مثير حدث في العقدين أو الثلاثة عقود الأخيرة - لقد أصبحت فلسفة الذهن قطب رحى الفلسفة. ثمة فروع فلسفية مهمة أخرى، مثال الابستمولوجيا، الميتافيزيقا، فلسفة الفعل، وحتى فلسفة اللغة، أضحت تعد عالة على فلسفة الذهن، بل تعد أحيانا فروعا منها. في حين كانت فلسفة اللغة تعد منذ نصف قرن  "الفلسفة الأولى"، أصبحت فلسفة الذهن تتبوأ هذه المنزلة. ثمة أسباب متعددة لذلك، أبرزها اثنان. أولا، لقد اتضح تدريجيا لكثير من الفلاسفة أن فهمنا لمسائل الكثير من الموضوعات - طبيعة المعنى، العقلانية واللغة بوجه عام - يشترط فهم العمليات الذهنية الأكثر أساسية. مثال ذلك، تتوقف الطريقة التي تمثل بها اللغة الواقع على السبل الأكثر أساسية بيولوجيا التي يمثل العقل الواقع عبرها، بل إن التمثل اللغوي بسط أكثر اقتدارا للتمثلات الذهنية الأكثر أساسية من قبيل الإدراك الحسي، المقاصد، المعتقدات، والرغبات. ثانيا، فتح ظهور تخصص علم الإدراك المعرفي الجديد للفلسفة آفاقا جديدة للبحث في الإدراك المعرفي البشري بمختلف صوره. لقد استحدث علم الإدراك المعرفي من قبل جماعة بينية التخصصات تتكون من فلسفة اعترضوا على بقاء السلوكية في علم النفس، صحبة مختصين في علم نفس الإدراك المعرفي وفي علم اللغة، فضلا عن علماء أنثروبولوجيا وعلماء حاسوب تبنوا نزعة مماثلة. أعتقد أن أكثر مجالات البحث العامة في الفلسفة فعالية وثراء هو مجال علم الإدراك المعرفي العام. الموضوع الرئيس في هذا العلم هو القصدية بمختلف صورها.

المفارق أن هذا العلم كان أسس على خطأ. لا ضرار ضرورة من تأسيس موضوع أكاديمي على خطأ، فكثير من التخصصات كانت أسست على هكذا نحو. مثال ذلك أن الكيمياء أسست على الخيمياء. بيد أن التشبث المستمر بالخطأ يشكل في أفضل الأحوال قصورا في الفعالية وعائقا ضد التطور. في حالة علم الإدراك المعرفي، تعين الخطأ في افتراض أن الدماغ حاسوب رقمي وأن الذهن برنامج حاسوبي.

ثمة سبل متعددة لإثبات خطئية هذا الافتراض، أبسطها الإشارة إلى أن البرنامج الحاسوبي المنفذ إنما يعر ف كلية عبر عمليات رمزية أو سنتاكتية مستقلة عن العتاد المادي. إن فكرة "البرنامج المنفذ نفسه" تعر ف فئة مكافئة تتحدد كلية عبر عمليات صورية أو سنتاكتية، وهي مستقلة عن فيزياء تنفيذ أي عتاد. يؤسس هذا المبدأ خاصية "القابلية المتعددة للتعين" التي تميز البرامج الحاسوبية. يمكن للبرنامج أن يتعين في نطاق غير محدود من العتادات. يستحيل على الذهن أن يكمن في برنامج أو برامج بعينها، لأن عمليات البرامج السنتاكتية لا تكفي بذاتها لتشكيل أو تأمين وجود محتوى دلالي (سيمانتي) للعمليات الذهنية الفعلية. في المقابل، تشتمل الأذهان على ما هو أكثر من مكونات رمزية أو سنتاكتية، فهي تضم حالات ذهنية فعلية ذات محتوى دلالي تتخذ شكل أفكار ومشاعر وما إلى ذلك. يستحيل على الذهن أن يكمن في برنامج بعينه لأن العمليات السنتاكتية للبرنامج المنفذ لا تحوز بذاتها محتويات دلالية. لقد أثبت ذلك منذ عدة سنوات عبر ما أسميته بحجة الغرفة الصينية(2).

يستمر الجدل حول هذا وحول تنويعات أخرى في النظرية الحاسوبية في الذهن. يعتقد البعض أن توفر حواسيب تستخدم معالجات توازي موزعة (تسمى أحيانا بالمعالجات "الارتباطية") سوف يرد على الاعتراضات التي ذكرت لتوي. غير أنني لا أرى كيف تحدث الحجج الارتباطية أي فرق. المشكلة أن أية حوسبة يمكن إنجازها عبر برنامج ارتباطي يمكن إنجازها أيضا عير نظام فون نيوماني تقليدي. إننا نعرف من النتائج الرياضية أن أي دالة قابلة أصلا للحوسبة تقبل الحوسبة عبر آلة تورنج كلية. بهذا المعنى، ليست هناك قدرة حوسبية جديدة تنضاف عبر المعمار الارتباطي، رغم أن عمل الأنساق الارتباطية قد يكون أسرع، لأن لديها عمليات حاسوبية مختلفة تعمل بالتوازي وتتعامل مع بعضها البعض. ولأن قدرات الأنساق الارتباطية الحاسوبية ليست أعظم من قدرات نسق نيومان التقليدي، فإننا إذا افترضنا أفضلية النسق الارتباطي، يتوجب أن نكون قد عولنا على خصائص أخرى يختص بها النسق الارتباطي. ينبغي أن تكون الخاصية الإضافية الوحيدة في النسق الارتباطي متعينة في تنفيذ العتاد، الذي يعمل بالتوازي، عوضا عن العمل عبر سلاسل. غير أننا إذا زعمنا أن المعمار الارتباطي عوضا عن الحوسبة الارتباطية المسؤول عن العمليات الذهنية، فإننا لا نعود بذلك نطور النظرية الحاسوبية في الدماغ، بل نخوض في تخمينات عصب-حيوية. إننا بهذا الفرض نكون تخلينا عن النظرية الحاسوبية في صالح الدفاع عن بيولوجيا عصبية تخمينية.

الذي يحدث فعلا في علم الإدراك المعرفي هو تحول بارادايمي ينأى عن النموذج الحاسوبي للذهن شطر مفهوم للذهن مؤسس بطريقة عصب-حيوية. ولأسباب يفترض أنها قد اتضحت، فإنني أرحب بهذا التطور. كلما تعمق فهمنا لعمليات الدماغ، تضاعفت فرص نجاحنا في إحلال تدرجي لعلم أعصاب الإدراك المعرفي محل علم الإدراك المعرفي الحاسوبي. الراهن أنني أعتقد أن التحول بدأ فعلا. من المرجح أن تثير التطورات التي شهدها علم أعصاب الإدراك المعرفي مشاكل فلسفية تفوق ما يقوم بحله. مثال ذلك، إلى أي حد يرغمنا تعميق فهم العمليات الدماغية على إحداث تعديلات مفهومية في مفردات الفهم المشترك التي تصف العمليات الذهنية كما تحدث في الفكر والفعل؟ في الحالات الأكثر بساطة ويسرا، نستطيع استيعاب اكتشافات علم أعصاب الإدراك المعرفي في الأنساق المفهومية القائمة. على هذا النحو لا نحدث تحولا جذريا في مفهومنا للذاكرة حين نطرح ضرب التمييزات التي أوضحها البحث العصب-حيوي لنا. حتى لغتنا الجارية أصبحت تميز بين الذاكرة قصيرة الأجل وطويلته، ولا ريب أنه بتقدم البحث سوف نحصل على المزيد من التمييزات. غير أنه يبدو في بعض الحالات أننا مرغمون على إحداث تعديلات مفهومية. لقد فكرت لفترة طويلة في أن المفهوم الشائع للذاكرة، الذي يعتبرها مخزن خبرات ومعارف سابقة، غير مناسب سيكولوجيا وبيولوجيا. أشعر أن البحث المعاصر يؤيد حكمي هذا. يتعين علينا تأمين مفهوم في الذاكرة يعتبرها عملية خلاقة عوضا عن أن تكون عملية استعادة. بعض الفلاسفة يقولون إن اكتشافات علم الأعصاب الحيوي سوف ترغمنا على إحداث تعديلات أكثر تطرفا.

لقد استخدمت الذاكرة مثالا على كيف أن المشروع البحثي المتواصل يثير مشاكل فلسفية ويؤدي إلى نتائج فلسفية، وقد كان بإمكاني ضرب أمثلة أخرى تتعلق بعلم اللغة، العقلانية، الإدراك الحسي، والتطور. عندي، تطور علم إدراك معرفي أكثر تركيبا مصدر مستمر للتعاون بين "الفلسفة" و"العلم" اللذين اعتبرا تقليديا مجالين منفصلين.

3. فلسفة اللغة

قلت إن فلسفة اللغة تبوأت قطب رحى الفلسفة في معظم عقود القرن العشرين، بل إنها اعتبرت حتى مطلع الربع الأخير من هذا القرن، وكما سبق أن نوهت، "الفلسفة الأولى". غير أن هذا تغير بنهاية ذلك القرن. ما ينجز في فلسفة اللغة أصبح أقل مما ينجز في فلسفة الذهن، وفي اعتقادي أن البرامج البحثية الأكثر تأثيرا في الوقت الراهن قد وصلت إلى نهاية مسدودة. لماذا؟ ثمة أسباب عديدة، لكنني أقتصر على ذكر اثنين منها.

أولا، من بين البرامج البحثية الرئيسة في فلسفة اللغة برنامج يعاني من هوس ابستيمي حاولت تبيان قصوره. لقد افضى الالتزام بإحدى صيغ الامبيريقية وفي بعض الحالات حتى السلوكية، ببعض الفلاسفة المبرزين إلى محاولة طرح تحليل للمعنى يقر أن المستمع يخوض مهمة ابستيمية تتعين في محاولة فهم ما يعنيه المتكلم إما بمراقبة سلوكه حين يستجيب لمؤثرات أو بتفحص الظروف التي يقر فيها صدق الجمل. مفاد الفكرة أننا إذا استطعنا وصف كيف يحل المستمع المشاكل الابستيمية، فقد قمنا بتحليل المعنى. غير أن الانشغال ثانية بالجانب الابستيمي من استخدام اللغة إنما يفضي إلى ذات الخلط بين الابستمولوجيا والأنطولوجيا الذي أفسد الموروث الفلسفي الغربي طيلة ثلاثة قرون.

أعتقد أن هذا العمل لا يجدي نفعا، لأن هوسه بكيف نعرف ما يعنيه المتكلم يعتم التمييز بين كيف يعرف المستمع ما يعنيه المتكلم وما يعرفه هذا المستمع. أعتقد أن الابستمولوجيا تقوم في فلسفة اللغة بالدور الذي تقوم به في الجيولوجيا مثلا. إن عالم الجيولوجيا يهتم مثلا بأشياء من قبيل الصفائح التكتونية، الترسيب، والطبقات الصخرية، وهو يستخدم كل نهج يتوفر لديه لمعرفة كيفية عمل هذه الظواهر. فيلسوف اللغة مهتم بالمعنى، الصدق، الإشارة، والضرورة، ويتوجب عليه على نحو مناظر أن يستخدم أي منهج ابستيمي يتوفر لديه، بغية فهم كيفية عمل هذه الظواهر في أذهان متحدثين ومستمعين فعليين. ما يعنينا تحديد الحقائق التي تتم معرفتها، وإلى حد أقل بكثير أمر الكيفية التي يتسنى لنا بها معرفة تلك الحقائق.

وأخيرا، أعتقد أن مصدر أعظم قصور تعاني منه فلسفة اللغة أن مشروعها البحثي الأكثر تأثيرا في الوقت الراهن مؤسس على خطأ. لقد كان فريجه يصر على أن المعاني ليست كيانات سيكولوجية، غير أنه رأى أنه بمقدور متحدث اللغة والمستمع إليها أن يفهمها. لقد اعتقد أن الاتصال عبر لغة عامة ليس ممكنا إلا بسبب وجود مجال موضوعي أنطولوجيا من المعاني، وأن المعنى نفسه قد يفهم بشكل متساو  من قبل المتحدث والمستمع. لقد هاجم عدد من الكتاب هذا المفهوم "القصداني"، حيث رأوا أن المعاني مسألة علاقات سببية بين نطق كلمات وأشياء في العالم. مثال ذلك، أن كلمة "ماء" تعني ما تعنيه ليس لأن لدي محتوى ذهنيا يرتبط بتلك الكلمة، بل لأن هناك سلسلة سببية تربطني بمختلف الأمثلة الفعلية للماء في العالم. تسمى هذه المقاربة بالرؤية "البرانية"، في مقابل رؤى تقليدية تعرف بـ "الجوانية". لقد أفضت البرانية إلى مشروع بحثي مكثف حاول وصف طبيعة العلاقات السببية التي تنتج المعنى. المشكلة في هذا المشروع البحثي أنه لم يتمكن أحد حتى الآن من توضيح طبيعة هذه العلاقات بأي قدر من الوجاهة. فكرة أن المعاني برانية بمعنى ما سائدة، ولكن لم يتسن لأحد تأمين تصور متسق للمعنى وفقها.

أتوقع ألا يتمكن أحد من طرح تصور مرض  للمعاني بوصفها أشياء خارج الرأس، لأن مثل هذه الظاهرة البرانية عاجزة عن ربط اللغة بالعالم على النحو الذي تربط به المعاني الألفاظ بالواقع. ما يتطلبه حسم الجدل بين أشياع النزعتين البرانية والجوانية مفهوم أكثر تركيبا لكيفية قيام المحتوى الذهني في رأس المتكلم بربط اللغة على وجه الخصوص وربط البشر على وجه العموم بعالم واقعي من الأشياء والأوضاع.

إن خطأ فريجه الفعلي، وهو خطأ كنت كررته، هو أنه افترض أن طريقة اللغة في الارتباط بالواقع - "طريقة التمثيل" - تثبت أيضا محتوى قضويا. لقد افترض فريجه أن المعنى يحدد المشار إليه وأن المحتوى القضوي كامن في المعنى. ولكن إذا كنا نريد من مفهوم "القضية" ما نقوم بتقويمه بوصفه صادقا أو باطلا، فإن المعنى لا يتماهى مع المحتوى القضوي، لأننا غالبا ما نعنى بالأشياء الواقعية المشار إليها لا بطريقة الإشارة إليها. يتوجب علينا أن نميز السؤال "كيف ترتبط الألفاظ بالعالم؟" عن السؤال "كيف يتم تحديد المحتوى القضوي؟". غير أن ملاحظة أشياع البرانية الصحيحة، أن المحتوى القضوي ليس محددا دوما من قبل ما هو داخلي نسبة إلى الذهن، لا تثبت أن محتوى الأذهان لا يكفي لتثبيت المشار إليه. لقد ناقشت هذه المسائل بشيء من التفصيل في موضع آخر، ولن أكرر نقاشها هنا.(3)

4. فلسفة المجتمع

يتميز تاريخ الفلسفة باستحداث فروع جديدة تستجيب لتطورات فكرية داخل الفلسفة وخارجها. هكذا استحدثت في بداية القرن العشرين فلسفة اللغة بالمعنى الراهن استجابة لتطورات طرأت على المنطق الرياضي وأعمال أنجزت في تأسيس الرياضيات. ثمة تطور مماثل حدث في فلسفة الذهن. بودي أن أقترح أننا نستشعر في القرن الحادي والعشرين حاجة ماسة لما أسميه فلسفة المجتمع، وأن علينا العمل على تطويرها. إننا ننزع في الوقت الحاضر إلى اعتبار فلسفة المجتمع إما فرعا من فلسفة السياسة (ومن هنا جاء التعبير "الفلسفة الاجتماعية والسياسية") أو إلى فهم الفلسفة الاجتماعية على أنها دراسة لفلسفة العلوم الاجتماعية. من المرجح أن الطالب الذي يدرس مادة تسمى "الفلسفة الاجتماعية" إما يدرس أعمال راولز في العدالة (فلسفة سياسة) أو أعمال همبل في تفسيرات القانون المستغرق في العلوم الاجتماعية (فلسفة العلوم الاجتماعية). في المقابل، أقترح أنه يتوجب علينا اتخاذ موقف حر من فلسفة المجتمع، التي تتعلق بالعلوم الاجتماعية تعلق فلسفة الذهن بعلم النفس وعلم الإدراك المعرفي، أو تعلق فلسفة اللغة بعلم اللغة. سوف تتناول فلسفة المجتمع أسئلة ذات طابع أكثر شمولية. وعلى وجه الخصوص، ثمة حاجة إلى إنجاز المزيد في مسائل أنطولوجيا الواقع الاجتماعي. كيف يتسنى للكائنات البشرية، عبر تفاعلها الاجتماعي، خلق واقع اجتماعي موضوعي للمال، الملكية، الزواج، الحكومة، الألعاب، الخ، رغم أن مثل هذه الكيانات لا توجد بمعنى ما إلا بفضل اتفاق جمعي على وجودها أو اعتقاد فيه؟ كيف يتسنى وجود واقع اجتماعي موضوعي يرتهن وجوده باعتقادنا في وجوده؟

حين تصنف مسائل الأنطولوجيا الاجتماعية بطريقة مناسبة، يبدو لي أن قضايا الفلسفة الاجتماعية، أي طبيعة التفسير في العلوم الاجتماعية وعلاقة الفلسفة الاجتماعية بالفلسفة السياسية، سوف تتضح تماما. لقد شرعت في تنفيذ هذا البرنامج البحثي في كتابي The Construction of Social Reality (4).

وعلى وجه الخصوص، أعتقد أننا نحتاج في دراسة الواقع السياسي والاجتماعي إلى مفاهيم تمكننا من وصف الواقع السياسي والاجتماعي من "مسافة متوسطة". تتعين المشكلة التي تواجهنا بخصوص محاولة التغلب على الواقع الاجتماعي في أن مفاهيمنا إما تمعن في التجريد، كما في الفلسفة السياسية التقليدية، مثال مفاهيم العقد الاجتماعي وصراع الطبقات، أو تنزع إلى أن تكون صحفية التوجه، تتعامل مع أسئلة الحياة اليومية في السياسة وعلاقات النفوذ. هكذا نحقق درجة كبيرة من التركيب في نظريات العدالة المجردة، وفي تطوير معايير لتقويم عدالة أو إجحاف المؤسسات. كثير من التطور الذي أنجز في هذا المجال يعزى إلى جون راولز، الذي أحدث ثورة في دراسة الفلسفة السياسية بعمله الكلاسيكي Theory of Justice.5 بيد أنه في سياق العلوم السياسية لا تتجاوز التصنيفات التقليدية كثيرا مستوى التناول الصحفي. وفق هذا، إذا أردت قراءة كتاب في العلوم السياسية لم يمر عليه أكثر من عقدين، فإنك تجد أن كثيرا من النقاش قد عفا عليه الزمن.

أعتقد أن ما نحتاجه تطوير مجموعة من التصنيفات تمكن من تقويم الواقع الاجتماعي بطريقة أكثر تجريدا من صحافة الحياة اليومية السياسية، دون أن تخفق في تمكيننا من التساؤل والإجابة عن مسائل محددة تتعلق بالواقعيات والمؤسسات السياسية على النحو الذي مكنتنا وفقه فلسفة السياسة التقليدية من القيام بذلك. هكذا أعتقد مثلا أن الحدث السياسي الأكثر أهمية في القرن العشرين هو فشل أيديولوجيات من قبيل الفاشية والشيوعية، وخصوصا فشل الاشتراكية بمختلف أنواعها. الأمر المهم من وجهة نظر التحليل الراهن أننا نعوز التصنيفات التي تمكن من طرح الإجابة عن أسئلة تتعلق بإخفاق الاشتراكية. ثمة تعاريف مختلفة لـ "الاشتراكية"، لكنها تجمع على شيء واحد: لا يكون النظام اشتراكيا إلا إذا كانت به ملكية عامة وسيطرة على وسائل الإنتاج. إخفاق الاشتراكية المعرفة على هذا النحو هو التطور الاجتماعي الوحيد المهم الذي تحقق في القرن العشرين. الغريب أن ذلك التطور ظل دون تحليل ونادرا ما يقوم فلاسفة السياسة والاجتماع في زماننا هذا بنقاشه.

حين أتحدث عن إخفاق الاشتراكية، فإنني لا أشير فحسب إلى فشل الاشتراكية الماركسية، بل حتى فشل الاشتراكية الديمقراطية كما وجدت في بلدان أوربا الغربية. تواصل الأحزاب الاشتراكية في هذه البلدان استخدام بعض مفردات الاشتراكية، غير أن الاعتقاد في آلية التغير الاجتماعي الأساسية، أي الملكية العامة والسيطرة على وسائل الإنتاج، قد تم التخلي عنه. ما التحليل الفلسفي الصحيح لهذه الظاهرة برمتها؟

ثمة سؤال مماثل يشتمل على تقويم المؤسسات الوطنية. مثال ذلك، سوف يصعب كثيرا على معظم علماء السياسة محاولة تحليل تخلف المؤسسات السياسية ، وفسادها وسوئها في دول معاصرة عديدة. الحال أن معظمهم، وفق التزامهم "بالموضوعية العلمية" والتصنيفات المحدودة المتوفرة لديهم، عاجز حتى عن محاولة وصف سوء حال الكثير من الدول. يبدو أن لدى الكثير من الدول مؤسسات سياسية مرغوب فيها: دستور مكتوب، أحزاب سياسية، انتخابات حرة، وما في حكم ذلك؛ على ذلك، فإن طريقة عملها فاسدة في أساسها. بمقدورنا نقاش هذه المؤسسات على مستوى غاية في التجريد، وقد أم ن لنا راولز وآخرون الأدوات التي تعين على القيام بذلك. غير أنني أرغب في فلسفة اجتماعية أوسع نطاقا توفر لنا أدوات لتحليل المؤسسات الاجتماعية كما توجد في مجتمعات واقعية وعلى نحو يمكن من إصدار أحكام مقارنة بين مختلف البلدان والمجتمعات الكبيرة، دون بلوغ مستوى التجريد الذي يحول دون إصدار أحكام قيمية محددة عن بنى مؤسساتية بعينها. أعمال الفيلسوف وعالم الاقتصاد أمارتيا سن خطوة على الطريق.

5. علم الأخلاق والعقل العملي

هيمنت على علم الأخلاق في معظم سني القرن العشرين تنويعة من الارتيابية أثرت في فروع فلسفية أخرى لقرون عديدة. تماما كما تضررت فلسفة اللغة من الرغبة في اعتبار مستخدمي اللغة أساسا بحاثا يؤدون مهمة ابستمية تتعين في محاولة معرفة ما يعنيه متكلم اللغة، استحوذ سؤال الموضوعية الابستيمية على علم الأخلاق. لقد تعلقت القضية الأساسية في علم الأخلاق بإمكان الموضوعية أو استحالتها في الأخلاق. تقر الرؤية التقليدية في الفلسفة التحليلية استحالة الموضوعية الأخلاقية، أننا لا نستطيع على حد تعبير هيوم أن نشتق "ينبغي" من "يكون"، ومن ثم فإنه يستحيل على الإقرارات الأخلاقية أن تكون حقيقة صادقة أو باطلة، وأن وظيفتها إنما تقتصر على التعبير عن المشاعر أو التأثير في السلوك، وما شابه ذلك. مبلغ ظني أن السبيل لتنكب هذا الجدل العقيم لا تكمن في محاولة تبيان أن الأحكام الأخلاقية صادقة أو باطلة على طريقة الأحكام العلمية مثلا، فثمة فروق مهمة بين هذين النوعين من الأحكام، بل تكمن في رؤية أن علم الأخلاق يشكل حقيقة فرعا لتخصص أكثر أهمية يعنى بالعقل العملي والعقلانية. ما طبيعة العقلانية بوجه عام، وما الذي يعنيه السلوك بعقلانية أو وفق ممليات العقل؟ هذا عندي نهج أكثر جدوى من النهج التقليدي الذي ينشغل بموضوعية الأحكام الأخلاقية.

الحال أن البعض قد شرع فعلا في القيام بشيء قريب من دراسة العقلانية، خلفا لعلم الأخلاق كما كان يفهم تقليديا. مثال ذلك، تبذل في الوقت الراهن محاولات لبعث مذهب كانت في الأمر المطلق. لقد اعتقد كانت أن طبيعة العقلانية البشرية نفسها تفرض قيودا بعينها على ما يمكن اعتباره مبررا مقبولا أخلاقيا للفعل. لا أعتقد أن هذه الجهود سوف تنجح، لكن الأهم بكثير من نجاحها أو فشلها حقيقة أن علم الأخلاق بوصفه أحد فروع الفلسفة - المتحرر من الهوس الابستيمي بالعثور على شكل من أشكال الموضوعية، والارتيابية المحتمة حال الإخفاق في العثور عليه - يبدو الآن مستحيلا مرة أخرى. لست متأكدا من مبررات التغيير، لكنني أنزع إلى أن أعمال راولز، أكثر من أي عامل آخر، لم تسهم فحسب في بعث الفلسفة السياسية، بل جعلت علم الأخلاق الحقيقي ممكنا.

6. فلسفة العلم

لاغرو أن فلسفة العلم شاركت سائر فروع الفلسفة هوسها الابستيمي. السؤال الأساسي في فلسفة العلم، أقله في النصف الأول من القرن الفائت، إنما يتعلق بطبيعة التحقق العلمي، وقد بذلت جهود مضنية للتغلب على مختلف المفارقات الارتيابية، مثال إشكالية الاستقراء التقليدية. في معظم سني القرن العشرين، تأسست فلسفة العلم على الاعتقاد في التمييز بين القضايا التحليلية والقضايا التركيبية. وفق المفهوم السائد في فلسفة العلم، يروم العلماء الحصول على حقائق تركيبية عارضة في شكل قوانين علمية شاملة. تقر هذه القوانين حقائق عن طبيعة الواقع غاية في العمومية، والمسألة الأساسية في فلسفة العلم إنما تتعلق بطبيعة اختبارها والتحقق منها. مفاد الرأي السائد، وفق تطوره في عقود القرن الوسطى، أن العلم يمارس عبر ما يعرف ب-"النهج الفرض_استنباطي". يقوم العلماء بتشكيل فروض، واستنباط مترتبات تلزم عنها منطقيا، يتم اختبارها عبر التجربة. لقد فصل كارل بوبر وكارل جوتاف همبل في هذا المفهوم، كل بطريقة مستقلة بدرجة أو أخرى. ممارسو العلم المهتمون بفلسفته أنزع إلى قبول آراء بوبر، غير أن كثيرا من إعجابهم مؤسس على سوء فهم. أعتقد أن ما أعجبهم فيها فكرة أن العلم يمارس عبر مسلكيات خلاقة وتخيلية. يتوجب على العالم أن يشكل فرضا مؤسسا على تخيله وتخمينه. ليس هناك "نهج علمي" لاكتشاف الفروض. بعد ذلك، يتوجب على العالم اختبار فرضه عبر إجراء التجارب ورفض ما يتم دحضه من فروض.

أعتقد أن معظم العلماء لا يلحظون طبيعة رؤى بوبر ضد_العلمية. وفق تصوره للعلم ولنشاط العلماء، ليس العلم مراكمة حقائق عن الواقع، والعالم لا يصل إلى حقائق عن الطبيعة، بل كل ما لدينا في العلوم عبارة عن سلسلة فروض لما يتم دحضها. غير أن فكرة أن العلم يروم الحقيقة، وأن لدينا في مختلف العلوم مراكمة من الحقائق، التي تشكل في اعتقادي افتراض معظم الأبحاث العلمية الفعلية، لا تتسق مع تصور بوبر.(6)

بصدور كتاب تومس كون  The Structure of Scientific Revolutions (7) تعرض المذهب التقليدي المريح في العلم، الذي يعتبره "مراكمة الحقائق"، أو حتى تقدما تراكميا تدريجيا لفروض لم يتم بعد دحضها، لتحد كبير. المحير أن هذا الكتاب أحدث التأثير الدرامي الذي أحدث، فهو ليس حقيقة كتابا في فلسفة العلم بل في تاريخه. يجادل كون بأننا إذا نظرنا إلى تاريخ العلم الفعلي، سوف نكتشف أنه لا يشكل مراكمة تدريجية تقدمية لمعارف عن العالم، بل عرضة لثورات دورية شاملة، حيث تتم الإطاحة برؤى كونية بأسرها عبر الإطاحة ببارادايم علمية قائمة على يد بارادايم جديدة. يتميز كتاب كون بأنه يضم ن، دون أن يصرح فيما أرى، أن العالم لا يعطينا حقائق عن العالم، بل يعطينا فحسب سلسلة من سبل حل الأحاجي، سلسلة من طرق التعامل مع المشاكل المحيرة التي تثيرها البارادايم. وحين تعجز البارادايم عن حل أحاجيها، يطاح بها وتحل أخرى بدلا منها، تمارس بدورها دورة أخرى من نشاط حل الأحاجي. من منظور نقاشنا هذا، الأمر المهم في كتاب كون  أنه يضمن فيما يبدو أننا في العلوم الطبيعية لا نقترب تدريجيا من حقيقة الطبيعة، بل نحصل فحسب على سلسلة من آليات حل الأحاجي. إن العالم ينتقل أساسا من بارادايم إلى أخرى لأسباب لا تتعلق بالحصول على وصف دقيق لواقع طبيعي مستقل، بل لأسباب لاعقلانية بدرجة أو بأخرى. لم يحظ كتاب كون بترحيب كبير من العلماء الممارسين، غير أنه أثر تأثيرا بالغا في فروع إنسانية عديدة، خصوصا تلك المتعلقة بدراسة الأدب. لقد بدا أن كون يدحض الزعم بأن العلم يعطينا حقائق عن العالم، فالعلم عنده لا يعطينا من الحقائق عن العالم الواقعي إلا بقدر ما تعطينا الروايات الخيالية وأعمال النقد الأدبي منها. العلم أساسا سلسلة عمليات لاعقلانية، حيث تقوم جماعات من العلماء بتشكيل نظريات تعد بدرجة أو أخرى مكونات اجتماعية عشوائية، ثم يتخلون عنها في صالح نظريات أخرى تشكل مكونات اجتماعية ليست أقل عشوائية.

ومهما كانت مقاصد كون، أعتقد أن تأثيره على الثقافة العامة، وليس على ممارسات العلماء الفعلية، مؤسفة، كونها أسهمت في "تقويض أسطرة العلم" وفي "التقليل من شأنه"، وإثبات أنه ليس كما يفترض الناس العاديون. لقد مهد كون الطريق أمام رؤية أكثر تطرفا في ارتيابيتها تبناها بول فيرابند، الذي جادل بأن العلم، نسبة إلى تأمين حقائق عن العالم، ليس أسعد حالا من الشعوذة.

أرى أن هذه القضايا هامشية كلية نسبة إلى ما يتوجب أن يشغلنا في فلسفة العلم وإلى ما آمل أن نكرس له جهودنا في القرن الحادي والعشرين. أعتقد أن الإشكالية الأساسية هي التالية. لقد تحدى علم القرن العشرين بطريقة متطرفة مجموعة من الفروض الفلسفية والبدهية الفعالة والسائدة المتعلقة بالطبيعة، غير أننا لم ننجح بعد في استيعاب هذه التطورات العلمية. إنني أفكر خصوصا في ميكانيكا الكم. أعتقد أننا نستطيع قبول النظرية النسبية بدرجة أو أخرى، لأنه يمكن اعتبارها بسطا لمفهومنا النيوتوني التقليدي للعالم. كل ما نحتاجه تعديل أفكارنا بخصوص المكان والزمان، وعلاقتهما بثوابت فيزيائية أساسية من قبيل سرعة الضوء. غير أن ميكانيكا الكم تشكل تحديا أساسيا لرؤيتنا في العالم، وهذا ما لم نستوعبه بعد. إنني أعتبر عجزنا حتى الآن عن طرح تصور متسق لميكانيكا الكم يناسب مفهومنا العام للكون، ليس فقط فيما يتعلق بالسببية والحتمية بل حتى أنطولوجيا العالم المادي، فضيحة تصم فلاسفة العلم بل تصم حتى علماء الفيزياء المهتمين بفلسفة العلم.

 

لدى معظم الفلاسفة، كما لدى معظم مثقفي زماننا هذا، مفهوم في السببية يمزج بين أحكام الفهم المشترك والميكانيكا النيوتونية. هكذا ينزع الفلاسفة إلى افتراض أن العلاقات السببية تشكل دائما حالات عينية لقوانين سببية حتمية كلية، وأن علاقات السبب والنتيجة ترتبط فيما بينها في علاقات ميكانيكية بسيطة أشبه بعجلات ترسية تحرك عجلات ترسية، كما ترتبط مع ظواهر نيوتونية أخرى. إننا نعرف على مستوى مجرد ما أن هذه الصورة ليست صحيحة، غير أننا لم نستعض عن مفهومنا البدهي هذا بمفهوم أكثر تركيبا. أعتقد أن العمل في هذا المجال عبر الخوض في مثل هذه القضايا من أهم مهام فلسفة العلم في القرن الحادي والعشرين. نحتاج إلى طرح تصور في النظرية الفيزيائية، خصوصا نظرية الكم، يمكننا من استيعاب النتائج الفيزيائية في رؤية كونية شاملة ومتسقة. أعتقد أننا في سياق هذا المشروع سوف نحتاج إلى تعديل بعض المفاهيم الحاسمة، من قبيل مفهوم السببية; وسوف يؤدي هذا التعديل إلى آثار مهمة في مسائل أخرى من قبيل مسألة الحتمية وحرية الإرادة. الحال أن هذا العمل قد بدأ فعلا.

 الخلاصة

مفاد الرسالة الأساسية التي حاولت تبليغها أن ممارسة نوع جديد من الفلسفة قد أصبح اليوم ممكنا. بالتخلي عن المحاباة الابستمولوجية في هذا المجال، يمكن لمثل هذه الفلسفة تجاوز كل ما سبق لفلسفة النصف الأول من القرن تصوره. إنها لا تبدأ بالارتيابية بل بما نعرفه عن العالم الواقعي. إنها تبدأ من حقائق على شاكلة ما تقره النظرية الذرية في المادة والنظرية التطورية في البيولوجيا، فضلا عن حقائق "الفهم المشترك" من القبيل الذي يقر أننا كائنات واعية، وأن لدينا أصلا أوضاعا ذهنية قصدية، وأننا نشكل جماعات اجتماعية ونخلق حقائق مؤسساتية. إن مثل هذه الفلسفة تعد نظرية، شاملة، منتظمة، وكلية من حيث موضوعها.

 

الهوامش

1-  هذه المقالة تنقيح لمقالة (The Future of Philosophy) التي كتبت لمجلة علمية ولم يكن الجمهور الفلسفي متلقيها المقصود، وقد نشرت في العدد الألفي الخاص من:

Philosophical Transactions of the Royal Society series B London 354 (1999) 2069-2080.

إنني مدين لجادمر سيرل في نقاش كل هذه المسائل.

2- ناقشت هذه المسائل بعرض أكثر تفصيلا في مقالتي:

Consciousness))  The Annual Review of Neuroscience 23 (2000): 557-578.

3-

John Searle ((Minds Brains and Programs))  Behavioral and  Brain Sciences 3 (1980): 417.

4-

John Searle  Intentionality: an Essay on the Philosophy of Mind  (Cambridge: Cambridge University Press  1983)  chaps. 8_9.

5-

John Searle  The Construction of Social Reality (New York: Free Press  1995).

6-

John Rawls  Theory of Justice  (Cambridge  Mass.: Harvard University Press 1971).

7-   ثمة نقد مثير لآراء بوبر في:

David Stove  Against The Idols of the Age (Somerset  N.J.: Transaction  1999).

Thomas Kuhn The Structure of Scientific Revolutions (Chicago: University of Chicago Press  1962).


تصميم الحاسب الشامل