الشتاء

باسل كلاوي (شاعر من العراق)

أتى الشتاء

 ولا رجاء ..

 أتى الشتاء

 لكنما لن يمطر ليل السماء

 إلا الدماء

 وعلى الأرض

 ليس ثمة غير البكاء

 أتى الشتاء . . !!

 الرماد يتهافت ببطء

 فوق المدينة النائمة

 فوق ذكريات كالنحيب !

 سيأتين من هناك

 من مغاور المتاهة الصدئة

 في قلب النهر الاسود

 حوريات الأسى الرهيب

 ليلثمن شفتيّ

 بشفاه متلاشية لها طعم الفراغ

 بينما الريح القارسة

 تكنس النجوم

 تذرذرها فوق أرض الدم !

 أبدا لن أعود

 في طريق السنين الخافت القصيّ

 الذي تركته ورائي ،

 أبدا لن أرى

 فتيات المطر الذهبيات

 اللواتي رقصن في مروج

 أيامي البعيدة !

 لن يحمل لي العـزاء

حتى

 حزن الشعراء الهائل !

 وهناك . .

 أترى الرجال الذين يبكون

 هناك

 لوحدهم

 بعيون بيض

 بعيدا بعيدا

 في خلاء ليل المدينة القائظ ؟

 بأيادٍ قانية

 يلوحون لنا من بعيد

 وفي الظلمة الحالكة

 ينسلون

 صوب مملكة كالحة

 حيث الصمت الثقيل

 يغلف العتمة كلها !

 وهناك سيلبثون

 لن يعود أحد البتّة

 من أرض الدموع الكبيرة

 لقد أكلتهم الأيام

 ولم يبق منهم إلا الرماد

 تنثره وآنية

 الأصابع الذاوية !

 في مواقدهم

 ليس ثمة غير العويل

 وحالك الزمهرير !

 لم يكن لهم

 إلا أيدٍ خالية


تنثر النسيان

 فوق القلوب الغافية !

 ولن يكون لهم

 سوى نجوم تومض هنا هناك

 صامتة في السماء

 تذرذر فوق قبورهم

 قبلاتها الباردة !

 ( لربما . . لربما

 رأيتم الفجر

 لحظة ميتاتكم ! )

 وإذن . .

 فلتهبط يا مروان عيدان

 آن أن تهبط من جديد

 فالشهيد

 في كل هذا الليل

 لا بد أن يعود إلى الصليب !

 بأم عينيك

 رأيت المدينة الكبيرة

 تغرق في الصمت والدموع والظلام

 والرقيب

 ثمل ،

 عنيد

 يعبّ دماء الليالي والنائمين !

 رأيتَ الموتى المتعبين

 يحملون المدينة عبر السنين

 كلما هوى واحد منهم

 أيقظته السياط

 لهم لا شيء سوى الحلكة

 وقهقهات الشيخ الغليظ !

 مروان يسير الآن بين النجوم

 في صحارى السماء البعيدة

 أتى ،

 دخل ليل القصيدة !

 وهم متعبون ومتعبون  

أتوا وراءه صامتين وصامتين

 فوق أفراس بيض

 في طريق ليل لا ينتهي

 لا يبغون منازلهم

 لأنهم يعلمون

 أنّ هذا لن يكون

 فغراب الموت

 قد قدّ الحبال

 فيبكي الليل دما

 وتئن الجبال !

 هم يعرفون

 أن في مدينة الذهب

 يجول سيف من لهب

 يقتل الشهداء إذا عادوا

 ويذبح الغضب !!

 تبت يدا أبي لهب

 يعبّ العويل والدماء

 ويثمل آخر الليل من التعب !!

 لكنما أنى لقاتل بليد

 أن يقتل الشهيد

 من جديد

 أن يكسر النشيد ؟ !!

 فلتقرع الطبول في السماء !!!

 . . . . . . . . . . .

 . . . . . . . . . . .

 مروان صامتا يمضي

 صوب قارس حقول البنفسج

 الأسود

 مروان هناك وحيدا ينام

 فأبكي . .

 تنكسر القصيدة

 ويحتويني الظلام !

 ــــــــــــــــــ

  ٭ مروان عيدان صديق الشاعر الحميم، يرد ذكره كثيرا في قصائده، استشهد في الجنوب عام 1988 .


تصميم الحاسب الشامل