|
|||||
|
إن شعر سيرج بي نشيد ذو نبرة تمردية أو فتيلة تشتعل على مهل، إنه شعر موصول بالمعيش، بالتجربة، وبالابتغاء، لا يخشى، وبخاصة في القصائد الأخيرة، مواجهة صفاقة البداهات اليومية والتواتر الموخز، اللامتناهي، للدلالات، رفض الأعراف المتقادمة ومعها مشهد لا يكل عن افتراس الإنسان".
-1- كثيرون هم الشعراء والروائيون والرسامون والموسيقيون والمخرجون المسرحيون والسينمائيون والمصورون الفوتوغرافيون.. الغربيون الذين وقعوا تحت تأثير العالم العربي وأغرموا بسحره وغرابته وساهموا، جر اء هذه السطوة، عن وعي أو بدونه، في اصطناع صورة نمطية فضفاضة، ذات طابع إسقاطي، لهذا العالم أمست مع توالي الأيام موئلا لحفنة من الرموز والقرائن التي تختزله وتترجم، بالتالي، حقيقته المعقدة والمتراكبة إلى مجرد مستنسخ مسكوك يعيق تمثله بكيفية موضوعية ومنصفة. وهكذا فحالما يستثار العالم العربي إلا وأرفقت هذه الاستثارة، نتيجة هذا الاصطناع، بجملة من التداعيات كالحروب الصليبية والاستبداد السياسي والانفعال الحسي بالوجود والغلظة السلوكية والعنف والخداع والخمول والحريم والشبق الجنسي.. والرموز كبلقيس وهارون الرشيد وشهريار وشهرزاد والسندباد وعلاء الدين وجحا.. كالصحراء والنخيل والجمل والبترول والعمامة والحجاب.. و الحقيقة أنها صورة مستنسخة ومسكوكة، ومن ثم فهي شائهة، تكاد تغطي على صورة أخرى، يدعمها التاريخ، لعالم عربي اقتدر خلال العصر الوسيط، أيام كانت شعوب الأرض ترسف في أغلال الظلام والهمجية والجهالة، ليس فقط على الإبانة عن فطنة نادرة في استيعاب ثمرات المعرفة الإغريقية وهضمها، بل وكذلك على إثرائها وتطويرها، أضف إلى هذا استكشاف معارف وعلوم ونظريات وفنون وإبداعات حضارية انبثقت من بين أروقة جامعات دمشق وبغداد وقرطبة وفاس والقيروان.. صورة أخرى راقية لعالم أنتج ثقافة فريدة سوف تبلغ أوجها في الأندلس، تقوم على حدود الاختلاف والتسامح.. المثابرة والمتعة، وهي الثقافة التي ما كان لها إلا أن تزوبع مخيلة شاعر إنساني متفتح كفديريكو غارسيا لوركا وتأخذ لديه حجم غصة وجودية فادحة معتبرا تفريط إسبانيا الكاثوليكية المنغلقة في ذاكرتها العربية علة اندحارها الكارثي إلى وهدة التعصب والتخلف انتهاء إلى الفاشية. مع ذلك ففي القلب من هذه الصورة قد نعثر على أوعاء وحدوس وتعاطفات أدبية، وثقافية عامة، لامست، بهذه الدرجة أو تلك، جوهر هذا العالم والتقطت ذبذبة الذهن والمتخيل العربيين وكذا الالتماعات المتوهجة في تاريخ العرب وراهنهم ستبلغ من انذهالها بالعروبة حد استرفاد نصوص ووقائع ورموز عربية ولنا أن نلمع في هذا الصدد، على سبيل التمثيل لا الحصر، إلى اتكاء دانتي أليغيري السافر، في ابتناء رائعته "الكوميديا الإلهية"، على قصة الإسراء والمعراج الإسلامية اتكاءه على نص "رسالة الغفران" لأبي العلاء المعري ونص "التوابع والزوابع" لابن شهيد الأندلسي.. تكثيف شكسبير لخصال النبل والشهامة البطولية والتفاني في العشق، العربي، في شخصيته التراجيدية الاستثنائية عطيل.. استثمار كل من بوشكين وليرمينتوف لرمزية القرآن والسيرة النبوية والصحراء والنخيل في العديد من قصائدهما.. بصمات المشرق العربي في عمل غوته الشهير "الديوان الشرقي للشاعر الغربي".. الترميزات والمكنيات العربية التي يحبل بها شعر جيرار دي نرفال.. افتتان أراغون بالموسيقى الأندلسية على شاكلة ما يجسمه ديوان "عيون إلزا".. الت ماس الفاتن بين بلاغة اليابسة العربية وبلاغة حوض مائي تليد كالبحر الأبيض المتوسط على الغرار مما يرشح به شعر كفافي.. متاهية الصحراء وانطواؤها الخرافي المذهل على حد ي الخواء/ الامتلاء، الحنو / الشراسة، في شعر أونغاريتي.. التأثير البين لأعمال الفيلسوف ابن رشد وحكايات "ألف ليلة وليلة" على كتابات بورخيس.. موالاة خوصي آنخيل بالنطي الشعرية والروحية لتجربة ابن عربي الصوفية.. احتفاء بارت بتسامي الوله العربي وبعفته وتجرده الصوفي في مؤلفه الشائق "مقاطع من خطاب عاشق".. استلهام خوان غويتيصولو (المقيم في مدينة مراكش المغربية) للموروث الأدبي والفكري العربي في إسبانيا وتضمينه في الكثير من رواياته ومقالاته.. حضور الأضواء والألوان الحارة في لوحات دي لاكروا وماتيس التي استلهمت الحياة والموضوعات العربية.. سيمفونية كورساكوف الباذخة "شهرزاد".. الإيغال الشاعري الثاقب في مأساوية المصير الفلسطيني على نحو ما فعله جينيه وهو يصف مذبحة صبرا وشاتيلا التي ذهب ضحيتها العديد من الفلسطينيين في نصه العميق "أربع ساعات في شاتيلا".. المقاربة التآزرية لفكرة العروبة عند مطلع القرن العشرين في فيلم دافيد لين المتحف "لورنس العرب".. ارتفاع المخرج مايكل كورتيس بالمدينة العربية إلى مرتبة المكان الميثولوجي المتعذر في فيلمه الذائع الصيت "كازابلانكا«.. إلى، أخيرا وليس بآخر، بهاء المشاهد وفتنة اللقطات في صور جيمس فالنتين الفوتوغرافية التي تتغور ما هو عميق ولامرئي في جسد العالم العربي وروحه، ناهينا عن بعض الكتابات المستنيرة والنزيهة لمستشرقين ألمان وفرنسيين وإسبان وإيطاليين وروس.. من أمثال بروكلمان، شيمل، بلاشير، بيرك، بروفنصال، بالاسيوس، نيللينو، كراتشوفسكي.. تندرج في تراث عريض وحافل ائتلف في نطاقه باحثون ودول واستراتيجيات ومصالح سوف يجري ضمنه تمث ل ما ينعت بالعالم العربي بشكل مغرض في الأغلب الأعم، إما وفقا لمسبقات تاريخية وثقافية أو انسجاما مع انتظارات وحاجات ترتبها الدوائر السياسية والكنسية والعسكرية والاقتصادية. مع انفجار الثورة الإعلامية سيغدو حقل تعهد ما اعتبرناه صورة جاهزة للعالم العربي ومفاقمتها، اطرادا مع استفحال الجهل به وتنامي العقيدة الهيمنية والاكتساحية للغرب في آن معا، بدلا من المحافل الجامعية والأكاديمية ومنتديات الكتاب والفنانين، هو الصحافة المكتوبة والمسموعة والمرئية، أشرطة السينما والفيديو التي تخاطب قطاعات واسعة وهجينة من الناس تعوزها القدرة على تمييز الصحيح من الزائف في صورة يشاء لها أن تتأبد كعنوان للعروبة في عالم تعرف جغرافياته وأممه تحولات وتفاعلات تؤول من حيث مقدماتها وغاياتها إلى مخاض كوني جارف يعتصر ما يسميه الباحث الاقتصادي المصري سمير أمين محيطا كونيا مقابلا للمركز الغربي. بمعنى أن المشهد حاليا في العالم العربي، شأنه شأن بقاع أخرى على وجه البسيطة، تتنفذ فيه عناصر من صميم الراهن التاريخي والمجتمعي لا تلك النفحة الماضوية المستلذة لغرائبيتها، وتمور في أحشائه تجاذبات الديمقراطية والرأي الواحد، تقاطبات الحداثة والتقليد، اصطراعات الن خب والشعوب، مثلما تؤثثه معضلات أخرى كبرى من قبيل طفيلية الرأسمال واتساع الفروقات الطبقية وأسقأمالانفصأمالهوياتي والاستلاب وضروب من الاعتناف المادي والرمزي.. لقد أمسى العالم في العقود الأخيرة، وبخاصة مع استشراء عقيدة العولمة، محض قرية كونية متضائلة، ومن ثم فما قد يغشى امرءا يحيا في بحبوحة من العيش في ضاحية بيفرلي هيلز المخملية قد يلم بخاطر صياد بدائي في أحراش السافانا الإفريقية، وما قد يقلق إنسانا في شنغاي قد يؤرق آخر في برلين.. قبل سنوات خلت سيجد شاعر عربي كبير، كبدر شاكر السياب(1)، نفسه مسوقا، بإرغام من حساسيته الإنسانية اللامشروطة، إلى ذم الكارثة الذرية التي حلت بهيروشيما، تماما كما سيلفي شاعر زنجي متألق، كإيمي سيزير، نفسه منقادا، ضدا على إيذاء البيض لبني جلدته وتدميرهم الممنهج لثقافتهم، إلى ذم السياسة الاستغلالية للشغيلة البيضاء في أوروبا الرأسمالية، المتمدنة، مم ا يمكن احتسابه فائض انفتاح، يسوغه جوهر الشعر ووظيفته، على الكينونة الإنسانية في أي ما نقطة في الأركان الأربعة للأرض ورعاية حضورها الذي هي حقيقة به ككينونة حرة، كريمة، وممتلئة، أو لنقل على الآخر بالمقاس الذي تفصله عليه الفلسفة، أي كقيمة مطلقة تتعالى على الجغرافيات والتواريخ الشيء الذي يسنح للشعر بالتصالح مع طبيعته الكوسموبوليتية المتأصلة، لا تعاطفا عارضا تمليه اعتبارات العرق أو الدين أو الجوار.. على نحو ما أبداه اللورد بايرون وهو ينضوي شعريا، وفعليا أيضا، إلى صف اليونانيين في أثناء حربهم التحريرية ضد الهيمنة العثمانية، أو لم يقل هيغل إن الشعر فن كوني، إن من حيث نشأته أو على صعيد موضوعاته وأسئلته ؟ و إذن فما من عجب في أن يمتلك سيرج بي، باعتباره شاعرا نابها ومنفتحا، وذا قلق سياسي منتج وخلاق أو بالنظر إلى ذاكرته التراجيدية وتجربة اقتلاعه القسري من تربته الإسبانية والتطويح به في أرض أخرى هي فرنسا، أهلية الانتماء كيانيا ورؤياويا إلى هذا الأفق المتراحب الذي ينهض فيه الإنسان، مطلق الإنسان، بحسبانه أس القصيدة ونسغها. على أن ما يشفع أكثر لهذه الأخلاقية المنتجة والخلاقة لرب ما كان هو ذاكرته المأساوية المثقلة بكوابيس إسبانيا أوان الحرب الأهلية ثم تجربة اقتلاعه القسري من إسبانيا التي حلم بها الفقراء والفوضويون والإنسانيون وطنا عادلا لجميع أبنائه لا فاكهة يستحوذ عليها أثرياء العقار والإقطاعيون ورجال الكنيسة وصفوة جيش فاشي حتى النخاع. إن تربيته الإيديولوجية والثقافية اليسارية، وذلك بالمعنى المستنير والإنساني لليسار، لتعطيه، وعن استحقاق، صفة الانتساب إلى شجرة شعراء يساريين، لا بالمعنى الإيديولوجي الدوغمائي وإنما بوصفهم وف قوا إلى التعبير عن انفعالات أخلاقية وروحية مناصرة للإنسان في إطلاقيته عندما يحشره التاريخ في توض عات مادية ورمزية منافية لجدارته، شعراء لم يتورعوا عن فضح آفات التسلط والاستعمار.. عن تقريف جشع الشركات المتعددة الجنسيات والتوحش الإمبريالي.. عن تصوير انحباسات المجتمعات وترهلات منظومات القيم والعلائق.. عن تأليب العقول والمشاعر على مؤسسة الدولة كجهاز تحكمي وقامع.. والانتصار، بالتالي، للثورة كدينامية تاريخية ترادف في جذريتها ونقاوتها ونبلها، بله مجازيتها، كنه الشعر ذاته، وفي هذا المساق أفليس تترجم مناوءة الوجود الإنساني لروح الشعر حقيقة المأزق الذي عاشه هولدرلين ؟ وحسبنا أن ننوه إلى بعض من أسماء هذه السلالة كالشيلي بابلو نيرودا والبيروفي سيزار فاييخو والنيكاراجوي إرنستو كاردينال والأمريكي ألان غينسبرغ والروسي فلاديمير ماياكوفسكي والإنجليزي ويستان أودن والإسباني رافائيل ألبيرتي والعراقي عبد الوهاب البياتي(2) والتركي ناظم حكمت والجنوب إفريقي برييتن برايتنباخ.. ففي منظوره أن الشعر لا يمكنه أن يلقى دلالته الصميمة إلا عند ارتهانه بالتاريخ، بما هو محفل ارتقاء الإنسان واندحاره في آن معا، بل ومطاولته وامتصاص نقمته على البشر وتنكيله المستديم بأبدانهم وأرواحهم الهشة، ف "الشعر يمتلك ثقل التاريخ، ثقل الحاضر والأمل"(3) وبتعبير آخر أشمل "يجب ألا نتصور بأن الأدب والتاريخ يقوم الواحد منهما في معزل عن الآخر [...] بل هما مجتمعان في علاقة داخلية من التعقيد والتركيب، هذه العلاقة التي تكون شرط الوجود التاريخي لشيء ما كالأدب، وهي التي تطرح، عموما، تعريف الأدب كشكل إيديولوجي"(4). بهذا المعنى فإن كل واحدة من قصائده لهي بمثابة مانيفست إبداعي يدين صنوف الاستغلال والترويع والقمع والظلم والإهانة التي قد تتعرض لها فئات من الآدميين، هنا وهناك في أرجاء العالم، وحسبنا أن نستذكر حضوره الرمزي في معمعة جل الأحداث والمنعرجات الجسيمة التي عرفها العالم خلال الثلاثين سنة الأخيرة، من جحيم سانتياغو الجنرال أوغوستو بينوشي وانجهاض حلم الشيلي الاشتراكية إلى خراب بغداد باسم عولمة الديمقراطية وتنقية الأرض من أسلحة الدمار الشامل.. لنا أن نستحضر أيضا موقفه التضامني إزاء الشعراء البولونيين المنشقين، زمن القبضة الحديدية، وفضحه، هو المحسوب على إيديولوجيا وثقافة اليسار، للفظاعات التي يا ما تجرعها الناس، خلف الستار الحديدي، باسم الإنتاجية والمساواة والتنعم بخيرات الجنة الاشتراكية ومع ضحايا الاغتيالات والإعدامات في تركيا سواء بسواء.. علينا كذلك أن نسترجع وقوفه إلى جنب قبائل الشياباس المكسيكية وجموع الفلاحين المعوزين، هناك عند سفوح جبال الأنديز، الذين تتكالب عليهم قساوة الطبيعة والفقر المدقع وفساد الأوليغارشيات المتنفذة وبالمثل مع المهاجرين المغاربيين والأفارقة والآسيويين الذين تعتصر قواهم، الخائرة أصلا، قوانين السخرة المعصرنة في المصانع الغربية وما فضل منها تستنزفه فروض التبضع والاستهلاك شبه الوثنية.. ثم ما كان من معاضدته للكاتب المسرحي التشيكي فاكلاف هافل، عشية أفول النظأمالشيوعي، ودفاعه عن الكاتب الهندي سلمان رشدي إثر صدور فتوى دينية تهدر دمه. وما من شك في أن تعميده للمجلة، التي كان قد أصدرها عام 1975، بتسمية "شغب" وسلسلة المنشورات الشعرية، التي سيطلقها عام 1918، بتسمية "قبيلة" لأمر يدل بالغ الدلالة على، من جهة، مدى تشبعه بأخلاقية رافضة لا تقبل المهادنة أو أنصاف الحلول، ومن جهة ثانية على اعتناقه لفكرة العشيرة التي تحيل على وثاقة الأواصر التي تجمع بين أفراد يسري في عروقهم نفس الدم الرمزي، هاجسهم الأول هو صيانة بقائهم ضدا على كل ضروب الإقصاء أو الإبادة ومن هنا انفطارهم على مناصرة بعضهم البعض في السراء والضراء. فهو مشاغب لا قبل له بمجاملة أنظمة وسياسات يلذ لها أن تزري بالكرامة الإنسانية وتمرغها في الوحل وكذلك عضو في قبيلة رمزية تحدد هويتها الوقائع والمجريات يحس نفسه معنيا، حتى النخاع، بترجيح ميزان قواها الذاتية والتيقظ إزاء أي مساس بمصالحها الحيوية، ولأن القبيلة تجد تماسكها وصلابتها في القلة فإن هذا ما سيجعلها تتراوح بين أسرته الضيقة التي سيلجأ إلى تمجيد عميدها، أبيه، واستعادة ذكراه في ديوان "اليد والسكين" وبين أسرته الموسعة التي يؤم سجلها العائلي شتات إخوته في الدم الرمزي الذين تتوزعهم الجغرافيات والتواريخ، السحنات والألسن، لكن يؤالف بينهم كونهم منبوذين من طرف جماع من السلط والقيم والأخلاق، إخوته مم ن يقومون مقأماصدقائه أو معارفه الفعليين ويلمحهم على مرمى بصره في فرنسا الديغولية المفطومة على فلسفة الأنوار، من عرب ويهود وأفارقة وغجر وهنود حمر.. أو يتشمم حضورهم هناك بعيدا في الأحياء الصفيحية أو أقبية المعتقلات أو غرف المستشفيات العقلية.. في بوغوتا أو إسطمبول أو كالكوتا.. من بؤساء ومناضلين ومجانين.. ذلك أن "الشاعر كان دوما مي الا إلى القلة لأنه مهووس باستقصاء الكينونة الموشومة بالانقلال"(5). إن شعر سيرج بي ليتخذ، عمقيا، إهاب "نشيد ذي نبرة تمردية أو فتيلة تشتعل على مهل [...] إنه شعر موصول بالمعيش، بالتجربة، وبالابتغاء، لا يخشى، وبخاصة في القصائد الأخيرة، مواجهة صفاقة البداهات اليومية والتواتر الموخز، اللاينتهي، للدلالات، رفض الأعراف المتقادمة ومعها مشهد لا يكل عن افتراس الإنسان"(6)، في ثناياه تتمفصل ذوات وفضاءات، توض عات وأساطير يومية، كليات وتشذرات، بشاعات ومفارقات، ولربما حق اعتبار ديوانه المبكر "دقيقة مصاح بها ملء العقيرة"(7) أحد أجلى الأمثلة على متانة اعتناق الشاعر لقضية الإنسان، مضطهدا أو مقصيا، بحيث يبلغ توثيق اليومي شعريا درجة فائقة من الأيقونية تتمظهر في استثمار سينوغرافيا بصرية متراكبة توازي بين الصورة الفوتغرافية وتقنية المفكرة، بين تشخيص أسماء فاعلة في التاريخ وتدوين أيام فارقة في مصائر ذوات لا تستنكف عن الحلم بغد أفضل لا محل فيه للعنف والتقتيل والإكراه والتعاسة وكل ما يحط من إنسانية الإنسان. في هذا الإطار إذن يندرج انفتاح الشاعر على العالم العربي وكيف لا وهذا العالم يتقاسم مع فرنسا الجوار المتوسطي وشريحة هامة من الأجانب المقيمين فيها ذات أصل عربي، زد على هذا امتلاكه لصداقات حميمية مع عدد لا يستهان به من الطلبة والمثقفين والمبدعين العرب مم ن يستقرون سيان في فرنسا أو في بلدانهم العربية، لذا سيكون طبيعيا أن يحظى هذا العالم بحيز في الرقعة العامة لمنجزه الشعري وتنكب بعض من نصوصه الشعرية على موضوعات عربية خالصة سيبين من خلالها عن حساسية جذرية بالمعضلات العربية التي تعكس ارتجاجا تاريخيا وسياسيا وثقافيا هو من صلب الفترات التحولية التي تحياها الأمم والشعوب، والحق أن هذه الحساسية تبرز المدى الذي يمكن أن يطوله شاعر من طينته في استغوار كبوات هذا العالم وأعطابه وآلامه ومفارقاته، وكذا التماعاته ومباهجه ومسراته أحيانا أخرى، وجس ، بالتالي، نبض كيان جمعي أو هوية شاملة إما توسلا بوقائع تاريخية تطبق تداعياتها المأساوية على كافة مفاصل الوجود العربي أو انطلاقا من سير وحيوات أفراد، يحملون أسماء معينة أو نكرات، لا تتوانى قصائده عن التسامي بسيرهم إلى درجة الاستعارة الكليانية، الاكتساحية. وكما أفسح سيرج بي للعالم العربي مكانا في شعره، نظير إفساحه للشعر العربي مكانا مائزا في تفكيره ومخيلته(8)، سوف يقتبل الوسط الشعري والنقدي العربي، بنفس القدر من الاهتمام والتعاطف، ليس فقط ما أفرده من قصائد للعروبة بل وسائر تجربته الكتابية الشيء الذي تبرهن عليه الترجمات العربية(9) التي كانت من نصيب بعض قصائده وحواراته وكذلك احتفاء الجمهور العربي به بمناسبة قراءاته الشعرية في صنعاء وعدن والقدس ومراكش... إننا ونحن نموضع تجربة سيرج بي الشعرية ضمن هذا الأفق المحدد لا نود أن يستنتج من هذا كونها تجربة تعلي، بدعوى الالتزام والتحريض ترصد مجريات الواقع، من شأن المضمون على حساب جمالية الكتابة وتأنيق الأسلوب، بل إن الجهد الذي يصرفه الشاعر على المستوى الشكلي، وحتى الإخراجي، يكاد لا ينقطع، إذ بقدر ما هو منشغل بطزاجة موضوعاته ونفاذها الى الوجدان القرائي نجده معتنيا، أشد الاعتناء لا بالمظهر الجمالي لقصائده، مفردات وتوليفات وإيقاعات ومجازات ورؤيات، وكفى وإنما كذلك بطرائق قراءتها وتقديمها الشيء الذي سيسهم في بلورة أسطورة سيرج بي الشخصية، التي تنصب في مفهوم أسطورة المؤلف التي طرقها رولان بارت، وهي الأسطورة التي غدت جزءا لا يتجزأ من نسيج سيرته الشعرية يتقاطع فيها الكتابي والقرائي وتصاديات مواقفه العملية من مسيرات وتظاهرات وبيانات إبداعية أو سياسية، بحيث يتعذر على أي كان الاقتراب من شعره بمعزل عن هذه الطرائق التي تمثل، كما نعلم، تجربة فريدة وجميلة في الشعرية الغربية المعاصرة، تجربة توائم بين المكتوب والمرتجل، بينه وبين الموسيقى، الرقص، وعناصر ومصاحبات أخرى سينوغرافية متنوعة كالصورة الفوتوغرافية والملصق والخربشة Graffiti.. أو لنقل إنها "..توائم بين الصوت والمادة [...بين ما هو بر اني وما هو داخلي بحيث تلتقي اللغة والطبيعة"(10) في فضائها التعبيري بما لا يدع مجالا لفرزهما عن بعضهما البعض.. وسواء ولسانه ينشد القصيدة بينما قدماه تتحرشان بمئات الحبات من الطماطم(11) أو يداه تتلاعبان تلاعبا روحيا أكثر منه حركيا بعصا أو بأنبوب كهربائي.. وهو يأخذ بزمأمارتجالاته الشعرية رفقة صديقه الراقص الصوفي المغربي عبد السلأمالراجي، تلميذ مصمم الرقصات العالمي موريس بيجار، أو يتماهى مع جذبة موسيقى الفلامنكو التي تتقطر مبحوحة بح تها الأليمة من آلات أصدقائه العازفين الإسبان، فإننا نكون حيال طقس قرائي ذي مذاق بدائي يرتجع باللحظة، فورا، ومعها القصيدة، إلى تلقائية البدايات وبكارة الحضور الإنساني في الأرض لكن من غير أن ينحجب عنا أن اللحظة والقصيدة كلتيهما لا تعتبران تزجية لهوس فانطازي ما أو تصعيدا لإعمال جمالي تغريبي بقدر ما هما غوص في اللب من مأساوية القدر الإنساني واستنهاض رمزي لما به يقوى على دفع تعسفات التاريخ وضراواته. وكيما نقايس طبيعة تمثل سيرج بي للعالم العربي ونعاين منحى شعرنته لقلقه السياسي إزاء معضلات هذا العالم ومحن أبنائه وبناته نقترح أن نباشر هذا الإجراء انطلاقا من ثلاثة أبعاد رؤياوية تقترحها ثلاث قصائد بعينها انتقيناها من متنه الشعري الشامل: النظر إلى الذات العربية في صدامها مع الآخر، الغرب تحديدا، وفي صدامها مع ذاتها الشقيقة أو التوأم، كما يجلوه الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، ثم في صدامها مع نفسها، مثلما ترشح به الحرب الأهلية الجزائرية، محاولين عبر هذا حصر تمفصلات هذا التمثل وذلك القلق ووضع اليد على ما قد تسفر عنه هذه التمفصلات من وعي شعري، لا يخلو من حافزية، تتشر به القصائد الثلاث قبل أن يتمظهر على سطحها من خلال تداعيات دلالية وقرائن استعارية ومجازية ترميزية متباينة.
-2- مجاز الغيتو أو الموت المؤنث المبني للمجهول هل في إمكاننا تخي ل صورة صافية، تمأمالصفاء، لفرنسا الأوروبية البيضاء، معافاة من أي ما شائبة عرقية ولونية ولسانية وثقافية قادمة من آفاق أخرى ؟ قريبا من هذه الصيغة سيطرح جاك لانغ، وزير الثقافة الفرنسي السابق، تساؤلا ابتغى من ورائه دحض تخمين من هذا القبيل لأن تاريخ فرنسا وموقعها وجاذبيتها على أكثر من صعيد لم ا يرجح تلك الهجنة الرائقة التي تطبعها ويكرس هويتها المنفتحة والقابلة لاستيعاب الآخر واستدخال تقاليده وأعرافه وذلك بما يثريها هي بالذات ويلقح عروقها بدماء وأنساغ طازجة. أو ليس العرب والأفارقة والآسيويون والأمريكيون اللاتينيون هم ملح فرنسا، وأوروبا بعامة، الذي يروق معه مذاقها ونكهتها ؟ ومن غير فرنسا أو لم يقل فديريكو غارسيا لوركا، في قصيدته "شاعر في نيويورك"، عن الأفرو - أمريكيين بأنهم ملح أمريكا المستطاب بل واستعارتها المدوخة في عالم إسمنتي متجبر يغتال سجايا الفطرة والتلقائية ويعقلن حتى المتعة الإنسانية ؟ و إذا كان الأمر كذلك فما من جدال في أن هذه تجريدية هذه الصورة ومثاليتها شيء أما حقيقتها المعيشة فشيء آخر، وخارج الأقانيم الناظمة لعلاقة الفرنسيين بضيوفهم الأجانب، والتي يستحكم فيها وعي جمعي ضاغط، من جهل بالآخر وميز عنصري وكراهية حسبنا أن نلوذ بالمظهر العياني الملموس لإقامة المهاجرين في أغلب المناطق الفرنسية، بحيث يقيمون في ضواحيها مكدسين في عمارات مهترئة وخانقة لا تفعل شيئا من غير مفاقمة هامشيتهم وسلبيتهم وإحباطهم وقابليتهم، بالتالي، للسلوكات العدمية التي يختزلها عنوان جامع ألا وهو الانتحار الجسدي أو المعنوي. إن حي "أمبالو" النابت في أحد أطراف تولوز ليقوم مقام مثال دال لأحياء ينحشر فيها بشر غالبا ما تنسد الآفاق في وجوههم فينقادون إلى حتفهم الإرادي متخلصين بالمرة من ألوان من الحيف والكبت واليأس تؤول، في العمق، إلى أزمة الهوية التي يعانون منها، بأثر من وضعيتهم الممزقة، وما تستتبعه من أعراض فتاكة كالانفصام والاستلاب والحنين الجارف.. وعندما تعنون القصيدة نفسها بهذا الاسم وتشخص ملامحه وقرائنه في أكثر من موقع في فضائها النصي فهي تستدرج، في الحقيقة، مكانا فعليا إلى سيرورة مجازية مكثفة يكتسب معها، حتما، صفة الاستعارة المكانية المتعالية استدراجها، أي القصيدة، لفاجعة انتحار فتاة مغاربية، شاءت المصادفة أن تكون صديقة الشاعر، إلى ذات السيرورة التي تتسامى بالضحية إلى مدار سحري، ميثولوجي، يليق بالرموز الإنسانية التي تعكس فاجعتها الفردية مأساة كتلة إنسانية عريضة. فما يلفت في "شعر سيرج بي هو أنه لا يكل عن اقتناص وقائع حقيقية، لا غبار عليها، ويموضع نصه في جغرافيا بعينها.. ولا غرو في هذا ما دام يعتبر شاعر القبيلة وحامي مضاربها"(12)، بيد أنه لا يتراخى عن الز ج بهذه العناصر في آلية القصيدة وعامليتها النصية والتخييلية مصم ما على تحقيق أقصى ما يمكن من المباعدة بينها وبين حيثياتها الواقعية، أي إدغامها في إوالية "دالية، بمعنى في مضمار تجاذب مع المرجعية السافرة، تنفرز عنها خاصيات النص وتسط ر لها وجهتها"(13). فالشاعر "ليس في مكنته قلب ما هو مجتمعي رأسا على عقب ومنتهى ما يمكن أن يفعله هو ان يدلي بشهادة في حقه"(14)، لها مفعولها ووقعها الأكيدان في الوجدانات ولو أنها تتلفع بلغة منزاحة مشاكسة، مقلقة، تومئ أكثر مما تصرح وتضمر أكثر مما تفصح، ومن ثم استحضار القصيدة ل "أمبالو"، وقد تربصت به كمكان وساكنة، أي كحضور مجتمعي دال، ضمن التلوين الاستعاري الآتي: - 1000 ضوء ميت مكزوز عندما الليل يرتدي وضاءته أمبالو بصوت خافت قبالة شاشة اليومي أمبالو بصوت ممتقع(15). على هذه الصورة المكثفة، التي تفيض كآبة ومأتمية، إذن يتماثل حي " أمبالو" الهامشي، وحيث تتدافع بالمناكب في ضيقه المادي والرمزي أبدان وأرواح، ذاكرات وأحلام، مقتلعة من أرضها الأولى، من فرط إغواء العيش في شمال الش بع والرفاهية، فضاء محتضرا، معتما، أصم، يحرس أنات وزفرات بشر ممزقين بين الهنا والهناك، بين قطران مسقط الرأس، في جهة ما من العالم العربي أو إفريقيا أو آسيا أو أمريكا اللاتينية، وبين عسل أرض الاستقبال الذي يتقطر من بهرج مصانعه وشركاته وسحر أسواقه ومتاجره، بين مكرمة الانغراس القنوع في ابتئاسه وبين نعمة الانحشار الجشع في أرض لا تتوانى عن البرم بالطارئين ومجافاتهم والتنغيص عليهم، هم المنغص عليهم أصلا: - الحافلة رقم 26 متخمة بالوحدة تلك الرحلة المزمنة الخاطفة بين المسارات المشرئبة الأعناق لذلك الفج السحيق الجديد (ص4) فمن فرط هامشيته وجهومته يتلبس« أمبالو« المعنى المزري، اللاإنساني، للغيتو الذي يتغذى من حصار التاريخ والجغرافيا دفعة واحدة، لذلك فرغما من انتصابه في أحد أطراف مدينة تولوز اليانعة، الوارفة الظلال، بفضل ما يسكبه نهر الغارون، الذي يخترقها، من مياه في شرايينها، فهو يستحث صورة تلك الأودية الصخرية الرهيبة المتناثرة في بعض الولايات الأمريكية القاحلة، كأريزونا ونيفادا ونيو مكسيكو..، التي يأوي إليها أحفاد الهنود الحمر حتى لا تشوش سحناتهم القمحية على بياض أمريكا ونصوعها. إن الرحلة المكرورة التي تخوضها الحافلة رقم 26 (**) تبدو وكأنها رحلة أسطورية، أوديسية، صوب عالم مجهول وغرائبي، رحلة عذاب لأولئك الذي يؤوبون كل مساء مثقلين بعبء أبدانهم المنهوكة وأرواحهم المتكدرة من جنس تلك التي يتجشم مشقتها إخوة كونيون آخرون مقصيون مثلهم، تختبر فيهم الدول والرساميل سياساتها التمييزية، تقل هم حافلات إلى حي "باربيس" أو "هارلم" أو "ميدلين".. وإذ يتلبس هذا المعنى يمسي ".. مكانا "موحى به"، مستعرضا أكثر منه متعينا، متكلما أولى منه متكلما عنه، وعرضة لخيانة المجاز ووشايته به.."(16). مكان - غيتو على هذه التعاسة لا يمكنه سوى إلهاب انفعالات القنوط الوجودي والتأفف الحاد من كل شيء وإسلام الذوات إلى حافة الفجائع والمآسي، وفي كلمة واحدة إلى حافة الموت، باعتباره المخرج المتاح من تكالب ما لا يحصى من الضغوط المادية والإكراهات المعنوية، والذي سيتخذ صيغة انتحار إرادي تقدم عليه فتاة مغاربية في ريعان شبابها وهي تلقي بجسدها الغض، الجميل، من الطابق الثامن لإحدى عمارات - علب المكان - الغيتو الإسمنتية. إنه المدى الذي تبلغه، عنوة، علاقة صدامية، متشنجة، بين عالمين متفارقين، ولأن المرأة تبقى البؤرة الأمثل لانحباسات المجتمع العربي ومآزقه فإن حادث الموت المؤنث الذي شاءه الشاعر مبنيا للمجهول، وإلا ما المانع في تسمية الفتاة المنتحرة سيما وأنها كانت صديقة له، لهو بمثابة تبئير مستهدف للركن الهش، السالب، والمأزوم، في الذات العربية الجمعية، والذي يتولى تأدية فاتورة الاحتكاك غير الصحي بين العالمين مثلما يؤديها، أصلا، في مهب تصادم هذه الذات مع نفسها: - أحيانا أمبالو يلقي بوجه من الطابق الثامن في الفج السحيق و حيث تمرق الحافلة رقم 26 متوقفة لمرتين اثنتين هاأنذا زائغ تتصدر الجريدة في الدرابزين صديقتي و صديقتي التي ألقت بنفسها هل تحبينني ؟ (ص6) كذا يتساءل الشاعر لكن من غير أن يطمع في إجابة ما دامت المخاطبة، التي جمعته بها علاقة هي مزيج من الرفاقية والصداقة والحب، قد انتقلت إلى أفق الغياب مجسمة بموتها الفردي موتا أشمل يزهق أبدان وأرواح شريحة بشرية أوسع، يوميا وبالتقسيط، جزاء انقحامها في سياق حياتي وحضاري يضيق عن امتصاص الآخر والانفتاح على اختلافه ومغايرته. وإذ تنفلت الفتاة المنتحرة من بين فكي كماشة هذا السياق متقمصة خلقة أيل خرافي مجنح تدع في عهدة منتحرين مفترضين آخرين، عربا كانوا أو إسبانيين معدمين، أمانة تدبير قدرهم الأليم في الجحيم الغربي، مداراة عبودية العمل السري، والتوجس من شيء اسمه الحرية.. موصية الأطفال بألا يتوقفوا عن إيناس وحشة أيامهم وأيام ذويهم باللعب البريء، بالرعونة والاستهتار، أن يقايضوا كلوحة فضاء إسمنتي قاتل تلطخ حيطانه لغات وملصقات، اعتنافات وأشواق، وتصبغها الحمرة الباهتة لدم فائر ومدرار، فضاء يكثف يأسا مرينا لا أمل في مغالبته أو إزاحته: - كم من أبجديات عربية أو إسبانية تثوي في السراديب تعترش الأهداب تجلوها الصور مغلوبة على أمرها إن لم يطحنها الكد في الخفاء تفتك بها خشيتها من الحرية ........................... أطفال أمبالو أولئك يقودون لهوا عجلات الدراجات الهوائية بينما ملصقات كأنها باقات نداءات و طبشورات من دم فوار أو دم ممتقع تنبجس في صفحة لوحات إسمنتية جديدة. (ص10 - 13) مجاز الزيتون أو جرح قابيل وهابيل إن شاعرا على هذه الدرجة من الحساسية والانفتاح لابد وأن يطلق العنان لمخيلته لتجوب مختلف نقاط الأرض الضاجة بالعنف والاقتتال والتطاحن والتي تنزهق في معمعانها حيوات قربانا لاستيهامات التمركز الذاتي والعظمة والطغيان وغيرها من الأدواء. وفي كنف انصاته لمحن العالم العربي وكوارثه سنلفيه متواجدا، شعريا، في قلب بعض منها مما لم يطق معه سكوتا لامباليا أو التعاطي معه كمحض فرجة تاريخية مسلية. و لربما تأتي في صدارة هذه المحن والكوارث مأساة الشعب الفلسطيني التي عمرت لما ينيف عن نصف قرن، وإذا كان محققا أن التفاته إلى هذه المأساة يندرج في إطار ترصده المثابر للالام العربية أن ى كان مكانها، سواء على مقربة منه في فرنسا أو في أية بقعة من العالم العربي، فإن ما يجب أخذه بعين الاعتبار هو الموقف الإنساني اللامشروط الذي يوجه، بعامة، تناوله لهذا الموضوع بحيث يتلامح الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي في شعره مغلفا بنبرة تخييلية ورؤياوية إنسانية تتعالى على سقف العرق واللون والدين وترفض التقولب في حدية الحال والمحتل، الطارئ والمتأصل، الظالم والمظلوم.. التي تستحكم في تصادم الطرفين، نبرة تستعيد، إن شئنا، روح المنظور الذي استند عليه اليسار الثقافي الأروبي، وعلى رأسه جان بول سارتر، في معالجته للمأساة الفلسطينية بوصفها، في العمق، مظهرا للصراع بين عدالتين اثنتين، وتلح على التجنيح بهذا الجرح التاريخي إلى مدار شعري خالص. و هكذا وحتى لا يقع في نوع من الاسترخاص التخييلي والرؤياوي، بل وحتى يظل منسجما مع موقفه الإنساني اللامشروط، سيعمد إلى شحذ انتباهه إلى كل المظالم والتجاوزات التي قد تطول هذا الطرف أو ذاك وتعمق، بالتالي، شقة التنابذ بين شعبين توأمين، سياميين حتى، من فصيلة قابيل وهابيل، رومولوس وروموس.. قدرهما الشعري، لا التاريخي فحسب، أن يتصالحا وذلك حقنا لدماء تؤجج مسيلها العنيف مشاعر عمياء متبادلة تمتد بين الحيطة والكراهية. فهو سيكتب، على سبيل التمثيل، قصيدة "عبور"(17) عن هاجس الشتات في الذهنية والمتخيل اليهوديين، واصلا بينه وبين حمولة تسمية "العبريين" ورمزيتها التاريخية والجغرافية، وفي المقابل سيفرد لطفل فلسطيني صرعه التيار الكهربائي في أثناء إنزاله العلم الفلسطيني من على أحد الأعمدة مرتعبا من جنود الاحتلال قصيدة "مشاركة في دراسة الضوء"، وهي الموازنة التي تتفق مع حرصه على نسج صداقات مع شعراء من الجانبين العربي والإسرائيلي، إذ على قدر صداقته الوطيدة مع أدونيس، الذي سيكتب له مقدمة ديوانين من دواوينه، وعبد اللطيف اللعبي تجمعه أيضا وشائج وثيقة مع الشاعرين الإسرائيليين موشي بن سيئول، مترجم شعره إلى العبرية، وميشيل إيليال إيكار، وفي هذا المنحى يلزمنا تقر ي إهدائه قصيدة "من أجل وطن للزيتون"(18)، التي هي مادة مقتربنا الجاري لموقفه المذكور، إلى كل من أدونيس ومحمود درويش وعبد اللطيف اللعبي، من الجانب العربي، وموشي بن سيئول، من الجانب الإسرائيلي، مضافا إليهم سائر الشعراء الفلسطينيين والإسرائيليين الذين قرأوا بصحبته قصائد عربية وعبرية بالقدس في مارس من عام 1993 وذلك قبيل توقيع اتفاقات أوسلو للسلام، وأعضاء "حركة السلام الآن" الإسرائيلية. حقا إن انطلاق شرارة الانتفاضة الفلسطينية الثانية، أواخر شهر سبتمبر من عام 2000، وما تلاها من ردود فعل قمعية إسرائيلية هو ما سيدفع الشاعر إلى كتابة هذه القصيدة، وإذ فعل هذا فقد أزمع، مع سبق الإصرار، على المناورة شعريا في فضاء إنساني شائك ومعقد، لكنه شعري بامتياز، واقتاد مخيلته، من حيث يعي، ولمرة إضافية، إلى فلسطين، المنطقة الاوعر في جغرافيا وتاريخ الشرق الأدنى إن لم تكن في جغرافيا العالم وتاريخه، ذلك "أن اللغة الشعرية لا تخلق شعريتها الخالصة وإنما هي تستمدها من العالم الذي تصوره"(19). أفليست فلسطين، ومعها محيطها المشرقي المحصور، مرجلا لاهبا يغلي تحت نار النبوة والكهانة، الخطابة والشعر، الأسطورة والتصوف، الحكمة والخيمياء، الحلم والجنون، الفروسية والعشق الطوباوي المدمر.. ؟ أو ليس من المشرق انبجست الزراعة والكتابة والتنجيم والتمدن ؟ ومن ثم ألم يكن أدونيس مصيبا وهو يشير إلى أن الغرب الذي ابتكر العقلانية والديمقراطية والحداثة والتكنولوجيا لم يستطع أن ينتج، في مقابل هذا، ولو عقيدة روحية واحدة ؟ من هذه الجسارة إذن تأتي قيمة هذه القصيدة التي يزيد من قيمتها كونها اختارت الولوج إلى هذه المنطقة عبر جواز رمزية شجرة الزيتون(02)، هذه الشجرة العتيقة والمباركة، التي ليس هناك ما هو أكثف وأثرى منها في تمثل جرح تاريخي من المأساوية بمكان، هذه الرمزية الحاضرة بقوة في الشعرين، العربي(12) والفلسطيني(22)، حضورها في أشكال فنية وتعبيرية، عربية وفلسطينية(23)، بحيث يتوس ل بها إلى استنهاض وطن حلمي، متخيل، تطرد نضارته الفردوسية الظلأمالرمزي المطبق على الأبدان والأرواح. قد نقول إن الشاعر لم يضن مخيلته وهو يقتني لقصيدته هذه المجازية الجاهزة ما دام شجر الزيتون علامة طاغية على المشهد الجغرافي الفلسطيني لكن ما يحسب له هو توفقه إلى تغو ر كينونة الزيتون وتقويل إشارياته وتداعياته، إلى إعطائه صفة النواة الدلالية التوليدية التي من أعطافها تتبلور طبقات القصيدة وامتداداتها، وذلك لأن "كلمة تغتني بوفرة من المعاني لا تؤشر على تعددية من المعاني بقدر ما تفيد معنى واحدا على أصعدة كثيرة"(24)، تاركا للقراءة شأن تأو ل هذه المجازية واستنطاقها و(حالما يتسنى لها ذلك تقتادنا [أي المجازية] إلى إبصار العالم على نحو مغاير"(25). ولعل أول تلوين مجازي يتقصده الشاعر هو تلوين العري الذي تقايض به الأرض الفلسطينية عربدة جنود، نشأوا في مجتمع إسبرطي صارم تسوده إيديولوجيا عسكرتارية مزمنة، لا يستنكفون عن اقتلاع أشجار الزيتون(26) وإبدال الامتلاء بالخواء والنعمة بالشح واهمين بأنهم يقتلعون، رمزيا، شعبا من وطنه وهويته: - يقتلع الجنود أشجار الزيتون الجنود يبقون جنودا أبد الدهر أشجار الزيتون تخلد أشجار زيتون بينما الدولة هي الدولة. إن أرضا، وتحديدا فلسطين الجنة الموعودة لأبنائها جميعا، يغتصب زيتونها، الذي هو قوام هويتها العدنية المتجذرة ومصدر ظلها وزيتها وخشبها، لهي أرض يباب على الغرار من تلك الأرض التي اجترحتها مخيلة إليوت، متغضنة الأديم، متصلبة الأوراد، مجتفة لا نضارة فيها ولا رواء. فلسطين بلا زيتون لكأنما هي دولة متخيلة بدون كتاب، بدون ذاكرة، وبدون مستقبل، كتلك التي ابتناها المخرج الفرنسي الراحل فرانسوا تروفو في فيلمه الغرائبي الجميل "فهرنهايت44"، يصادر فيها أولياء الأمر حق مواطنيها في المعرفة والوعي والاستذكار. فالتلوين يسلط الضوء على جدل الإنسان والشجرة المحكومين بروحيهما المتقاطبتين: الإنسان في وضع الجندي المأمور بتنحية الشجرة، الخابط، من حيث لا يدري، في سديم اللحظة والتباسها من غير أن يفقه بأن الشجرة قيد التنحية لمن الإيغال ليس في تربة الأرض فقط بل وفي تربة الماضي والحاضر والمستقبل ثلاثتها، ومن ثم أفلا يستعيد الجندي ذات الخطيئة الأصلية، خطيئة الانحدار الإنساني الذريع، وهو يجتث الشجرة العتيقة، المباركة، تماما كما اجتنى آدم فاكهة حر م عليه قطفها. إن غرس أشجار الزيتون، أي تكثيرها، لا اقتلاعها هو ما يمكنه انتشال الجندي المأمور، والآخرين بدون استثناء ممن ينوب منابهم ضمير النحن، من مهوى السقوط ويكرس فلسطين مشتلا لزيتون أسطوري لا يشبهه أي زيتون ويصلح، في المحصلة، ذات البين بين البشر، المستهامين أشجار زيتون، وبين الزيتون: - يجب غرس أشجار الزيتون نرغب في السلم بين أشجار الزيتون ها نحن نصدح بها أشجار الزيتون ترغب في مسالمة أشجار الزيتون دولة شجر الزيتون بلا دولة أشجار الزيتون رجال يزرعون أشجار الزيتون أشجار الزيتون لأطفال يتسلقون أشجار الزيتون. إلى هذا المدى تصل أنسنة الزيتون وإكسابه سجايا الرجولة والطفولة وتمتيعه، تساميا برمزيته، بدولة ومواطنة وسيادة وذلك عسى أن يتعظ مقتلعوه بأن الزيتون هو مبتدأ هذه الأرض وخبرها وأن الانتهال من رمزيته هو قد يبدل الغي عدالة والتعصب تسامحا والحذر من الأخ التوأم ثقة، إلى هذا المدى وأكثر حينما تكتسي مجازية الزيتون بعدا هيمنيا، اكتساحيا، وتصبح محل إسقاط دال تغدو معه كليات الكون ومستدقاته، كبريات العناصر وصغرياتها، أي سائر الأشياء والموجودات شجرة زيتون لا أكثر: - السماء شجرة زيتون الشمس شجرة زيتون تلك المرأة التي تنتهب الطريق شجرة زيتون تلك الحجرة في بؤبؤ السماء شجرة زيتون كل نار إلا وهي شجرة زيتون. هذا طمع في تجويد النكهة المستطابة لأرض تسم مها كراهية الأخوين التوأمين وبغضهما لبعضهما البعض، الأخوين العدو ين كما أبطال فيدور دوستويفسكي في روايته الباذخة، هما من انسلا سوية من نفس صلب ذلك الجد العتيق إبراهيم، ولو أن إسحاق من رحم سارة العراقية وإسماعيل من رحم هاجر المصرية، النبي الماجد الذي سيفضل التيه في أرجاء الأرض حاملا معه معتقده التوحيدي الراسخ على أن يظل رازحا تحت سطوة أوثان وأباطيل مسقط رأسه أور، بل وسيرفض مقايضة حريته الإيمانية بالشمس والقمر مجتمعين. ومن يدري فقد تكون تلك المرأة - الزيتونة أنثى قادمة من تجاويف ذاكرتهما المشتركة المتنائية، قد تكون عناة الكنعانية في سبيلها إلى ملاقاة بعل، أو دليلة الأمورية في طريقها إلى حيث يوجد شمشون، أو شلوميت العبرانية في ممشاها إلى حيث يترنم الملك سليمان بنشيد إنشاده.. أو قد تكون فلسطينية في طريق عودتها إلى مخيم جنين البائس أو إسرائيلية في طريقها إلى الضاحية الراقية لحيفا. مأزق الإنسان أنه تستهويه خيانة جوهره والازورار عن حقيقته الإنسانية أما الزيتون الموتور على اخضرار زيته فلا يعقل أبدا أن يرتدي هوية الجندي الموتور على حمرة دماء القتلى، لأن وهب الحياة وسلبها لا يمكنهما أن يلتقيا، ولأن يناعة العيش تناوئ ذبول الحيوات، إن وطن الزيتون هو وطن للزيتون لا للجند، وطن لجني الحبات لا للبنادق والجزمات والمجنزرات، في حين أن رايته، بما هي علامة سيادته، هي الزيتون ولا شيء غير الزيتون: - أحيانا يكون البشر بشرا و أحيانا أخرى لا يكون البشر بشرا لكن ما من شجرة زيتون تدعي بأنها جندي راية شجرة زيتون تكون دائما شجرة زيتون. فهل للبشر أن ينتهلوا، مثلما قلنا، من رمزية الزيتون ويتعظوا بمزاياه وأفضاله ؟ قد يحصل أن يركبوا هذا الأفق الصعب والمكلف لكن ليس كافتهم، إذ لا تنقطع أعطاب الكينونة الإنسانية ونقائصها عن إتلاف الطريق إلى تجوهر البشر في ماهيتهم الأصيلة وحيث يؤاخي الشقيق شقيقه خارج حسابات القوة والضعف، المجد والضعة، الربح والخسارة: - أشجار الزيتون ستبقى دائما أشجار زيتون كل الناس يريدون أن يصبحوا أشجار زيتون لكن امرءا من بين اثنين ليس بعد شجرة زيتون. مجاز الإسم أو الحياة المؤنثة المبنية للمعلوم على منوال القصيدتين السابقتين يبتني الشاعر، في قصيدته "عائشة لن تكون أبدا هيشة"، موضوعه الشعري من لحمة مأساة أخرى تختبر معاناتها، منذ سنوات خلت، بقعة أخرى في الخريطة العربية، نقصد الحرب الأهلية الجزائرية التي ما فتئت تعيث قتلا وتدميرا ورعبا في الفضاء الجزائري وتطفئ جذوة الأمل في الوجدان الوطني العالم. وكما في قصيدة "أمبالو" التي ركب فيها الشاعر تراجيديا الفتاة المغاربية المنتحرة في مرمى تصويره للعلاقة الصدامية بين الذات العربية والآخر نجده يمتطي، في هذا المقام، ظهر تراجيديا أخرى، بطلتها امرأة يقدمها لنا هذه المرة معلومة الاسم تعاكسا مع مجهولية بطلة فاجعة حي "أمبالو" التولوزي، لا تقل عنها شراسة وإيلاما عرفتها الجزائر العام الماضي وتتمثل في مذبحة جماعية سوف تقترفها الميليشيات الأصولية في حق سبع وعشرين امرأة كيما يجلو شعريا دموية جرح نازف في الذات العربية لا يني يفضح هول انفصام هذه الذات وفداحة ارتطامها المادي والرمزي مع نفسها هي لا مع غيرها. ستجري أطوار هذه المذبحة الرهيبة، التي مازجتها ألوان من التعذيب والاغتصاب، في إحدى الضواحي الصفيحية الفقيرة لمدينة حاسي مسعود النفطية، بمكان كان مجرد خلاء ترعى فيه الحيوانات، يسمى "هيشة"، ثم أصبح مأهولا وأساسا من طرف نساء بلا موارد، أما أرامل أو مطلقات أو عازبات، يعملن، غالبا، في الشركات والمؤسسات النفطية كسبا لقوتهن اليومي. ولعل من مفارقات هذه المذبحة المروعة أن يكون مسرحها هو هذا المكان ثم أن تتجانس تسميته مع اسم المرأة الوحيدة التي ستقدر لها النجاة من المذبحة بأعجوبة هو "عائشة". ما تحوز عليه هذه المصادفة اللغوية النادرة من كثافة شعرية هو ما سيشكل عنصر جذب للشاعر وجهة الجرح الجزائري، وجهة وضعية تاريخية وثقافية تعتاش فيها النظرة الدونية للمرأة، التي تبدأ بالتحقير لتنتهي بإجهاض الحق في الحياة، على متخيل قيمي محافظ، أقرب إلى العصر الوسيط منه إلى العصر الحديث، تأخذ فيه المرأة معنى الطابو المؤرق لكل إيديولوجيا ذكورية. فأن تحمل المرأة الناجية بمفردها تسمية "عائشة" بكل ما تزخر به من دلالات العيش والبقاء والحيوية.. ويكون اسم مسرح المذبحة هو "هيشة" يما يصح أن يحمله من معان يمكن حصرها في حقلين اثنين: حقل الهشاشة واللين والرخاوة وحقل الهيش بما يفيده من اضطراب وهياج وفتنة، إضافة إلى معناه في بعض العاميات العربية كصنو للشجر الكثير الملتف أو الدغل. وسيان موضعنا "عائشة"، قرينة الهشاشة الأنثوية، موضع تقابل مع دلالة التصالب الذكوري أو موضعناها، باعتبارها قرينة أيضا للوداعة والهدوء والمسالمة، موضع تقابل مع تداعيات الاضطراب والهياج والفتنة فلن نخفف، في الحقيقة، من وطأة التنافر بين إشاريتهما مما يلعب دورا فاعلا في بنية القصيدة وموضوعها ومجازيتها، ومع ذلك فإن الموضعة الأليق في هذا السياق والأكثر حافزية وتصعيدا لتنافر الاسمين المتجانسين هي التي يموضع بموجبها، فيما نرى، اسم العلم المؤنث موضع تقابل إن مع موحيات الخلاء والوحشة والخوف التي ترشح بها كلمة "الهيشة" العامية أو مع مستضمرها الدلالي المتمثل في غول(27) خرافي، هلامي، لا هيئة متعينة له، يظهر تحت جنح الظلام وتتفنن المرويات الشعبية في اصطناع هيئاته وعلاماته وأعاجيبه، وهو ما يتجاوب مع منطوق عنوان القصيدة ومع تسريباته الدلالية والتخييلية المنبثة في مسام القصيدة ما دام "القانون البراغماتي لأي عنصر موازاة نصية تحد ده خصيصات غير مفصولة عن راهنيته، عن وضعه، وعن بعده التواصلي"(28). مصادفة أخرى لا تقل قيمة عن هاته التي أومأنا إليها وتتعلق بتزامن وقوع هذه المذبحة مع انطلاق فعاليات وأنشطة سنة (2003) الجزائر الثقافية في فرنسا، بمعنى أنه في الوقت الذي كانت فيه الدولة الجزائرية تقترح على الجمهور الفرنسي، والغربي عامة، وجهها الثقافي البراق، المرونق، كانت نساء جزائريات مستهدفات في عرضهن وكرامتهن، بل وفي حياتهن، بإملاء من ثقافة أخرى لا صلة لها بما كانت تستضيفه الأروقة والصالات الباريسية الفارهة، وتجذب بدورها، أي المصادفة، الشاعر جذبا نحو الجرح الجزائري مبقيا ل "عائشة« أن تتابع المعتدين قضائيا، في وضع تاريخي سريالي قد يتساءل فيه عم ن يتابع من !؟ أما هو فسيعتمد لغة شعرية أساسها الحكي والسخرية الفتاكة ضمن تناور دال ومنتج بالاسمين، المتجانسين حرفيا وصوتيا، لتشييد قصيدة - شهادة، بما هي المتابعة الأبلغ والاتهام الأنفد، هي من كتبتها جوهريا، بدمها ودمعها وألمها وغصتها، شأنها شأن فيلوميل(29) الأسطورية، بينما هو لا يفعل شيئا أكثر من توقيعه بالنيابة عنها وعن سائر النساء المضطهدات، جزائريات كن ، من سلالة جميلة بوحريد أو جان دارك الجزائرية، أم غير جزائريات، إذ "الشاعر شاهد أيضا على زمنه، أحيانا يلتقط صورة وأخرى يطلق رصاصة من القطار الذي يقله"(30): - عائشة لن تكون أبدا هيشة وهيشة لن تكون قط عائشة
أمي ستهبني يدين تتشابهان
أولا يدي اليمنى اليد الأولى التي تحي ي عتمة زجاج يثوي خلف الموتى
ثانيا يدي اليسرى اليد الثانية تمسك بمسمار لكي تدو ن أسماء على الجدران. فمن داخل ميثاقية العنوان، المشبعة إلى أقصى الحدود، تنغمس القراءة في فضاء دلالي وتخييلي تتجاذب فيه التسميتان أطراف البرمجة الشعرية لعالم مقرف يستهيم الأنثى قربانا رمزيا لاعتناقات ذكورية تستند على القوة ورجاحة العقل والنفوذ.. المضادة لإشاريات الضعف وقصور العقل والطاعة.. وتعيد، لاشعوريا، إنتاج ظاهرة وأد العرب الجاهليين لبناتهم، فور ولادتهن، وذلك خشية عليهن من قساوة الطبيعة الصحراوية ودرءا لاحتمال تدنيس شرفهن في مجتمع يحمل قيمة العفة محمل قداسة. فالصدام هنا هو صدام بين الشق الذكوري والشق الأنثوي، ومن باب تضخيم طابو الأنوثة في وسط ذكوري يمانع في أن تصبح المرأة على قدم المساواة مع الرجل يقع إبدال اسمها المرادف للحياة، في حالة مخصوصة كهاته، باسم بهيمي يستجلب الخوف فالموت. إن الواقع يريد لها الموت أما القصيدة فلا تكل عن مدها بأسباب الحيوية والاقتدار والجدارة، ولأن الجسد هو واجهة هويتها المختلفة واليد هي أداة هذا الجسد ووسيلته في الفعل والحضور فإن الشاعر سوف يفطن إلى ما في استثمار رمزية اليد واستعاريتها من مردود تخييلي، يجلوه ديوانه السابق "اليد والسكين" (1997)، فيلجأ، بناء على هذا، إلى استغلالها كعاملية نصية ضاربة تتصدر المقاطع الشعرية، كلازمة دلالية - إيقاعية، وترفد جمالية التكرار والمعاودة في مساحتها أو تتمحور حولها صور ومشاهد وتوضعات إيهامية يأخذ بعضها برقاب البعض الآخر. هكذا ستندرج رمزية اليد واستعاريتها في تمفصلات وتبادلات دالة تغدو معها اليد اليمنى هي اليسرى واليد اليسرى هي اليمنى، لكنها قبل هذا وغيره هبتان من أنثى أخرى هي الأم، بفضلها تؤكد عائشة فعلها وحضورها ضدا على بعبع الموت والإبادة الذي يتربص بها وبأخواتها، وبينما تزجي اليد اليمنى التحية لظل مزجج يقبع خلف ضحايا الموت والإبادة ويصبغ مآلهم المأساوي بنصاعة الحياة وشفوفها والتماعها لا تحجم اليد اليسرى عن تخليد أسمائهم لتجثم مؤرقة ضمير مجتمع ذكوري منغلق: - أولا يدي اليسرى اليد الأولى تنزع نقاب الموت عن امرأة ميتة اغتالها رصاص الموتى ثانيا يدي اليمنى اليد الثانية تذهب للبحث عن ماء بئر و هي تزيح عن الأرض كل آبارها. عين اليد اليسرى، مسندة بجسد أنثوي كامل طاقته مستنفرة تشبثا بالعيش والبقاء، لا تتوانى عن انتزاع نقاب الموت عن امرأة ميتة، اغتالها أحياء - موتى، لا يواري محيا صبوحا فقط، بل وبشاعة الاغتيال وانحطاط القتل، في حين أن اليد اليمنى لا يردعها رادع عن الانطلاق بحثا عن ماء لكنها لا تنسى أن تمحو كل آبار الأرض لكونها انحرفت عن وظيفتها الأصلية، بوصفها خزانات تمد البشر بالماء، وصارت، كما أريد لها، إلى حفر تردم في جوفها جثث ضحايا أبرياء، لأنها، بتعبير مواز، انحرفت عن كونها منابع للحياة وانمسخت إلى قبور غائرة تأوي أجسادا تطحنها آلة الاستقواء والتعصب. لكن إن كانت اليدان الآدميتان تحضنان عادة عشرة أصابع فإن اليدين المشعرنتين هنا سوف تنبت فيهما سبع وعشرون إصبعا وذلك بما يضارع عدد النسوة اللائي قضين في المذبحة ولكأننا حيال يدين من ذلك الصنف من الأيدي السريالية التي تلو ح للمشاهد من شرفة لوحات بابلو بيكاسو أو سلفادور دالي أو ماكس جاكوب.. وهذا التصوير لمما تتأجج به، فضلا عن قيمته التغريبية المضافة، فورة الحياة والإنجاب وتنحسر معه ألوان الموت والعقم، هذه المعادلة التي لا يلبث الشاعر أن يجن ح بها بعيدا لنصبح حيال جسد أنثوي تؤثثه هو نفسه، مرة، مليون يد، بما يساوي عدد ضحايا حرب التحرير الجزائرية، وتؤثثه مرة أخرى ثلاثة ملايين يد كلها مسخرة للذوذ عن حياة النساء ومكانتهن في الجزائر وفي غيرها من مناطق العالم: - يداي الاثنتان اليد اليسرى و اليد اليمنى تملكان سبعا وعشرين إصبعا مثل نساء صحراء حاسي مسعود أمي ستهبني مليون يد حتى يمكنني أن أقول ما أفعل وأفعل ما أقول أمي ستهبني ثلاثة ملايين يد لكي أفتح قبور حاسي مسعود عائشة لن تكون أبدا هيشة وهيشة لن تكون قط عائشة. - 3 - بهذا نكون قد عرضنا لمناح تمثل سيرج بي للعالم العربي وتعاطيه، تخييليا ورؤياويا، مع مجرياته ومشكلاته، عرضنا للكيفية التي اتخذها قلقه السياسي، الفاعل والخلاق، في الانتقال إلى تعبير شعري دال على موقف الشاعر من هذه المجريات والمشكلات، مستهدفين من وراء هذا مقايسة حضور العرب، أفرادا وجماعات، في المهجر أو في فلسطين أو في البلدان العربية، في الوعي الشعري الغربي الراهن توسطا بأحد أكثر الشعراء المعاصرين إدراكا لحقائق العروبة، ومآزقها كذلك، بأثر من اهتمامه اللافت بما يمور به العالم العربي من تفاعلات وتطلعات وحرصه على استزادة معرفته بثقافته وإبداعه. وإذ انتقينا ثلاثة نصوص شعرية، من تجربته الشعرية الحافلة، جعلت من العالم العربي موضوعا شعريا لها فذلك حتى نضع اليد على ما اعتبرناه مثلثا رؤياويا يستحكم في منظور الشاعر إلى الذات العربية، تتضافر ثلاثتها على بلورته وإرفاده بأضلاعه الثلاثة المستوجبة. وسيان تعلق الأمر بالذات العربية في صدامها مع الآخر، الغرب تحديدا، كما تبين عنه القصيدة الأولى، أو بصدامها مع ذاتها الشقيقة أو التوأم، على نحو ما تبرزه القصيدة الثانية، أو بصدامها مع نفسها، مثلما يتلامح في القصيدة الثالثة فإن ما هو خليق بالذكر هو كون الشاعر لا يؤكد فقط مودته التلقائية لهذا العالم وانغماره الصادق في جروحه ومكابداته وإنما هو يذهب رأسا إلى صميم هذا العالم وإلى اللب من هذه الجروح والمكابدات، لا يقتصر على نوع التعبير الشعري المتكاسل عن هذا بل هو يصر على تصريف قلقه السياسي على الذوات والحيوات والمصائر لغات شعرية وإيقاعات ومجازات وترميزات.. لأن "مجال الرؤيا هو اللغة، هو اللغة الموجهة توجيها محددا"(31)، يرتفع معها هذا العالم، تخييليا، إلى مرقى العوالم الجاذبة، الديناميكية، الآخذة بزمام مسارها نحو غدها الحلمي، بله الشعري، التي هي جديرة به رغما من ركام عوامل النكوص والإعاقة واليأس.
الهوامش (*) ألقيت هذه المداخلة ضمن الندوة الدولية "سيرج بي وأممية الإيقاع الشعري" التي نظمها المركز المتعدد الاختصاصات لإبستمولوجيا الأدب التابع لجامعة نيس - صوفيا أنتيب وليس الفرنسية، بين 29 و31 مارس 4002، وشارك فيها باحثون ونقاد ومترجمون وشعراء من فرنسا وإسبانيا وإيطاليا وألمانيا وأمريكا اللاتينية والعالم العربي، وستنشر نسختها الفرنسية ضمن كتاب جماعي يضم فعاليات الندوة ستصدره، في المستقبل القريب، دار لارماتان. وبخصوص الشاعر فقد ولد عام 1950. ينتمي إلى جيل جديد في الشعرية الفرنسية أينعت موهبته ابتداء من منتصف السبعينيات ويتشكل من أسماء أبرزها جان ميشيل مولبوا، بينيزي ماثيو، سيرج سافران، كريستيان بريجان، فرانسوا دي كورنيير، أندري فيلتير.. أنجز أطروحة دكتوراه حول الشعر الشفوي المعاصر ويعمل مدرسا في مركز الفعاليات الفنية التابع لجامعة تولوز - لوميراي مثلما يشرف على محترف الشعر بنفس الجامعة. تشب ع بكتابات فيرجيليوس وسان - جان دي لاكروا كما انجذب إلى نصوص أنطونان أرطو وأوكتافيو باث. يكتب باللغتين الفرنسية والإسبانية وترجم شعره إلى لغات منها الإيطالية والإسبانية والعربية. أصدر ما يربو على عشرين عنوانا شعريا ظهر بعضها في شكل شرائط صوتية أو أقراص مدمجة من بينها: "عن المدينة، عن النهر" (1981)، "قصيدة من أجل شعب ميت" (1992)، "إنجيل الثعبان" (1995)، "اليد والسكين"، "الولد الأحفوري" (1997)، "كل امرئ" (1998)، "شاحذو السكاكين" (2000).. وله أيضا بعض الكتابات المسرحية. 1- شاعر عراقي، من رواد حركة التجديد في الشعر العربي الحديث التي سوف تثمر بدائل نوعية على صعيد التصييغ الشعري والهندسة الإيقاعية أو على صعيد الموضوع والخيال الشعريين. من داخل مثلث هشاشته الكيانية ورهافته الروحية وحسه المأساوي الذريع بالوجود سيهتدي إلى ابتناء رؤيا شعرية قيامية تجد مرتكزاتها الموضوعاتية والتخييلية في الميثولوجيا البابلية والمحكيات الإنجيلية. تأثر بإديث سيتويل وتوماس ستيرن إليوت وديلان توماس ومن دواوينه: "أزهار ذابلة"، "أنشودة المطر"، "المعبد الغريق".. توفي عام 1964. 2- يعتبر هو الآخر من رواد حركة التجديد في الشعر العربي الحديث. يحسب على التيار الواقعي الاشتراكي في هذه الحركة وإن كان سينحو بتجربته فيما بعد نحو آفاق أسطورية وصوفية. عاش مغتربا عن وطنه قرابة ثلاثين عاما ومن أبرز دواوينه: "الذي يأتي ولا يأتي«، "الكتابة على الطين"، "الموت في الحب".. توفي عام 1991. 3– Serge Pey: Taxer léternité، in Si on veut libérer les vivants il faut savoir aussi libérer les morts، Voix Editions، 2000، p. 116 4 - إيتيان باليبار / بيير ماشري: الأدب شكلا إيديولوجيا، بعض الفرضيات الماركسية، ترجمة: قاسم المقداد، مجلة "المعرفة"، دمشق، س 12، ع 248، أكتوبر 1982، ص 15. 5- Serge Pey: Réponse un questionnaire sur la poésie، opt.، p. 155 6- كلمة كلود ساغي التقريظية في حق ديوان سيرج بي الموسوم ب De la ville et du fleuve، Ed. Tribu، 1981، المثبتة في ظهر الغلاف. 7 – Minute hurlée، Ed. 34، Mexico 1978 8 - فعن سؤال حول مدى تأثره بالشعراء العرب، سواء الذين يكتبون منهم باللغة الفرنسية كالطاهر بنجلون وعبد اللطيف اللعبي أو الذين يكتبون باللغة العربية كأدونيس، يجيب قائلا: "إن مرد جذورنا المشتركة إلى اللغة الإسبانية بوصفها لغتي الثانية، ثم دعني أقول، كتتمة لجوابي هذا، بأني أحس ني أتقاسم مع الشعر العربي إيقاع الجمل، إيقاع المشية، وأصل البيت الشعري، إضافة إلى النصوص الحكمية الرائعة لأبي العلاء المعري والأوراد الصوفية ثم النصوص غير الذائعة لإخوان الصفا". - Entretient avec Habib Samrakandi، in Si on veut libérer les vivants il faut savoir aussi libérer les morts، p. 428 وعن سؤال آخر أوسع حول ماهية الشعر وكنهه لن يحجم عن القول بأن "الشعر يبقى أقرب إلى فن الخط العربي، بحيث نكون على علم بالآية فنسعى إلى ترصدها في الكتابة القائمة على هيئة رسم، وفي هذه الحال قد نجد حاجتنا في حرف واحد لا أكثر. هذا ما أخبرني به حسن المسعودي..". - Serge Pey: Réponse un questionnaire sur la poésie، opt.، p. 157 9- بصدد انطباعه عن مبادرة كل من عبد اللطيف اللعبي وأدونيس إلى نقل شعره إلى اللغة العربية يرى بأن هذه المبادرة جعلته ينتشي وزودته "بفرح عارم وهو يستمري نفسه بالملموس في مرآة كتابة، ونظره يقع على قصيدته كما لو أنها تنكتب لأول مرة". - Entretient avec Habib Samrakandi، opt.، p. 429 وفي هذا الباب يجدر الإلماع إلى مترجمين آخرين لشعره أو حواراته إلى اللغة العربية وهما الشاعر والمترجم السوري أحمد عضيمة (المقيم في اليابان) الذي سيترجم له قصيدة "مشاركة في دراسة الضوء"، وذلك لفائدة مجلة "مواقف" التي يديرها أدونيس، وكاتب هذه السطور الذي سيترجم له مقاطع من قصيدة "أمبالو"، التي ستنشرها جريدة "الاتحاد الاشتراكي" المغربية، ومقاطع من قصيدة "اليد والسكين"، لفائدة نفس الجريدة، ثم حواره الموسوم ب "في تبادل الأسماء" - أجراه معه راميرو أوفييدو وتصد ر ديوانه "شاحذو السكاكين" - الذي سينشر في كل من جريدة "القدس العربي« اللندنية ومجلة "البيت« التي يصدرها "بيت الشعر في المغرب". 10- Adonis: Une alchémie du verbe، in La main et le couteau، Ed Paroles daube، 1997، p. 6 11- حكاية الشاعر مع الطماطم ستشكل ليس فقط مدخلا إلى سينوغرافيا كتابية - تداولية يستعيض فيها عن الحبر بالنبات وعن الصفحة بأرضية القاعات والشوارع والساحات، بل ومحفزا على رد الاعتبار للإنسان الذي قد يقرر مصيره، في اتجاه بقائه أو حتفه، مجرد نطقه "البندورة" أما بتسكين النون أو نصبها. وتبدأ الحكاية، التي سيكتب انفعالا بها إحدى أعمق قصائده وأجملها "(Bandoura et Banadoura)، عندما تناهى إلى مسمعه خبر الواقعة الرهيبة، التي كان الكاتب جان جينيه قد عاينها في إب انها، ومؤداها أن الميليشيات الكتائبية سوف تلجأ إحدى المرات، حين صعب على أفرادها التمييز بين اللبنانيين والفلسطينيين، في عز حرب إبادة الشعب الفلسطيني بلبنان، إلى اختبار نطق من يعتقلون، عشوائيا، للطماطم باللهجة اللبنانية، ومن ثم فمن ينصب نون "البندورة« اعتبر لبنانيا فيفرج عنه ومن قام بتسكينها عد فلسطينيا منذورا للموت المحقق ! من هنا سيتساءل ألهذه الدرجة يجري التهوين من شأن الإنسان والحرص على سلامة اللغة ؟ ومن ساعتها سيزمع كذلك على الثأر للإنسان، الكبير كبر مأموريته في العالم، من حقارة الطماطم، من مكر اللغة. كذا سيتقصد، خلال جولة له في اليابان، على كتابة قصائد هايكو في إحدى ساحات طوكيو بحب ات الطماطم، مذك را المتحلقين حوله بألا فرق بتاتا بين دمار مريع تضمره عروق "بندورة" وبين وحشية قنبلة ذرية ألقاها ذات يوم آثم، على مدينة هيروشيما، طيار أمريكي وهو يمضغ العلك ! نفس التجربة سيكررها بألمانيا فيعتقل بتهمة تلويث الشارع العام، ذلك أنه سيختم طقسه الإنشادي برقصة محمومة اندعكت إثرها، تحت قدميه، أكداس من الطماطم، الهشة ملمسا، لكن الصلبة تصالب أغشية الزيف والتردي والتبلد التي ما انفكت تقم ط البصيرة الإنسانية، بينما ستعترض إحدى بلديات إقليم كيبيك الكندي مسبقا على إقامته أمسية شعرية فوق ترابها بمبرر انتوائه العبث بإحدى غلال الأرض وإذايتها ! سيمياء الصلابة هاته هي التي ستهديه إلى جمالية العصا - القصيدة، ولعلها أوبة استعارية إلى تلك البرهة السحيقة من عمر البشرية، عندما كان الإنسان يقارع، ساعتها، مختلف الشراسات الكونية بمجرد عصا ضئيلة ضؤولة قوامه، وتكليف رمزي، كذلك، للشعر باستنفار منتهى مؤهلاته الإيصالية ضمانا لاستمراره وحماية للإنسان من شراسات إضافية هو من يصطنعها لنفسه. وعلى هذا النحو ستغدو الطبعات الفعلية لقسم عريض من قصائده هي ما انحفر، أساسا، من حروف وكلمات وأسطر، من مجازات وأخيلة، في استدارات عصي كستنائية يقد ها هو شخصيا بحدب الصناع الحرفيين المهرة وأناتهم. 12- من كلمة فيليكس كاستان التقريظية في حق ديوان سيرج بي، المذكور أعلاه، والمثبتة هي الأخرى في ظهر الغلاف. 13- Michael Riffaterre: LIllusion référentielle، in Littérature et réalité، collec. Paris، coll. Points، Ed. Seuil، 1982، p. 94 14- Serge Pey: Réponse un questionnaire sur la poésie، opt.، p. 156 15- Empalot، in De la ville et du fleuve، Ed. Tribu، 1918، p. 3 (**) معلوم أن الشاعر سيلجأ، ضمن تخريجاته التواصلية المبتكرة مع الجمهور، إلى قراءة القصيدة، قبل نشرها، في هذه الحافلة بالذات، أمام جمهور عرضي غير معني بالشعر، خلال إحدى رحلاتها من وسط المدينة إلى حي "أمبالو" مصحوبا بفريق تصوير تلفزيوني وذلك في مرمي إدراج هذه القراءة في برنامج ثقافي كانت تقدمه إحدى القنوات التلفزية الفرنسية آنذاك، الشيء الذي لم يحصل لأنه من الطبيعي أن يعترض على مادة مقرونة باسم شاعر مشاغب، فوضوي، ومحسوب على اليسار. 16- Gérard Genette: Figures I، Paris، coll. Points، Ed. Seuil، 1966، p. 103 17- التي تتصادى، في جوانب من موضوعها ورمزيتها، مع قصيدة محمود درويش الذائعة "عابرون في كلام عابر" التي كان من شدة وقعها على الضمير الإسرائيلي أن أثارت ضجة في الوسط السياسي والإعلامي الإسرائيلي ووصل الأمر إلى حد انعقاد جلسة خاصة في الكنيست للبث في شأنها. 18- ننوه بخصوص هذه القصيدة إلى أن الشاعر تفض ل فسل منا إياها مرقونة ومنفصلة عن أية مجموعة من مجموعاته الشعرية المتأخرة، وهو ما يصدق على قصيدة "عائشة لن تكون أبدا هيشة"، مادة "مجاز الاسم..".. 19- Jean Cohen: Le haut langage، théorie de la poéticité، Paris Ed. Flammarion، 1979، p. 36 20- "شجرة على قدر وافر من الاغتناء الرمزي: السلام، الخصوبة، الصفاء، القوة، الغلبة والمجازاة. في اليونان سوف تختص بها أثينا وأول شجرة زيتون ستولد في تضاعيف مبارزة بين أثينا وب وسيدون وينظر إليها ككنز سيتم حفظه خلف الإيريكتيون [...] يسند إليها جماع من القيم التي استأثرت بها أثينا ومن بينها أنها شجرة مقدسة. كانت أشجار الزيتون تنمو بشكل غزير في براري إلوزيس وتخضع للحماية بحيث يعاقب قضائيا كل من سولت له نفسه تخريبها.. في التقاليد اليهودية والمسيحية تعتبر شجرة الزيتون رمزا للسلام، ذلك أن ما ستحمله حمامة نوح عند نهاية الطوفان كان غصن زيتون، في حين أن صليب يسوع، استنادا على حكاية قديمة، سيصنع من شجر الزيتون والأرز. أما في لغة العصر الوسيط فسيغدو رمزا للذهب وللحب " لو أني استطعت النظر إلى الباب المصنوعة من خشب شجرة الزيتون الذهبية لأسميتها، من توي، صرح الرب"، كتب أنجيلوس سيليزيوس مستلهما الوصف الذي أغدق على هيكل سليمان. وفي الإسلام سوف تعد شجرة الزيتون بمثابة الشجرة "المركزية«، قطر العالم، رمز "الإنسان الكوني"، ورمز الرسول. إنها "شجرة مباركة" تقترن بالضياء ما دامت القناديل تتغذى على زيت الزيتون وهو ما يشبه ما تعتقه الهرمسية الإسماعيلية بصدد انتصاب "شجرة الزيتون في قمة سيناء" كأحد وجوه الإمام، فهي عماد، إنسان كوني، ومنبع للضياء. "يقال في حق شجرة الزيتون، بحسبانها شجرة مقدسة، بأن أحد أسماء الله الحسنى أو كلمات أخرى قدسية توجد مكتوبة على كل ورقة من أوراقها، وأن "بركة" زيتها تصل من فرط قوتها حد جعل الزيت ذاتها من الوفرة إن لم تصبح خطيرة..".، ثم إن الآية القرآنية المذهلة (35)، من سورة "النور"، لتبرع في جعل نور الإله "كمشكاة فيها مصباح، المصباح في زجاجة، الزجاجة كأنها كوكب ذري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار". -Jean Chevalier - Alain Gheerbrandt: Dictionnaire des symboles ( pour lédition revue et corrigée)، 1982، Ed. Robert Laffont، S. A et Ed. Jupiter، Paris. P. 699 21- على سبيل المثال ديوان عبد الوهاب البياتي "المجد للأطفال والزيتون« الصادر عن دار الفكر، القاهرة 1960. 22 - على الرغم من الحضور اللافت لمنظمومة من الرموز، ذات المصدرية الطبيعية، في النص الشعري الفلسطيني المعاصر، من قبيل القمح وشقائق النعمان البرتقال والعنب.. مم ا يستنبته ثرى فلسطين فإن مواظفة رمزية الزيتون في صلب هذا النص لا تكاد تعدلها مواظفة أخرى. ويكفي أن الشاعر محمود درويش عنون ديوانه الثاني ب "أوراق الزيتون" (مطبعة "الاتحاد" التعاونية، حيفا 1964) الذي يمكننا الاستشهاد ببعض من قصائده تلمسا لاستشراء هذه المواظفة وتنفذها في متن الديوان: سجل ! أنا عربي أنا اسم بلا لقب صبور في بلاد كل ما فيها يعيش بفورة الغضب جذوري.. قبل ميلاد الزمن رست وقبل تفت ح الحقب وقبل السرو والزيتون .. وقبل ترعرع العشب. - قصيدة "بطاقة هوية" (ص 11 - 12). قال الجميع: كلنا بخير لا أحد حزين، فكيف حال والدي ؟ ألم يزل كعهده، يحب ذكر الله و الأبناء.. والتراب.. والزيتون ؟ - قصيدة "رسالة من المنفى" (ص 63). إن ا سنقتلع بالرموش الشوك والأحزان.. قلعا ! وإلام نحمل عارنا وصليبنا! والكون يسعى.. سنظل في الزيتون خضرته وحول الأرض درعا !! - قصيدة "عن الصمود" (ص 70). وبخصوص الشاعر فقد أخذت قريحته الشعرية في التبلور وهو لم ا يزل مقيما بوطنه فلسطين. ينتمي إلى ما يصطلح عليه، في الأدبيات النقدية العربية، بجيل الستينيات في الشعر الفلسطيني المعاصر، وبين خروجه من الجليل الأعلى عام 1970 ورجوعه إلى رأمالله أواسط تسعينات القرن المنصرم، إثر توقيع اتفاقات أوسلو للسلام وقيأمالسلطة الوطنية الفلسطينية، ظل مرتحلا على الدوام بين مدن منها القاهرة و موسكو وبيروت ونيقوسيا وباريس وتونس.. يعتبر حاليا رأس الحربة في الشعرية الفلسطينية بفضل ما أوتي من ذكاء وقدرة على الجمع بين ولائه لقضيته الوطنية وولائه لاشتراطات الكتابة الشعرية واقتضاءاتها المعرفية والجمالية والتخييلية. حصد كثيرا من الجوائز الشعرية الرفيعة، عربيا ودوليا، كما ترجم شعره إلى العديد من اللغات العالمية، من دواوينه: "حبيبتي تنهض من نومها"، "ورد أقل"، "جدارية".. 23- كالموسيقى والفنون التشكيلية والمسرح والسينما.. وعلى ذكر السينما لا بأس في أن نشير، في هذا الإطار، إلى فوز أحد الأشرطة السينمائية الفلسطينية بالجائزة الفض ية لمهرجان القاهرة الدولي الأخير للسينما، ويتعلق الأمر بشريط "موسم الزيتون" للمخرج حنا إلياس، إذ "فاز فيلم "الملك" اليوناني لنيكوس يرمانيكوس بالجائزة الأولى لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي، في حين منحت لجنة التحكيم الجائزة الثانية للفلسطيني حنا إلياس الذي فاز أيضا بجائزة أفضل فيلم عربي. وقال رئيس لجنة تحكيم الدورة السابعة والعشرين للمهرجان، الفرنسي جان كلود بريالي، في الحفل الختامي مساء الجمعة إن اللجنة قررت منح الهرم الذهبي لفيلم "الملك" لأنه يشبه رواية "الغريب" للكاتب الفرنسي الراحل ألبير كامو في دفاعه عن قيم تدعو إلى محاربة التعصب وإلى الانفتاح على الآخر والتعامل على أرضية التسامح، وأضاف إن اللجنة قررت منح الهرم الفضي للفيلم الفلسطيني "موسم الزيتون" للقيمة التي حملها في مقاومة شعب يتعرض للاحتلال ضمن حالة إنسانية تواجه نزاعا بأبعاد متعددة". - عن جريدة "الاتحاد الاشتراكي" المغربية، ع 7347، الأحد 19 أكتوبر 2003، ص 8. 24- Henri Meschonnic: Pour la poétique I، essai، Paris، Le chemin، N.R.F، Ed. Gallimard، 1970، p.56 25- - Umberto Eco: Les limites de linterprétation، traduit de litalien par Myriem Bouzaher، 1992، Ed. Grasset / Fasquelle، pour la traduction française، p. 162 26- إذ "لم تتوقف إجراءات قوات الاحتلال الإسرائيلي عند حد منع المواطنين الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم بل تعد ت ذلك إلى استمرار عمليات التجريف والتدمير لآلاف الدونمات المزروعة بأشجار الزيتون المثمرة، تارة بهدف توسيع المستوطنات وتارة أخرى بحجج أمنية واهية. وجرفت قوات الاحتلال أكثر من 251 ألف شجرة زيتون خلال أعوام الانتفاضة الثلاثة الماضية، حسبما ذكر تقرير أعده مركز الإعلام والمعلومات الفلسطيني. وأورد التقرير حكاية المواطن رائد من قرية اليامون القريبة من نابلس كمثل على معاناة المواطن الفلسطيني في الحفاظ على شجرته حيث قال التقرير: ورث أشجار الزيتون عن أجداده ويعرفها كما يعرف أبناءه، لكن بسبب قرب أشجاره التي يتجاوز عددها ال 700 من مستعمرة إيتمار فإنه محروم من الذهاب إلى مزرعته منذ بداية الانتفاضة [...] وفي طول الأراضي الفلسطينية وعرضها تقابلك مئات القصص التي تروي هذه المشاهد، والتي ترسم أيضا كيف يواجه الإنسان الفلسطيني غطرسة جر افات الاحتلال وآلياته بمزيد من التحدي والصمود. فإبراهيم أبو ستة، المزارع الفلسطيني ذو الستين عاما، والذي قامت قوات الاحتلال بتجريف أشجار الزيتون الموجودة شرقي مدينة غزة بالقرب من حدود الأراضي المحتلة عام 1948 لم يجد ردا على هذا الفعل سوى بقوله: "سوف أزرع بدلا من الذي دمر وزيادة ". - عن جريدة "القدس العربي" اللندنية، ع 4844، الإثنين 20 أكتوبر 2003، ص 5. ولنا أن نستحضر، في هذا الموضوع، سيل الصور التي تتناقلها، كل موسم جني الزيتون، شبكات التلفزة العالمية عن مؤازرة أنصار "حركة السلام الآن" الإسرائيلية، بزعامة المناضل التقدمي المستنير أوري أفنيري، للمزارعين الفلسطينيين ووقوفهم إلى جانبهم في ما يلاقونه من منع وتخويف من لدن الجنود والمستوطنين الإسرائيليين. 27 - تحضر في المحكيات الشعبية المغربية، مم ا يجوز أن يكون له نظير في المحكيات الشعبية العربية، قصة امرأة خرافية، جميلة وخارقة، تحمل، هي الأخرى، اسم "عيشة"، المحور عن "عائشة"، مردوفا إليه نعت آخر هو "قنديشة"، التي تعني الجن ية، كانت لا تظهر إلا في الليل متلفعة بملاءتها البيضاء فتقوم بإغواء الجنود البرتغاليين الذين كانوا يحرسون حصنا كانت قد أقامته البرتغال، في إطار حملاتها التوسعية في إفريقيا، على شاطئ المحيط الأطلسي، عند الموقع الذي يدعى اليوم مدينة الجديدة، ثم تستدرجهم إلى غيهب قريب فتقتلهم. 28- Gérard Genette: Seuils، Paris، Coll. Poétique، Ed. Seuil، p. 13 29- -(في مفتتح أسطورة فيلوميل نقف على مشهد دموي، قرباني، بحيث يقوم تيري باجتثات لسان فيلوميل حتى لا تستطيع رواية واقعة اغتصابها وتكبيلها في عمق الأدغال. بناء على هذا أرى أن الأمر محل التساؤل، في هذا السياق، هو الكلام، وبالتالي اللغة بوصفها كلاما، إذ كل قصيدة، فيما أرى، ليست أكثر من لسان مجتث. فقصة فيلوميل بحسبانها منجزا يجلو جوانب أساسية ما هي إلا قصة موضوعها الشعر، ولأذكر بأنه بالداخل من الكوخ الذي كانت توجد به مقيدة اليدين سوف تكتب أول قصيدة في عالمنا، ناسجة بفمها قصة مأساتها، ذلك الكوخ الذي كانت، في الظاهر، سجينته كان، في العمق، في مقام معبد، كانت هي كاهنته، يجري به طقس كلام مفصول عن التبادل الدنيوي بما هو وسيلة أي كلام الى المجد والدوام في هيئة قصيدة. إن أسطورة فيلوميل هي، بطبيعة الحال، أسطورة قربانية تنصب في مرمى تأسيس الكلام وتشريعه". -Serge Pey: Léchange des noms، entretien avec Ramiro Oviedo in Les aiguiseurs de couteaux، Ed. des Polinaires | |||||