برلين .. أرملة الحروب

 

جرجس شكرى (شاعر من مصر)


البيوت قاسية كمخازن السلاح، والدرج لا يليق سوى بالأحذية العسكرية. حيطان عالية وأبواب شامخة تشعر حين تدخلها أنها تنتظر رجلاً سوف يصدر الأوامر ويوّزع المهام،فإذا دخلت بيتاً في برلين القديمة وصعدت الدّرج وبعيداً عن نوع الحذاء، فحين يلامس الأرض الخشبية تستمع إلى صخب وضجيج، يشعر معهما الإنسان بالخوف والبعض بالزهو، وعرفت أن هذه المنازل التي تقترب من حائط برلين -التي كان- يسكنها جنرالات الجيش وما زالت تحتفظ بطابعها القديم حيث يستيقظ أهلها كل صباح لإعداد المدفأة وتزويدها بالفحم وايضاً التخلص من رماد الأمس.

يشعر زائر برلين وخاصة إذا كان من سكان العالم الثالث أنه ليس غريباً فالحياة بسيطة ومتواضعة ولا تخلو من الفوضى، فحين هبطت إليها كانت تودّع آخر لحظات الخريف لكي تستقبل شتاءً قارساً تعرفه جيدا، فلن يجعلها الجليد لوحة سريالية كما يحدث في سويسرا، بل ستظل لوحة تنتمي إلى المدرسة الواقعية حيث أوراق الشجر التي تساقطت وغطت الشوارع وأضفت عليها الأمطار طابعاً مأساوياً في أحيان كثيرة إذ حولت هذه الأوراق القتيلة إلى جثث بائسة تملأ الشوارع وخاصة وهي تتراكم عند المباني القديمة ويجلس إلى جوارها شحاذون وعاطلون  بعضهم يعزف الموسيقى بوجوه مرهقة ، وهنا يتذكر زائر برلين مقولة هيجل ومعناها أن أعمق الأشياء هي التي تظهر على السطح ، وعلى السطح في برلين كل شيء.... فهي مازالت تحفظ طابعها القديم وكأنها تحب تاريخها وتخاف أن تفرط في ذكرياتها، حتى حائط برلين السابق رمز الانفصال مازال الألمان يحتفظون بجزء منه للذكرى وهو الآن جاليري ، أربعة أيام في برلين دون شك لا تكفي لمدينة الذكريات وأرملة الحروب  وأرملة الجنرالات، أطوف الشوارع وأرتاد المتاحف على مضض فأنا لاأحب المتاحف وأفضل الناس وتفاصيل الشوارع، أمرّ أمام مجلس الدوما والمباني الحكومية العتيقة التي مازالت ترتدي الملابس القديمة دون تجميل، أذهب إلى البوابة القديمة التي كانت تفصل برلين الشرقية والغربية، أروح وأجيء كطفل يلهو متخيلاً ماذا كان سيحدث في الماضي لو فعل هذا برليني شرقي إلى ألمانيا الغربية ؟ أترك المتاحف والكاتدرائيات والمباني العتيقة وأسأل  صديقتي ودليلي في برلين المترجمة ليلى الشماع  عن مسرح الأنسامبل وهو مسرح برتولد بريشت والذي شهد حياة وأعمال هذا الشاعر والمسرحي العظيم والذي ترك لنا ما يزيد عن خمسين مسرحية وألفي قصيدة وجهوداً في نظريته التي غيرت مسار المسرح في العالم وهي نظرية المسرح الملحمي، والتي جاءت بمثابة المانيفستو الثاني للمسرحيين بعد كتاب فن الشعر الذي وضعه أرسطوطاليس، لتلاقي نظرية بريشت هوىً في نفوس المشتغلين بالمسرح وخاصة في العالم الثالث، شعرت بالسعادة والقلق والدهشة في آن  وكل الأحاسيس التي تهاجم شخصا  دخل مكاناً كان يحلم به، كان المسرح عرضاً للنرويجي هنريك أبسن، وأخرى للسويسرى ماكس فريش وهي مشعلو الحرائق تذكرت ما حدث في هذا المكان اشاهد على أعمال برتولد بريشت وخرجت كي أقف إلى جوار تمثاله الذي يتوسط ميدانا يحمل اسمه أمام المسرح وأتذكر وصيته الأخيرة وهو يحتضر حيث قال أكتب أنني كنت إنساناً غبر مريح وأنني أبقى كذلك بعد موتي.

غادرت أرملة الحروب ولم أطلق عليها هذه الصفة عبثاً فهي أكبر ضحايا الحربين العالميتين الأولى والثانية ورغم هدم سور برلين وانتهاء الحروب إلا أنها مازالت تحتفظ في أغلب ملامح الأرملة من آثار هذه الحروب، غادرتها حزيناً وكان الثلج قد بدأ يكسو بناياتها العتيقة وشوارعها التاريخية وحتى وجه ليلى، وأنا أراقب زحام إشارات المرور وبائعي البطاقات المستعملة وهي بطاقات صالحة للاستعمال في المساء بالاضافة إلى الموسيقيين في الشوارع وفي النهاية كنت حريصاً على زيارة البيت القريب من سور برلين والذي بناه رجل تركي في غفلة من بلدية برلين، بيتاً كلاسيكياً من الطراز المعماري التركي الريفي وحاولت البلدية فيما بعد هدمه لكنه احتج وتعاطف معه الناس وتظاهر الناس لصالحه وهو الآن يحتفظ ببيته وحديقته ويعيش في مساحة كانت فيما مضى سوراً.

 

الغابة السوداء 

لم تكن برلين هي المحطة الأولى في ألمانيا بل كانت الغابة السوداء وهي مدينة في الجنوب وفي هذه الغابة السوداء أيضا تعود أصول برتولد بريشت حيث نشأت عائلته في مدينة اخرى وهي تتبع الغابة السوداء وايضاً الروائي هرمان هسه، وكنت قد جئت إليها بالطريق البري من سانت جالن السويسرية وأنا أشاهد في الطريق الأشجار العالية السوداء وكان الثلج يكسو معظمها فيحد من قسوتها قليلا، لأصل إلى HAUSACH والتي يطلق عليها صديقي الشاعر الألماني خوزيه أوليفرا  العاصمة الثقافية،  وبعد أن قدمت القراءة الأولى في هذه المدينة الصغيرة ودارت المناقشة  بيني وبين الحضور بهذه الأعداد الكبيرة في درجة حرارة كانت تحت الصفر، ومع هذا جاءوا ليستمعوا إلى شاعر لم يسمعوا عنه من قبل واستمرت المناقشة لمدة ساعتين بعد القراءة بيني وبينهم حول الشعر ومصر وما أدهشني بالفعل هو رغبتهم في الإستماع إلى الشعر باللغة العربية وكنت قد اقترحت عليهم أن أقرأ قصيدة واحدة بالعربية وسيقرأ الشاعر خوزيه اوليفرا القصائد بالألمانية، وكانت هناك قراءت أخرى ولكن لن أنسى هذه الأمسية وهذا الجمهور ما حييت.. و خاصة آن تريزا هذه الطفلة  ذات الأثني عشر ربيعا وهي تطلب مني أن أكتب لها توقيعا على الكتاب  وفيما بعد ترسم القصيدة التي أحبتها وهي السترة وتهديني إياها...؟

ويبقى في الذاكرة مجموعة من الصور من الأماكن التي يزورها الإنسان مع بعض المشاعر تجاه البشر أصحاب هذه الأماكن، وستبقى في ذاكرتي هذه المدينة وعلى الرغم من تعدد المدن التي زرتها في ألمانيا إلا أن »هوزخ« ستظل في داخلي لأنني عشت في منازلها وزرت المقاهي والمطاعم والحانات، وسوف أتذكر هذه البنايات الأنيقة التي تحيطها الأشجار من كل ناحية وهي تنام في حضن هذه الغابة الضخمة، وربما تكون هذه هي المرة الأولى التي أ عيش فيها في مدينة أوروبية مع أهلها بشكل مباشر وعن قرب، ذهبت إلى السوق مع خوزيه وكان سوقا صغيرا، يأتي إليه الفلاحون مبكراً في ملابس أنيقة وجميلة حاملين بضائعهم وأيضاً حيواناتهم وأطفالهم ويحدث هذا يوم السبت ويعودون مبكراً أيضا في الظهيرة، وتقرأ في عيون البائع والمشتري الرضا والسعادة دائما، إذ يعرف هؤلاء الفلاحون أهلي المدبنة جيداً فالموعد دائماً صباح السبت. أتجول بينهم وأردد قصيدة صديقي خوزيه .......

-الشعب على قمة السطح في الجهة المقابلة ٭

لتوه حط غراب. غير آبه ينظف ريشه

كأنه قطة. أنا أكتب

 هذه الجملة على الشارع

أتطلع إلى الأعلى وكلاهما غاب. هكذا

أتصور التاريخ.

إذن هكذا كان صديقي يقرأ الشعب والتاريخ مع هؤلاء وأنا مع هؤلاء والموعد صباح السبت.

 

دومينو أسباني

 

وفي التاريخ أذهب إلى الذين فقدوا أوطانهم وغادروا إلى بلاد بعيدة ولكنهم حملوا هذه الأوطان على رؤوسهم قبل أن يغادروا، لذلك لن أنسى هذه الحانة الأسبانية في أقصى جنوب ألمانيا وهي خارج المدنية حين دخلت شعرت أنني خارج ألمانيا أو بالتحديد في أسبانيا ففي المقدمة صورة خوان كارلوس، فهؤلاء المهاجرون غادروا أثناء الحرب الأهلية في ثلاثينيات القرن العشرين، وجاء بعضهم إلى جنوب المانيا  ولا يزالون يتحدثون الأسبانية ويأكلون ويشربون لغة أوطانهم ويضحكون ويلعبون، ففي هذا المكان الصغير موائد خشبية صغيرة تشبه بيوتهم، إذ يجلس الزبائن وهم من الأسبان وبما فيهم صديقي خوزيه فهو أسباني الأصل جاءت عائلته من  أسبانيا إلى جنوب المانيا  في منتصف القرن العشرين ويلعب الجميع الدومينو اللعبة الرباعية حيث يتشارك أربعة أشخاص على الطاولة ولكن المطعم بكامله، يتشارك أيضاً عن طريق لوحة صغيرة وبعض العملات وعن طريق شخص يردد بعض الأرقام من خلال طاولة اللعب ويشارك الجميع بالربح والخسارة، لا أعرف ما الذي دفعني أن ألعب معهم  وأشارك في هذه المقامرة  وربحت وغضب الجميع إلا صديقي خوزيه الذي نصحني أن نتوقف ونغادر... وبعد ثلاث ساعات خرجت من هذا المكان وقد اختلط علي الأمر.. هل أنا في أسبانيا أم المانيا، فهولاء صنعوا وطنا بديلاً وصدقوه ... وأسأل نفسي متى أتخيل وطنا أحمله في حقيبتي ونذهب حيث نشاء..


تصميم الحاسب الشامل