الطابع الحسي للصورة الشعرية عند
ابن المعتز
نحو تحديد دقيق لأنماط الصورة الشعرية

 

محمد المحروقي (ناقد واكاديمي من سلطنة عمان)


الصورة الشعرية لابد ان تبحث في إطار شامل على اعتبار أنها نتاج لعملية عقلية وقد ميّز الجرجاني بين ضربين من المشابهة، الأول غير محتاج إلى تفسير وتأويل والثاني متحقق بهما فقط. على اعتبار انهما أسلوبان للصورة الشعرية كلاهما متحقق وكلاهما شعري.
 

مهداة إلى كمال أبوديب الصديق والأستاذ.

 

1-الدراسات السابقة حول طبيعة الصورة الشعرية:

تكشف القراءة المتمعنة لشعر ابن المعتز عن غلبة الطابع الحسي على صوره الشعرية بشكل لافت للاهتمام وبمستويات متعددة. وتهدف هذه الورقة إلى التركيز على ذلك الطابع وإبراز مستوياته.   

وقد تم إجراء عدة دراسات تبحث في الفن والشعر بشكل عام والشعر العباسي بشكل خاص. ويمكن بدقة تحديد اتجاهين اثنين: الأول يتعامل مع الصورة ضمن دراسة الفن عموماً، ومن هنا فإنه يميز بين اتجاهين رئيسيين: التصويري والرمزي. أما الثاني فهو أكثر تحديداً، ويركِّز على الخلق الشعري وأساليبه المختلفة فيما يتصل بموضوعاته وتقنياته، وبناءً عليها يميز بين تيارات ومدارس مختلفة. وسنقوم بعرض هذين الاتجاهين بغية إحلال الإنتاج الشعري لابن المعتز ضمن سياق الخلق الشعري لعصره. كما سنتخير ثلاث دراسات ممثلة لتلك الاتجاهات، ونعرضها انطلاقا من الأكثر تحديداً إلى الأوسع دون اعتبار لتسلسلها الزمني.       

دراسة شوقي ضيف يمكن أخذها كنموذج للاتجاه الأكثر تحديدا والذي يُعنى ببلورة مذاهب ومدارس شعرية. وقد قام ضيف بتمييز ثلاثة مذاهب شعرية في الأدب العربي، مؤسساً تمييزه بينها على قيم تاريخية وفنية. وقد أعطى هذه المذاهب تسميات متقاربة هي: الصنعة والتصنّع والتصنيع. والسبب في إعطائها تسميات متقاربة هو أنها تحوي قواسم مشتركة على مستويي المضامين والأوزان.(١)

و مذهب الصنعة - تاريخياً - هو الأسبق. ويرى ضيف أن الشعر فن مليء بالتقاليد والمصطلحات، وأن بداية الصنعة تعود إلى العصر الجاهلي لدى شعراء مثل امرئ القيس وعنترة وأضرابهما. وقد لفت الانتباه إلى أن ميلاً كان غالباً منذ القدم إلى »فن التصوير« مما يؤكد حضور الصنعة في الشعر الجاهلي، يقول:    

» ... بل هم يعتمدون على فن آخر لعله أكثر تعقيدا وهو »فن التصوير«.... ومن يرجع إلى نماذج امرئ القيس وهو من أقدم الشعراء الجاهليين يلاحظ أنه يعنى بالتصوير في شعره كأن »التصوير« غاية في نفسه، فالأفكار تتلاحق في صنوف من التشبيهات، حتى تستتم هذا الفن من »التصوير« وكأنما  القصائد برود يمانية، ففيها ألوان ونقوش ورسوم على صور وأشكال كثيرة«.(٢)

و باستقصاء زمني تتبع ضيف مذهب الصنعة في العصر الإسلامي مؤكداً أنه لا يختلف عنه في العصر الجاهلي. أما في العصر الأموي فإن هذا المذهب يحضر بشكل خاص في الغزل الحسي لعمر بن أبي ربيعة وفي مناظر وصف الصحراء في شعر ذي الرُّمة. (٣)

أما في العصر العباسي، ونتيجة لتوسع الدولة الإسلامية والتفاعل بين مختلف الأمم والثقافات، فإن تغييراً أساسياً طرأ على الشعر العربي. تطور مذهب الصنعة ووصل غايته التي أسماها ضيف بـ»تعقيد الصنعة«، كما ظهر مذهب آخر هو مذهب التصنيع.(٤) والتطور الذي طرأ على فن الصنعة - كما يرى ضيف - يظهر في غرائب المعاني وطرائف الأحاسيس وإحكام الصياغات. يقول مؤكداً ذلك ومشيراً إلى التمهيد إلى الفن الثاني:  

 »... فقد ارتقى الشعراء بها [صنعة الشعر] من وجوه كثيرة، من حيث المعاني، وما أثاروا من غرائبها، ومن حيث الأحاسيس وما بعثوا من طرائفها، ومن حيث الصياغات وما نسقوا من زائدها. وسنرى بعد قليل أن ضروب إحسانهم لذلك كله انتهت بهم إلى مذهب جديد هو مذهب التصنيع، ولكن هذا المذهب لم يظهر توّا، بل أخذ يعد   له جيلان، جيل بشار، وجيل أبي نواس وأبي العتاهية...«(٥)

ويعتبر ضيف البحتري وأبا تمام ممثلين لـ»تعقيد الصنعة«. وكان شعر الوصف هو المجال الذي أبرز فيه البحتري مهاراته خصوصاً في وصف القصور ووصف البرك ووصف الحيوانات الوحشية.(٦) وكذلك فعل ابن الرومي مستعرضاً موهبته في تفصيل العواطف  ووصف الطبيعة (وملذاتها خاصة في فصل الربيع)، ووصف الأطعمة.(٧)

ويمثل المذهب الثاني، التصنّع، أهمية خاصة في هذا السياق على اعتبار أنه عصارة الحضارة الإسلامية في العصر العباسي. والمصدر الآخر لأهميته بالنسبة لهذه الدراسة هو أن ابن المعتز نفسه عُد من ممثلي هذا المذهب. وقد استُخْدِم المصطلح ليشير إلى الزخرف والزينة.(٨) وهو أمر يمكن تلمّسه في مختلف مناحي الحياة العباسية: في النسيج وفن العمارة وفي الأدب. وحسب ضيف فقد:

»أخذ هذا التصنيع يتسرب من حياة الشعراء العامة إلى حياتهم الفنية الخاصة، وهي حالة طبيعية توجد دائما  في الصنائع حين يعم  الترف .... وليس الشعر وحده الذي أخذ يسود فيه هذا التصنيع فقد كان يشيع في فن العمارة وبناء المساجد والقصور، كما كان يشيع في التصوير الذي كان يستخدم زينة وزخرفا  للكتب والقصص، فلا عجب أن ينتقل إلى الشعراء، وأن ينمو مع الزمن حتى تصبح القصيدة كأنها واجهة لمسجد مزخرف بديع، قد تألق في وشي مرصّع كثير«.(٩)

وقد وجد هذا المذهب طريقه إلى الشعر، ويعتبر مسلم بن الوليد المنشئ له.(10) أما رائداه فهما أبو تمام وابن المعتز، اللذان يمثلان نمطين من أنماط التصنيع. ويُعد أبو تمام أهم شاعر في هذا الاتجاه خصوصاً المرتبط منه بالمنحى العقلي ابان القرن الثالث الهجري.(١١) فقد ساعدته معارفه الفلسفية والعقلية في المزج بين الفن والثقافة لإنتاج زخارف عقلية وحسية في شعره، كما يمكن أن يُشاهد في قصيدته المشهورة »فتح عمورية«.(12) ويرتبط بهذا أيضاً الغموض الذي يلف شعر أبي تمام مما يعكس الثقافة الجديدة.(13)  

وفي المقابل، يُمثل ابن المعتز النمط الحسي وبخاصة في استعماله للجناس والطباق والتصوير. ويولي ضيف اهتماماً خاصاً لتشبيهات ابن المعتز. وأوضح أن الشاعر ركز على نمط واحد من التصوير هو التشبيه، ونجح في إنتاج أشكال كثيرة منه.(14) وقد امتدح تقنية الشاعر في إضفاء لمسات إلى التشبيه مثل الحركة واللون والشكل.(15)

والمذهب الثالث الذي ميّزه ضيف هو مذهب التصنيع. وقد وصفه بـ»التكلّف والتطرف«(16)، وخلص إلى أن قيمته الشعرية أقل من المذهبين السابقين. وفي رأيه أن ذلك دليل على اضمحلال العقل العربي تبدّى في الاهتمام بوضع مجموعة غير منتهية من القيود لتحكم مختلف المجالات الثقافية والحيوية. (17) وقد قدم ضيف نماذج عدة لتوظيف تلك القيود في النثر (كما هو الحال في الأسلوب المعقد في مقامات الهمذاني) وفي الشعر (كما في لزوميات أبي العلاء المعري).(18)

ومن المحاولات، التي يمكن أن تعد واحدة من المحاولات الأكثر عمقا وثراء وربما قدماً أيضاً، والتي بحثت الصورة الشعرية في إطار شامل على اعتبار أنها نتاج لعملية عقلية، يمكن إلحاقها بالناقد عبد القاهر الجرجاني. وقد ميّز بين ضربين من المشابهة، الأول غير محتاج إلى تفسير وتأويل والثاني متحقق بهما فقط. ويرى كمال أبوديب، الذي أنجز تحليلاً عميقاً لنماذج هذين الضربين مقارناً آراء الجرجاني في هذا الإطار بآراء نقاد معاصرين كجونسون Johnson وإليوت Eliot، أن ذلك التميز الدقيق يعتبر »واحداً من إسهامات الجرجاني في دراسة الصورة الشعرية« والتي تجاوز فيها ما يطرح الآن عند المنظرين المعاصرين بكثير.(19) ويخلص أبو ديب إلى:

»و خلافاً للرمزيين والتصويريين فإن الجرجاني ميّز نمطي المشابهة على اعتبار أنهما أسلوبان للصورة الشعرية، كلاهما متحقق وكلاهما شعري، ولم يقل البتة أن أحدهما فقط هو النمط [بالتعريف] الأوحد والمسيطر، وبخلافه لا يوجد نمط له قيمة في عملية الخلق الشعري«.(20)                

وفي سياق أوسع، يشير ريد Read إلى نوعين من الفن عند بحثه عن المؤثرات الاقتصادية والاجتماعية على الفن الحديث.(21) والتميز بين الصورة والرمز - بالنسبة له - »أمر أساسي لفهم الحركات الحديثة في الفن«.(٢٢) وربما كان من الضروري الإشارة إلى أن ذلك التقسيم لا يمكن حصره في الحركات الفنية الحديثة فقط - كما فعل ريد - وإنما يعمم على جميع الإنتاج الفني وبمختلف عصوره خصوصا وأن الجرجاني أكد على ذلك في تمييزه بين ضربين من العمليات العقلية ومنذ قرون عديدة.

وربما نتج عن تخصيص دراسة مستقلة لطبيعة الصورة وأنماطها مستفيدة من النتائج الجديدة التي توصل إليها حقل العلوم الذهنية فوائد جمة. وهو مطمح عسير التحقق بالنسبة لهذه الدراسة. ولكن النتائج التي توصل إليها الجرجاني حول أنماط الصورة ستكون نبراساً لنا للتمييز بين نمطي الصورة الأساسيين المعروفين بالحسي والذهني.

 

0-                   ٢- نمطا الصورة الأساسيان:

0-اعتماداً على طبيعة وجه الشبه وطرفي التشبيه في الصورة، فإن نمطين من الصورة يمكن تمييزهما وهما النمط الحسي والنمط المعنوي. وسيتم هنا بحث هذه الظاهرة بشيء من التفصيل مع إشارة سريعة لمدى حضور هذين النمطين في النقد الغربي.

0-وتقدم الموسوعات ومعاجم المصطلحات الأدبية الغربية اهتماماً ضئيلاً لتمييز ذينك النمطين، مع غياب كامل للنمط الثاني: الذهني. والمقابل اللغوي للمصطلح العربي »حسي« هي sensuousness أو  sensibility وقد قُدم للكلمة الثانية بعض من التفصيل. وقد استخدم ذلك المصطلح في مرحلتين متعاقبتين. الأولى عندما »استقر كمصطلح أدبي في القرن الثامن عشر للإشارة إلى المشاعر أو الأحاسيس والعاطفة، خاصة ...... القيمة المحببة في عصر ستريني Sterne وجولد سمث Goldsmith وكاوبر Cowper هذه العواطف قد تكون ذاتية وقد تكون غيرية«.(23)      

0-يربط هذا التحديد بالعاطفة المضمنة في الصورة. أما المرحلة الأخرى فيكتسب المصطلح فيها تحديداً يجعله أدخل فيما نحن بصدده. ومن بين استخدامات المصطلح في القرن العشرين (24) فإن محاولة اليوت Eliot تمثل هنا أهمية خاصة. »فبالنسبة لـ[اليوت] له فإن العنصر المادي له حضور قوي، فالفكرة عند دونيه Donne هي تجربة: وتجسِّد حساً، وهذا لا بد أن يعني أنه يفهم الفكرة بواحدة من حواسه الخمس«. (25)   

0-ويكمن الخلوص أن المصطلح في النقد الغربي لم يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالطبيعة الحسية لطرفي الصورة الشعرية أو بوجه الشبه، ولكنه رُبط على الدوام بالمشاعر. وحتى اليوت نفسه كان يستخدم المصطلح بشكل فضفاض. فعنده »أن المصطلح لا يشير إلى نوع محدد ولا ينتج نوعاً واحداً من الأساليب الشعرية. الحسية - ببساطة - هي تسمية لمقدرة الخلق الفني التي توجد عند كل شاعر. والحصيلة إنه قرّب المصطلح ليشمل القدرة على إبراز مقاومة ذهنية لمخاطر التعميم«. (26)

  ٢-١- الصورة الحسية:

وعلى العكس مما سبق من غموض(27) توفر أدبيات البلاغة العربية منذ القديم انشغالاً أكبر بمبحث الصورة وتحديد أنماطها. وكما سيغدو جلياً، فإن للصورة نمطين أساسيين هما - كما سبق - الحسي والذهني. وفي دراسته لنظرية الجرجاني للصورة الشعرية قام أبو ديب بصياغة تحديد للطابع الحسي الذي يتمثل في إن:

»الحسية - ببساطة - يمكن تحديدها في ضوء الألفة الناتجة عن طرفي التشبيه. وكذلك بالنظر إلى الوظيفة المتحققة عن العلاقة بين ذينك الطرفين«. (28)

و عندنا، وعلى الرغم  من أن الجرجاني يؤكد دائماً على إبراز المشابهة داخل البنية القائمة على طبيعة طرفي التشبيه المكونين للصورة، فإن الطبيعة المفردة لكل طرف وكونه حسيا أو غير حسي ينبغي أن تؤخذ في الحسبان. وذلك أمر على قدر كبير من الأهمية، وربما لم ينتبه إليه الجرجاني. وعليه، فإن النمط الحسي الخالص للصورة هو ذلك النمط الذي نجد فيه وجه الشبه ذا طبيعة حسية وكذلك نجد أن الطرفين ماديان، أما النمط الحسي غير الخالص فوجه الشبه فيه غير حسي مع بقاء طرفي التشبيه ماديين أو أحدهما.              

وفي هذا الإطار فإن الاهتمام تم توجيهه إلى أمرين اثنين: الصفات الخارجية لطرفي الصورة كاللون والشكل والحركة وما إلى ذلك، والثاني طبيعة وجه المشابهة. وكما سيظهر لاحقاً، فإن شعر ابن المعتز واحد من أخصب النماذج لتلك التصنيفات.

وفي مقابل تلك الصورة الحسية نجد النمط الثاني للصورة والمسمى الصورة الذهنية، ويمثل وجه المشابهة وطبيعة الطرفين الحد الفارق بينهما. وقد وضّح الجرجاني ذلك الفارق كالتالي:   

»اعلم ان الشيئين اذا شُبّه احدهما بالآخر كان ذلك على ضربين: احدهما ان يكون من جهة امر بيّن لا يحتاج فيه إلى تأوّل، والآخر أن يكون الشبه محصّلاً بضرب من التأول«.(29)

 

٢-١-١- أنماط الصورة الحسية:

وقد مارس الجرجاني استقصاء أعمق لأنماط الصورة الأولى. وبنى تنميطه على عوامل عدة، منها طبيعة وجه الشبه وهل هو متأت من خلال الصفة مباشرة أو من خلال معنى آخر يُفهم منها، وهل هي صفة مفردة أو صفة مركبة، وكذلك من خلال الأشكال المختلفة للصورة الشعرية كالتشبيه والاستعارة. وقد حظي النمط الثاني للصورة باهتمام أقل منه لسبب سيأتي ذكره.      

ونتيجة لمعالجة الجرجاني الإجمالية للصورة فإنه ليس من السهولة بمكان أن نستخرج صورة دقيقة لأنماط الصورة الحسية من خلال تنظيراته. وهنا نحاول تقديم صورة أولية لتلك الأنماط معتمدين طبيعة طرفي التشبيه ووجه الشبه. ويقدم الجدول التالي أنماط الصورة الحسية:

 

النمط           الطرف الأول     الطرف الثاني       وجه الشبه

 

حسي خالص           ح                        ح                        ح

 

حسي غير خالص     ح                        ح                         ذ

 

حسي غير خالص      ذ                        ح                         ذ

 

حسي غير خالص      ح                        ذ                         ذ

 

جدول يوضح أنماط الصورة الحسية. ح = حسي، ذ = ذهني

والمثال على الشكل الحسي الخالص هو قولهم »خدود كالورد«. فالحمرة هي وجه الشبه بين الورد والخدود. ووجه الشبه يُتوصل إليه بحاسة الإبصار. (30)

والنمط غير الخالص يمكن أن يمثّل له بقولهم »ألفاظه كالماء فصاحة«. حيث الطرفان ماديان. فالكلمات تعتبر مادية لأن لها وجود مادي يمكن أن يُدرك من خلال حاسة السمع. أما وجه الشبه فإنه غير مباشر ويحتاج إلى درجة من التأويل.

والثالث عُد من قبل الجرجاني وبعبارة أبوديب أنه »النمط الأدق من حيث المشابهة، والذي لا يمكن فهمه إلا من قبل مدققي النظر، ولا يوجد إلا في الأعمال الأدبية«.(31)   

والمثال على هذا النمط قولهم »كانوا كالحلقة المفرغة لا يعرف طرفاها«.(32) والطرف الأول »هم« (المفهومة من واو الجماعة والمحيلة إلى أولاد المهلب) وهو مادي. أما بالنسبة للطرف الثاني »الحلقة« فالمشابهة لا تكمن فيها نفسها بل في صفة ذهنية أو عقلية مرتبطة بها وهي دائريّة الحلقة وحقيقة أنها ليس لها أول ولا آخر معروفين أو محددين. ووجه الشبه هنا يحتاج درجة عالية من التأويل.   

وقد مثِّل للشكل الأخير بقولهم:

           وأنتَ أنزرُ منْ لا شئَ في العدد (٣٣)

وهذا الشكل ذو طبيعة مختلفة نوعاً ما، ويمكن طرح تساؤل جدي حول مدى انتمائه إلى القائمة التي وُضع فيها. الطرف الأول هو »أنت« (المهجو) وهو مادي، بينما الطرف الثاني »لا شيء« وهو ذهني أو عقلي، وكذلك وجه الشبه. وستعالج الحالة الإشكالية لهذا النمط لاحقاً بالتفصيل.    

 

٢-٢- الصورة الذهنية:

الصورة الذهنية أو العقلية(34) تتوفر في كل صورة نجد أحد طرفيها ذهنيا وكذلك وجه الشبه فيها، والصورة هنا تفهم من خلال عمليات عقلية لا من خلال إحدى الحواس الخمس. ولهذا النمط من الصورة مستويان: بسيط ومركب. وبالإشارة إلى المحددات الموضحة أعلاه والمميزة لطبيعة الصورة الشعرية فإن تنميطات الجرجاني للصورة الحسية والموضحة في الجدول ستتم إعادة النظر فيها، وسينقل النمطان (٣ و٤) للصورة الحسية غير الخالصة ليشكلا النمط البسيط من الصورة الذهنية. أما النمط المركب فهو شكل من أشكال التشبيه سُمي بالتمثيل، وسيناقش لاحقاً.(35)   

و يقدم أبو ديب هذا النمط من الصورة في الصياغة الآتية:

»والمشابهة - في ظهوراتها البسيطة - توجد في شيئين اثنين... أما في ظهوراتها الأكثر تعقيداً فهي مجموعة من الأشياء تكوِّن وحدة واحدة، والمشابهة التي تنتجها هذه الأشياء  هي أمر آخر ناتج عن تفاعلها مع بعضها. والمشابهة هنا هي تمثيل للتفاعل بين شيئين، والصورة الجديدة مختلفة عن الصورة التي يقدمها كل طرف منفرداً. فصورة كل طرف تتبدل وتتحول في عملية تفاعل، دون إدراك دقيق لذلك التفاعل، وربما بطلت أيضا«.(36)

ولمزيد من التوضيح فسيُقدم مثال للصورة الذهنية من خلال الآية القرانية الكريمة التالية:

»مثل الذين حمِّلوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا«(37)

و قد علّق الجرجاني على هذه الصورة بما يلي:

»الشبه منتزع من أحوال الحمار وهو انه يحمل الاسفار التي هي اوعية العلوم ومستودع العقول ثم لا يحس بما فيها ولا يشعر بمضمونها ولا يفرق بينها وبين سائر الاحمال التي ليست من العلم في شيء ولا من الدلالة عليه من سبيل. .... فليس له مما يحمل حظُّ سوى انه يثقل عليه، ويكُّد جنبيه، فهو كما ترى مقتضى امور مجموعة ونتيجة لأشياء اُلفت وقرن بعضها إلى بعض... لأن الشبه لا يتعلق بالحمل حتى يكون من الحمار ثم لا يتعلق ايضا بحمل الحمار حتى يكون المحمول الاسفار ثم لا يتعلق بهذا كله حتى يقترن به جهل الحمار بالاسفار المحمولة على ظهره...«.(38)

 

 ٢-٣- إشكالية التمثيل:

وتنميط الجرجاني للصورة الحسية يحتاج إلى قدر من المراجعة لضبطه بشكل أقرب إلى الدقة. وقد سبق القول أن النمطين الأخيرين للصورة الحسية يرتبطان بشكل أقوى بالصورة الذهنية. وفيما يظهر فإن السبب الوحيد الذي من أجله جُعلا حسيين هو أن طرفا التشبيه مفردان وليسا مركبين كالمثال القرآني السابق. ويمكننا أن نقترح أن الصورة الشعرية تتحدد بالنظر إلى وجه الشبه والمشبه به. فينتج ذلك نمطين اثنين من الصورة، الأول حسي يرتكز أساساً على مقارنات حسية (و إن كان أحياناً يقارن مكونات عقلية بأخرى حسية)، والثاني ذهني يرتكز على مقارنات بين مفاهيم أو أفكار.    

وفي ضوء ذلك فإن التمثيل - والذي عرف أنه » تشبيه يعتمد على مجموعة من الجمل: متخيلة ومركبة، وهو تشبيه غير مادي«.(39)  وعليه فهو شكل بلاغي يحتاج إلى درجة عالية من التأويل - سيمكن تقديمه هنا بنمظور جديد. ومن المدهش أن نلاحظ أن تقنية التمثيل تختلف عن تقنية التشبيه البسيط والاستعارة التي تعتمد على التفاعل بينما تعتمد تقنية التمثيل على الامتزاج. وسيُقدم مثالان لتوضيح هذا التنظير. ففي المثال المذكور سلفا والمتصل بقول الشاعر:

          وأنتَ أنْزَرُ منْ لا شيءَ في العدد

يمكن بوضوح تحديدي عنصرين. الأول الضمير »أنت« العائد للشخص المهجو، والثاني المفهوم العددي »للنزر« أو »القلة«. فهناك تفاعل بين طرفي الصورة بموجبه تم نقل معان تخص الطرف الأول إلى الطرف الثاني. وعليه ففي هذا المثال نجد طرفين

وعلاقة واحدة. أما في مثال التمثيل المذكور فهناك أطراف عدة أو عناصر عدة وعلاقات متعددة تعمل في اتجاهات مختلفة، ويمكن توضيحها من خلال الجدول التالي:

 

 

الطرف

العناصر

طبيعة العلاقة

الطرف الأول

الطرف الثاني

التمثيل

اليهود - التوراة

الأسفار - الحمار

الطرف الأول- الطرف الثاني

تضاد

تضاد

تماثل

أطراف وعناصر التمثيل وعلاقاته

 

 بناءً على الجدول السابق، يمكن تحديد أربعة عناصر وثلاث علاقات في هذه الصورة. يتكون طرف الصورة الأول من عنصرين هما اليهود والتوراة والعلاقة بينهما قائمة على التضاد. ويتكون الطرف الثاني من عنصرين آخرين هما الحمار والأسفار والعلاقة بينهما قائمة على التضاد أيضاً. بالإضافة إلى ذلك هناك علاقة ثالثة مختلفة في طبيعتها فهي قائمة على التماثل بين طرفي الصورة الأساسيين. وهنا يمكننا أن نخلص إلى أن الصورة الذهنية تعمل في شكلين اثنين: تفاعلي فيما يخص التشبيه والاستعارة ومزجي بالنسبة للتمثيل.

 

٢-٤- غلبة النمط الحسي للصورة وأسبابه:

لقي النمط الحسي للصورة اهتماماً كبيراً عند الفلاسفة العرب والنقاد ومفسري القرآن القدماء وكان موضوعه أحد أهم الموضوعات التي كان مثار الكثير من النقاش في الفترة الواقعة في القرنين الثالث والرابع الهجري. (40) وفيما يتصل بحقل الدراسات القرآنية، فقد لاحظ الرماني أسلوب القرآن هو أن يقارن الأشياء والمفاهيم بأمور يمكن أن تدرك بالحواس الخمس.(41) وقد لاحظ الأمر نفسه دارسون آخرون كأبي هلال العسكري، ولكنه أعلى من شأن حاسة محددة هي حاسة الإبصار.(42) وهذا الاتجاه للدراسات القرآنية كان له أثره البالغ على معالجة وتحليل الصورة الشعرية، وقد لعبت الفلسفة دوراً في دعم ذلك الاتجاه. وعلى سبيل المثال فإن جابر عصفور في الشاهد الآتي يناقش أثر أرسطو طاليس على الفلاسفة المسلمين فيما يتصل بالفائدة من استخدام الأشياء الحسية للإيضاح:

»وارتباط المحسوسات بالتوضيح مبحث ازدهر أساسا في الأوساط الفلسفية منذ أواخر القرن الثالث، ومبحث كان يستند إلى نوع من المعارف التي أفادها العرب نتيجة اطلاعهم على التراث الفلسفي اليوناني بوجه خاص. ومن المعروف أن العرب اطّلعوا على كتاب النفس لأرسطو في النصف الثاني من القرن الثالث على أقل تقدير.«(43)

و يبرز مسكويه - في نص بالغ الأهمية - كيف تعمل الأشياء الحسية في التوضيح، وكذلك أثرها على المتلقي، وترتيب الحواس حسب أهميتها:

»والسبب في ذلك [طلب المثال المحسوس] أنسنا بالحواس، وإلفنا لها منذ أول كوننا ولأنها مبادئ علومنا، ومنها نرتقي. فإذا أخبر الإنسان بما لم يدركه، أو حدّث بما لم يشاهد، وكان غريباً عنده، طلب له مثالاً من الحس، فإذا أعطي ذلك أنس به. وقد يعرض في المحسوسات أيضا هذا العارض، أعني أن إنسانا لو حدّث عن النعامة والزرافة، والفيل، والتمساح، لطلب أن يصور له ليقع بصره عليه ويحصل تحت حسّه لعينه. وهكذا الأمر في الموهومات فان الإنسان لو كلف أن يتوهم حيوانا لم يشاهد مثله لسأل عن مثله، وكلف من يخبره أن يصوره له، مثل عنقاء مغرب، فان هذا الحيوان، وإن لم يكن موجودا، فلا بدّ لمتوهمه من أن يتوهمه بصورة مركبة من حيوانات قد شاهدها. فأما المعقولات فلما كانت صورها ألطف من أن تقع تحت الحس، وأبعد من أن تمثل بمثال الحس - إلاّ على جهة التقريب- صارت أحرى أن تكون غريبة غير مألوفة.

والنفس تسكن إلى مثل وإن لم يكن مثلا ...«(٤٤)

وأثر هذا الاتجاه يمكن أن يرى أيضاً في أعمال النقاد المهمين من أمثال عبد القاهر الجرجاني وحازم القرطاجني.

فقد اعتبر الأول الطابع الحسي لعناصر الصورة أنها »النمط الأصلي« للمقارنة، أما الطابع الذهني فقد اعتبره »متفرع« عن ذلك الأصل.(45)

وقد أعطى الجرجاني أهمية خاصة لحاسة الإبصار عندما كان يوازن أعمال الشعراء والرسامين، فهما يقدمان أفكارا ومواد بطريقة حيوية ومعبرة.(46)

أما القرطاجني - على الجانب الآخر- فقد أبدى تفهماً كبيراً للطبيعة الحسية للصورة وبشكل أدق للتأثير النفسي للصورة على المتلقي.(47)    

الهوامش

١-  ضيف، شوقي، الفن ومذاهبه في الشعر العربي، (القاهرة: 1969)، ص 90.

٢-  السابق، ص 15.

٣-  السابق، ص ٣٣.

٤-  السابق، ص ١٤١.

٥- السابق، ص 148.

٦- السابق، ص 190 وما بعدها.

٧-  السابق، ص 200.

٨- السابق، ص 172.

٩- السابق، ص 147.

10- السابق، ص 180 وما بعدها.

١١-  السابق، ص 219.

12- السابق، ص 256.

13- السابق، ص 239.

14- السابق، ص 267.

15- السابق، ص 271.

16-             Ibid  p. 9.

17-          Ibid  p. 280.

18-         Ibid  p. 280f.

19-

Abu-Deeb .K . Al-Jurjanîs Theory of Poetic Imagery. (Warminster: 1979), p. 104.

20-

Unlike the Symbolists and the Imagists ... Al-Jurjanî recognises the two types of similarity under consideration as two modes of poetic imagery

 both legitimate and both poetic. No one type

 was said by him to be the only type. the absolute

 besides which no other type is of value for the poet or poetic creation.

Ibid.  p. 141.

 

كما قدمنا هنا سنثبت لاحقاً النصوص الأصلية التي ترجمناها عن الإنجليزية وذلك تسهيلاً للقارئ الذي يريد العودة إلى النصوص الأصلية للمقارنة.   

21-

Read. H. The Philosophy of Modern Art. (London: 1951)

see Chapter One: The Modern Epoch in Art  pp. 17-45.

٢٢-                                                              Ibid.  p. 19.

23-

The first is when the term  became prominent as a literary term in the mid 18th c.23 to refer to susceptibility emotional impressions. esp. to tender feelings  a popular quality in the age of Sterne Goldsmith and Cowper. The feelings may be one s own or those of others L. Lerner (Sensibility)  in The New Princeton Encyclopedia of Poetry and Poetics. Ed. by A. Preminger and T. Brogan. (New Jersay: 1993). p. 1143.

 

٤٢-

Ibid. p. 1144.

25-

For him the physical element is very strong:

(a thought to Donne was an experience: it modified his s. (this must mean that he apprehended it with one of his five senses as Ibid. in the case of  the odour of a rose).

26-

For him. the term does not indicate one special kind of awareness or yield one particular poetic style: s. is simply a name for artistic faculty as found in every poet As a result. he brings the term closer to Intellect. incl. in it the ability to offer intellectual resistance to the dangers

Ibid. of generalization.

 

27- هذا الغموض أيضاً في تحديد مصطلح »الحسية« يمكن أن يرى في بعض الدراسات العربية التي تأثرت بأرسطو، كدراسة القرطاجني الذي ركَّز في تحديده للشعر على أثره في نفس المتلقي. وهذا الاتجاه يمكن ربطه بالتأثر بنظرية المحاكاة عند أرسطو. ينظر القرطاجني، حازم، منهاج البلاغة، تحقيق محمد بن الخوجه (بيروت: 1986)، ط ٣، ص 70، وكذلك عصفور، جابر، الصورة الفنية في التراث البلاغي والنقدي عند العرب، (بيروت: 1992)، ط ٣، ص 298.

 28-

(sensuousness is simply defined in terms of the nature of the affinity revealed between two entities and  also in terms of the function which is fulfilled by revealing a relationship between two entities). Op. cit.  p. 82.

 

29-

Al-Jurjanî A, Asrâr al-Balâgha, Ed. By H. Ritter, 5th ed. ، (Istanbul: 1954), p. 80-1.

 

30-                                                    Ibid.  p. 105.

31-                                          Ibid.

32-                                         Ibid.

٣٣-

Translated by Ritter at Al-Jurjanî A  Asrâr al-Balâgha Ed. By H. Ritter 5th ed. (Istanbul: 1954) p. 69.

 

34-   من هنا سيتم استخدام مصطلح الصورة الذهنية على اعتبار أنه مقابل للصورة الحسية. أما كلمة » الجانب العقلي أو الصورة العقلية« فقد استخدمت غالباً للإشارة إلى عقلانية أرسطو كما تظهر في شعر البديع في العصر العباسي.

 

35-

The tamthîl image is defined and discussed in section 2.3 later in this chapter.  

 

36-

(In its simplest manifestation the similarity is revealed as existing in two objects only ... But in its more complex form a number of objects are considered as one unit the similarity which they bear to something else resulting from their interaction one with another.

The similitude here is analogous to the fusion of two objects which produces a new image different from the images of both individual objects. The images of the objects themselves are modified and transformed, in the process of complete fusion beyond recognition or are even (cancelled out (tubal) completely ... Op. cit.  p. 107.

 

37-                                                          Ibid.

38-                                         Ibid.  pp. 107-8.

39-

(simile based on a set of sentences  conceit  complex non-physical simile) Ibid. p. ix

 

40-

For more information see Asfour op. cit. and Mumini, Q,

Naqd al-Shir fi al-Qarn

al-Rabi al-Hijrî  (Riyadh: 1982)  pp. 359-61.

 

41- ينظر الرماني، ثلاث رسائل في إعجاز القرآن، تح محمد خلف الله ومحمد سلام (القاهرة: دت)، ص 84.

42- ينظر العسكري، أبو هلال، كتاب الصناعتين، تحقيق محمد أبوالفضل وأحمد البجاوي (القاهرة: 1952)، ص 274.

43- عصفور، السابق، ص 273.

٤٤- ينظر التوحيدي ومسكويه، الهوامل والشوامل، تحقيق أمين وصقر (القاهرة: 1951)، ص 240-١.

45- الجرجاني، السابق، ص 61-٢.

46- الجرجاني، عبد القاهر، دلائل الإعجاز، تحقيق م. رضا (القاهرة: 1961)، ص 317.

47- القرطاجني، السابق، ص ٨


تصميم الحاسب الشامل