|
|||||
|
حين تكون واقفا في دوامة الغبار صامداً، معاندا، تزيح الغبار عن عينيك لترى
إياك أن تتوقع الكثير ممن يتأملونك في دهشة، وفي استغراب وربما اقتحمتْك
نظراتهم متسائلة عن المجنون الذي هو أنت! وعّما يحاول أن يثبته لنفسه
وللآخرين.
الغبارُ لن يتوقف ولا أحد يدري من أية نقطة يهبّ ولا في أية ساعةٍ سوف يتبدّد لكن الجميع واثقون ان أسباب حدوثه قائمة ودائمة تتجمع أحياناً، وتتفرق أحيانا لكنها تصْنعه وتُثيره لتُعمي به عيوننا - عمّا لا يراد لنا أن نراه- فلا نُبصر من خلاله إلا عدماً يتطاير ورمالاً تتسلل الى الصدور وأنفاساً توشك أن تختنق ومرايا مُلطخة بوجوهٍ شائهة! ٭ ٭ ٭ ما الذي تنتويه لو تكشّف الغد الواعد عن تكرارٍ لما يحدث اليوم؟ هل تُخاصمه؟ هل تنأى عنه وتبتعد، مؤثراً السلامة؟ هل تغوص برأسك في المزيد من الرجال؟ أنت تعلم أن هذا لن يردعه ولن يُوقفه عن الدوران. قادم هو.. لعنتهُ في سرِّك أو جاملتهُ في العلن أو أظهرت قدرا من العزوف واللامبالاة أو ركضت في الطريق آملاً أن تبتعد لعلك تنجو من الطوفان.. سُدى كل ما تحاوله فسوف يسبقك الغد القادم - مثل قطارٍ داهمٍ لا يرحم- بالمزيد من الغبار والدّوار انظر وحدّق في واحدٍ من الأقبية العتيقة هناك من يتحفز للوثوب والانقضاض باحثا عن موقع له في الوليمة ومكان يسمح لأفاعيه بأن تتلوى وتجوس ولغنائمه الصغيرة بأن تتوالى وتتعاظم ولشطارته في اقتناص الفرص أن تتسع وتتسع مزاحماً بمنكبيه في وليمة الحياة دون انتظارٍ لدعوة أو إشارة. . . . . . . . . . . . . . . يا سيدي الموصوف بالشطارة اخرج من الغبار والدوار والسعار هنيهة صغيرة، ثم التفت لدوْرك تظن أن ليس هناك من يراك وأنك تستطيع - دوما- أن تُغير الوجوه والأقنعة وتأخذ من الجميع- دوما- أشهى ما لديهم ثم تفرّ بغنيمتك وتلفظهم كالنواة واحداً بعد الآخر غير مُنتبهٍ الى ان العصر كُله يلفظك وأن العين الكاشفة لا ترى فيك إلا ما يراه المحدّق في كائنات بئرٍ فاسدة. هل تدري.. فكرتُ أن أُشبهك بأحد عرفتهُ من قبل أعرضك في مرآته وكأنه مرجعيتي في أمرك أقيسك إليه في إقبالك وعُزوفك في اختياراتك وفي عُدولك وفي تشرْنقك حول ذاتك وإخلاصك لجشعك وشعارك واستعصامك بحيلك وأساليبك وانهماكك في تزيين حقيقتك التالفة لكنني وجدْتك - ووا أسفاه- لا تُشبه إلا نفسك. . . . . . . . . . . . لا تنزعجْ.. فلست وحدك صاحب الحظوة في زمانك غيرك كثيرون قد لا يكونون على شاكلتك في التربّص والقفز والانتهازية اللحنُ الأساسي واحد وقديم لكن كُلاً منكم يمنحه تنويعاتٍ جديدة وآفاقا عصرية متطورة وتخوماً بعيدة والقاعدون الذين لا يملكون ما تملكون من مواهبَ فطريةٍ ومُكتسبة ولم تتلوّث جيناتهم بفيروس انحرافكم فهم يحمدون الله حينا ويشكون إليه أمورهم أحيانا لكنهم في كل حالاتهم يُنفسون عن أنفسهم بوضع أقنعة التعالي وعباءات الترفع ومحاولة لفت الانتباه إلى أنهم مختلفون.......... فيما مضى من الزمان كنا نرى الفساد يستحي، وله وجه يحمّر أحيانا وكانت الحشرات والهوام لا تعلن عن موعدٍ لظهورها بل تجد في الظلام فرصتها، لتدمير مملكة الجمال. الآن ، أصبح الفساد عادة يومية وموعداً مع الشطارة المؤكدة ومن يتخلّف عن الركب، يموت بحسرته أو يعيش طريح الضغط والسكر والإحباط كل يختار الآن لنفسه ما يحلو والذين يقبضون على الجمر لا يدرون متى تصبح أيديهم غير صالحة للاستهلاك الآدمي هم فقط، يُعاندون ، ويُقاومون ويدفعون ثمنا باهظاً لأن هجمات الجراد لا تتوقف وعناكب الفساد تُعششُ في كل موقع والموصومون هم وحدهم المؤهلون للوصول. السماء فقدت لونها المعتاد والمألوف فلا هي زرقاء ولا هي رمادية لكنها سماء قاسية متجهمة غاضبة، بلا سبب وملتفتة إلى غيرنا، بلا سبب ربّما لم يعدْ يعنيها أن هذا الفساد قد أحكم سياج دولته وأن الذين يعانون لم يعودوا قادرين على التململ والصراخ فقد بُحّت أصواتهم وانقطعت الأوتار وجفّت الحناجر والواقفون على ضفاف الساحة، ما زالوا يستعرضون مواكب المجد وينتقلون من شوط إلى شوط ومن جولة الى جولة ويُصوْبون إلى الهدف مباشرةً، دون عناء ويعودون بأكبر قدرٍ من الغنائم وأعلى درجات النبلِ وأوسمة الشرف لماذا أراك مندهشا؟ الساحة ساحتُهم والجمهور يُصفق لهم ويهتف بأسمائهم وحُراس المرمى يُوسعون لهم كُلما اقتربوا والأهدافُ معروفة سلفا ولم يبْق إلا تمثيلية اللعب وإطلاق صفارة الحكمْ وإعلان الفوز. ٭ ٭ ٭ هبك تخليت عن عبثك اليومي الضاغط وجربت أن تكون حُراً، وخفيفا ومشاركا تغشى منتديات الصفوة حينا، ومقاهي الثرثرة والضغينة حيناً آخر غير عابئ بوقع ما يفضفضون به، ويغتسلون من أوزارهم وأمراضهم. هم جميعا يقتلون الوقت، ولا يُحيُونه الصفوة والسوقة ، كل منهم بطريقته والوقت جثة ممددة على طاولاتهم ينوشونها بالألسنة والأصابع وحدك، سيتاحُ لك أن تشم روائح الجثة العفنة وهي تتصاعد مثل بُخارٍ كريه وستعجبُ كل العجب لأن ثرثراتهم المكرورة ونضْحَ مرائرهم الصفراء وأقبيتهم الفاسدة لا ينتهي، ولا ينتهي بهم إلى شيء سوى تكرار اللقاء ومعاودة البث في ليلةٍ قادمة.. عندئذ.. ستعلن رغبتك في أن تكون حراً وخفيفاً ومُشاركا وستؤثر عبودية جدران البيت وثقل وقع الوقت عليك وتوحدك واعتزالك وتعاليك بعيداً عن سوقيّة السّوقة وملل ادعاءات الصفوة ووهم المتعة الكاذبة في نميمة الآخرين أسرع إذن وصُنْ نفسك وأرض بما خُلقت له وأعدْ اكتشاف حقيقة مملكتك دوامة الغبار لم تزلْ وأنت في العراء لا تزال والمسرح الكبير غاصٌ بالباحثين عن المتعة والانبساط وأنت تقدم رجْلا وتؤخر أخرى كأنك لا تدري بما أنت مُقدم عليه حاذرْ أن تتورط فيما لا يعنيك أو تفتي فيما لا تفهم أو تعلن أن نهاية هذا العالم صارت أقرب من حبل وريدك فلن يُصغي أحد إلى مزاعمك ولن يُصنفوك في فئة زرقاء اليمامة بل سيزدادون عُتواً في إفساد عينيك بالغبار حتى لا تُبصر أبعد من أنفكْ حاول أن تهدأ وابتلع المزيد من حبات الضغط واشحذْ قلمك.. سوف يتكفل - وحده - بالحلّ. |
|||||
|
|||||