|
|||||
|
ان أزمة الابداع الشعري مرتبطة على نحو جدلي بأزمة الواقع العربي المعاصر، فالشاعر الحقيقي لا يمكن أن يكون منفصلا عن الواقع لأنه حتى في حلمه الخاص الذي ليس له مثال في الواقع، بل يقتصر على بنيته المنطقية الداخلية النابع من تفاعلات القصيدة وتطوراتها الذاتية، يكون جزءا من الواقع، ومتفاعلا معه.
اختار د. صلاح فضل نموذجا أدبيا أجرى عليه اختبارا تطبيقيا متخيلا باخضاعه لما اعتبره اهم المناهج النقدية المعاصرة لكي يصل الى ما بينها من تمايز. وتداخل ولكي يلمس فاعلية كل منها في الكشف عن الخواص المميزة فنيا للنص المختار، وقدرتها على اختراق عالمه، وفهم كيفية أدائه لوظيفته الاساسية. وأهم الاتجاهات المنهجية في نقد الشعر هي الاتجاه الاجتماعي والنفسي والبنيوي (من وجهة نظر الناقد). ويذهب صلاح فضل الى أننا في العالم العربي عندما أخذنا في التعرف على هذه الاتجاهات، وخضع بعضنا لتأثيرها فقدت لدينا أهم سمتين لها، وهما تجذرها في الواقع الحضاري المباشر، استجابة لتطوره الداخلي ومعطيات ذاكرته التاريخية، كما فقدنا عنصر التعاقب في خط زمني مستقيم، فعلقت أشاجها بنا دفعة واحدة وتحولت من مذاهب تعتمد على مرتكزات فلسفية متكاملة، ومبادئ نظرية متناسبة الى بعض الاختراقات الفردية والنزعات المحدودة الأثر، وعملت كلها متزامنة على اعادة ترتيب مجالنا الادبي وتوجيه انتاجه. وهذه الاشارة من الناقد تلقي الضوء على بعض خصائص المجال النقدي في العالم العربي من حيث اختلاط المفاهيم وتداخلها، وتفاعل الاتجاهات التي تبدو متنافية. ويبدأ الناقد تجربته بتناول المنهج الاجتماعي من وجهة نظر افتراضية لأول مقطوعة شعرية غزلية في الشوقيات مطلعها الشهير: خدعوها بقولهم حسناء والغواني يغرهن الثناء فالمنهج الاجتماعي في افتراض الناقد يبحث عن بيانات تاريخية محددة تتعلق بظروف كتابة القصيدة وبموضوعاتها. وتدل هذه البيانات "الخارجية« على ان شوقي كتب هذه المقطوعة كجزء من قصيدة مدحية لم تنشر، فهي مقطوعة قائمة بذاتها ليست من نوع الغزل الذي يسبق المديح، هي أبيات حب وتشبيب، ونفحة باريسية يكاد يفوح شذاها، وتدل بيانات تاريخية أخرى على ان هذه المقطوعة لم تكن مجرد نفحة باريسية بل كانت أيضا من آثار المرحلة المتنبية (نسبة الى المتنبي) عند شوقي فولاء هذه المقطوعة الشعرية لم يكن للأدب الفرنسي وان كتبت هناك وانما هي محاكاة عصرية لغزليات المتنبي التي لا تعبر عن حب حقيقي ولا وجد بالمرأة وذهول في عشقها بقدر ما كانت مراسا شعريا قويا يدل على افتتانه بالجمال وقدرته على تجسيد مظاهره. ودون أن يذكر الناقد كلمة "النكاس" أو كلمة "نموذج" وهما السمتان المميزتان للمنهج الواقعي في العرف الشائع فانه يستعملهما في تحليله التطبيقي. ففتنة شوقي في اطار البيانات التاريخية المحددة كانت بنموذج الحياة الفرنسية التي تتمتع فيها المرأة بحرية العلاقات، وهي الحقيقة البادهة التي كانت تفجأ الشرقي عند وقوعه في الغرب وارتطامه بواقعه. وسيرى المنهج الواقعي المزعوم أن النص يرسم لنا صورة (أي يعكس صوره) تنتمي الى نمط الحياة الفرنسية في نهاية القرن الماضي، وربما كانت تمثل نموذجا تتطلع اليه الطبقات الارستقراطية المصرية المولعة بتقليد الحياة الفرنسية واحتذائها بل والتحدث بلغتها في معظم الاحيان. وستكون الصورة المرآوية لنموذج المرأة الفرنسية عند النقد الاجتماعي هي أساس ما يقوم به هذا المنهج من تقديم جمل نثرية شارحة لأبيات القصيدة وتقوم مقامها. فهذا هو مضمون القصيدة. وينطوي هذا المضمون على صورة فتاة تغشى المجتمعات وتلتقط كلمات الغزل والثناء برشاقة، وتشتبك مع بعض مرسليها في مودة تخضع لترتيب منتظم، وتنتهي الى لون من الهوى المحكوم بالعفة; إذعانا لقيم الشرف والفضيلة، ولكن هذا الهوى لا يلبث أن يجمح وينقلب، فالفتاة حسناء، والمجتمع مفتوح، والإغراء متصل، فيصيبها الغرور وتتعدد علاقاتها، فتتجاهل صاحبها الاول، فيغضب برقة باريسية عليها ويتهمها بأنها هي المخدوعة في وسط يتناول تهم الخديعة والتآمر على المستوى السياسي والعلاقات الشخصية وينكر عليها حسنها، فهي مجرد غانية مغرورة في مغامرة عابرة، ويصل صلاح فضل الى أن المنهج الاجتماعي (أو الواقعي أو التاريخي) يتعرف على موضوع النص بهذا الفهم المضموني (لماذا ينبغي ان يفعل ذلك؟) فهو منهج معني باضاءة بعض ما يشير اليه النص في الواقع التاريخي للبيئتين اللتين كان يتحرك بينهما الشاعر في شبابه ولنمط العلاقات الماثلة بين أطرافها القائم على اقتناص اللذة ومداراة الآخرين وخداعهم، وادعاء الطهر خضوعا للقيم السائدة دون صدق أو اخلاص فالشعر عند هذا المنهج له وظيفة معرفية اساسية (لماذا لا علاقة لها بالوظيفة الجمالية؟) فكل ما سبق يمكن أن يربطه بأخلاقيات الطبقة التي يعبر عنها، وبعد ذلك يصل التحليل الى ادراك طرف من رؤية تلك الطبقة للحياة، فالمقطوعة الشعرية شهادة على عصرها ونوع الحب فيه. فهذا المنهج (ربما كان ذلك منهج علم الاجتماع الأدبي لا النقد) يقف عند البحث عن أبنية الوعي. وحين يتساءل صلاح فضل هل استطاع هذا المنهج الاجتماعي أن يلج بنا عالم مقطوعة شوقي (ذات الغنائية الفذة الآسرة)، أي عالمها الشعري الخاص، تكون اجابته الضمنية هي النفي(1) فقد حدد صلاح فضل اقامة المنهج وفقأ عينه وقطع لسانه. ان صلاح فضل هو مؤلف كتاب عن الواقعية يعد من أهم الكتب عنها، وهو كتاب نظري في مجمله ولكن الناقد في التطبيق المفترض للمنهج يراه مختزلا في تصورات من خارج الشعر عن المجتمع والطبقة وأبنية الوعي. وحينما نظر بعيني ذلك المنهج المتخيل الى قصيدة شوقي لم ير فيها شيئا ينتسب الى خصوصية الشعر الى شكله ولغته وموسيقاه. وكان الشكل في الشعر يقع خارج اهتمام المنهج الاجتماعي الذي يقدم استمارة بيانات ومعلومات، وقد حكم الناقد على المنهج الاجتماعي بعجزه الكامل عن ابراز الخواص المميزة فنيا للنص المختار وكأن المنهج الاجتماعي لا يرى في النص الشعري شعرا فهو وثيقة اجتماعية فكرية تنتمي الى مصلحة الاحصاء، ويقف دورها عند الشهادة على العصر، استبيان حاله ويعرف الناقد جيدا أن الشكل من أهم العناصر الاجتماعية الحقيقية في الأدب وفي الشعر خاصة وأنه ليس جوهرا جماليا ثابتا لا يبالي بالتغيرات التاريخية. لقد صنع الناقد نموذجا من القش، شديد الضعف للمنهج الاجتماعي. ولكن في نفس العدد من "فصول" الذي ناقش فيه الدكتور صلاح فضل تطبيقات ثلاثة مناهج نقدية، يدير ندوة عن أزمة الابداع الشعري وتحديات العصر فيرى مثل دعاة المنهج الاجتماعي ان أزمة الابداع الشعري مرتبطة على نحو جدلي بأزمة الواقع العربي المعاصر(ص234). ويرفض صلاح فضل أن يكون الشعر العربي في تتبعه للحياة العربية وتمثله لها خلال العقود القريبة الماضية مجرد عاكس سلبي للواقع الخارجي بل يرى أن الشاعر كان على الدوام وما يزال نصف نبي. فالشعراء، وان لم يكونوا أنبياء، فانهم متنبئون لهم دورهم المستمر في تشكيل الواقع، وبلورة آماله والتبشير بها (ص235) ويقترب صلاح فضل من لوسيان جولدمان عندما يؤكد ان الأدباء والفنانين هم الأفراد الذين يملكون من الحدس والبصيرة ما يجعلهم خير مجسد للضمير الجماعي، فتدرك الجماعة ذاتها على أيديهم حين يصير ما كان مبهما في ضميرها مجسدا في رؤية فردية مبدعة، وبذلك تكون رؤية العالم من هذه الوجهة فردية وجماعية معا (ص240). فالشاعر الحقيقي لا يمكن أن يكون منفصلا عن الواقع لأنه حتى في حلمه الخاص الذي ليس له مثال في الواقع بل يقتصر على بنيته المنطقية الداخلية النابعة من تفاعلات القصيدة وتطوراتها الذاتية، يكون جزءا من الواقع، ومتفاعلا معه. وننتقل مع صلاح فضل الى تناوله للمنهج النفسي تناولا افتراضيا في قراءة مقطوعة شوقي، وعنده أن ذلك التحليل سينطلق من تحديد أولي لمركز الثقل في القصيدة، على اساس انه احساس الشاعر المتضخم بذاته ونرجسيته المحو رة أو المعو ضة المنقولة واستطالة مرحلة المرآة الطفولية لديه. فالشاعر يتلبس بحالة عمر بن أبي ربيعة عندما يصبح هو المطلوب، فالشاعر هو خالق الجمال بثنائه واطرائه والحسناء التي تميل عن الشاعر تتنكر لرب نعمتها وتكسر بغرورها زهوه ونرجسيته المركزة في شعره. فهو لا يغفر لها أن تتناسى اسمه وشهرته. فسحر الكلمة هو الذي يلعب في منظومة الحب دورا رئيسيا. فالشاعر يقدم نفسه بوصفه المعشوق لا العاشق لا باعتباره فردا أو ذاتا وانما بانتمائه الى فئة الشعراء فهم الناس وليس الآخرون بشرا. وتلك ذروة النرجسية الشعرية في اختزال الآخرين، مرحلة التحديق في مرآة الشعر المطولة للاحساس بالذات. وهل ينجح هذا المنظور النفسي مهما بدت طلاوته في الكشف عن شعرية المقطوعة؟ ويجيب الناقد: قد ندرك نرجسية الشاعر واسقاطاته ودورها في انتاج شعره، ولكن ذلك لن يكون العامل الفعال في قراءتنا له بشكل يفسر طبيعة تاثيره في نفوسنا كما انه لن يصبح السبب الحاسم في تحديد قيمته الفنية. ولا يقف المنهج النفسي بطبيعة الحال عند تحليل الحياة الداخلية للشاعر مثلما لا يقف المنهج الاجتماعي عند تحليل الأبنية الطبقية والايديولوجية الخارجية ولكن الفكرة الشائعة لدى الناقد الكبير اختزالية فيما يتعلق بالمناهج عموما. ففي نفس العدد من مجلة فصول الذي يضم مقالة صلاح فضل التي نعرضها نجد دراسة مطولة لشاكر عبدالحميد عن ديوان محمد عفيفي مطر "انت واحدها وهي أعضاؤك انتثرت" تتبع المنهج النفسي. وهي دراسة تركز على الصور الشعرية ورمزيتها، والعلاقات الداخلية بينها، وما من سور في هذا المنهج بين الخبرة النفسية والصراع الاجتماعي والتشكيل اللغوي (ص160- 188). ولم يكن احتفاء شاكر عبدالحميد بتفسير الاحلام والتحليل النفسي للعناصر الاولية مثل الماء والنار وأساطير الموت والانبعاث مقصورا على ذات الشاعر بل كان منصبا في معظمه على نص القصيدة وألفاظها بل وحروفها. أما عند تناول المنهج البنيوي فلا يخفي صلاح فضل تعاطفه معه، وابراز خصبه في التوجه الى ما يراه حاسما في النص، أي أبنية الدلالة فيه ولكنه في كتابته عموما يفهم هذا المنهج فهما خاصا به. انه يقول حينا ان انتاج الدلالة في الشعر يقوم على الصراع بين البنية القصصية والغنائية، وعلى اعتبار أن البنية القصصية تعتمد على المحور السياقي (الكنائي) وأن البنية الغنائية تعتمد على المحور الاستبدالي (الاشعاري) والصراع عنده لا يشير الى غلبة أي محور.(2) وهو في فقرة أخرى من دراسته عن انتاج الدلالة في شعر أمل دنقل يتساءل "هل يمكننا أن نقول ان ما وصل اليه العالم اللغوي الكبير "رومان ياكوبسون من ان وظيفة الشعر هي "عرض" مبدأ تكافؤ المستوى الاستبدالي مع المستوى السياقي يفسر بنية هذا الشعر؟ ويعني انه كلما تحقق في مستوى السياق الدرامي اكبر قدر من التكثيف المجازي والاستبدالي في الموسيقى والصور والمصاحبات اللغوية، وكلما تحقق في هذا المستوى الاستبدالي من روح التنامي والتكامل السياقي بفضل المفاعلات الدرامية ما يكاد يجعله ينبسط في بنية سطحية، كلما تعانق هذان المحوران واشتمل أحدهما على بعض خصائص الآخر وتحققت قيمته في ظله تحقق أكبر قدر من الشاعرية والفاعلية الوظيفية في الشعر.(3) ونرى الناقد في مقال "نص شعري وثلاثة مناهج نقدية" الذي نعرضه، يقول انه بالبحث عن احتدام للتوتر بين نموذج البنيتين القصصية والغنائية، فانه يعثر على سيادة التعبير المباشر الذي يكاد يخلو من أي أثر للمجاز والتصوير، وغلبة الاسلوب القصصي في مقطوعة شوقي. ومع ذلك يصل الى أنها تمثل صورة شعرية كلية، يتم التقاطها بحيث تقوم فيها وحدات القص بوظيفة المجاز في تكوين البناء الخيالي للصورة الشعرية وضمان تأثيرها الجمالي. أي أن الصراع بين المحورين الرئيسيين المستوى الاستبدالي (الاستعاري) والمستوى التجاوري (الكنائي) . (الغنائي والقصصي) هو مجرد اختلاف يمكن تجاوزه بحيث يعبر المحور القصصي في كليته عن استعارة غنائية. أي لن نجد عند صلاح فضل ما نجده عند ياكوبسون من تمييز حاد بين المحورين. وحينما نقارن بين قراءة صلاح فضل لفكرة ياكوبسون وقراءة شكري عياد لها، نجد أن شكري عياد يذهب الى أن ياكوبسون حاول أن يضع قانونا عاما للغة الشعرية بأن قال ان هذه اللغة تتميز بسقوط المحور الرأسي على المحور الأفقي. ويرى شكري عياد انه لا جديد في عبارة ياكوبسون المشهورة الا البراعة في الحبك ووصلها بفكرة سوسير عن المحور الافقي والمحور الرأسي. فسوسير يقول ان هناك طريقتين متكاملتين غير متعارضتين للتحليل اللغوي عموما (لا لتحليل النصوص الشعرية على وجه الخصوص): احداهما أفقية غايتها معرفة ارتباط بعض الكلمات ببعض، والأخرى رأسية وغايتها معرفة علاقة الكلمة المذكورة في النص بالكلمات التي من واديها أي تماثلها (والتي لم تذكر في النص) أما لأن الاشتقاق يربط بينها وأما لتقارب في المعنى عن طريق الترادف أو العموم او الخصوص أو نحوها. فزاد ياكوبسون على ذلك أن أساس العلاقة الأفقية هو المجاورة وأساس العلاقة الرأسية هو التناظر او التشابه أو التضاد. فسقوط المحور الرأسي على المحور الأفقي معناه أن تصبح العلاقة في النص المقروء (لأننا بطبيعة الحال نقرؤه بطريقة أفقية) علاقة تشابه وتضاد بجانب كونها علاقة تجاور. ويصل شكري عياد من ذلك الى أن هذا القانون العام للغة الشعرية لم يزد على أن كرر شيئا معروفا ومفصلا عند البلاغيين والنقاد العرب القدامى، وهل الجناس والطباق والمقابلة ومراعاة النظير والتكرار ورد العجز الى الصدر... الخ الا أمثلة قليلة لما أورده البلاغيون العرب من صور التشابه والتضاد في العبارة. فان كان لياكوبسون فضل ادخال هذه الصور تحت قانون عام فان اعتبار هذا القانون مميزا للغة الشعرية يبدو (عند شكري عياد) غير مقبول والا لوجب أن يكون القاضي الفاضل أشعر من شكسبير.(4) ونعود الى صلاح فضل وبحثه في القصيدة عن البنية الدالة من مدخل الثنائية (التعارض الثنائي الاثير لدى البنيوية) القائمة بين مجموعتين من الحقول الدلالية وتكرارهما. ويشمل الحقل الأول مفردات الخداع والغرور والتناسي والتجاهل ويعد الجامع المشترك فيه الاختلاف بين المظهر والحقيقة، بينما يضم الحقل الثاني جملة أخرى من المفردات مثل النظرة والابتسام والسلام والكلام والموعد واللقاء... الخ، والجامع المشترك بينها اتفاق المظهر والحقيقة. والتضاد بين الحقلين يلخص التضاد بين الزيف والصدق وعالم الزيف هو عالم الآخرين بينما عالم الصدق هو دنيا الشاعر. أما هي فقد كانت تقع في عالم الصدق مع الشاعر حتى فتنت وخضعت للغواية فسقطت في جحيم الآخرين، وبقي شوقي وحده في جنة الشعراء. وقد تختلف قراءة أخرى فاحصة لمقطوعة شوقي لا ترى فيها ثنائية المظهر والحقيقة، بل ثنائية الحب العفيف الدائم والعلاقات السريعة السطحية. ان كلمة "خدعوها" في أول بيت لا تشير الى معاني الكذب والمخاتلة لأن المحبوبة جميلة بالفعل، وطبيعتها كطبيعة الغواني تدفعها الى الارتياح للثناء، فكلمة تغرهن أيضا مثل كلمة خدعوها في غير موضعها، ترى هل كان العاشق العفيف لا "يقول" لها انها حسناء ولا يقدم لها أي "ثناء"؟. ان تناسيها له ناجم عن كثرة المغرمين، والاشياء التي كانت بين الشاعر والحسناء خاضعة لرقابة العفاف، ولكن ذلك العفاف يرجع الى الشاعر فهي التي تنازعه ثوبه، وهو عصى الثوب. وما تلبث وهي راغبة فيه الى حد منازعته الثوب ان يمتدح أخلاق الشعراء لانهم ينأون عن الحرام، وتدعوهم الى مواصلة الإعراض عن اغراء "العذارى" لهم. فأولئك "العذارى" اللواتي حسب اللفظة لم يمسسهن إنس ولا جان هن اللواتي، تهفو قلوبهن الى تجريد الشاعر من هؤلاء الشعراء من ثيابه لأن قلوبهن هواء، ثم بعد ذلك تتوجه العذراء الى الشعراء جماعة بأن يتقوا الله في قلوب العذارى. وقد تكون المقطوعة ركيكة تعجز عن بناء مشهد متماسك ي قرأ على خلفيته ، فالحسناء مقبلة متلهفة بلا ارادة فإذا صدت لجأت الى استدعاء تقوى الله لتحيط بالشعراء الذين لا تنقصهم تلك التقوى ثم ترضى لتجاهل العاشق العفيف. فالسرد القصصي مبتور متناثر مفكك. ولا تشير كلمات النص الى طبقة أو مجتمع مفتوح أو مغلق فهي كلها ترجع الى معجم الغزل التقليدي من امرؤ القيس الى عمر بن أبي ربيعة. ولا نعرف شيئا عن تلك الحسناء أهي عاملة في مصنع تلهو أيام الآحاد أم سكرتيرة في مكتب، ولعل كلمة "العذارى« تبعد القارئ عن فكرة المجتمع المفتوح متعدد الاغراءات. فنحن هنا أمام ثنائية تعجز عن ان تكون ثنائية حقيقية بين التشابه والاختلاف ويعجز المنهج "المضموني" المحنط عن أن يجد فيها شيئا يرشده الى طرق الحياة او الطبقة او أبنية الوعي كما يعجز المنهج النفسي المزعوم عن أن يجد في ركاكتها ذاتا تمتلك وجودا داخليا يقبل التحليل. وتتعثر محاولة المنهج البنيوي في أن يجد وسط تضميناتها السطحية من التراكيب الغزلية المتناثرة ثنائية دالة. فثنائية التقوى/ المعصية التقليدية التي قد تهبط الى اخلاقية مركوزة في طبيعة الرجل الشاعر، ودنس مركوز في المرأة لا يستطيع جناحاها أن يحملا صور القصيدة، ولا يتحسر الشاعر على فقدان هذه الحسناء وحبها. ولن نجد تجليات مقنعة لثنائية الحقيقة/ الزيف. فلا نستطيع ان نجد تجربة حب متكاملة في لغة القصيدة، فالشاعر يقف عند وصف الحبيبة بأنها غانية ككل الغانيات يغرها الثناء السطحي المقتصر على القول بأنها حسناء، وهي ضعيفة الذاكرة مختلة الحكم لا تميز بين المعجبين، سهلة التخلي عن العفة وتظل مع ذلك عذراء، فما هي الحقيقة في ذلك الحب، إن الشاعر يقدمها (الحسناء) في صورة تنطبق بنص تعميمات القصيدة على كل أمثالها، وكان من الممكن أن يقع هو أيضا في غرام كثرة من الأسماء الانثوية التي لا تختلف عنها في شيء فعلاقته بها علاقة زائفة لا حقيقة فيها إلا إذا اعتبرنا "الحقيقة" هي عفافه الجاهز العصي على الاغواء، حتى دون أن يهم بها.. ولو كان الأمر يتعلق "بحقيقة الحب" لذكر النص أي محاولة من جانب الشاعر العاشق التقي النقي الذي يحجم عن الوقوع في المعصية للارتباط المستمر بالمعشوقة كما تؤكد شفرة تقوى الله في القصيدة. ولكن لا شيء من ذلك، وما من ايماء الى أي شيء عن "حقيقة« أنهما كانا يتهاديان من الهوى ما يشاءان، انه هوى يمارس بالملابس الرسمية وهذا هو كل ما يشاءان، دون مستقبل "حقيقي". وسنعجز أيضا عن أن ننتقل من هذا المستوى القصصي المجزأ المبتور الى صورة شعرية كلية فالحكمة الشائعة التعميمية عن الغواني والعذارى بكل سطحيتها، وكذلك عن الفراق الذي قد يكون فيه دواء او قد يكون فيه الداء هي قول جاهز سابق للتجربة القصصية في القصيدة وينطبق على ما يأتي بعدهما، وهو قول تجريدي بلا دلالة مجازية. ونعود الى النقد البنيوي الذي يتتبع بنية التكرار الدلالي ويختبر مدى هيمنتها لا في هذه المقطوعة وحدها بل في شعر شوقي عموما. ويجتزئ الناقد من شعر شوقي أبياتا من خارج سياقها الفني جرت مجرى الحكمة السائرة هي: * وطني لو شغلت بالخلد عنه نازعتني اليه في الخلد نفسي ** وإنما الأمم الاخلاق ما بقيت فان همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا *** قف دون رأيك في الحياة مجاهدا إن الحياة عقيدة وجهاد ويرى الناقد ان هذه البنية التكرارية من أقوى ضمانات نجاح شعر شوقي جماهيريا لانها استجابة لخاصية بيانية قد تكون جوهرية في الثقافة العربية السماعية، لانها ترتكز على مبدأ جمالي يتمثل في اشباع التوقع، بالرغم من بعض المخالفة. وربما كانت عيون شعر شوقي الشهيرة ليست سوى تحقيق لهذا المبدأ مبدأ اشباع توقع المستمع مع بعض المخالفة. وتوليد لذة الشعر العربي المسيطرة على غيرها من لذائذ المفاجأة والدهشة والغواية (ص257). وهذا المبدأ الجمالي عند صلاح فضل يكاد يكون النقيض من المبدأ الجمالي الذي يؤكده الشكلانيون الروس وبعض البنيويين عن أدبية الأدب وشعرية الشعر، فالشعر عندهم ينزع الألفة عن الأشياء والافكار والتراكيب اللغوية التي أصبحت آلية في الاستخدام اليومي، وهو لذلك يضفي طزاجة على إحساسنا بالحياة والتجربة، ولا فرق عندهم بين شعر شفاهي وشعر مكتوب، ولعل صلاح فضل يقيم بذلك فاصلا بين لذة الشعر العربي التي تخضع المخالفة للتوقع (دون أن يتعرض لدلالة ذلك من أن هذا الشعر يؤكد نمطية الاستجابة وخضوعها للعرف السائد المتحجر والايديولوجية البالية المهيمنة) وبين لذة أخرى تنزع الألفة وتقوم على التغريب والادهاش. وتجديد الاحساس بالحياة خارج قوالب الادراك المفروضة (التفتح امام الحياة). فهما عنده لذتان "جماليتان«، لا يفاضل بينهما ويجعل احداهما خصيصة عربية. وفي ختام الدراسة يتساءل صلاح فضل عن مدى نجاح كل من المناهج الثلاثة في التعرف على مقطوعة شوقي التي افترض أن بها عناصر شعر يتعين التعرف عليها، واسرار تركيب وعبق تجربة حيوية وفنية. وهو لا يطرح للتساؤل توفر هذه العناصر الشعرية في تلك المقطوعة، ولا مقاييس تقييمها عند هذه المناهج المختلفة، وهذه الحيرة قد أجاب عنها التحليل المفترض عنده لتناول هذه المناهج للقصيدة، فقد ركز على ان المنهجين الاجتماعي والنفسي لا يتعرضان لخصوصية الشعر ولا للغته، أما المنهج البنيوي الذي يمتدحه (وهو منهج شديد الفائدة) فقد صمت عند التطبيق عن أن يقول شيئا عن ضآلة القيمة الفنية للمقطوعة على الرغم من عظمة مؤلفها فهي من كتابات الصبا.
الهوامش 1 - فصول مارس 1987 ص ص251- 257. 2 - صلاح فضل - انتاج الدلالة الادبية. الهيئة العامة لقصور الثقافة ديسمبر 1993، ص71. 3 - المرجع نفسه ص93. 4 - شكري عياد، موقف من البنيوية، فصول يناير 1981 ص198-199. |
|||||
|
|||||