|
|||||
|
كان شعر البريكان خارج السياق، يعيش عزلته الخاصة، ويحقق تطوره الذاتي الخاص، ولا يدخل في جدل مباشر مع الشعر العراقي. كان كحارس الفنار يرى ما يحدث ولا يشارك مشاركة فعلية فيه، وهذا ما جعله يفقد أي تأثير محتمل له في حركة الشعر وتطوره، حتى كاد يكون صوتا ضائعا في برية. عن البريكان ومكانته: محمود البريكان (1931-2002) شاعر عراقي كبير، ولكنه لم يعرف في العراق كما عرف أبناء جيله من الشعراء، وظل على صعيد الوطن العربي مجهولا أو شبه مجهول، وذلك بسبب انغلاقه على محيطه المحدود وقلة ما نشره من شعره وتباعد أوقات نشره.(1) وعادة ما يصنف النقاد البريكان بأنه من رواد الشعر الحديث في العراق، فهو من مجايلي بدر شاكر السياب (1962-1964) ونازك الملائكة (1923) وعبد الوهاب البياتي(1962-1998)، ولكنه دون هؤلاء شهرة حتى في العراق. وبالرغم من ذلك شاع اتفاق عام (غير نقدي) على أهمية هذا الشاعر وتفرده، وقيلت فيه شهادات تعبر عما يحظى به من تقدير كبير بين مجايليه. فقد قال السياب مرة: ان "محمود البريكان شاعر عظيم، ولكنه مغمور بسبب عزوفه عن النشر "(2). وقال أحد أبناء جيله، وهو الشاعر رشيد ياسين "إن إبداع البريكان يتقدمنا بمائة عام"(3). وقال ياسين عنه في مناسبة أخرى "ومن مقتضيات الأمانة للتاريخ ألا نغفل الرواد الحقيقيين، كالشاعر محمود البريكان، الذي كان من أوائل من طوروا القصيدة الحديثة في العراق. وإذا كان البريكان مجهولا عند عامة القراء لعزوفه عن النشر، فانه معروف عند أبناء جيله الذين تأثروا به بدرجات متفاوتة"(4). وقال عنه الناقد والمترجم نجيب المانع انه "شاعر ممتاز ومثل هذا الشاعر لا يحظى بالدراسات لأنه لا يركض وراءها، وربما تأتي الدراسات عنه بعد سنين من مفارقته هذا العالم"(5). وقال الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد "البريكان أخشاه وأجله، وهو أكبر من ند لي"(6). وذكرت الشاعرة لميعة عباس عمارة أن دور البريكان في تطور الشعر الحديث "لا ينكره أحد، ولكن هناك من حشر نفسه في قضية الريادة بحضوره الدائم في حلقات الشعر، وإصراره على الظهور، بينما ابتعد بعض المبدعين طواعية، ومحمود البريكان هو الذي نأى عن هذا المجال وامتنع عن نشر شعره منذ وقت طويل".(7) أما الشاعر رشدي العامل فقال "محمود البريكان كما لا يخفى شاعر كبير وانسان طيب ومتواضع. غير أنه لا يريد أن يحيط نفسه بالهالة التي يضعها بعض الشعراء لأنفسهم".(8) وأما الشاعر راضي مهدي السعيد فقال "ان الشاعر الكبير محمود البريكان لم يكن أحد رواد حركة الشعر الحر في العراق والوطن العربي فحسب، بل كان واحدا ممن تعلمنا منهم روح التواضع والابتعاد عن كل مظاهر الادعاء(...) وسيذكره ولن ينساه الوسط الشعري العراقي والعربي بما قدم من نماذج حديثة متقدمة منذ أواخر الأربعينيات وحتى هذه اللحظة، بالرغم من كل هذا العزوف غير المبرر عن النشر والتواجد في المحافل الأدبية والمشاركة في كل الملتقيات البارزة التي هو أهل لها".(9) أغلب هذه الآراء، بل كلها تقريبا، جاء في مقابلات صحفية، ولذلك غلب عليها الارتجال والحماسة والمبالغة. بل بلغت الحماسة والمبالغة في بعضها حد الإسراف، ناهيك عما في بعضها من شعور خفي بالغبن الذاتي بلغ حد غمز آخرين يمكن التكهن بهم، ولكنها، مع ذلك، تعطينا، في مجملها، دليلا على ما ناله هذا الشاعر من التقدير. على أن هذا قد يعد قليلا اذا قسناه بما قيل عن البريكان وعن شعره في مجالس الأدباء ومحاوراتهم من أحكام عاطفية كادت تضعه في مصاف الأسطورة الأدبية التي يغذيها ما كان يقال عن حذره وتكتمه وغيابه. ومع ذلك نسيته، أو تناسته، الدراسات التي أرخت للشعر العراقي الحديث وحاولت أن تضع تصورات شاملة عن حركته، باستثناء دراستين ذكرتاه ذكرا عابرا هما: دراسة يوسف الصائغ "الشعر الحر في العراق حتى 1985" (10) و دراسة الدكتور محسن أطيمش "دير الملاك"(11)، هذا فضلا عن ورود ذكره مرتين في كتاب الناقد طراد الكبيسي "شجر الغابة الحجري" (12) ومرة في كتاب محمد الجزائري "ويكون التجاوز".(13) وأكيد أن الشاعر عبد الرحمن طهمازي كان أول من حاول دراسة شعر البريكان على الصعيد النقدي،وذلك في مقالته "الاحتكام بالأسرار: محمود البريكان" (14) وهي دراسة لم ترض الشاعر فرد عليها.(15) ولكن ذلك لم يمنع طهمازي نفسه من كتابة مقالتين أخريين عنه بعد نحو عقدين من الزمان هما مقالتاه: "سيادة الفراغ" (16) و "الوسم في الضباب" (17)، ولا منعه من إصدار كتاب "محمود البريكان: دراسة ومختارات". (18) ومنذ عام 1969 حتى عام 1990 بدا وكأن طهمازي هو الوحيد المعني بدراسة شعر البريكان، لولا مقالة لمحمد الجزائري بعنوان "الإيجاز".(19) ولكن منذ عام 1990 حتى عام 1993 ظهرت خمس كتابات واشارات في الصحف والمجلات، غير أنها لم تكن مما يعتد به في معايير النقد.(20) ولم تظهر دراسات أخرى عنه الا بعد نشره عددا آخر من قصائده بعنوان "عوالم متداخلة" عام 1993 ومجموعة أخرى بعنوان "قصائد جديدة« عام 4991 ثم مجموعة أخرى نشرت عام 1998، وكانت هذه آخر ما نشر من شعره. ومع ذلك يعد ما نشر عن البريكان وشعره من دراسات ومقالات واشارات ضئيلا جدا اذا ما قورن بما نشر عن كل من السياب والملائكة والبياتي. ففي الوقت الذي تجد فيه العديد من الرسائل الجامعية، والعديد من الكتب النقدية، ومقالات يصعب حصرها وإحصاؤها لكثرتها، قد كتبت عن شعر كل واحد من هؤلاء لا تجد عن البريكان وشعره سوى رسالة جامعية واحدة (21)، وكتيب واحد (22) ونحو عشرين دراسة ومقالة. وجل ما نشر منه كان مشغولا بمسألة "عزوفه عن النشر" والبحث عن مسوغاته، ولم يعط شعره الا القليل من الاهتمام. البريكان وعزوفه عن النشر: لقد قيل عن البريكان انه ميال إلى العزلة والانكماش، وهذا صحيح، فلم يكن له غير عدد قليل جدا من الأصدقاء، معظمهم،ان لم نقل كلهم، من أدباء مدينته. ولكن اذا ما فارقه أحدهم فانه لا يراسله، بل هو لا يراسل أحدا أبدا، ويتجنب التعرف على أحد لم يتعرف عليه من قبل، حتى لو كان شخصية ثقافية مهمة. (23) وهو لم يخرج من مدينته البصرة إلى بغداد أو غيرها، ولم يسافر إلى خارج العراق في شبابه، الا مضطرا. (24) وهو أيضا ميال إلى الصمت في المجالس فلا يتحدث الا لماما (وخاصة في حضور من لا يعرفه). وقيل عنه انه عزوف عن النشر، فهو لم ينشر خلال (54) عاما من عمره الأدبي (1948-2002)، وبرغم كثرة ما كتب، سوى(85) قصيدة، نشرت على فترات متباعدة بلغت إحداها أكثر من عشرين عاما، ولا تشكل هذه القصائد بمجموعها سوى ديوان واحد. وهذا لا يقاس بما نشره غيره من شعراء جيله، و لا يساوي الا نسبة قليلة من إنتاجه الشعري كما يقال. بل هو لم يلب أية دعوة وجهت اليه لنشر أعماله الكاملة(25)، واستعصى على أية محاولة لتوثيق شعره واعداده للنشر.(26) أما سبب هذا العزوف فقيل انه نجم عن نظرة خاصة للحياة جعل منها فلسفة لما تبقى من عمره. فالحياة أصبحت عنده عبثا، ونشر الشعر هو من هذا العبث، ولذلك توقف عن النشر. وقيل أيضا انه زاهد في الشهرة والتدافع من أجلها، فهو لم يسع الى نشر شعره في الصحف والمجلات، ولم يطرق أبواب دور النشر، وكانت الصحف والمجلات ودور النشر هي التي تسعى إليه، بينما يتحفظ هو ويتأبى.(27) ولذلك لم ينشر له أي ديوان كامل. وحتى المختارات التي نشرتها له دار الآداب اللبنانية عام 1989 جاءت نتيجة مساع من غيره. (28) وزيادة على ذلك لم يلب هذا الشاعر الدعوات التي وجهت إليه لحضور المهرجانات الشعرية الا نادرا (مرة أو مرتين) (29)، ولم يلق شعرا في محفل عام الا مرة واحدة (30)، ولم يشارك الا في استجواب صحفي واحد (31)، ولم يدل طوال حياته الا بحديثين صحفيين(32)، ولم ينشر سوى أربع مقالات إحداها رد على مقالة كتبت عنه.(33) وقال بعضهم انه كان "يستريح إلى الأسطورة التي كان البعض ينسجها حول عزلته " فراح يوغل في إيذاء نفسه من أجل إدامة هذه الأسطورة" (34) وبازاء ذلك زعم بعض المتعسفين في الوسط الثقافي أن عزوفه هذا ليس سوى تعبير عن نضوبه وفقر ما عنده، لأن هذا العزوف ليس من طبيعة الشعراء ولا من طبيعة الأشياء. أين الحقيقة: ترى أين الحقيقة في كل ذلك ؟ لنعد النظر في ما مر من أقوال، فهي في رأينا لا تعبر الا عن ظاهر الأمور.ذلك أن ما يسمى بعزلة البريكان ما هو الا عزلة جسدية وليس عزلة ثقافية. فقد كان الرجل على صلة دائمة بالوسط الثقافي، يراقبه مراقبة دقيقة، ويتابعه عن طريق ما يقرأ في الصحف والمجلات والكتب وما ينقله إليه أصدقاؤه القليلون وجميعهم من الشعراء والأدباء. وأما عزوفه عن النشر فهو ليس سوى عزوف ظاهري، لأنه لم يكن عزوفا مطلقا بحيث يشكل موقفا ثابتا، بل كان عزوفا مؤقتا ومنظما، كان استراتيجية خاصة تعتمد على النشر في حقب متباعدة يحسب حسابها الشاعر نفسه وهو من يتحكم بمواقيتها، لأسباب سيأتي الحديث عنها. ولم يكن موقف البريكان من النشر موقفا عبثيا كما ذهب بعضهم، ولا كان عدميا كما ذهب غيرهم، بل كان غير ذلك. فالذي يخاف على نفسه خوف البريكان ويتهيب من المفاجآت مثل تهيبه (بحيث ينسحب ويتوارى في قوقعته حين ينتابه أي وسواس) والذي يحرص على شعره حرص البخيل على ماله (بحيث يودعه، ونعني شعره، في مصرف أيام القصف الإيراني لمدينة البصرة، ويحتفظ به في مكان مجهول لا تصله يد أحد سواه في الظروف الاعتيادية).. نقول: ان من يفعل ذلك لا يمكن أن يكون عبثيا في نظرته إلى الحياة، حتى لو قال في لحظة ألم أو يأس "عبث كلها الحياة"، وهو لا يمكن أن يكون عدميا حتى لو قال في قصيدة "خذ يا ضياع حقيقتي واسمي"(53). وإذا اعتبرنا البريكان عبثيا أو عدميا بناء على ذلك، نكون قد قرأنا الشخص بنصه والنص بشخصه وهذا يجافي منطق النقد الحديث. الواقع الملموس يرينا أن ثمت مفارقة بين حياة البريكان اليومية وموقفه الفكري الذي يعبر عنه في قصائده، ومن هنا نستطيع القول: ان عدميته فكرية محض، وليست طريقة حياة. فقد كان الرجل في واقعه محبا للحياة، متأنقا، منظما،(36) مخلصا لنفسه ولشعره، شديد العناية والاحتفال بهما، مؤمنا بأن شعره هو ثروته التي يجب أن يرعاها و يربيها ويحرص عليها ويصونها ويحميها، ولعله الشاعر الوحيد في العالم الذي بلغ به حرصه على حقوق ملكية شعره وحفظها مما يسميه "تجاوزات" حد أن يذكر بهذه الحقوق كلما نشر عددا من قصائده في المجلة التي اعتاد النشر فيها ونعني مجلة "الأقلام". وقد فعل هذا مرتين (37) وذلك ليس من العبثية، أو العدمية، في شيء (37) بل هو إفراط في الشعور بالذات والتمركز حولها والانطواء على أسرارها. وأما ما يقال عن زهد البريكان في الشهرة، فهو ليس زهدا، بل الوجه الآخر لاستراتيجيته المشار اليها، استغنى به عن شهرة الحضور في المشهد الثقافي بشهرة الغياب عن هذا المشهد. فلو نظرنا مليا لرأينا أن شهرة هذا الشاعر في العراق قد جاءته، في المقام الأول، من غيابه عن المشهد الثقافي وليس من حضوره الشعري فيه. فقد أصبح هذا الغياب، بمرور السنوات، وكأنه "ذو قيمة شعرية" في حد ذاته، إذ جعل من شعره وعدا كبيرا مؤجل الإنجاز، وهو وعد غامض يبعث على الفضول والتشوف وانتظار ما ينطوي عليه من مفاجآت، حتى شبهه بعض الباحثين بأنه "قنبلة الرواد الموقوتة التي يمكن أن تنفجر في أوان لاحق"(38) وذلك بناء على ما ينسج حوله من تكهنات وما يقال عنه من أقاويل. وقد كان أصدقاؤه المقربون منه يعدون الوسط الثقافي الوعود ويزيدونه شوقا الى شعره وصبرا على انتظاره. وهكذا حتى غدا كل نشر له حدثا ثقافيا بما يثيره في المجالس الأدبية من تعليقات، وما يجر اليه، أحيانا، من كتابات. فالنقاد والشعراء يتوقعون في كل مرة أن ينشر الرجل شيئا يفاجئهم، حتى اذا لم يجدوا في ما نشره مفاجأة علقوا قليلا أو كثيرا، ثم تعلقوا بالوعد الذي لم ينجز مرة أخرى، وهكذا بقي الأمر حتى وفاته. السبب الخفي: ولكن لم لجأ إلى هذه الاستراتيجية ؟ ما أكثر ما وصف موقف البريكان من النشر بأنه "غير مفهوم" و "غير مسوغ". ولقد فكرنا طويلا في السبب الذي كان يدفع شاعرا مثله الى النشر حينا والتوقف عنه حينا آخر، وتوقفنا عند كل حقبة من الحقب التي نشر فيها ثم توقف، وتساءلنا لم عاد الى النشر في هذه الحقبة، ثم لماذا توقف بعد حين. فكرنا بجميع الأسباب المحتملة وقلبناها على وجوهها المختلفة، وأولها السبب السياسي لأن هذا السبب لعب دورا جوهريا في حياة الأدباء والمثقفين العراقيين، وأخذنا بنظر الاعتبار طبيعة البريكان النفسية، وخوفه من (الحكومة) ومن (أبيه) كما يقول(39)، ولكننا لم نعثر على جواب مقنع لتساؤلاتنا الا بعد تفحص شهادات أصدقائه. كان البريكان مقبلا على النشر دون تردد أو تهيب في بداية حياته الأدبية. فقد راح ينشر قصائده في مجلة "الأديب« اللبنانية وبعض الصحف العراقية المحلية وهو في مقتبل العمر.(40) بل هو بدأ النشر منذ أن كان طالبا في الثانوية فنشر قصيدتين إحداهما في جريدة "الحوادث" البغدادية والأخرى في جريدة "الجيل" البصرية.(41) ويؤكد صديقه القاص مهدي عيسى الصقر أنه كان يود نشر شعره في هذه الحقبة من حياته، ويوضح ان توقفه عن النشر أمر طرأ عليه في ما بعد.(42) وحين نقرأ شهادة الشاعر رشيد ياسين نفهم أن البريكان لم يكن يتردد يومئذ في التعرف على الشعراء والأدباء والتحدث إليهم وقراءة شعره غير المنشور لهم. فقد تعرف على الشاعر أكرم الوتري الذي كان طالبا معه في كلية الحقوق، وعرفه الوتري على رشيد ياسين في مقهى "أحمد فتاح«، فصار البريكان يقرأ عليه قصائده الجديدة كلما التقيا، ثم عرفه الاثنان (الوتري وياسين) على بدر شاكر السياب ليصبحا في ما بعد صديقين حميمين. (43) ويخبرنا القاص مهدي عيسى الصقر في شهادة له أن السياب هو الذي عرفه على البريكان في أوائل الخمسينات.(44) إذن كان البريكان يسلك في هذه المرحلة سلوكا طبيعيا في بناء علاقاته الشخصية. ولكننا نلاحظ من قراءة شهادة الصقر هذه أن تحولا ما قد طرأ تجاه الآخرين كما كان يفعل أيام تعرفه على أكرم الوتري ورشيد ياسين في أواخر الأربعينيات. و صار في أوائل الخمسينيات، أي بعد تعرفه على السياب بمدة، لا يقرأ شيئا منه لأصدقائه الا اذا ضغطوا عليه واضطروه، ولنا أن نتوقع أنه كان يراوغ في ما يختاره للقراءة عندئذ، ويتكتم على ما يريد التكتم عليه من جديده. يقول الصقر مقارنا بين السياب والبريكان "كان بدر اذا أتم أستمع اليه يتحدث عن قصائد ما تزال محض خواطر لم تنضج في ذهنه بعد. أما البريكان فكان يتردد كثيرا قبل أن يطلعنا على ما كتب!" (45) ويزيد الصقر نفسه في شهادة أخرى فيقول "كنا نحن أصحابه - بدر ومحمود عبد الوهاب وكاتب هذه الذكريات - نشعر بأنه يحاور قصائده سرا كما يفعل عاشق خجول، فنهدده مازحين بأننا سنقتحم عليه بيته لنطلع على ما يخفي من قصائد".(46) ولكن لم حدث هذا ؟ يبدو لنا أن البريكان اعتقد، عن خطأ أو صواب، بأن اطلاع الآخرين على شعره يؤدي إلى كشف إنجازاته الخاصة والى اختطافها منه ومصادرتها. لذلك لم يعد يأتمن أحدا على شعره حتى لو كان من أصدقائه. بل هو بات يشك في أصدقائه قبل غيرهم، فصار يتكتم على شعره خشية تعريضه للتطفل والسطو. ويبدو لنا أيضا أنه بات مقتنعا، خطأ أم صوابا، بأن أول من تطفل على إنجازاته هو السياب، و هذا ما تكشف عنه، بطريقتها الخاصة، شهادة للشاعر حسين عبد اللطيف.(47) إذ يفهم من هذه الشهادة أن بدرالسياب قد اطلع على بعض أعمال البريكان غير المنشورة، ومنها مجموعته "الرقص في المدافن" وقصيدته المطولة "الهائمات« وأنه استوحى مما اطلع عليه ما استوحاه،وظهرت هذه "الاستيحاءات" في قصيدتيه "حفار القبور" و "المومس العمياء".(48) ونفهم من هذه الشهادة أيضا أن البريكان سبق غيره من شعراء جيله في استخدام الرموز والأساطير، ومنها: أيوب وموسى والمسيح، والأساطير العربية، وخاصة مدينة النحاس ورحلات السندباد، وقد وردت هذه الاستخدامات في مطولته "أعماق المدينة« وتسربت لمحات منها "الى شعراء آخرين معدودين، وظهرت في شعرهم - بعد أن قرأوا مسودتها - تأثرا واعيا أو غير واع".(49) وأغلب الظن أن المقصود هنا هو السياب نفسه. لقد كتب الشاعر حسين عبد اللطيف ملاحظتيه هاتين بلغة متحفظة لبقة، تسمي الأخذ "استيحاء" أو "تسربا" لتخفف بقدر الإمكان من وطأة الاتهام. فالمتهم هنا هو شاعر كبير مشهود له بالموهبة والإبداع والأسبقية، بل هو من أبرز صناع التحول الذي طرأ على الشعر العربي في أواخر الأربعينات وبناة نماذجه الأولية والمتطورة ان لم يكن أبرزهم. ولكن التهمة هنا واضحة برغم ما في لغة توجيهها من لباقة وتحفظ وتخفيف.
ولسنا ندري ما اذا كان حسين عبد اللطيف قد اطلع على قصائد البريكان التي (يقال) ان السياب قد أخذ منها أم لم يطلع، ولكننا نستطيع القول باطمئنان ان هذا الاتهام لم يصدر عنه بل عن البريكان نفسه، وان البريكان هو الذي أوحى له بالكتابة عنه، ونكاد نجزم بأن عبد اللطيف لم ينشر ما جاء في شهادته هذه الا بعد اطلاع البريكان عليه ورضاه عنه، نظرا لما بينهما من صلة وثيقة استمرت منذ أواخر الستينات حتى وفاته. وهذه ليست المرة الأولى التي حاول البريكان فيها تسجيل أسبقية له على غيره من شعراء جيله، فقد فعل ما يشبه ذلك مع الشاعر عبد الرحمن طهمازي عندما التقاه واطلع على بعض شعره قبل أن يكتب عنه مقالته "الاحتكام بالأسرار: محمود البريكان"(50) فنحن نظن أن البريكان هو الذي أوحى لطهمازي بأنه سبق غيره من الشعراء (وأولهم السياب) في استخدام الأسطورة والرمز وكتابة المطولات والكتابة عن الموت، وأنه استطاع قبل غيره "خلق الإيقاع المتطور الذي التزمه فيما بعد أغلب شعراء تلك الأزمنة" و ضرب لنا طهمازي مثلا على ذلك بقصائد البريكان "عدم 1950" (51) و"المجاعة الصامتة" و"أعماق المدينة".(52) تهمة عائمة: ان احترامنا الكبير للبريكان يمنعنا من تكذيبه،ولكننا لا نستطيع في الوقت نفسه أن نتهم السياب بالتطفل على شعر صديقه، خاصة ان البريكان لم يقدم دليلا ملموسا على وجود هذا التطفل،ولا قدمه من نقلوا نبأ هذه التهمة عنه.فهو لم ينشر هذه القصائد التي يعتقد بأن السياب قد قبس منها، ليسمح لنا بالمقارنة واعطاء الرأي، وهو لم يصرح بها في محفل عام أو يكتبها بقلمه ليتحمل مسؤوليتها الأدبية، بل أجراها على ألسنة آخرين لم يسلمهم الدليل ولم يسمح لهم بإشهاره، وبذلك ترك التهمة عائمة وكأنها شائعة من الشائعات. ان تأثر شاعر بآخر من أبناء جيله، واستفادته من إنجازاته ليس بالأمر المستبعد،ولا هو بالغريب، بل لعله أمر طبيعي، فهو يحدث كثيرا بين شعراء تجمعهم الصداقة والعيش في بيئة ثقافية واحدة، ولكننا، مع ذلك، لا نملك أي دليل ملموس يؤيد دعوى البريكان، أو حسين عبد اللطيف الذي صرح بهذه الدعوى نيابة عنه، لأن الأخير اكتفى بالقاء التبعة على مصدر مجهول يختفي وراء الفعل (يقال). أما طهمازي فهو الآخر لم يقدم أية مقارنات، أو أية إيضاحات، نستطيع أن نلمس منها أسبقية البريكان في كتابة المطولات واستخدام الرموز والأساطير و"خلق الإيقاع المتطور". ثم أن السبق في حد ذاته قد لا يعني الكثير، فليس المهم أن يكون الشاعر أول من كتب القصائد المطولة، أو أول من كتب شعرا حرا، أو أول من استخدم الرمز والأسطورة..الخ.. بل المهم هو مستوى ما كتب وقيمته الفنية، والكيفية التي استخدم بها أدواته ومدى نجاحه في هذا الاستخدام. وبعكس ما جاء في شهادة حسين عبد اللطيف ومقالة طهمازي، تكشف لنا القصائد والدواوين التي نشرها مجايلو البريكان أنهم سبقوه في كل شيء، حتى في كتابة القصائد المطولة ونشرها. وليس للباحث أن يغفل ذلك، أو يتنكر له، حتى يقام الدليل الواضح الملموس والمقنع على سبق البريكان في إنجازاته. وهذا أمر فات أوانه، ولم تعد له أهمية في رأينا،لأن حركة الشعر الحديث قد شقت طريقها الصاعد وتتالت إنجازاتها في غياب البريكان،وبمعزل عن شعره، سواء أكان محقا في دعواه أم غير محق. ولكن الأمر هنا لا يتعلق بنا،أو بحركة الشعر الحديث، بل بقناعة البريكان نفسه، وبمدى تأثير هذه القناعة على موقفه من النشر. فهو مقتنع، وقد يكون محقا بقدر أو بآخر، بأن الآخرين قد تطفلوا على شعره، واختطفوا منه ما يظن أنه من إنجازاته الخاصة،ولهذا صار يشك فيهم،فلجأ إلى التكتم على شعره وحجبه، وحرص على عدم اطلاع أحد على أية قصيدة جديدة يكتبها. حادثة أخرى: وقد عززت هذه القناعة لديه حادثة أخرى وقعت له مع أصدقائه ورد ذكرها في شهادة حسين عبد اللطيف بصورة تبدو عابرة، وأضاءتها شهادتان لمهدي عيسى الصقر. يقول الصقر " في بداية الخمسينيات تشكلت جماعة أدبية (أسرة الفن المعاصر) كان هدفها المساعدة على نشر كتب بعض الأدباء، من بينهم كان البريكان والسياب والكاتب (أي الصقر نفسه).(53) وكان من مشاريع هذه الأسرة عام 1952 أو1953، طبع ديوان لمحمود بعنوان "أعماق المدينة" و "المجاعة الصامتة" ويضم ملحمتين شعريتين. غير أن هذه الجماعة توقفت عن مواصلة نشاطها بعد إصدار ثلاثة أو أربعة كتب فقط، منها "حفار القبور" للسياب. ولو تحقق طبع ديوان البريكان آنذاك لكنا أنقذنا هاتين الملحمتين من السجن الذي فرضته ظروف النشر في البداية ثم فرضه الشاعر نفسه على مجموع شعره فيما بعد". (45) ويوضح الصقر في شهادة أخرى أن هذه الأسرة قد أوقفت نشاطها بسبب نقص مواردها المالية التي كانت تعتمد على تبرعات أعضائها.(55) ويذكر حسين عبد اللطيف أن البريكان نفسه قد تأخر في تسليم مطولتيه هاتين.(56) ولكن الصقر يخبرنا بأن عدم نشر المطولتين قد ساء البريكان كثيرا "وظن أننا لم نفعل ما يجب لإخراج ملحمتيه للناس!"(57) ان الصقر يتحدث هنا عن استياء البريكان بأخف لهجة وفاء لذكرى صديقه دون ريب، ولكن بإمكاننا أن نتصور أي شعور بالغبن قد خامره يومئذ وأية شكوك قد ساورته من جراء هذه الحادثة. فها هم أصدقاؤه، هاهي "أسرة الفن المعاصر" تنشر مطولة السياب "حفار القبور« التي يتهمها بالتطفل على قصائده "الرقص في المدافن"، في حين تتلكأ في نشر مطولتيه وتوقف نشاطها بعد أن اطلع أعضاؤها، ومنهم السياب، على مسوداتهما ! وكيف تفعل هذا وهو يعتقد بأنه حقق فيهما، وخاصة في "أعماق المدينة"، إنجازا جديدا، سيتهم الشعراء، بعد حين، باختطافه، ونعني استخدام الرموز والأساطير ؟! ان التوجس من الآخرين، والشك في نياتهم، والتردد إزاءهم من خصال البريكان كما نكتشف،في مواضع عدة،من شهادة إحسان وفيق السامرائي.(58) فمثلا يدور حوار بين كاتب هذه الشهادة وحسين عبد اللطيف، وهما في طريقهما لزيارته، فيقول الأخير "هذا الرجل (أي البريكان) يشعر بأن كل من حوله يشير إليه بالاتهام". ويضيف وهو يتأوه "ماذا علي أن أفعل ؟ يحدد لي موعدا لتوثيق شعره، وحين أصل يتهرب ويؤجل.. مائة مرة أو يزيد.. الشك عنده صار مرضا يحرمه حتى من النوم !"(59) الشك في من ؟! في حسين عبد اللطيف ؟! أيعقل أن يشك البريكان حتى في هذا الرجل الذي كلفه هو نفسه بتوثيق شعره، والذي وثق فعلا شعره المنشور، وكل ما كتب عنه من مقالات وما ورد حوله وحول شعره من إشارات، وكان الجسر الذي يربطه بالمؤسسات والمجلات الثقافية ؟! وإذا كان يشك في نيات حسين عبد اللطيف، ويعذبه هذا العذاب فكيف لا يشك في غيره ؟! يمكننا أن نتصور، إذن، أن البريكان عد تلكؤ "أسرة الفن المعاصر" مقلبا مؤذيا، أو عملا مقصودا، اذ بلغ به الشك حدود "نظرية المؤامرة". ولذلك استاء كثيرا، ولم ينشر مطولتيه، وخاصة بعد ظهور مطولتي السياب "المومس العمياء" و "الأسلحة والأطفال" ومطولات أخرى لشعراء آخرين، كانوا، وهو من ضمنهم، يعدون كتابة المطولات إنجازا شعريا مهما في حد ذاته. هذه الحادثة لم تدفع البريكان إلى حجب مطولاته فقط، بل جعلته يمتنع عن نشر أي شيء من شعره حتى عام 1958. وكان مجموع ما نشره حتى ذلك الحين اثنتي عشرة قصيدة عمودية رومانسية، تسع منها نشرت في مجلة "الأديب" اللبنانية والثلاث الأخريات في صحف عراقية محلية.(60) غير أنه وجد نفسه عندئذ(1958) أمام مشكلة جديدة، هي خلو شعره من أية مفاجأة فنية برغم تميز صوته ونبرته. فما بين عامي 1948 و 1958 كان أغلب النماذج التأسيسية في الشعر العربي الحديث قد كتب ونشر، ولم يعد المنافس الآن السياب والملائكة والبياتي فقط، بل جميع الشعراء العرب المحدثين. على أية حال استمر البريكان في النشر منذ عام 1958 حتى عام1961 وبلغ مجموع ما نشره خلال هذه المدة تسع قصائد كتبها بين عامي 1954و1960.(61) وبرغم أن هذه القصائد لم تحمل أية مفاجأة فنية، نمت عن صوت ذي نبرة مختلفة في الشعر العراقي الحديث، صوت ذاتي قوي وواثق، ولغة صلبة دقيقة، واهتمام بموضوعات أخرى غير الموضوعات السائدة،موضوعات وجودية، ومن هذه القصائد "أسطورة السائر في نومه" و"رحلة الدقائق الخمس".(62) نشرت القصائد التسع هذه في وقت شاع فيه نمط من الشعر السياسي الغث، وراجت الدعوة الى أدب واقعي اشتراكي يفهمه الشعب(63) وربما كان ما يكتبه عبد الوهاب البياتي في ذلك الحين هو الأنموذج الأعلى لهذا الشعر. لذلك اتهمت هذه القصائد في حينه بـ(الشكلية الفارغة) وما هي بالشكلية، وبـ(الغموض) وما هي بالغامضة، ولكنها حظيت، في الوقت نفسه، بإعجاب بعض الشعراء الشباب(في حينه) ومنهم: صلاح نيازي وطراد الكبيسي وحنظل حسين(64) وظل كثيرون يذكرونها له ويثنون عليها حيثما ورد ذكره. وهنا توقف البريكان عن النشر مرة أخرى، ربما تطيرا مما اتهمت به هذه القصائد، ولكنه اكتشف دون ريب أن هناك من أعجب بها من الشعراء والمثقفين، وشعر بأنها فاجأت الوسط الثقافي ووجدت من يهتم بها ويتحدث عنها. ولكن لابد لنا من القول: ان هذه القصائد وان كانت قد ميزت البريكان وأظهرت تفرده في موضوعاته، فإنها لم ترفعه إلى مكانة السياب الذي كان حتى ذلك الحين ما يزال ينتج قصائده المتميزة.(65) استراتيجية للنشر.. ولكن: ونظن ان الأصداء التي أثارتها قصائد البريكان هذه هي التي جعلته يفكر باستراتيجية النشر التي ألمحنا إليها. وإذا أردنا الحديث عن هذه الاستراتيجية باللغة العسكرية التي يتحدث بها النقد الحديث فسنقول: إنها استراتيجية دفاعية - هجومية، فهي دفاعية لأن البريكان اعتقد، أنها ستحمي شعره من الاختطاف والتقليد والاستنزاف، وهي هجومية لأنها تقوم على مباغتة الوسط الثقافي من مدة إلى أخرى وصدمه بمجموعة من القصائد تثبت حضوره في غيابه، وتلفت النظر إليه بقوة، وتثير ما أثارته قصائده التسع تلك من أصداء. وهذا ما فعله في الأعوام 1969 -1970 و1993-1994 و1998. وسواء اعتمد البريكان هذه الاستراتيجية بصورة تلقائية أم اعتمدها بعد تفكير وتدبر، فان ما لم ينتبه إليه، أو انتبه إليه ولم يكترث له لفرط ثقته بشعره،هو أن الشعر في العراق والوطن العربي كان يمر بتحولات متسارعة، وكانت أجيال جديدة من الشعراء تظهر، وكان لهذه الأجيال مفاهيمها الخاصة وانشغالاتها الفنية، حتى صارت تعد شعره من تراث الحداثة الشعرية وليس مما وصلت إليه الحداثة في تحولاتها، تعده شعرا ينتمي إلى حقبة ماضية تم تجاوزها وعبور انشغالاتها الفنية، وصار النظر في جديد ما ينشره ضربا من الفضول، وليس تطلعا إلى مفاجأة، أي عكس ما كان يتوخاه تماما. قد لا يخلو هذا من بعض الغبن للبريكان، ولكن هذا ما حصل. وعلى أية حال، ان ما نشر البريكان من شعره يمثله في جميع مراحل تطوره منذ أواخر أربعينيات القرن الماضي حتى أواخر تسعينا ته، و هذا ما توضحه التواريخ التي ذيل بها قصائده. ونحن نعتقد بأن ما نشره هو أفضل ما كان لديه من شعر أو من أفضله، إذ لابد لنا من أن نفترض أنه كان يختار الأفضل والأهم حين يقرر أن ينشر شيئا بعد غيبة سنوات طويلة. ولكن لم يحدث أن فاجأ أحدا بما نشر، والذي نشره منذ البداية حتى النهاية لا يعطينا أي دليل ملموس على أنه كان أسبق من غيره في شيء. فالسياب كتب قصيدته المطولة "حفار القبور" عام 1949 على الأرجح، والدليل على ذلك أنه نشر إعلانا عنها في نهاية الطبعة الأولى من ديوانه "أساطير« الصادر عام 1950.(66) هذا في حين أن البريكان بدأ كتابة المطولات في أوائل الخمسينيات كما نقل الناقد طراد الكبيسي عنه.(67) أما عروض الشعر الحر فقد تشارك في وضع أسسه وكتابة نماذجه الأ ولى وأشكاله التجريبية والمطورة كل من نازك الملائكة وبدر السياب (والى حد ما عبد الوهاب البياتي)(68) ولم يأت البريكان بأي جديد تقني يبزهم به أو يسبقهم اليه في هذا المجال. وأما استخدام الأساطير والرموز فربما كانت نازك الملائكة أسبق شعراء هذا الجيل اليه، وهذا واضح في عدد من قصائد ديوانها "شظايا ورماد« الذي صدرت طبعته الأولى عام 1949، ولكن السياب هو الذي أنضج استخدامها بعد محاولات تجريبية عدة.(69) ثم إن طريقة البريكان في النشر(إستراتيجيته) لم تسمح بأن يكون لشعره، على صعيد الواقع، أي دور ريادي، حتى بما تميز به من منحى فكري. فنحن لم نجد في شعره المنشور ما يؤكد وجود مثل هذا الدور. وليس لدينا، عدا ذلك، سوى الأقاويل التي لا سند لها. أكثر من ذلك أن البريكان بدأ كتابة الشعر الحر متأخرا عن زملائه بسنوات، فنحن لم نعثر له على أية قصيدة حرة كتبت في أواخر أربعينيات القرن الماضي أو في أوائل خمسينياته، وكانت قصائده حتى عام 1970 أقرب في عروضها إلى الشعر العمودي منها إلى الشعر الحر. فأغلب أشطارها ذات عدد متساو من التفعيلات، أربع تفعيلات مثلا وهذا هو الغالب، وإذا خرج عن هذا العدد بعد بضعة أشطار فلكي يأتي بشطر أو شطرين بعدد أقل من التفعيلات، ولكنه متساو هو الآخر، ثم يعود ثانية إلى الأشطار ذات التفعيلات الأربع. ومن أمثلة ذلك قصائده: "أسطورة السائر في نومه" التي كتبت عام 1985 و "هواجس عيسى بن أزرق في الطريق إلى الأشغال الشاقة" التي كتبت في العام نفسه و "إنسان المدينة الحجرية" التي كتبت عام 1959. و"فن التعذيب" التي كتبت عام 1961 و"حارس الفنار" التي كتبت عام 1969. (70) وكان أغلب قصائده في هذه المرحلة من بحر الرجز، وكانت إيقاعاتها تقترب من إيقاعات قصيدة السياب المعروفة "أنشودة المطر" التي كتبت في الكويت عام 1953 ونشرت في مجلة "الآداب" اللبنانية عام 1954. وهذا مقطع من قصيدة "إنسان المدينة الحجرية" نقدمه مثالا على ذلك: في العالم المطمور تحت الأرض، في متاه قد من الحديد والأسمنت والحجر حيث يمد عنكبوت الخوف والضجر خيوطه في طرق الصمت، ولا مفر.. في لابرنث الموت، حيث يهلك البشر شوقا إلى الحياه حيث يضيع الصوت، حيث يفقد الأثر أنت هنا تدور كأنما تلهث في لهاثك العصور.. أنت هنا.. ماذا تغني أنت للقبور ؟ ما ذا تقول للظلام الفظ والصقيع ؟ (71) هذه القصيدة تتكون من (60) شطرا، منها (52) شطرا يتكون كل منها من أربع تفعيلات و(7) من تفعيلتين و(1) من ثلاث، وهذا مما يسمها برتابة إيقاعية مخدرة ويجعلها أقرب إلى نظام النظم التقليدي (الشعر العمودي) منها إلى الشعر الحر. شاعر أفكار: البريكان شاعر أفكار وشكل شعري دارج، وهو يعبر عن أفكاره بلغة دقيقة وصارمة، وصور محسوسة منحوتة بعناية، وإيقاع وزني مألوف، وحذق في اختيار العنوان. وأفكار البريكان تسبق قصيدته، فهي منبثقة من تأمل طويل صامت في ظواهر الوجود ومظاهره. وهو مخلص لأفكاره، يعبر عنها بوعي كامل، ويحرص الحرص كله على دقة هذا التعبير وانضباطه، فلا شطح في الصورة ولا نزق، حتى لتقترب هذه من أن تكون (فكرة مصورة) أو (صورة مفكرة) كما يقول طراد الكبيسي.(72) وهذا ما جعل مغامرته الوجودية أهم شيء في شعره. غير أننا لسنا معنيين هنا بطبيعة هذه المغامرة، ولا بما يتخللها من أفكار البريكان، بل معنيون بأدائه الفني. ولذلك لن نعمد إلى تحليل أفكاره، بل سنكتفي بإشارات عابرة إليها هي تلك التي يقتضيها سياق بحثنا. فهو لم يشغل نفسه بالبحث عن أشكال جديدة وتقنيات مبتكرة بل شغلها بالتعبير الدقيق عن أفكاره، حتى كاد شعره يخلو من أية مغامرة فنية، وان وجدت مثل هذه المغامرة فهي متأخرة و شاذة واستثنائية وليست وليدة قاعدة أو منهج أو هم من همومه الشعرية، وهذا بخلاف السياب ومغامراته التجريبية بين عام1953 و 1962. هناك ثلاث قصائد أو أربع كانت وراء الالتفات إلى البريكان ومبعث الاهتمام بشعره ومنها قصيدته "أسطورة السائر في نومه". كتبت هذه القصيدة عام 1985 ونشرت عام 1959.(73) وقد اعتمدت تفعيلة بحر الرجز (مستفعلن) وحدة وزنية لها، ولكنها اتسمت بنبرة إيقاعية عمودية لا تنوع فيها ولا تموج. اذ كتب أغلب أشطارها بأربع تفعيلات، أما الأشطار الأخرى فكتبت بتفعيلتين، شأنها في ذلك شأن قصيدة "إنسان المدينة الحجرية" التي سبقت الإشارة إليها. والتنوع الموسيقي الوحيد فيها هو التنوع في الأضرب والقوافي، ولكنك تحس وأنت تقرؤها بأنها تأثرت هي الأخرى بموسيقى قصيدة السياب "أنشودة المطر". والقصيدة تتكون من سبعة مقاطع سردية تروي حكاية الإنسان في كل يوم، فهو ينام ويصحو ويأكل ويشرب ويعمل ويذهب إلى معرض أو مسرح أو مقهى أو حانة أو بيت من بيوت الهوى، ولكنه يفعل كل ذلك وكأنه سادر في نوم لا يصحو منه. ماضيه بداية غامضة من حلم مديد وحاضره لا صوت له ولا صدى. فهو شبح وكائن وحيد موغل في المجهول، يرى الشاعر أنه يمكن أن يكون أي واحد فينا. إنها رحلة الإنسان العبثية في الوجود التي سيتناولها الشاعر برؤية أشمل وفن أنضج في قصيدته "حارس الفنار" كما سنوضح في ما بعد: أروي لكم عن كائن يعرفه الظلام يسير في المنام أحيانا، ولا يفيق أصغوا الى أصدقائي! وهو قد يكون أي امرئ ترونه يسير في الطريق في وسط الزحام وقد يكون بيننا الآن، وقد يكون في الغرفة الأخرى،يمط حلمه العتيق! هذا هو المقطع الأول من القصيدة، وبقية المقاطع تشبهه في رنين موسيقاها ورتابتها الإيقاعية الناجمة عن تساوي عدد تفعيلات أشطارها، وهذا هو المقطع الأخير زيادة في الإيضاح: يا أصدقائي هل عرفتم ذلك المخلوق الشاحب الذي يجف صوته المخنوق الكائن المخدر الهائم في المنام ؟ الكائن الذي تبث كفه الصفراء من حوله أشياء ترعبه، أشياء لا يمكن القبض عليها مرة أخرى؟! يعرفه الظلام تعرفه برودة الليل ! وقد يكون أي امرئ ترونه يسير في الطريق. لو بحثنا في هذه القصيدة لوجدنا أن شهرتها لم تأت من ميزة فنية فيها، فهي حكاية سردية مبنية بناء تراكميا بسيطا، وليس فيها أية مفاجأة تقنية، أو لمحة فنية، أو صورة مدهشة، أو عاطفة ساخنة نابضة، وانما جاءت شهرتها من موضوعها، وهو موضوع وجودي خالص في وقت كانت فيه السياسة هي شاغل الشعراء الأول كما ذكرنا، وكان الشاعر الذي يكتب في موضوع كهذا يعد لدى بعض الأوساط بطرا أو عابثا أو منحرفا.
ولا يفوتنا هنا أن نشير إلى أثر الأدب الوجودي المعاصر، ولاسيما اتجاهاته العبثية والعدمية، على مغامرة البريكان الوجودية واتجاهاتها. فالروح العامة لهذا الأدب، الذي بدأ يشيع في المشرق العربي منذ أواسط الخمسينات، مبثوثة فيها. فأنت تحس بها في كل قصيدة من قصائده. ذلك أن هذه القصائد معنية بمحنة الإنسان في الوجود، نعني الإنسان المغترب، المقصي، المهزوم، الذي يرى هذا الوجود عبثا في عبث حتى لتستوي عنده الحياة والعدم. ومع أن البريكان لم يكن أول من كتب قصائد في هذا الموضوع، فقد سبقه إلى ذلك آخرون، نخص بالذكر منهم البياتي في بعض قصائد ديوانه "أباريق مهشمة" وخاصة قصيدة "مسافر بلا حقائب" (47)، وكذلك بلند الحيدري في بعض قصائد ديوانه "أغاني المدينة الميتة وقصائد أخرى" (57) ومنها قصيدتا "عقم" و"ساعي البريد". ولكن البريكان اختلف عن سواه بتمسكه بهذا الموضوع وتناوله إياه من زوايا مختلفة، وبعمق أبعد، ثم مواظبته على الكتابة فيه حتى النهاية، وحتى كاد يكون موضوعه الوحيد. ومن القصائد التي اشتهر بها البريكان قصيدته "رحلة الدقائق الخمس". وهذه القصيدة كتبت في أيلول1960 ونشرت بعد عام من تاريخ كتابتها.(76) والقصيدة أشبه بمشهد من مدينة أوروبية في شريط سينمائي: ساحات ومحطات رمادية حزينة، وإياب من رحلة أمدها خمس دقائق مع لحن من الألحان، مع نغم يعانق الحياة والعدم، ولكنها رحلة إلى غد سحيق سرعان ما تنتهي ويعود المسافر إلى المحطات الرمادية بحزنها الذي يلقي ظله على مدينة موحشة وعالم غريب، ولا يبقى له سوى الأصداء. إنها قصيدة عن غربة الإنسان في المدينة المعاصرة، هذا الإنسان الذي ما يكاد يفلت من ضوضائها في تهويم مع لحن، أو سفر في حلم، حتى يعود إليها والى شوارعها وساحاتها الموحشة و عالمها الكئيب الحزين. وكان موضوع (غربة الإنسان في المدينة) قد شاع كثيرا في خمسينات القرن الماضي، برغم أن المدينة العربية لم تكن سوى قرية كبيرة. فقد كتب فيه السياب والبياتي وشعراء آخرون كثيرون، من العراقيين وغير العراقيين، هم في الغالب من أصول ريفية فقيرة صدمتهم حياة المدينة ومتطلباتها، فراحوا يهجونها أقذع الهجاء في نزوع رومانسي واضح، وهذا من دون أن ننسى تأثير الشعر الأوروبي منذ بود لير حتى اليوت، مع اختلاف البواعث والرؤى. ولكن رحلة البريكان في قصيدته هذه هي رحلة خيال، أوحى بها، في ما يبدو لنا، مشهد في شريط سينمائي أو قراءة في رواية، أو شيء من هذا القبيل، لأن أجواءها ليست من بيئة الشاعر المحلية أو الوطنية. وتتكون القصيدة من أربعة مقاطع، أولها لوحة ديكورية تتضمن وصفا للساحات و المحطات، وثانيها تصوير للعودة من رحلة الدقائق الخمس، وثالثها وصف لمناخ هذه الرحلة، أما رابعها فيعلن انتهاء الرحلة والعودة إلى المحطات الرمادية، محطات المدينة الموحشة وعالمها الغريب: يلون الساحات حزن المحطات الرمادية وظلها الشاحب شيء كرجع الحلم الهارب كضوء أغنيه تطفئها الآهات
إياب يملؤه الضباب، يضيع فيه الهمس وزهرة تذوب دون اللمس لم يبق الا صدى من رحلة الدقائق الخمس. لحنا من الألحان أبحرت يا قلبي نغم يعانق الحياة والعدم مويجة تهفو على شواطئ النسيان
جناح يرف في الرياح مشردا في شفق الحب ! سفر إلى غد سحيق وغابر غبر تفجر الأصوات طريقها، فينهض الأموات ويهبط القمر وترقص الحياة في عريها، في فجرها العميق.
انتهت الرحلة ! حزن المحطات الرماد يه يلقي هنا ظله. مدينة موحشة وعالم غريب. الثلج في الشارع والشمس لا تغيب والليل لا يأتي. ووجه القمر الضائع تجرفه الريح الشتائيه هنا يذوب الهمس ويجمد الصخب ! وتكذب النار، وتبقى رعشة اللهب ! مدينة تكاد لا تعرفها العيون تأكلها ضوضاؤها، يرعبها السكون في وحشة الإياب من رحلة الدقائق الخمس. على أن هذه القصيدة تختلف عن السابقة بما يلف فكرتها من غلالة غموض تجعلها قابلة لأكثر من تأويل. فمدينة القصيدة قد تكون المدينة المعاصرة، وقد تكون الحياة أو أي شيء آخر. والقصيدة وان كانت قد كتبت على تفعيلة البحر نفسه (الرجز) غير أن إيقاعاتها الموسيقية أكثر تنوعا. فأطوال أشطارها تتراوح بين تفعيلة واحدة وأربع تفعيلات، وقوافيها تتموج صعودا وهبوطا واندفاعا وتراجعا، وبذلك بدت أكثر حيوية وأقل رتابة، وأقرب الى الحداثة الشعرية من قصائده السابقة، ولكنها تنتمي هي الأخرى إلي "أنشودة المطر" من حيث رنينها الإيقاعي، ومفتتحات لوحاتها، بل نكاد نقول: إنها تنتمي إيقاعيا إلى أكثر من قصيدة من قصائد السياب. فحين يستخدم البريكان في قصيدته هذه كلمة واحدة في الشطر (تفعيلة واحدة) ويقول: إياب، نغم، جناح، سفر، فانه لا يذكرنا بلازمة السياب "مطر" في"أنشودة المطر" فقط، بل يذكرنا أيضا باستخدام مشابه له في قصيدة سيابية أخرى كتبت عام 1984 هي قصيدة "أساطير".(77) فأشطار قصيدة السياب هذه تتراوح هي الأخرى بين تفعيلة واحدة وأربع تفعيلات، ويتألف بعض أشطارها من كلمة (تفعيلة) واحدة (مثل: رحيل، ظلال، شراع) كلمة ذات دور إشاري افتتاحي تتبعه تفصيلات تضيف لوحة جديدة، أو رقشا جديدا، إلى الصورة الكلية، كما هو واضح هنا في هذا المقطع: على مقلتيك انتظار بعيد وشيء يريد ظلال يغمغم في جانبيها سؤال، وشوق حزين يريد اعتصار السراب وتمزيق أسطورة الأولين فيا للعذاب ! جناحان خلف الحجاب شراع وغمغمة بالوداع ! أما قصر أشطار قصيدة البريكان هذه وتلون إيقاعاتها وتموج قوافيها فيذكرنا بقصيدة السياب "تعتيم« التي كتبت عام 1955 وهي من بحر الرجز: حين يذر النور - يلقي به التنور - عن وجهك الظلماء ويهمس الديجور آهاته السمراء على محياك تهجس عيناك بكل حزن الدهور وكل أعيادها: أفراح ميلادها وغمغمات النذور وزهرها والخمور !
النور والظلماء أسطورة منحوتة في الصخور كم ذاد بالنار، من أسد ضاري، وكم أخاف النمور إنسان تلك العصور بالنور والنار ! فأطفئي مصباحنا أطفئيه ولنطفئ التنور، وندفن الخبز فيه كي لا تعيد الصخور أسطورة للنار ظلت تدور حتى غدا أول ما فيها آخر ما فينا - وليل القبور أول ما فيها - ولنبق في الديجور كي لا ترانا نمور تجوس في الظلماء لترجم الأحياء - من غابة في السماء - بالصخر والنار وتستبيح القبور ! (78) نحن نرى أن القرابة بين هاتين القصيدتين أكثر من أن تكون مجرد قرابة إيقاعية. إنها قرابة روح أيضا، يلمح إليها قول البريكان (وتكذب النار،وتبقى رعشة اللهب). وبحسب ما نعتقد أن البريكان كان يتابع السياب في صعود نجمه قصيدة فقصيدة، وينظر في كل منها بعمق وتأن، ويحاول أن يكتشف كل جديد فيها، والعثور على مكنوناتها، لا ليقلدها، وهو الصانع الذكي الماهر، بل ليرى كيف يمكن أن يفيد منها في صناعة قصائده. وقصيدة السياب هذه بالذات لفتت الانتباه عند نشرها في مجلة الآداب عام 1965، وذلك لما فيها من خروج بين على عامة شعره، ليس بسبب قصر أشطارها وتموج إيقاعاتها فحسب، بل بموضوعها وبغلالة الغموض التي احتضنت هذا الموضوع أيضا. فليس بالغريب، إذن، أن ينتبه إليها البريكان ويستفيد منها كما ظهر لنا في قصيدته هذه. وربما كانت تقنية هذه القصيدة سببا في شهرتها، ولكن السبب الأهم هو موضوعها وما دار حولها من لغط في حينه في بعض الأوساط. فقد وصفت هذه القصيدة بالذات، و شعر البريكان عامة، بالغموض والشكلية والبعد عن هموم الانسان الحقيقية في واقعه الملموس، ولكنها حظيت في الوقت نفسه بإعجاب آخرين، كما ألمحنا من قبل، وكان هؤلاء هم وراء شهرتها بعد احتجاب البريكان في وقت لاحق. ومن المؤكد أن هيئة تحرير المجلة التي نشرتها كانت في مقدمة من وصفوها بتلك الأوصاف، ولهذا ردت عليها بطريقة لبقة ذكية بأن نشرت في فراغ يقع تحتها مباشرة العبارة الآتية: (ولكن الإنسان الهرم بكفين شفافتين سينادي: الحب، الحب، الحب، بين التماع العواطف المزيفة، وسينادي: الأمان، الأمان، الأمان، بين صليل الخناجر، وكرات البارود. لوركا من "صرخة إلى روما")(79) القصيدة الثالثة التي اشتهر بها البريكان وعدت قمة في ما نشر من شعر هي "حارس الفنار" التي كتبت في تموز 1969 ونشرت في كانون الأول 1970.(80) وتتكون هذه القصيدة من أربعة مقاطع متباينة الأطوال، أولها لوحة افتتاحية ديكورية كتلك التي افتتح بها قصيدته "رحلة الدقائق الخمس". وترينا هذه اللوحة حارس الفنار وقد أعد مائدته وكؤوسه في انتظار زائر مجهول (الموت) وقد أوشكت ساعته أن تحين. أما المقطع الثاني فيقفز بنا فجأة إلى عالم مدمر سقطت فيه فنارات العوالم وتغيرت طرق الكواكب واضطربت البوصلات ولم يعد ثمة غير التيه المجرد والرياح هي التي تسود الفراغ ولاشيء غير الفناء، فلا يتذكر حارس الفنار سوى الموتى وكلهم قد مات واهما. وفي المقطع الثالث يستمر حارس الفنار في عرض ما يتذكر من صور الموت التي رآها من موقعه: مدن مدمرة بأناسها وكنوزها، وسفن غريقة بقراصنتها وجيوش بأسلحتها ونياشين قادتها، وغيرها من الصور التي تمثل آدم في تعاسته ومصيره المحتوم. وأخيرا يعود حارس الفنار من ذكرياته وتأملاته إلى لحظته الراهنة، منتظرا ذلك الزائر المجهول المعلوم وعينه على الساعة ورقاصها، والرقاص ينبض ويتأرجح بين اليمين واليسار، عارفا أنها هي الأخرى ستتوقف وتشل ليطبق الموت عليه وعلى كل شيء. ربما كانت هذه القصيدة أفضل ما وصلت اليه مهارة البريكان في بناء قصائده وصياغتها. فهي ذات معمار متماسك محكم كانت ملامحه واضحة في قصائد للشاعر سابقة عليها. قد يبدو في الوهلة الأولى أن ثمة انقطاعا بين مقطعها الأول ومقاطعها الأخرى، قد يبدو هذا المقطع مجرد ديكور مرسوم هو أصلا من تقاليد القصيدة الرومانسية، ولكن الأمر خلاف ذلك، فهو في رأينا مهاد ضروري للقصيدة، وهو مرتبط بالمقاطع الأخرى أوثق ارتباط وان بدا الانتقال منه إلى المقطع الثاني فجائيا. فحارس الفنار سرعان ما يذكرنا في هذا المقطع بأنه ما يزال في مشهده ذاك بمائدته وكؤوسه، يتذكر ويتأمل، ويطول به التذكر والتأمل في المقطع الثالث، ليعود بنا في المقطع الرابع إلى اللحظة نفسها، لحظة انتظار الزائر المجهول.. الموت. وقد وصلت لغة هذه القصيدة أقصى ما وصلت اليه لغة البريكان من تطهر من ميوعة اللغة الرومانسية، وبلغ فيها أنضج ما بلغه فنه في التعبير عن رؤاه العدمية. ولهذا نرى أنها تمثله في ذروة نضجه الشعري، وهو نضج متأخر اذا ما قورن بمجايليه على صعيد العراق والوطن العربي. ولكنها مثل غالبية قصائده التي سبقتها تنمو نموا تراكميا، استطراديا، قابلا للزيادة والنقصان، نظرا لاعتمادها على التذكر والرواية، وهذا بخلاف ما جرت عليه جملته الشعرية من تكثيف يبلغ أحيانا حد التجريد. على أن هذه القصيدة تذكرنا هي الأخرى بإحدى قصائد السياب وهي "حفار القبور" المكتوبة عام 1949 على الرغم مما بين شخصيتي القصيدتين من تناقض. فحفار القبور وحارس الفنار كلاهما شاهد على عالم الموت ولكنهما وجهان لعملة واحدة. فإذا كان حفار القبور رجلا فقيرا يستمد رزقه من موت الناس، ويدعو الله أن يهلكهم ليحصل على قوته اليومي ويشبع جوعه وتستمر حياته، فان حارس الفنار رجل رأى كثيرا حتى زهد في كل شيء، وفهم أن كل شيء فان، وأن الموت سيدركه كما أدرك غيره، فأعد له مائدته وكؤوسه منتظرا إياه باستسلام تام. وليس هذا فقط ما يذكرنا بقصيدة حفار القبور، بل كذلك نظام النظم الذي سار عليه البريكان في بناء قصيدته. فهو نظام نظم تلك القصيدة نفسه. فقد اتخذت كلتا القصيدتين من تفعيلة بحر الكامل (متفاعلن) وحدة وزنية لها، واتبعتا نسقا واحدا في أسلوب التقفية وفي توزيع التفعيلات على الأشطار. فالغالبية العظمى من أشطار القصيدتين تتكون من أربع تفعيلات، والقليل جدا منها يتكون من تفعيلتين، ويندر أن تشذا عن ذلك. ولذلك اتسمت هاتان القصيدتان (ومثلهما تماما قصيدة السياب: المومس العمياء) برتابة إيقاعية قربتهما كثيرا من روح النظم التقليدي. ان قصيدة البريكان هذه بالذات تتكون من حيث النظم (لا الكتابة على الورق) من (69) شطرا، منها (59) شطرا يتكون كل منها من أربع تفعيلات، أما الباقي، وهو (10) أشطار، فيتراوح بين تفعيلتين أو ثلاث. وهذا ما نعنيه بروح النظم التقليدي، روح نظام البيت الشعري العربي. فأبيات القصيدة العربية التقليدية، كما هو معروف، تتكون من أعداد متساوية من التفعيلات، وصدر كل بيت يساوي عجزه في عدد تفعيلاته (وهي أربع في الغالب)، وعدوى هذه المساواة هي التي انتقلت الى شعر البريكان. وقد حاول أن يكسر رتابة الإيقاع بطريقة كتابته أشطار القصيدة على الورق ولكن من دون جدوى. وفي ظننا، وهو مجرد ظن، أن البريكان لم يتحرر من طريقة النظم هذه الا بعد أن انتبه الى تجربة الستينيات وقرأ النقد الستيني لتجربة الرواد. فمنذ عام1970 كما لاحظنا، غير البريكان طريقته هذه، وهذا ما يتضح في مجموعة قصائده التي نشرت في مجلة "الأقلام« بعنوان "قصائد متداخلة" بعد غياب دام ثلاثة وعشرين عاما.(81) ثم أن مقاطع من هذه القصيدة تذكرنا بقصيدة "المعبد الغريق" للسياب نفسه وان كانت من بحر آخر. (82) فالوصف والسرد في القصيدتين متقاربان، والراوي في هذه كالراوي في تلك، هذا حارس في فنار، وهذا شيخ يسكر في حانة، وكلاهما يتذكر ما شهد ويرويه، والمشاهد في القصيدتين متشابهة أو تكاد تكون متشابهة، برغم اختلاف الموضوع. كلاهما يتحدث بنبرة رثائية، كلاهما يرثي الإنسان، هنا في محنته الوجودية، وهناك في ما يتعرض له من ظلم على يد أخيه الإنسان، و العبرة في الاثنتين عالم غريق: مدن غريقة أو معبد غريق، وثمة هنا وهناك "فنار موت". والفارق هو أن البريكان أعطى حكايته معنى وجوديا، أما السياب فوظف حكايته لغاية سياسية. يقول البريكان: أتذكر المدن الخفية في البحار أتذكر الأموات. والسفن الغريقة. والكنوز وسبائك الذهب المصفى، والعيون اللامعات وجدائل الشعر الجميلة في القرار منشورة، وأصابع الأيدي المحطمة النحيله مفتوحة لا تمسك الأمواج. في الطرق الظليلة في القاع، تنتثر النياشين المدورة الصقيله وتقر أسلحة القراصنة الكبار. يا طالما أسريت عبر الليل، أحفر في القرار طبقات ذاك الموت.أتبعت الدفائن في سكون أستنطق الموتى.أرى ما كان ثم وما يكون. وأشم رائحة السكون الكامل الأقصى، أريد أن لا أمثل من جديد آلام تجربة العصور. أن لا أقطع بالتوتر، أو أسمر في الحضور. أبصرت آدم في تعاسته، ورافقت الجيوش في أضخم الغزوات، نؤت بحمل آلاف النعوش. غنيت آلاف المواسم. همت في أرض الجمال ووصلت أطراف المحال. ورأيت كيف تدمر المدن المهيبة في الخفاء. شاهدت ما يكفي. وكنت الشاهد الحي الوحيد في ألف مجزرة بلا ذكرى، وقفت مع المساء أتأمل الشمس التي تحمر. كان اليوم عيد. ومكبرات الصوت قالت: كل إنسان هنا هو مجرم حتى يقام على براءته الدليل. وسمعت أبواق الغزاة تضج في الليل الطويل. ورأيت كيف تشوه الأرواح جيلا بعد جيل وفزعت من لمعان مرآتي: لعلي كالمسوخ مسخ تقنعه الظلال. وعجبت منها دمعة في القلب تأبى أن تسيل. والدمع مهما رق هل يكفي لمرثية الجمال ؟
أما السياب فيقول في "المعبد الغريق«: هنالك قبل ألف،حين مج لظاه من سقر فم يتفتح البركان عنه فتنفض الحمى قرارة كل ما في الواد من حجر على حجر تفجر باللظى رحم البحيرة ينثر الأسماك والدم، مرغيا سما وقر عليه كلكل معبد عصفت به الحمى. تطفأ في المباخر جمرها وتوهج الذهب ولاح الدر والياقوت أثمارا من النور، نجوما في سماء الماء تزحف دونها السحب تمرغ فوقها التمساح ثم طفا على السور ليحرس كنزه الأبدي حتى عن يد الظلماء والنور وأرسى الأخطبوط فنار موت يرصد البابا، سجا في عينه الصوراء صبح كان في الأزل تهزأ بالزمان، يمر ليل بعد ليل وهو ما غابا ففيم غرور هذا الهالك الإنسان، هذا الحاضر المشدود بالأجل ؟ أعمر ألف عام ؟ ليته شهد الخلائق وهي تعبر شرفة الأزل *** ألا يا ليته شهد السلاحف: تسحق الدنيا قياصرها، و يمنع درعها ما صوب الزمن إليها من سهام الموت ! لكن الذي يحيا بقلب يعبر الآباد، يكسر حده الوهن فيصمت، عمره أزل يمس حدوده أبد من الأكوان في دنيا هنالك ألف كنز من كنوز العالم الغرقى ستشبع ألف طفل جائع وتقيل آلافا من الداء وتنقذ ألف شعب من يد الجلاد، لو ترقى الى فلك الضمير ! أكل هذا المال في دنيا الأرقاء ولا يتحررون ؟ وكيف وهو يصفد الأعناق، يربطها إلى الداء ؟ بعض النقاد (ومنهم طهمازي والكبيسي)(83) تحدث عن أسلوب في التعبير رأوا أن البريكان يتميز به عن زملائه، وهو أن جملته اللغوية (أو صورته) قد تنتهي قبل نهاية الشطر الشعري أو بعده من دون أن تتقيد بالقافية أو تتحدد بها، وعدوا ذلك، وخاصة طهمازي، ميزة متطورة من ميزاته التقنية. ومثال ذلك قوله في "حارس الفنار": سقطت فنارات العوالم دون صوت الرياح هي بعد سيدة الفراغ، وكل متجه مباح أما الحقيقة، بحسب ما لمسنا، فهي أن البريكان لم يكن الوحيد في ذلك أو السباق اليه. فأنت تجد مثل هذا الكثير عند السياب (في قصائد ديوانه "أنشودة المطر") والبياتي (في قصائد ديوانه "أباريق مهشمة") مثلا. من ذلك ما جاء في قصيدة البياتي "الملجأ العشرون" المكتوبة عام 1953: كانت أغانينا، وكنا هائمين بلا ظلال مترقبين، الليل، أنباء البريد: "الملجأ العشرون ما زلنا بخير، والعيال - والقمل والموتى - يخصون الأقارب بالسلام"(84) ومنه ما جاء في قصيدته "الرحيل الأول": ودليل مركبي الجسور عينان خضراوان. أنفاس الحياة ليلا تهب علي من حقلي البعيد(85) وكذلك قوله في قصيدة "تمت اللعبة": لا تقولي: "حظنا شاء". وداعا ! فإلينا ينظر "البيدق" في خوف، و"صمتي" و"انتهينا" دمية ألقى بها طفل، بعيدا، عن يدينا(86) ولكن، والحق يقال،إن البريكان امتاز على زميليه بدقة لغته وخلوها من الفوائض والاستطالات العرضية والتتمات الملفقة. وهذا يعود إلى حرصه على دقة التعبير عن أفكاره ووضعها في قوالب لغوية محكمة لا زيادة فيها ولا نقصان، والى تأنيه في صناعة قصيدته وتحكيكها، وتمهله الطويل قبل نشرها. ربما بدا ثمة إصرار على مقارنة قصائد البريكان بقصائد السياب في هذه الدراسة. ولكن نحب أن نوضح أن القصد من هذه المقارنة ليس رد اتهام البريكان عليه، ولا القول بأن البريكان كان يقلد صديقه، أو يختطف منه، كما قال هو عن صديقه، وانما هو التأكيد على ما ذهب اليه حاتم الصكر حين رأى أن البريكان كان "يستعين بتقنيات الحداثة الرائجة والمألوفة« في كتابة قصيدته(87)، وقد كانت تقنيات السياب هي الأقرب اليه حتى أواخر الستينات. فالبريكان هو الآخر شاعر أصيل وصانع ماهر متأن، ولكن ابتكاراته التقنية أكثر من شحيحة، وكان همه منصبا على قولبة أفكاره في قصائد متقنة الصنع، ولذلك كان يلجأ إلى التقنيات المتيسرة ويحورها قليلا ثم يضع بصمته الخاصة عليها، فهو لا يصب خمرته الجديدة في وعاء جديد، بل يصبها في أوعية قديمة معاد طلاؤها أو تصنيعها، وهو حاذق في ذلك. حين نشر البريكان مجموعة "قصائد متداخلة" في مجلة "الأقلام" عام 1993 لم يجد الناقد حاتم الصكر غير أن يحملها "على محمل التناص الداخلي واعادة إنتاج ما كتب من موضوعات شعرية بوعي جديد يؤكده فارق البناء بين الصياغتين."(88) ولم ير الصكر بين هذه القصائد ما يكرس للبريكان ريادة شعرية غير قصيدة واحدة هي "بلورات". فقال "ان التقنية التي قدمها البريكان في هذه التجربة - أعني قصيدة البلورات - تكرسه لريادة هذا النوع من الكتابة الشعرية القائمة على التركيز والاختزال المكثف. ولما كان النص مؤرخا عام1970 فهو يستحق عنه صفة الريادة لا سيما وانه يولد فيه صورا وحكما وأمثولات ذات وقع شعري عال تصنعه المفارقة"(89) غير أن القصيدة، اذا أخذت بمجموعها وجدت، شبيهة بأية قصيدة سريالية في ما يفترض من علاقات داخلية بين صورها وجملها الشعرية. أما اذا أخذت هذه الصور والجمل مفردة، فإنها شبيهة بقصائد التصويريين التي كتبت تحت تأثير شعر الهايكو الياباني من حيث كثافتها وقصرها. ذلك أنها خواطر شعرية متفرقة، وقصائد قصيرة جدا، لم تكتب لتكون قصيدة واحدة، في ما نظن، ولكن قوتها وشدة توهجها منعتا الشاعر من التفريط بها وأغرتاه بجمعها في كل واحد واعطائها عنوانا واحدا يدل على علم الشاعر بتشظيها من ناحية ويسوغه من ناحية ثانية: تصادف الأحلام تفسيرها في لحظة اليقظة تصادف اليقظة تفسيرها في حلم تدفنه الذاكرة من يخرج الإنسان منها هذه الدائرة ؟ ان هذه قصيدة قصيرة واحدة قائمة بذاتها، ولا يربطها بالأخريات سوى وحدة الجو النفسي والفكري. ومثلها قول الشاعر: هناك أغنية منسية، هيهات تستعاد في موجة الأغاني. يمكن أن يصنع تمثال من الرماد ! هل تسقط الألفاظ أستارا على المعاني ؟ ومثلها أيضا قوله: لا سحر للحياة في النسخة الثانية. أحبها عارية. وكذلك قوله: لا مجد عند الموت أعمق حلم ساكن سكينة الهاوية. تحترق الدهور في ثانية تنصهر الروح ولا يصدر عنها صوت.(90) ومع ذلك، اذا افترضنا أن الشاعر قد كتبها بنية أن تكون قصيدة واحدة، فأية ريادة بقيت لها منذ عام 1970 وهي لم تنشر الا في عام 1993، وبعد أن نشر غيره قصائد شبيهة بها من حيث التركيز والتكثيف ومن حيث وحدة الجو النفسي والفكري وأعطيت هي الأخرى عنوانات موحدة ؟ (91) أما الدكتور حيدر سعيد فقد رأى في ما نشره الشاعر عامي 1993 و 1998 أنه "امتداد لما توقف عنده البريكان سنة 1970 ومعلوم أن الشعر العراقي (والشعر العربي على وجه العموم) قد شهد خلال هذه السنوات الثلاثين من الجدل الشعري ما شهد"(92) ورأى سعيد أن نص البريكان "لم يخضع لنمذجة فنية" لأنه "لم يكن قريبا من جدل الشعر العراقي في النصف الثاني من القرن العشرين".. "وباستثناء انتمائه إلى نصوص جيل الرواد، وما يتضمنه هذا الانتماء التاريخي من حمولة فنية، بسبب أنه يشير الى فاصلة شكلية في الشعر العربي، وباستثناء الحديث عن أنه كان من أوائل من حاول أن يكتب القصيدة الطويلة (وهذان الاستثناءان يعودان إلى بواكير الكتابة الشعرية عند البريكان) لا نجد نص البريكان يتقاطع أو يتمفصل مع الهموم الفنية للشعر العراقي (الهموم الشكلية والثيمية على حد سواء)"(93) إننا نتفق مع ما قاله حيدر سعيد هنا. فقد كان شعر البريكان خارج السياق، يعيش عزلته الخاصة، ويحقق تطوره الذاتي الخاص، ولا يدخل في جدل مباشر مع الشعر العراقي. كان كحارس الفنار يرى ما يحدث ولا يشارك مشاركة فعلية فيه. وهذا ما جعله يفقد أي تأثير محتمل له في حركة الشعر وتطوره، حتى كاد يكون صوتا ضائعا في برية. غير أن سعيد رأى أن قصيدة "حارس الفنار« المنشورة عام 1970 هي "النص الحقيقي للبريكان" وهي "النص المركزي في تجربته الشعرية" ووجد فيها "نصا عدميا" وقال "لم يظهر نص عدمي بالمعنى الدقيق والواضح والمكتمل، قبل نص البريكان« هذا.(94) وفي ظننا أن سعيد لم يتذكر قصيدة البياتي "مسافر بلا حقائب" حين كتب هذا الكلام، والا لكان أعاد النظر فيه. وهكذا لم تخدم البريكان استراتيجية النشر التي تبناها. فقد أخطأ حين انطوى على شعره وجعل منه سرا من الأسرار لفرط حرصه عليه وخوفه من تطفل الآخرين على ما يظن أنه من إنجازاته، وخاصة بعد أن أصبح زملاؤه يتطلعون إلى الشعر العالمي ويفيدون من تجاربه بدلا من أن يأخذ بعضهم من بعض. فهو شاعر مختلف عن مجايليه بثيمات قصائده، وبلغته الدقيقة التي سرعان ما تطهرت من تهاويل اللغة الرومانسية وميوعتها العاطفية، وكان سيتميز بين الجميع ويكون له صوته الخاص المتفرد والمؤثر لو أنه اقتحم المشهد الشعري في حينه وتفاعل معه ليثبت وجوده فيه ويأخذ المكان الذي يستحقه. ولكنه فعل ما كان يفعله الحرفيون القدامى في الحفاظ على "أسرار المهنة" فخسر حتى إمكانية تخريج صناع جدد على يديه. نعم، لقد أخطأ. فالإنجاز الشعري ليس مجرد فكرة جديدة، أو خاطرة نادرة، أو بدعة تقنية، بحيث نخسرها اذا ما اختطفت منا، بل هو كتابة قصيدة ناضجة مكتملة في موضوعها وتقنيتها وشروطها الإبداعية، تتميز عن غيرها من القصائد ان لم تبزها. فقد يكتب شاعران في ثيمة واحدة، أو تقنية متشابهة، مصادفة أو تأثرا، ولكن الشاعر المبدع الماهر هو الذي ينجح أكثر من الآخر في كتابة قصيدته بموضوعها وتقنيتها. فما هم أن تكون ثمة "استيحاءات" في قصيدة للسياب من قصيدة للبريكان، اذا كانت قصيدة البريكان أنضج وأكثر توفرا على الشرط الإبداعي من قصيدة السياب ؟ ان لكل شاعر شخصيته الشعرية الخاصة ومهاراته وابتكاراته الفنية، والشاعر المبدع بحق هو الذي يشق طريقه المستقل ويدع الآخرين يتلفتون اليه والى شعره حتى لو كانوا من اللصوص. وها هي نتيجة هواجس البريكان وتحفظه على شعره ماثلة أمامنا. فهذا الشعر لم يلعب أي دور مؤثر في الحركة الشعرية، ولم ينشر الا أقله، أما البقية فقد ضاعت، أو هي في حكم الضائعة، وخاصة اذا كانت قد وقعت في أيدي اللصوص المجرمين الذين قتلوه غيلة في ليل !
الهوامش: (1) لم نجد سوى ثلاث إشارات عربية إلى البريكان، أهمها للدكتورة سلمى الخضراء الجيوسي. وقد جاءت هذه الإشارة في كتابها: "الشعر العربي الحديث" وهو أنطلوجيا صدرت باللغة الإنجليزية، وتضمنت قصيدتين من قصائده هما: "حكاية التمثال من آشور" و "إنسان المدينة الحجرية"، مع مقدمة تعريفية تعريفية قصيرة به. ومما جاء في هذه المقدمة قول الجيوسي ان البريكان "شاعر ذو أصالة عظيمة ونظرة كونية، نادرا ما ينشر نتاجه، وليس له مجموعة مطبوعة معروفة، وهذا مما حرم العالم الأدبي من ثيماته المتعددة، ومن نبرته ونظرته ومقاربته المتميزة المختلفة والتي كان يمكن أن تكون ذات فائدة عظيمة للجيل الطالع من الشعراء في العالم العربي". غير أن الجيوسي ذكرت أنه من مواليد 1934 والصحيح أنه من مواليد 1931. راجع كتابها: Modern Arabic Poetry، An Anthology Edited by Salma Khadra Jayyusi | |||||