حوار مع الباحث في
الفكر والفلسفة الإسلامية

 

 حاوره في موسكو: أحمد محمد الرحبي (كاتب من سلطنة عمان يقيم في موسكو)


 ميثـم الجنـابي:

المعرفة الحقيقية هي المعرفة المتراكمة

والإصلاح الحقيقــي جـزء منهـا

 

 هناك ظاهرة ملحوظة في العالم المعاصر، حيث يصبح الخروج من العالم العربي (على سبيل المثال) إلى الغرب، حيث نلاحظ إلى جانب التشبع بقيم الحرية والديمقراطية انكفاء حاداً وغريبا في الوقت نفسه نحو  السلفية والتعصب. وهذه ظاهرة قد تحتاج إلى دراسة سوسيولوجية ونفسية..

في هذا الحوار يسلط الباحث في الفكر والفلسفة الاسلامية ميثم الجنابي الضوء على العديد من الأمور التي تصحب هذه العملية  ومستجدات الاصلاح في العالم العربي والاسلامي عموما، ودور النخب الفاعلة فيها.

* قضيتم فترة طويلة خارج الوطن، فهل يا ترى ثمة جدلية نفسية وفكرية، عادة ما يفرزها الاغتراب، أثرت على مشروعكم الثقافي والبحثي.. أم أن المشروع المعرفي الذي تشتغلون فيه غني عن الأوطان؟

<< دون شك أن العيش خارج الوطن هو بحد ذاته موقف. وعادة ما تكون الهجرة إما لعلاقة بطلب المعرفة أو  لأسباب اقتصادية أو سياسية. بالنسبة لي كانت الأمور مرتبطة بالجانب المعرفي والسياسي. وهذا ما حدد المسار المعرفي والفكري وحتى النفسي كما أسميته أنت في السؤال. ومما لاشك فيه وجود علاقة بين الجانب الفكري والنفسي فيما يتعلق بالعيش خارج الوطن، لسبب بسيط هو أنه يضعك في إطار علاقات اجتماعية وثقافية وقيم تختلف -في حالات كثيرة- اختلافا كبيرا عما هو متعارف عليه في أوطاننا. وبهذا المعنى هناك قضيتان لا بد أن تواجههما، القضية الأولى إمكانية التحصيل المعرفي التي من خلالها تعيد بناء نفسك معرفيا، والثانية هي التعايش والاندماج بالثقافة الجديدة، وهو ما يؤدي إلى نتائج يصعب تصورها مسبقا. إذ قد تؤدي أيضا إلى الانكفاء والرجوع نحو السلفية، وهذه ظاهرة ملحوظة في العالم المعاصر، حيث يصبح الخروج من العالم العربي (على سبيل المثال) إلى بلدان متطورة في ميدان الديموقراطية والعلمانية مثل بلدان أوروبا الغربية، حيث نلاحظ إلى جانب التشبع بقيم الحرية والديمقراطية الدنيوية (العلمانية) انكفاء حاداً وغريبا في الوقت نفسه نحو  السلفية والتعصب. وهذه ظاهرة قد تحتاج إلى دراسة سوسيولوجية ونفسية. ولكننا نرى العكس لدى أشخاص درسوا فيما كان يعرف بالمعسكر الاشتراكي، بحيث لم تؤد تجربتهم تلك إلى بلورة شخصيات تتسم بالنزعة السلفية أو الأصولية الإسلامية أو غيرها. لكنها أدت في بعض الحالات الى إنتاج  أصولية شيوعية إذا صح استعمال هذا المصطلح. إلا أنها عموما ظاهرة قليلة الشأن وغير مؤثرة.،وهي ظاهرة غاية في الطرافة والغرابة قد تحتاج إلى الاهتمام الجدي ومناقشتها. إلا انه ليس الآن مجال التحدث فيها. فيما يتعلق بي شخصيا، فإن المرحلة التي عشتها في الاتحاد السوفييتي، أي زمن صعودها وهبوطها، قد أثرت على عدة مستويات، وأهمها الرؤية النقدية. فقد ساهمت بصورة فعالة في إزالة الكثير من المفاهيم الأيدلوجية والقيم المتعلقة بالأحكام المسبقة لا سيما السياسية منها، وساهمت أيضا في بلورة رؤية نقدية تجاه كل شيء بما في ذلك تجاه النفس. وهذه هي النتائج الأهم بالنسبة لكل شخص يهتم بقضايا المعرفة والإنتاج الفكري، على اعتبار أنه من المستحيل أن تنتج فكرا يتسم بالموضوعية والعلمية وبإمكانية التأثير على الآخرين في حالة عدم اتسامه بنزعة نقدية مبنية على أسس علمية وليس لمجرد معارضة الآخرين. في هذا الإطار فإن الغربة، وليس الاغتراب، قد أثرت بي على الصعيد الفكري، وأيضا أثر على ما تدعونه بالمشروع الثقافي والفكري. فالمشاريع الفكرية - كما نعرف- لا تظهر مسبقا وإنما تتبلور في مجرى تطور الشخصية. الغربة بالنسبة لي أثرت في بلورة بعض المفاهيم والقيم والمشاريع الفكرية التي تتعلق بالعالم الإسلامي بشكل عام والعربي بشكل خاص. فالمرء في حالات كثيرة يصعب عليه رؤية نفسه كما هو، وليس غريبا فيما يبدو انه صنع المرآة ليبتعد عن نفسه وليراها أيضا في الوقت ذاته. والمرء يرى عالمه الخاص بصورة جيدة عندما يبتعد عنه. فعندما تعيش في وسط الأحداث من الصعب عليك فهمها، كما أن النظر إلى الغابة من بعيد يمنحها صورة أوضح. أما في ميدان الفكر فالابتعاد هنا ليس ابتعادا مكانيا بقدر ما هو ابتعاد في ميدان التجريد. والفكر لا يمكنه أن ينظر إلى الواقع عميقا ما لم يتجرد، وبهذا المعنى ساهمت الغربة في صياغة رؤية تجريدية تجاه الواقع العربي، حيث أعطتني إمكانية النظر إليه بصورة أكثر شمولية وأكثر ابتعادا عن الأحداث اليومية الجارية التي تؤثر بهذا القدر أو ذاك على المواقف الفكرية والسياسية. أما مسألة أن المشروع البحثي غني عن الأوطان، فهي مسألة يصعب الجزم فيها وقد لا يصح الإطلاق فيها. فالمشاريع الفكرية الكبرى وثيقة الارتباط بالأوطان حتى في حال الغربة أحيانا او الاغتراب عنها. وهي ظاهرة اكثر منا يتحسسها الشعراء. فالوطن بهذا المعنى ليس فقط تربة، بل وانتماء. ويمكنه أن يتخذ صورا شتى مثل الانتماء الثقافي والوجداني والفكري وإن شئت الانتماء السياسي أيضا. بمعنى آخر، ليس هناك من إمكانية للتفكير بمشروع ما بمعزل عن قضايا تشكل لب الهم الفكري. ولابد للهموم الفكرية أن ترتبط أما بإنسان ما أو بفئة ما أو بشعب معين. ويمكن القول بأن المشاريع الفكرية الكبيرة لا يمكن أن تنشأ دون أن ترتبط بالهموم الكبرى في العالم الذي تعيشه، وفي هذه الحالة لا يمكن للعالم أن يكون مجردا، لاسيما وانه ملموس على الدوام. خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار الحقيقة القائلة، بأن الإنتاج الثقافي هو إنتاج ملموس. لهذا السبب أقف بالضد مما يسمى بالمشاريع الفكرية الشمولية، انطلاقا من الفكرة التي أطرحها والتي تقول بأن الثقافة هي ليست منطقا ولا بديهة، وإنما نتاج معاناة الأمم والشعوب في كيفية مواجهة وحل الإشكاليات الكبيرة في بناء النفس.              

* يقول أبو حيان التوحيدي أن وطنه هو المكان الذي يستفيد منه ويُفيده. هل من ثناء تحملونه للبلد الثاني (روسيا) على صعيد البحث المعرفي، وهل يساوركم بأن هذا البحث كان سيتأثر سلبا (أو ربما إيجابا) لو أن مقامكم ظل في الوطن؟

<< فكرة أبي حيان التوحيدي سليمة بدون شك. إلا أنها شأن كل تعميم بحاجة إلى تدقيق وتخصيص في المواقف. ففي الإطار العام يصعب الحديث في كل ما له علاقة بالماضي بكلمة (لو). والتاريخ لا يقرّ بكلمة »لو«، وذلك لأنها في حكم التمني. أما الحياة فيصعب تحديدها بقانون مسبق، واليقين المطلق فيها كونها تبتدئ بصرخة وتنتهي بها، وفيما بين هاتين الصرختين تمتد حياة الأفراد. الغربة تؤثر على بلورة الشخصية، والشخصية المتكونة هي شخصية متراكمة ومرتبطة مع نمط الحياة في هذا المكان أو ذاك. والعيش في روسيا أرجعني إلى وطني بطريقة مختلفة. وفي هذا الرجوع إشارة إلى ما في الطبيعة نفسها من حقيقة تقول بأن الأنهار تصب في النهاية بمصب واحد مهما كانت مساراتها عنيفة ومتقطعة. وفي هذه العملية يمكنها فقط أن تصنع بحرا. والجهود التي أبذلها تسير في هذا الاتجاه بمعنى المساهمة مع الآخرين في كيفية إعادة توسيع هذا البحر الكبير الذي ميز تاريخ العرب والمسلمين سابقا، وهو الثقافة العربية الإسلامية.   

* على خلفية أن الكثير من العقول العربية وجدت أوطانها الحقيقية في الخارج، هل توافقون بأن البلدان العربية أوطان طاردة؟ ما هي قصة هذا التهيب من العقول؟ وهل مشكلة إقصاء الآخر المختلف والمتميز مشكلة بنيوية لها وجود حقيقي داخل النسيج الثقافي والاجتماعي العربيين، أم أنها مشكلة سلطة ونظام سياسي فقط؟، على الرغم من ظهور أنظمة حديدية كما كان الحال في الاتحاد السوفييتي، إلا أنها لم تقف حائلا دون تطور بلدانها في مجالات كثيرة ومنها مسألة التعليم والثقافة؟

<< لا يمكن إعطاء إجابة واحدة وحاسمة بهذا الصدد. إلا أن الشيء الذي يمكننا الجزم به هنا هو أننا نقف أمام مشكلة فعلية وهي مشكلة هجرة العقول العربية المفكرة والمنتجة إلى الخارج. وهذا واقع يعود لأسباب عديدة منها طبيعة النظم السياسية في البلدان العربية، وطبيعة العلاقات الاجتماعية ومستوى توفير الحدود الدنيا للشخصية من أجل أن تتكامل في إبداعها. فالإبداع هو ليس فرديا بقدر ما هو صيغة من صيغ التكامل. والمرء من أجل أن يتكامل ينبغي أن يعطي، والعطاء هو الأسلوب الأمثل لتجسيد الشخصية المتكاملة. إذ لا يمكن للمرء أن يجسد ذاته بصورة متكاملة في ظل ظروف سياسية قاهرة تضع حدودا لإبداعه الفردي. ونعرف جيدا بأن العالم العربي سواء في مستوى البنية السياسية أو الاجتماعية مازال بعيدا عن فكرة الحرية الفردية بوصفها الطاقة الضرورية التي من خلالها يمكن أن تتكامل الخلايا الحية في المجتمع. فالعالم العربي ما زال يعاني من مشكلة القدرة على بناء مجتمعات مدنية. والمجتمعات المدنية هي الشرط الأساسي للإبداع الفكري. ونعرف في تاريخ الدول والأمم أن ثمة إبداعات فكرية وعلمية هائلة جرت في ظل أنظمة استبدادية وقاهرة، إلا أنها ليست قادرة على التكامل والديمومة. وفي كل الأحوال أنها لا تستطيع تطويرها بصورة دائمة بحيث تجعل منها ثقافة متنورة ومتفتحة. فالشخصيات المبدعة (في ظل تلك الأنظمة) تظهر كردة فعل مناهضة ضد التيار الجارف من الاستبداد دون أن تكون قادرة على خلق شعوب مثقفة.. شعوب تهيئ الحد الأدنى الضروري لإنتاج أعداد كبيرة من المفكرين والأدباء والفنانين والشعراء. وإذا نظرنا إلى العالم العربي، نجد بأن هذه الإشكالية أخذت تستفحل في النصف الثاني من القرن العشرين، بدءاً من صعود الراديكالية السياسية بمختلف نماذجها العسكرية، مما أدى إلى رفع الحدود والحواجز التي تقف أمام الإبداع. وعندما نلقي نظرة سريعة حول كمية ونوعية الإبداع المتنوع ما بين بداية القرن العشرين حتى الستينيات منه فاننا سوف نقف أمام إبداع هائل وعظيم أيضا في ميدان الفكر والأدب والفن والموسيقى والغناء وغيرها، رغم كل الأوضاع الصعبة والمتخلفة أيضا بسبب بقايا العثمانية والاحتلال الأوروبي. إلا انه كان نتاجا طبيعيا ومتراكما ظهرت بأثره شخصيات مبدعة وهامة في مختلف ميادين الحياة. بينما تغيرت الحالة بصورة كبيرة جدا مع نهاية القرن العشرين حتى الآن. نلاحظ كثرة من الكتاب في كل مكان، لكنها غير متطورة في الإبداع النوعي مع ضعف بائس للغاية في مجالات الإبداع العلمي النظري منه والتطبيقي. بل أننا لا نعثر على إنتاج فكري له وزن في ميادين الفلسفة والفكر الاقتصادي والسياسي، ونجده إلى حد ما في مجال الأدب. حيث نعثر على نتاجات جيدة نسبيا لكنها لا ترتقي إلى مستوى الظاهرة العالمية. إنني لا أتحدث هنا عن أفراد بقدر ما أتكلم عن ظاهرة. فقد استطاعت أمريكا اللاتينية على سبيل المثال إنتاج الكثير من الأدباء الذين ارتقوا بإبداعهم عالميا وأصبحوا جزءا لا يتجزأ من الثقافة العالمية المعاصرة، بينما لا نجد هذه الظاهرة في العالم العربي بعد مع أننا نمتلك طاقات كبيرة قد تزيد في الكثير من جوانبها مما هو موجود في مناطق وقارات ودول متطورة عالميا واقتصاديا وتكنولوجيا. إن هذا التخلف المريع في الكثير من جوانبه وثيق الارتباط بطبيعة النظم السياسية. لهذا يصعب القول بأن الأوطان العربية هي أوطان طاردة للفكر والمفكرين أو أنها حاضنة لهم،وذلك لسبب بسيط يقوم في كونها أوطاناً لا تمتلك ذاتها. لقد جرى عمليا اختزال فكرة الوطن والوطنية إلى حدود جغرافية، وهذه اختزلت بدورها إلى حدود سيطرة العائلة والقبيلة والحزب السياسي. بعبارة أخرى لقد جرى اختزال كل ما هو موجود في أغلب البلدان العربية إلى صيغة سياسية متخلفة. وسبب ذلك يقوم في أن العالم العربي لم يتقن أو لم تسده بعد الفكرة القائلة بأن حقيقة السياسية تقوم في إدارة شؤون المجتمع والدولة وليس في بسط السلطة والتسلط. وهو الأمر الذي ينبغي القيام به فيما لو أرادت البلدان العربية الوصول إلى مصاف البلدان المتطورة. والمعضلة الأساسية الآن هي ليست في استعادة الفكر باسترجاع عقول من سافر إلى الخارج، بقدر ما هي في هيكلة البنية الثقافية للتربية والتعليم والمجتمع ككل من أجل صنع قاعدة اجتماعية اقتصادية وعلمية قادرة على إنتاج مثقفين ومفكرين بشكل دائم ومستمر، وهذه المعضلة يمكن أن تحل بمساعدة العقول المغتربة في حال توفر شرطين أساسيين وهما: الدولة الشرعية، أي دولة المؤسسات، وثانيا الثقافة الحرة، المحصنة والمدعومة من قبل مؤسسات المجتمع المدني. عندئذ فقط يمكن الحديث عن عالم عربي يمكن أن يكون مركزا من المراكز العالمية قادرا على استقطاب القوى المفكرة، وأيضا أحد المنتجين الكبار على المستوى العالمي، لا سيما وأننا نمتلك تاريخاً عريقاً في هذا المجال.

 فالعالم الثقافي القديم، على سبيل المثال، يتكون أو يستند إلى ثلاث ثقافات »عالمية« كبرى هي الثقافة الصينية والثقافة الإغريقية والثقافة العربية الإسلامية. هذه حقيقة لا يمكن أن ينكرها أحد. ودور الثقافة العربية الإسلامية كان أقوى بكثير من الثقافتين الأخريين، بسبب أنها استطاعت إشراك مختلف القوميات والشعوب في هذه العملية، بمعنى أنها »عالمية« فعلا، كما استطاعت إنجاز ذخيرة هائلة من الإبداع النظري المكتوب، وهي قضية غاية في الأهمية. فهي تحتوي على كنوز أو خزانات أو أرشيف ضخم من الثقافة المدونة المكتوبة والمنقولة مما يجعل منها بحق ثقافة عقلية ومنطقية وإنسانية في الوقت نفسه.

* ولكن هذا يقودنا إلى التحدث عن الوضع الذي كانت تعيشه الشخصيات المنتجة في ذلك المجتمع العربي، سواء الحظوة من قبل الدولة أو من قبل المجتمع. نجد على سبيل المثال أن ابن رشد كان يتبوأ وظيفة قاضي قضاة الأندلس، وآخرين غيره كانوا فاعلين في محيطهم وثقافتهم بسبب المناخ السياسي والاجتماعي الذي احتضنهم.

<< لا شك أن السبب يعود إلى بنية الدولة في ذلك الوقت مقارنة بما نعيشه الآن، مع العلم بأن عيشة الفلاسفة سابقا لم تكن هنيئة جدا كما ذكرت، وابن رشد تعرض للمضايقات وأحرقت كتبه. ولكن، ومع ذلك، فإن هذه المسألة لا تتعلق بمرحلة تاريخية معينة بقدر ما ترتبط بطبيعة العلاقة بين المثقف والسلطة. نعرف بأن الفكر يدعو إلى الحرية والسلطة تدعو إلى النظام، والفكر يدعو إلى الانطلاق بينما تدعو السلطة إلى ضبط الأمور. الفكر دائما مفتوح وغير متناه بينما السلطة مغلقة ومتناهية، الأول مرتبط بالحقيقة بينما الثانية لا تتجسد إلا بالقوة، وأنا لا أجد ما يدعو إلى التناقض بين الاثنين بقدر ما أن لكل منهما عالمه الخاص، وعندما تتكامل الثقافة بمعايير الحقيقة وتتكامل السلطة بمعايير الحق، آنذاك يصبح الاتفاق والاقتراب بين الاثنين ممكنا، وآنذاك فقط تتحول العلاقة بينهما إلى علاقة مبدعة. والسبب الجوهري فيما يمكنه أن يكون أمرا طيبا أو جميلا أو جديا ومثمرا بين المثقف والسلطة في العصور القديمة هو في الأغلب نتاج تراكم الفكر والثقافة والنظام السياسي. فقد كانت الدولة والسلطة لحد ما محكومة أيضا بجملة من القيم والمفاهيم المرتبطة بفكرة الشريعة والسنة والاجتهاد العقلي الفقهي الذي أثر في صياغة نموذج معين من الدولة التي لعب فيها المفكرون بمختلف مشاربهم وميادين إبداعهم دورا هائل الشأن. وهنا يمكننا فقط الإشارة الظاهرية التي لعبها المتكلمون والفقهاء والأدباء والفلاسفة والصوفية والشعراء في إرساء الأسس النظرية والمعنوية للدولة وبالتالي للثقافة ككل. إذ لا تعقل الثقافة العربية الإسلامية بدونهم. والأهم من ذلك عمل الأغلبية المطلقة منهم ضمن إطار مرجعيات ثقافية خاصة. وهو الأمر الذي أعطى للثقافة والدولة الإسلامية مصداقية ارتبطت أساسا بكيفية تمثيلهما لجملة من المرجعيات الكبرى. فقد نشأت الثقافة الإسلامية بالارتباط مع صيرورة مرجعيات كبرى صنعت ما ندعوه بكلمة الأصول: كالقرآن والسنة والعقل وأضيف إليها لاحقا الإجماع. هذه المرجعيات كانت تتحكم بمواقف المفكرين وفي كيفية معالجتهم للأمور. إذ كان ينبغي الرجوع دوما إلى مفاهيم القرآن والسنة والعقل ضمن الإطار أو المدرسة الفكرية التي يمثلها هذا المفكر أو ذاك. وكذلك الحال بالنسبة إلى إمكانية الاتفاق على مفاهيم قادرة على استقطاب تأييد الأمة من خلال فكرة الإجماع. بالإضافة إلى أن المدارس الفكرية كانت تتطور ضمن  إطار مرجعيات فكرية خاصة بها. نلاحظ ذلك من خلال نشوء مدارس فكرية أصيلة متميزة في الثقافة الإسلامية تتمتع بمبادئها الخاصة. فعندما نتحدث عن المدرسة المعتزلية فإننا نعرف جيدا بأن لهذه المدرسة مبادئها الخاصة المشهورة. كما نعثر في وحدتها على تنوع بالاجتهاد والإبداع، ومنها ظهور فرق كبرى فيها مثل النظامية والجاحظية والبهشمية وكثير غيرها. وهي ظاهرة متميزة وذات أهمية معاصرة أيضا. وقد سبق وان تناولتها بكتاب خاص طبع قبل سنوات طويلة بعنوان (علم الملل والنحل) كما أعدت تناولها في كتاب موسع جديد سوف يظهر قريبا عن دار المدى بعنوان (الحضارة الإسلامية - ثقافة الاعتدال واليقين). بعبارة أخرى أنني أردت القول، بان تنوع المدارس والفرق كان محكوما باشتراك المرجعيات وتنوع تمثل المبادئ الكبرى. الشيء نفسه يمكن قوله على مدرسة أخرى كالأشعرية حيث تفرعت منها مدارس وتيارات عديدة. وينطبق هذا أيضا على تيارات إسلامية عامة مثل السنة والشيعة والخوارج. كل هذا ينقلنا إلى الحديث عن مرجعيات كانت تحكم بقدر واحد المدارس والاتجاهات الفكرية والسياسية وكذلك منطق الثقافة العام. مما أدى في نهاية المطاف إلى نشوء نوع من العلاقة الممكنة بين الدولة والمفكرين. ففي حالات كثيرة كانت العلاقة بينهم شفافة ومن ثم أسهمت في تطوير الفكر الاجتماعي والإنساني في مختلف ميادينه. أما بالنسبة للدولة المعاصرة فإنها تعاني من ضعف في هذا المجال. والسبب التاريخي والاجتماعي لذلك يقوم في أنها لم تنشأ تلقائيا، أي نتيجة لتطورها الذاتي. إذ أننا نعرف اغلب الملابسات التي لفت التاريخ السياسي العربي المعاصر كاتفاقية سايكس بيكو وانقسام العالم العربي والتمايز الثقافي الذي جزأ مناطقه الكبرى مثل منطقة الهلال الخصيب، والشام، والجزيرة، ومصر والنوبة، والمغرب. ولا شك بأن التنوع الثقافي كان موجوداً دائما، لكنه أدى بأثر انحلال المركزية الثقافية المترتب على انحلال مركزية الدولة، إلى غياب هموم موحدة بإمكانها أن تشرك الجميع من مفكرين وأدباء في عملية واحدة من أجل الإسهام في ميادين الإبداع.

نحن نعرف جيدا حدود الهموم المشتركة في الثقافة العربية الإسلامية قديما. مما جعل من موضوعاتها مادة للنقاش والجدل والبحث. ومن ثم المساهمة الدائمة والمتنوعة في ربط النفس بالنفس وبتراثها وتاريخها. بحيث لم تفقد هذه الهموم قيمتها لأسباب متعلقة بالمكان والزمان. ويمكن الإشارة إلى كتاب الغزالي في نقده للفلاسفة، والرد الذي كتبه ابن رشد بعد مائة سنة، الأول كان في بغداد والثاني في الأندلس. وهو نموذج يمكن الإتيان بمئات بل آلاف منه في مختلف العلوم. لقد كان ذلك تراكما حقيقيا في المعرفة. أما في العالم العربي المعاصر، فقد أدى صعود النخب السياسية التي اتسم اغلبها بالتخلف الاجتماعي والثقافي إضافة إلى نزوعها الراديكالي، إلى أن يكون أسلوب تعاملها مع شؤون الدولة والمجتمع مبنيا على علاقة من القطع الدائم، وبالتالي قطع التراكم. في حين أن المعرفة الحقيقية هي المعرفة المتراكمة. أما الشيء الوحيد الذي أتقنت إعادة إنتاجه فهو »تكرار« وجودها في السلطة وقد كان ذلك يتضمن من الناحية الباطنية إعادة إنتاج النخب السياسية المتخلفة وربط متزايد للمثقفين بها بحيث أفقر الثقافة والمثقف وجعله أسيرا لاحتراف الرذيلة وليس العلم والفضيلة. وهي حالة تتعارض مع فكرة التراكم بوصفه الطريق الوحيد للمعرفة الحقيقية. خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار الحقيقة القائلة، بان تراكم المعرفة يفترض بالضرورة نسبة عالية من الاحتراف وتمثل تجارب الماضي. كما تفترض بالضرورة تراكم الشخصية والسلطة. وهذه قضية لا يستطيع أن ينجزها الجهلة وأنصاف المتعلمين. إضافة لذلك أن هذه القضية لا يمكن أن تتمثلها بصورة سليمة، البنية التقليدية من عشائرية وعائلية وما شابه ذلك. وفي غياب السلطة الحقيقية باعتبارها خادما لدى المجتمع أو أجيرا (بصورة أدق) تتمثل مصالحه وتعبر عنها بطريقة تجعل من الثقافة جزءا عضويا في بناء الدولة في مختلف الميادين. وبغياب ذلك تنعدم الصلة المثلى بين المثقف والسلطة. وهي صلة يستحيل بناؤها ما لم تجر  إعادة بناء المؤسسة السياسية التي تصبح فيها السلطة مؤسسة متداولة (كما يشير معناها اللغوي). بعبارة أخرى نحن بحاجة إلى سلطة تتراكم في تنوع أفرادها، والتي تلعب الثقافة في تدويلها دورا هاما. وما لم يجر تحقيق هذا الشرط الأساسي من الصعب جدا أن تعثر على سلطة قادرة على إيجاد علاقة طبيعية مع المفكر. بمعنى بلوغ الحالة التي تعمل فيها السلطة بمعايير الحق، والمفكر بمعايير الحقيقة، وفي حالة عدم توفر هذا الشرط، سيصبح المفكر إما أجيرا عند السلطة أو هراوة بيدها أو مهاجرا أو مغتربا أو مناهضا أو معارضا أو عدوا. والنتيجة في كل الأحوال تؤدي إلى تبذير الجهود والطاقات واغتراب السلطة والمجتمع مع ما يترتب على ذلك من مآس لا تحصى. ولعل تجربة العراق الذي انتمي إليه نموذجا »كلاسيكيا« بهذا الصدد.

* طالما نهل العرب المسلمون قديما من ثقافات مختلفة وتأثروا بها لا سيما بالثقافة الإغريقية دون أن يشكل ذلك أي هاجس بالخطر على ثقافتهم من إصابتها بالوهن جراء الاختلاط. ما نراه ونسمعه الآن من أصوات تنادي بالالتفاف على الثقافة لصونها من تكالب الآخر، وهو الأمر الذي وصل حد مطاردة وطرد وتخوين من يهوّن من ذلك الخطر. ما هو تقييمكم لهذه الحالة ونتائجها؟

<< الصيغة التي يتعاطى بها الكثير من العرب مع هذه القضية عادة ما تتسم بالغموض والابتذال. وفي الإطار العام أنها صيغة تعبر عن انغلاق وعجز. انها لا تدرك حقيقة أن الثقافة الإنسانية هي ملك للجميع. وعلى كل حال فالقضية ليست جديدة. وعندما طرحت هذه القضية أمام أحد الفلاسفة العرب القدماء وسئل عن مسألة التأثر بثقافة الآخر، أجاب: بضاعتنا ردت إلينا وهذا دليل بأن القدماء كانوا يدركون بأن منطق الثقافة لا يمكن حصره بنفسية »لي« و »مني« و»لك«. فهي »بضاعة« للجميع. وهي نظرة فلسفية لا سوقية فيها وعندما سئل فيلسوف آخر: لماذا تأخذون من الإغريق؟ قال: لقد بقيت الفلسفة الإغريقية كما هي، وتجارب الزمن لم تنفها، وهذا دليل على أن ما فيها سليم. بعبارة أخرى، فإن الشيء القادر على الحياة لفترة طويلة، يتضمن دليلا على أنه جزء من تاريخ الحياة. والفكر الحقيقي هو الحياة الحقيقية بمستواها المجرد. وإذا كان الأمر هكذا، فما هو الضير يا ترى في أن تجري الاستفادة من تجارب الآخرين وإبداعهم؟ ولماذا نعتز عندما نسمع شخصا أو ثقافة تقول بأنها قد تأثرت بالثقافة العربية الإسلامية؟ ألا يجب أن يكون العكس صحيحا هو الآخر؟ يجب أن نعتز عندما نتعلم من الآخرين، ولكن مع معرفة أنه ثمة فرق بأن تأخذ المعرفة معرفة أصيلة أو تقليداً فجاً. فحقيقة المعرفة لا تعرف التقليد والمعرفة الحقيقة هي إبداع على الدوام بغض النظر عن مصدرها. لأن المعرفة هي قيمة بحد ذاتها. وهي فكرة بلورتها الثقافة الإسلامية بصورة بليغة للغاية عندما رفعت العلم إلى مستوى الفضيلة القائمة بذاتها. أما ما نراه في العالم العربي المعاصر فأغلبه استهلاك. لقد فهموا »البضاعة« بحرفيتها ومن ثم تحولت المعرفة إلى استهلاك لها بمعنى غياب المشاركة الفعالة في إنتاجها وصنعها. أما الغموض الذي يلف فكرة »المعارضة« و»الرفض« فإنها تتصف برياء لا مثيل له مثل استعمال الانترنت لمهاجمته أو تكفير العالم اعتقد أن كل هذه الأنواع »الفكرية« هي شكل من أشكال الرياء النفسي و السياسي، وهو في نهاية المطاف رياء يتناقض مع أبسط تجليات الحقيقة. وهذه قضية غاية في البساطة، ومع ذلك، وللأسف، مازالت تثير جدلا فكريا. وهو جدل يعكس ضحالة وسطحية المفاهيم التي تعبر عن طبيعة القيم الاجتماعية الفقيرة ورخاوة الدولة العربية المعاصرة. ولو لم يكن الأمر كذلك لسقطت مثل هذه القضايا وكفت عن أن تكون قضايا فكرية وسياسية.

لا ينبغي جر الإنتاج المعرفي إلى ميدان العلاقات السياسية المباشرة. فالمعرفة هي ميدان أوسع بكثير من متطلبات السياسة ومن حاجات الدول في صراعاتها فيما بينها وترتيب أمورها الداخلية. والثقافة العربية الإسلامية سابقا لم تجد صعوبة في تمثل تجارب الآخرين، ولم تطرح هذه القضية باعتبارها هما ثقافيا أو نفسيا. وذكرت سابقا بأن الدولة الإسلامية قد نشأت وتطورت بصورة تلقائية، وعندما ننظر إلى التراث العربي الإسلامي سوف نلاحظ أنه، وبعد مائة وخمسين سنة من نشوء الدولة الإسلامية، قد ظهرت لدينا شخصيات مفكرة كثيرة وعشرات المدارس الفكرية الكبيرة. وقد ذكرت في إحدى كتاباتي بأن الثقافة العربية الإسلامية كان يكفيها ظهور مفكر مثل الجاحظ لكي تعتد بنفسها وتفرض احترامها، فما بالك بوجود الآلاف من أمثاله؟. بعبارة أخرى، استطعنا في غضون مائة وخمسين سنة أن ننشئ مدارس فكرية لها استقلاليتها ومبادئها ومفاهيمها وقيمها. وحالما نقارن ذلك مع  المائتي سنة الأخيرة من تاريخ العالم العربي، فإننا لا نعثر على مدرسة عربية فكرية مستقلة قائمة بذاتها. إذ لم يستطع العالم العربي لحد الآن إبداع منظومات فلسفية وفكرية لمواجهة إشكالياته الخاصة. أما الفلسفات الغربية فهي فلسفات سليمة، لكنها غير قادرة على تقديم رؤية منهجية لهذه الإشكاليات. وهو الأمر الذي يجعل من العلاقة بالغرب علاقة استهلاكية بما في ذلك في ميدان المعرفة وليس إنتاجا معرفيا. ونجد ذلك في نزع المدارس الفكرية والمناهج كما لو أنها سلعة قابلة للتغير. إن ذلك لا يتعارض مع حقيقة المعرفة فيما لو كان التبديل والتغير عملية تلقائية نابعة من تجدد الحلول للإشكاليات الجديدة التي يواجهها العالم العربي. غير أن اغلب الإشكاليات الكبرى التي يواجهها العالم منذ عصر النهضة لحد الآن قد بقيت من حيث الجوهر  هي نفسها وهو أمر يشير إلى أن ما يجري هو تيار الزمن وليس تاريخ وعي الذات. أما النتيجة فهي ازدياد مستمر في المدارس وافتقار  في حقيقة المعرفة.

* كيف تنظرون إلى مسألة الإصلاح التي يدعمها الغرب ويروج لها في البلدان العربية؟ وما هو شكل هذا الإصلاح في بلدان لا تشهد أية ديمقراطية حقيقية؟

<< كاشتقاق لغوي، الإصلاح يفترض الصلاح والأصلح. وتاريخ الإصلاح في كل مكان يفترض بالضرورة وجود مقدمات ذاتية له، لسبب بسيط وهو استحالة تحقيق الإصلاح دون إدراك العقبات والأسباب القائمة وراء حالة الجمود أو التخلف أو التأزم في مجالات الحياة المختلفة. وهو ما يدفع رجال السياسة أو أهل الفكر أو تضافر الاثنين للبحث عن بدائل. والبدائل عادة ما تتأطر باتجاهين، إما باتجاه البحث عن بديل جذري وهو ما يتصف به الفكر الراديكالي، والطريق الآخر هو الذي يدعو إلى صيغة أكثر هدوءا وبأسلوب يتمثل تجارب الماضي ويقدم بدائل عقلانية للحالة المعاصرة. والاتجاه الثاني، يمثل حقيقة الإصلاح على خلاف الراديكالية التي تسعى لقلب الأمور رأسا على عقب. وهي ممارسات لا تؤدي في نهاية المطاف إلى إصلاح حقيقي،وذلك لاحتمال إعادتها البنية التقليدية السابقة ولكن بأطر جديدة. ذلك يعني أن حقيقة الإصلاح تفترض التراكم، كما أن حقيقة الثقافة هي تراكم، وحقيقة الدولة هي أيضا تراكم. والطبيعة في مختلف مظاهرها هي تراكم أيضا. فالشجرة العميقة الجذور القوية الجذع والوافرة الظلال  لا تنمو بين ليلة وضحاها، على عكس كل الفطريات. فالأولى تتميز بالبقاء والإثمار الدائم بينما الثانية عرضة للزوال السريع. وبقدر ما ينطبق هذا على ظواهر الطبيعة، ينطبق أيضا على المجتمع والدولة. بعبارة أخرى، إن الإصلاح في الثقافة والدولة يفترض تلقائيته. ولا يعرف التاريخ البشري تجربة إصلاحية ناجحة لم تعتمد على قواها الذاتية وإدراك طبيعة الخلل القائم في المجتمع والدولة والذي على أساسه يمكن اقتراح البدائل. بهذا المعنى، فالإصلاح من الخارج هو إصلاح لا معنى له، كما يستحيل تحقيقه. وسبب ذلك يقوم في كونه محكوما مسبقا برؤى وأسباب سياسية خارجية. وإذا كان هذا الأمر صحيحا في الماضي فهو صحيح كذلك في الظرف الحالي وفي المستقبل، وبغض النظر عن النية القائمة وراء الإصلاح من الخارج، فهي لا تؤدي إلى إصلاح حقيقي وذلك بسبب ارتباطها بمصالح مرحلية أو استراتيجية لقوى خارجية. وحتى في حال افتراض نيتها السليمة ورؤيتها العقلانية، فإنها ليست قادرة على تنفيذه بصورة سليمة. وسبب ذلك حسبما أشرت لأن الإصلاح الحقيقي هو أولا وقبل كل شيء نتاج تطور تلقائي وطبيعي للمجتمع. فالإصلاح الحقيقي هو حلقة في سلسلة وعي الذات التاريخي والقومي والثقافي للدول والمجتمعات والأمم. وضمن هذا الوعي يمكن للإصلاح أن يكون حلقة ضرورية في إدراكها لذاتها وإدراكها للتعقيدات التي تواجهها وفي تحديد إمكانية البدائل. فالتاريخ لا يحتوي على قانونية حتمية أو جبرية مطلقة، بقدر ما انه صيرورة الاحتمال. من هنا احتواؤه على إمكانية البدائل غير المتناهية. والإقرار بوصف الإصلاح احتياجا داخليا يفتح المجال أمام إمكانية رؤية مختلف البدائل. وهو أمر يؤدي بدوره إلى إدراك القوى الاجتماعية والسياسية والفكرية المختلفة لقيمة رؤيتها ومشاريعها المتعلقة ببدائل الإصلاح. آنذاك يصبح الإصلاح عملية اجتماعية سياسية وثقافية وليس مجرد عملية سياسية مرتبطة بمصالح نخبة حاكمة أو بمتطلبات دول ما من الخارج. لهذا أعتقد أنه من غير السليم الحديث عما يسمى بترويج الإصلاح من قوى خارجية لكي لا نقع في فخ الصمّ، ولكي لا يكون ذلك حاجزا أيضا أمام استرقاق السمع إلى من يطالب بالإصلاح. فنحن في نهاية المطاف جزء من كيان عالمي وجزء من عملية تاريخية كونية كبرى (العولمة). وهي ليست عملية مفروضة من طرف ما معين، مع أنها قد تتخذ في بعض مظاهرها هذه الملامح. إنها عملية تاريخية عالمية، والجميع يخضع لتأثيراتها حسب موازين الأقوياء. ومن أجل أن تساهم فيها، أو من أجل أن تمنع إمكانية فرض نمط من الإصلاح عليك من الخارج، فان  ذلك يستلزم تملك القوة التي توفر لك إنجاز إصلاحك الداخلي والتحكم بمساره. فالبدائل في عملية الإصلاح مرتبطة أساسا بمدى قدرة القوى السياسية والاجتماعية والنخب الفكرية على الاشتراك في صنع الإجماع على نوعية معينة من الإصلاح الواجب تطبيقه. وفيما يتعلق بالعالم العربي، أعتقد أن هذه القضية أقرب ما تكون إلى البديهية من حيث المظاهر العامة وهي: إصلاح الدولة من حيث تحويلها إلى دولة مؤسسات، والإصلاح الاجتماعي الذي يفترض أن تعمل الدولة والمجتمع والنخب السياسية على بناء المجتمع المدني والعيش حسب قواعده، وأخيرا العمل على بناء النظام الديموقراطي السياسي الذي يكفل إمكانية المشاركة السياسية من مختلف أطياف المجتمع باعتبارها جزءاً منه. إن حقيقة الإصلاح هي بالأساس حقيقة البدائل، والبدائل الممكنة والمطلوبة في الإصلاح هي بدائل منظومية، بمعنى البحث عن نظام إصلاحي كامل وليس استبدال شخصية بأخرى أو استبدال قانون بقانون أو تحسين طرف ما من الأطراف السياسية أو ما شابه ذلك. إننا نعرف جيدا بأن الحياة منظومة، والإنسان منظومة، والكون بأجمعه منظومة. إذ من الممكن (مثلا) أن تقوي أصابعك أو عينيك أو أنفك أو أي جزء من أجزاء جسدك، إلا انك ستحصل في النهاية على خراب فعلي لجسدك وروحك! فحقيقة الجسم والروح يفترضان ضرورة الحفاظ على نوع من التوازن فيهما. وفي التوازن فقط يمكن الحفاظ على ديمومة حركتهما الديناميكية وجمالهما. والدولة والمجتمع والثقافة أيضا منظومات، لذلك من الصعب التفكير بمشروع إصلاح حقيقي وشامل في الوطن العربي دون الأخذ بعين الاعتبار إصلاح الدولة والمجتمع والثقافة. ففي ميدان الدولة، يفترض أن تكون دولة مؤسسات شرعية، وفي المجتمع أن يكون مدنيا، وفي الثقافة أن تكون عقلانية إنسانية. فالثقافة العقلانية ليست الملجأ الأخير للنزعة الإنسانية، ولكن النزعة الإنسانية من دون أساس عقلاني متين قد تؤدي إلى صنع الكثير من الطوباويات والراديكالية السياسية. ومن أجل صنع ثقافة حقيقية يفترض البدء فيها من القاعدة إلى القمة، وأقصد بذلك البدء من تنظيم وإصلاح مناهج التربية والتعليم بالطريقة التي تؤدي في نهاية المطاف إلى صنع ذهنية متفتحة ونقدية وإنسانية وعلمية. وهذا يفترض وجود منظومة من المناهج متكاملة وقادرة على صنع شخصية متكاملة بدورها. والشيء نفسه يمكن قوله عن قضية بناء المجتمع والدولة. وبدون ذلك سيبقى العالم العربي جزءا من عالم التخلف وخارج الصيرورة المعاصرة للعولمة والتقدم الاجتماعي والاقتصادي والعلمي والتكنولوجي والثقافي. ومن دون وضع استراتيجية واضحة المعالم تتصف برؤية دقيقة بمراحل تطوير الدولة والمجتمع والثقافة، فمن الصعب الحديث عن إصلاح جدي. وبدون ذلك تبقى مسألة الإصلاح جزءاً من صراع سياسي ضيق لا يمكنها أن تؤدي إلى إصلاح حقيقي.

* لقد تكلمت في إحدى محاضراتك الأخيرة عن مشروع الإصلاح في العراق ضمن ما أسميته بفلسفة الاستعراق. فما هو مضمونها وآلية فعلها واستعدادها لتنفيذ إصلاح حقيقي فيه؟

<< لا يمكن الحديث عن إصلاح يتمتع بقدرة ترتقي إلى مستوى المنظومة دون تأسيسه نظريا من خلال فلسفة وطنية أو قومية، وبدون تحديد الأولويات الكبرى. وفي حالة العراق فان الإشكاليات التي يواجهها ترتقي جميعها إلى مصاف الأولويات وذلك بسبب الخراب الشامل الذي تعرضت له الدولة والمجتمع والثقافة. وهو الأمر الذي يفترض بدوره صياغة رؤية وطنية عامة للإصلاح بمقدورها تجميع القوى الواقعية والعقلانية من اجل تنفيذه. وهي قضية غاية في التعقيد بالنسبة لظروف العراق الحالية والمستقبلية، وقد تناولت الكثير من جوانبها في كتابي الصادر في اغسطس الماضي عن دار المدى بعنوان (العراق ومعاصرة المستقبل). وفيه وضعت الأفكار العامة عما ادعوه بفلسفة الاستعراق، بوصفها فلسفة الوطنية العراقية الجديدة. وهي رؤية تنطلق من تحليل تاريخ العراق وخصوصية ظهوره المعاصر. بمعنى أنها تآلف بين مكوناته التاريخية الثقافية وواقعه المعاصر بما يخدم إمكانية تأسيس مختلف البدائل والاحتمالات لمعاصرة المستقبل فيه عبر الخروج من مأزق التوتاليتارية التي أدت به إلى خراب شامل. بعبارة أخرى إن فلسفة الاستعراق هي فلسفة الهوية العراقية، أي فلسفة الحد الأقصى للرؤية الوطنية والقومية والدينية والدنيوية والاجتماعية والطبقية فيما يتعلق بمضمون الهوية الوطنية. وتقوم على عشرة مبادئ كبرى وهي:

إن العراق ليس تجمع أعراق؛ وانه هوية ثقافية سياسية؛ وانه غير معقول ولا مقبول خارج وحدة مكوناته الرافدينية العربية الإسلامية؛ وان العربية الإسلامية جوهر ثقافي؛ وان الهوية الثقافية المفترضة للعراق والعراقية هي الاستعراق؛ وان الاستعراق هو الحد الأقصى للقومية في العراق، وأنه فلسفة الحد الأدنى الضروري للوحدة الوطنية؛ وان الاستعراق هو أيديولوجية البيت الذي يمكن أن تتعايش فيه جميع القوميات بصورة متساوية ومنسجمة؛ وإن الاستعراق من حيث كونه نمط حياة عاما هو ضمانة البقاء ضمن الهوية التاريخية الثقافية للعراق والاحتفاظ بالأصول القومية الذاتية له، وان الخروج على الاستعراق من حيث كونه أيديولوجية وطنية ونمط حياة عام هو رجوع إلى العرقية،أي خروج على منطق الهوية الثقافية للعراق والعراقية وعلى مكونات وجودهما الجوهرية؛ وأن الخروج على الاستعراق بهذا المعنى هو خروج على الحكمة الثقافية والسياسية لتاريخ العراق، وبالتالي فهو خروج على القانون بالمعنى التاريخي والثقافي والحقوقي أيضا.  

وليس المقصود بان العراق ليس تجمع أعراق نفي التمايز العرقي والقومي فيه، بقدر ما يعني الإشارة إلى خصوصية تكون الأقوام والأمم فيه. فالعراق يمتلك تاريخا عريقا في المدنية، وتراثا حضاريا هائلا، قادراً على صهر مختلف الأقوام في بوتقة كينونته الثقافية. إذ استطاع أن يبدع في مجرى بناء مدنياته المتنوعة وحضاراته العديدة مرجعيات متسامية كانت تعيد إنتاج نفسها مع كل انعطاف كبير في حياته. وهي ظاهرة لها جذورها الأولية يما يمكن دعوته بالأبعاد الثقافية للقومية في العراق.

أما في ظروف العراق الحالية، وبالأخص من وجهة نظر معاصرة المستقبل فيه، فان البقاء ضمن حيز العرقية والقومية الضيقة، مهما كانت الأسباب والبواعث والمبررات، لا يعني سوى الانجرار صوب بقايا النفسية البدائية، أي نفسية ما قبل الدولة والتاريخ السياسي الاجتماعي. وهو الأمر الذي يجعل من الضروري تحويل الوحدة الثقافية لتاريخ العراق الذاتي إلى مرجعية سياسية لجميع أقوامه. لا سيما وأنها وحدة لها مقوماتها في نفس الهوية العراقية، بوصفها هوية ثقافية سياسية.

فالهوية الثقافية السياسية للعراق هي سلسلة تتكون حلقاتها من حضارات سومرية وبابلية وآشورية وعربية، إضافة إلى مكونات جزئية عديدة شارك فيها مختلف الأقوام والشعوب قديما ومعاصرة من عبرانيين وفرس وتركمان وأكراد، وكذلك مساهمات تنوعت من حيث مداها ونوعيتها من جانب أقوام وأمم وثقافات اضمحلت مكوناتها المباشرة كما هو الحال بالنسبة للحيثيين والإغريق والتتر المغول والأتراك العثمانيين وكثير غيرهم. كل ذلك يشير إلى تنوع وتداخل مختلف المكونات في نسيج وعيه الذاتي. مما أدى إلى أن تتبلور في مزاجه الاجتماعي وعقائده الكبرى نظرة ثقافية تجاه هذه المكونات، باعتبارها أجزاء منه لها قيمتها التاريخية والوجدانية، أي أننا نلاحظ غياب مزاج الرؤية العدائية أو الموقف من مكوناته الجوهرية والإضافات الكبرى لها.  وليس مصادفة أن يتحول العراق إلى مركز الحضارة الإسلامية وبؤرة إبداعها الثقافي. بمعنى تصيره مكانا قادرا على استقطاب مختلف الأجناس والأقوام والأمم في إبداع ثقافة كونية من حيث منطلقاتها وغاياتها. ذلك يعني انه استعاد الأبعاد الرمزية لبرج بابل، لا بالمعنى المقلوب الذي صورته كتب اليهود على انه المكان الذي تبلبلت فيه ألسنة الناس، أي المكان الذي تنوعت وانعزلت فيه أصوات الناس والأجناس بعضها عن البعض، بل المكان الذي تنوعت فيه اللغات وتوحدت في برج الإبداع المشترك للأمم. وهي حالة سوف تعيد إنتاج نفسها عندما تحولت بغداد إلى »دار السلام« و»دار الإسلام«، أي إلى مركز الاستقطاب الثقافي العالمي والمنفتح على الجميع. وهو استقطاب كان يتمثل عربيا (من حيث اللغة) تقاليد العراق الرافدينية، وإسلاميا (من حيث العقيدة). وفي هذا كان يكمن استمرار التقاليد العريقة للعراق وخصوصيتها في الوقت نفسه، بوصفه كينونة ثقافية.  فقد كان التوليف الجديد للعربية الإسلامية الصيغة التاريخية المضافة والمكملة لتقاليد العراق القديمة عن أولوية وجوهرية المكون الثقافي على المكونات الأخرى أيا كان نوعها. وهو الأمر الذي يجعل من غير المعقول ومن غير المقبول إدراك ماهية وحقيقة العراق خارج أو بدون وحدة مكوناته الرافدينية العربية الإسلامية. فهي هو وهو هي.

إذ طبعت العربية الإسلامية العراق بحقائقها الجوهرية، وجعلت منه كيانا واحدا لا يمكن عزل مكوناته المتنوعة. وهو واقع يفرض على الفكر السياسي العراقي المعاصر تمثل هذه الحقيقة التاريخية والثقافية من خلال إدراك وتجسيد الهوية الثقافية المفترضة للعراق بوصفها استعراقا. بمعنى الانطلاق من ضرورة تمثل الهوية الثقافية للعراق. وهي هوية ليست عرقية أو قومية ضيقة، بل ثقافية من حيث مرجعياتها وغاياتها تراكمت تاريخيا وتكاملت ثقافيا من مكونات عدة يصعب حصرها جميعا، إلا أنها تصب في الإطار العام ضمن ما ادعوه بالمكونات الرافدينية العربية الإسلامية. وهي هوية تحتوي بهذا المعنى على مختلف المكونات الحضارية والثقافية للأقوام والأعراق المنتشرة في تاريخ العراق وأراضيه، ألا أنها كينونة واحدة غير مجزأة من حيث محتواها.

فقد تعرضت الهوية العراقية، شأن كل كينونة تاريخية كبرى، إلى تحولات وهزات عنيفة في مجراها العريق. لكنها عادة ما كانت تعيد توليف ذاتها وتفعيلها من جديد مع كل انعطاف حاد. وهي حالة يقف أمامها العراق المعاصر بعد تعرضه لأحد أقسى الاهتزازات العنيفة في تاريخه المعاصر، التي تعادل من حيث مأساتها ما جرى له أثناء سقوط الدولة العباسية في منتصف القرن الثالث عشر. ومع أن الاختلاف بين الحدثين كبير من حيث المقدمات والنتائج، إلا انه يشير من وجهة النظر المتعلقة بظاهرة اهتزاز الهوية إلى ماهية الضعف البنيوي الذي أدى إلى اهتزازها الأخير. ولعل السبب الرئيس لهذا الاهتزاز الأخير يقوم في طبيعة الخلل البنيوي الذي أحدثته التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية بالنسبة للهوية العراقية. إذ أدتا بها إلى التفكك والتفتت والتهشيم والتهميش شبه الشامل لمكوناتها الثقافية. وهو السبب القائم وراء الانبعاث الجزئي والنسبي والقوي أحيانا للصيغ التقليدية السابقة لتاريخ الدولة مثل الطائفية والقبلية والجهوية والمذهبية وغيرها من الأشكال التقليدية المتخلفة عن حقيقة الدولة العصرية بشكل عام والشرعية بشكل خاص. ولا يعني ذلك سوى ظهور »هويات« جزئية ومتخلفة على هامش مكوناتها الجوهرية، كما تظهر الفطريات إلى جوار الجذوع الضخمة للأشجار الحية. وهي »هويات« ضعيفة وهشة من حيث مناعتها على المقاومة، إلا أنها شرسة ومرهقة في الوقت نفسه. وهي لا تعمل في نهاية المطاف إلا على التآكل الذاتي لقواها وقوى الكينونة التاريخية للهوية التاريخية الثقافية للعراق، أي لهويته الخاصة. وفي هذا تكمن مقدمة ما ادعوه بضرورة أن يكون الاستعراق الحد الأقصى للقومية. وليس المقصود بالحد الأقصى هنا سوى حد التلقائية الضرورية للتطور الاجتماعي في الرؤية القومية للقوى الاجتماعية والحركات الفكرية والأحزاب السياسية. بمعنى الانطلاق في تناول مختلف قضايا الفكرة القومية في العراق من زاوية تلقائيتها الاجتماعية والثقافية بالنسبة لمعاصرة المستقبل فيه، وليس حصرها في إطار عرقي أو قومي ضيق.

إن إدراك هذه الحقيقة يؤدي أولا وقبل كل شيء إلى الانفتاح على النفس، ومن خلالها على الآخرين. وهو الأسلوب الوحيد القادر على بناء مؤسسات الدولة الشرعية والنظام الديمقراطي والمجتمع المدني. كما انه أسلوب تحرير النفس من أسر العرقية عبر الانتقال بها إلى مصاف الرؤية الثقافية للنفس والآخرين. وهو الأمر الذي يشير إلى أهمية إدراك الأبعاد العملية (الأيديولوجية) للاستعراق، أي النظر إلى الاستعراق باعتباره أيديولوجية الكينونة العراقية التي يمكن أن تتعايش فيها جميع القوميات والأعراق والأديان والمذاهب بصورة متساوية ومنسجمة.

إن مرجعية الاستعراق بالنسبة للوعي السياسي الاجتماعي والقومي في العراق لا تكمن فقط في طابعها العملي والعقلاني، بل وفي قدرتها على تكوين نمط خاص ومتميز للعراق في المنطقة. وهي مهمة معقدة نسبيا، لكنها ضرورية بالنسبة لاستراتيجية معاصرة المستقبل. وبهذا المعنى يمكن لنمط الحياة هذا أن يكون نموذجا يحتذى به لحل القضايا القومية العالقة، وضمانة لحرية واستقلال المنطقة ودورها الفعال على المدى البعيد. وفي هذا السياق يمكنه أن يكون ضمانة البقاء الفعلي ضمن الهوية التاريخية الثقافية. لاسيما وأنها الهوية الوحيدة القادرة على توليف القيم المتسامية في التنوع القومي والثقافي. أما الخروج على الاستعراق من حيث كونه أيديولوجية ونمط حياة فهو رجوع إلى العرقية، ومن ثم فهو خروج على منطق الهوية الثقافية للعراق وعلى مكونات وجوده الجوهرية. وذلك لأن الخروج على منطق الهوية التاريخية الثقافية له سوف يؤدي بالضرورة إلى السقوط في مستنقع التعصب القومي بمختلف أشكاله الشوفيني والضيق أو الانغلاق العرقي وما يترتب عليه من نفسية الانعزال ورذائلها العديدة.

فالتاريخ هو ليس مجرد فكرة وعبرة، بل وشرط معاصرة المستقبل في العراق، بسبب المأساة الشاملة التي لحقت به من جراء الخروج على مضمون الحكمة التاريخية السياسية المتراكمة فيه. وهو الأمر الذي فسح المجال أمام صعود الهامشية والراديكالية والأقلية إلى السلطة والعمل بمقاييسها الضيقة. أما النتيجة الجلية لذلك فهو خروج تام على القانون. وهي نتيجة لم تتصف بها التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية فقط، بل ومرشح لها كل من يهمل تأمل نتائجها في حال الخروج عن الحكمة الثقافية السياسية في العراق. لأن إهمالها وتجافيها يؤدي بالضرورة إلى الخروج على القانون بالمعنى التاريخي والثقافي والحقوقي أيضا.

* هل هناك من أبعاد أخرى للاستعراق يمكنها أن تكون صيغة فلسفية سياسية تتعدى حدود العراق إلى العالم العربي والإسلامي؟

<< نعم! كما ترى ليس المقصود بالاستعراق هنا هو العراقية على معنى الفرعونية أو الفينيقية وما شابه ذلك. لأن ذلك يعني الرجوع إلى الوراء أو محاولة تكرار ما لا يمكن تكراره. على العكس أن مضمون الاستعراق يصب في إطار ما ادعوه بالقومية الثقافية. وهي رؤية متراكمة في مرجعيات الثقافة الإسلامية وتستنبط منها بمعايير المعاصرة. فالتاريخ الحقيقي هو تاريخ وعي الذات، وإلا فانه يتحول إلى مجرد آلة لاجترار الزمن. ومن ثم استحالة القيام بأي شيء جدي غير البقاء في حيز  إعادة إنتاج النوع! وهي حالة لا تلزم المرء أن يكون إنسانا بالضرورة! بعبارة أخرى إن المهمة الكبرى القائمة أمامنا في العالم العربي المعاصر تقوم في كيفية صياغة الفلسفة الجديدة للقومية العربية بالشكل الذي يرجعها إلى أصولها الثقافية وليس العرقية أو القومية الضيقة أو الدينية. وفلسفة الاستعراق تصب في هذا الجهد والتيار. بمعنى انها الصيغة المعقولة في ظروف العراق الحالية والمستقبلية القادرة على انجاز ما ادعوه بتأسيس الهوية القومية الثقافية للعرب.

* ألا يتعارض هذا مع ما تدعو إليه أو تؤسس له مما تسميه بالمركزية الإسلامية؟ وما هي حدودها الفعلية بالنسبة لما تدعوه بفلسفة البدائل الثقافية؟

<< ليس هنا من تعارض وذلك لأن كلا منهما يكمل الآخر. المركزية الإسلامية هي عملية تاريخية حضارية وثقافية كبرى والقومية الثقافة جزء منها. تماما كما أن المركزية الإسلامية لا يمكنها أن تتكامل بمشروع عالمي ما لم تتكامل الأمم الإسلامية بوصفها أمما قومية ثقافية. إذ أن ما يميز  المركزية الإسلامية خلافا للمركزية الأوربية على سبيل المثال، هي كونها مركزية ذاتية من حيث علاقتها بنفسها وبالآخرين. أي أن نياتها ومساعيها وجهودها المدركة وغير المدركة، العقلانية والوجدانية موجهة صوب تفعيل مكوناتها التاريخية - الثقافية الخاصة. وهي مكونات نعثر على صداها الحاضر فيما يمكن دعوته بالإجماع الخفي المتراكم في الوعي الاجتماعي والسياسي المعاصر في العالم الإسلامي على ضرورة تأسيس نظم للحياة تستمد مرجعياتها الفكرية والروحية من التاريخ الثقافي للحضارة الإسلامية وأممها المتنوعة. ومن ثم تحويل جهادها واجتهادها في مختلف الميادين إلى »قطب روحي« فعال في الصراع الحضاري. وهو جهاد واجتهاد يؤدي بالضرورة إلى تفعيل سياسي لمكونات الحضارة الإسلامية.

إن الاجتهادات النظرية المتنوعة في مساعيها لكشف علاقة الإسلام بالسياسة انطلاقا من واقع هذه العلاقة أو من ضرورتها تهدف في نهاية المطاف إلى بناء صرح تأويلي يؤيد أو يعارض هذه العلاقة لا إلى تأسيسها العلمي والعملي بمعايير الحاجة التاريخية والانتماء الثقافي. حقيقة أن هذا التأسيس هو الإشكالية الأعقد من الناحية النظرية والعملية، لأنه يفترض في آن واحد البقاء في حيز الانتماء الثقافي لعالم الإسلام وتقاليده المتنوعة، ومجاراة العالم المعاصر في إبداعات العقل والوجدان. وهو أمر يصعب بلوغه دون إدراك الحاجة التاريخية لهذا التمّثل بمعايير الانتماء الثقافي للتاريخ الذاتي(الإسلامي). حينئذ تتحول علاقة الإسلام بالسياسة إلى إشكالية يصبح تأسيسها النظري وتحقيقها العملي جزءاً من المرجعيات الثقافية للوجود والوعي الاجتماعي والقومي والإسلامي.

وإذا كان زمام المبادرة التاريخية في مجرى القرون الخمسة الأخيرة يعود للظاهرة الغربية (الأوربية)، فان مركزيتها العالمية أخذت بالانحلال مع انحلال إمبراطورياتها (النمساوية والإنجليزية والفرنسية والروسية) في نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. وأخذت بالضعف والتراخي أكثر فأكثر مع هيمنة القطبية السوفيتية - الأمريكية. أما الهيمنة الأمريكية الحالية، فإنها عرضة للزوال السريع. كل ذلك يشير إلى اضمحلال الهيمنة الغربية في مركزيتها الأوربية وصيغتها الأمريكية المعاصرة. وهو واقع يشير أيضا إلى أن القرن الحادي والعشرين هو قرن المواجهات الثقافية(الحضارية).

فالتاريخ الحقيقي، الثابت والراسخ في الوجود والوعي الاجتماعيين للأمم هو تاريخ الثقافة. ومن ثم فان الثقافة هي القوة الوحيدة القادرة على الاستمرار والفعل في ضمائر الأمم وعقولها. أما الهيمنة الثقافية للغرب الأوربي في مجرى القرنين التاسع عشر والعشرين فهي أخذت في الزوال والاندثار إلى غير رجعة، بعد أن استثارت في عالم الإسلام الظاهرة الإسلامية نفسها من سباتها الطويل تحت عروش الاستبداد. من هنا، فإن صعود الظاهرة الإسلامية نفسها لم يكن رد فعل على الهيمنة الأوربية(المادية والمعنوية)، بقدر ما كان رد فعل على الذات.

* هل يعني ذلك إذن أن نقف أمام صيغة عربية أو إسلامية لدعم فكرة صراع الحضارات؟

<< كلا! إنني أتكلم هنا حول الاحتمالات القائمة بوصفها لبّ الصراع داخل الثقافة نفسها. من هنا فان الاجتهادات المتنوعة داخل الإسلام والعالم الإسلامي لتأسيس الهوية هي جزء من المباحث الذاتية للثقافة وجزء من تعميق ما أسميته بالمركزية الثقافية التي تشكل ظاهرة المركزية الإسلامية جزء منها وليس العكس.. والمركزية الثقافية شأن كل مركزية هي نتاج تركيز دائم للقوى الروحية والمادية في إدراك قيمة ومعنى التوحيد الاجتماعي والروحي على أسس معقولة للحاضر ومقبولة في استجابتها لتجارب الماضي. وفيما لو تجاوزنا الآن تاريخ الظاهرة القديم وخصوصيتها في مراحل ازدهار الدولة السياسية - الثقافية(الخلافة)، فان آليتها الفعالة المعاصرة بدأت مع صعود الحركة الإصلاحية الإسلامية. فقد تمّثلت الإصلاحية الإسلامية تقاليد الدفاع عن النفس وتأسيس الهوية الشرقية في مواجهة الغرب الأوربي الكولونيالي. فقد كان الشرق في مواجهته الأولى للغرب في نزوعه العملي الموحد وأيديولوجيته الكولونيالية الموحدة، ذرات متناثرة. أي انه كان يفتقد للمركزية الذاتية. إلا أن المواجهة اللاحقة بدأت تتراكم في عقول وضمائر الأمم الشرقية ليس فقط إدراك الغرب الأوربي، بل والنفس أيضا. وهو إدراك بلوره وحدده ليس التطور التلقائي الثقافي للشرق، بل آلية المواجهة والتحدي والصراع مع الغرب.

فقد اضطر الشرق منذ اللحظات الأولى للصراع إلى أن يواجه غزوا »متمدنا«، وأن يتحسس روح الفضيحة القائمة فيه. مما اجبر الشرق في البداية على البحث عن »شرقيته« لمواجهة »غربية« الغرب، وفيما بعد تجزؤ هذه »الشرقية« إلى شرقيات متنوعة، حصلت في عالم الإسلام على صيغتها الأولى بظهور مفهوم »الشرق المسلم« وتعميقه اللاحق في تيارات متنوعة عمّقت بمجموعها عناصر ما يمكن دعوته بالمركزية الإسلامية. واتخذت هذه المركزية الإسلامية في مجرى تطور العالم الإسلامي صيغا وأبعادا سياسية متنوعة ومختلفة، عبّرت بمجموعها عن حوافز المواجهة والتحدي واستثارة الإرادة. أي كل ما كشف سياسيا وثقافيا عن نزوع الإسلام للتعبير عن المصالح الجوهرية للعالم الإسلامي من خلال تحوله إلى »مشكاة« المواجهة الثقافية مع الغرب(الأوربي) آنذاك. وهو تحول تعمق في مجرى القرن العشرين رغم التحولات العاصفة فيه. ويجدر القول أن المركزية الإسلامية لا تشبه في شيء المركزية الأوربية، لا من حيث مكوناتها ولا من حيث مبادئها الكبرى ولا من حيث غاياتها العملية. فقد سعت المركزية الإسلامية، من الناحية التاريخية، إلى وضع أسس الرؤية النقدية تجاه التجربة الأوربية وتطبيقاتها السياسية والاجتماعية والأخلاقية في العالم الإسلامي. أي أنها أرست بصورة تدريجية معالم الوحدة الضرورية بين الوعي السياسي والاجتماعي المعاصر وبين تاريخ الأمم الإسلامية. أنها حاولت استعادة اللحمة المنفرطة بأثر الغزو الكولونيالي، بين التاريخ وبين الوعي، بين الرؤية الواقعية وبين مرجعيات الثقافة الخاصة، بين البدائل وبين مصادر الوعي التاريخي والثقافي. ومن ثم إعادة ترتيب الأحجار الضرورية لبناء صرح التلقائية الفكرية في العلم والعمل.

* هل تقصد بهذه التلقائية التراث أم شيئاً آخر؟

<< التلقائية تتضمن التراث وبالتالي فهي أوسع منه. إلا أنني أتكلم هنا حول الديمومة والانقطاع وأثرها بالنسبة لبلورة تقاليد وعي الذات الثقافي بوصفها القضية الأخطر بالنسبة لبناء الهوية الثقافة وما يترتب عليها من رؤية وإمكانيات في الصراع الحضاري المعاصر والتبادل الثقافي. إن النقص الجوهري الذي يميز التلقائية التي تحدثت عنها فهو يقوم في كونها لا تشبه بشيء آلية الإبداع الثقافي الإسلامي في  عصور الخلافة المزدهرة، رغم الاستقلال النسبي للعالم الإسلامي، بما في ذلك في أواخر مرحلة الدولة العثمانية. فقد افتقد العالم الإسلامي بعد سقوط مراكزه الثقافية الكبرى(دمشق وبغداد وقرطبة والقاهرة) أعصاب حياته النشطة. وتحولت الدولة إلى ميدان الفروسية العضلية. فقد عانت الحركة الأولى للتلقائية الثقافية الإسلامية من انفصام حاد عن مصادر وعيها التاريخي، ومن ضغط الثقافة الأوربية. مما كان يعّرضها على الدوام لعواصف التغيرات المفاجئة والطارئة. لهذا سرعان ما انحلّ التراكم الفكري والروحي والاجتماعي الأولي في أواخر الدولة العثمانية الذي ساهم في بلورة تيارات سياسية وفكرية جديدة ونشطة مع سقوط السلطنة العثمانية وتجزئة العالم الإسلامي  بشكل عام والعربي بشكل خاص. والشيء نفسه تكرر مرات عديدة بما في ذلك في الوقت الحالي. وهو أمر يدل على انعدام تلقائية التطور ومن ثم تراكم القيم والمعارف والمؤسسات  بوصفها العمود الفقري لكل تقدم فعلي وإصلاح ناضج. وهو انقطاع يكشف عن وجود هوة عميقة بين التراث و الواقع المعاصر، وكشف في الوقت نفسه عن غياب الرؤية العقلانية والثقافية، وبالأخص عند الحركات السياسية، تجاه الإشكاليات الواقعية الكبرى. غير أن هذه الانقطاعات المفاجئة أدت أيضا إلى تعميق وترسيخ التوجه العام القائل بضرورة التأسيس الذاتي(الثقافي) للرؤية التاريخية تجاه الماضي والحاضر والمستقبل، باعتباره إحدى المرجعيات الفكرية الكبرى. وعليها أيضا ظهر التحسس الأولي لأهمية البديل الثقافي - السياسي. بمعنى تنامي براعم الرؤية التاريخية والسياسية عن ضرورة  التحّصن الثقافي، وما يترتب عليه من استقلالية حضارية في العالم المعاصر


تصميم الحاسب الشامل