على رأس جني

 

 هدى الجهوري (قاصة من سلطنة عمان)


يجر هزاله نحوي، والعرق ينضح من جسده بغزارة .يقتني مظلة حمراء، وربطة عنق تنافرت ألوانها بشكل يدعو أمعائي للتقيؤ. يمط شدقيه ليبادل الخواء ابتسامة خضراء،ويرقص كالعصافير أتحاشى فرحه المجاني،وهو يحرك الهواء تحت ساقيه كدراجة هوائية ليصطدم بانتباهي الكبير....

كشمعة ضريرة ظل يسكب رمقه الأخير في فضاء ينضد فراشاته وفقاعاته قبل أن يختنق الكون بزبد العتمة. وكالأمهات يتماثل للحب والكثير من الغفران كلما علقه الصبية على مشجب المناوشات والمزاح الثقيل.خذله الزمن المجدول من فل ونرجس وتساقط في مسافة مفخخة بخنجر خيانة فادحة يفت بلور الروح....

أتابع سيري وأنا مندهشة من قدرته على جر كل هذا البهاء.أعرفه منذ زمن متخبط بهذا المس يقال أنه بال على رأس جني حين كان في العاشرة من عمره (عيسى) صديق طفولتي كنا نلعب معا، ونأكل النبق سويا، وحين تشتد حرارة الشمس نسترخي بجسدينا في بركة صغيرة تدار مياهها في أفلاج متعرجة لتسقي أشجار الموز. كنا نتحدث عن أحلامنا بشهية، وكنت لا أمل ثرثرته عن مشاكساته الطفولية. (عيسى) لم يكن خشنا معي كان دائما يمد يده برفق لينتشلني من البركة. ذلك اليوم لم يأت (عيسى) ليصطحبني إلى سدرة النبق كعادتنا ظللت انتظره إلى أن غلبني النعاس فاستلقيت على سريري، حدقت في المروحة المعلقة في السقف فغفوت لأصحو على زعيق مرتفع في الخارج تملكني رعب هائل لأنني كنت قد حلمت أن عيسى غرق في البركة بحلقت من النافذة لأجد الناس ملتفة حول منزل (عيسى) خرجت، استرعى انتباهي تلك الهمهمات التي انطلقت حارة من الحناجر السمراء لكني انتبهت فجأة لحرارة الأرض التي بدأت تلسع أسفل قدمي لقد نسيت انتعال حذائي،وأنا أركض بفستان قصير إلى الركبة وضفيرتي الفاحمة تنط لتصفع ظهري. شاهدت(عيسى) ممددا على فراش أبيض،ورأسه راقد في حجر أمه (ريه) والناس تردد بجزع:

_ لاحول ولاقوة إلا بالله....ذهب الصبي من بين أيدينا..

وقفت ضائعة في زحمة الهمهمات الطائشة خطر ببالي أن أصفعه ليستفيق ونذهب سويا لنغسل أرواحنا من هذا القيظ،ونتبادل أحاديثنا المفعمة بالفرح والبهجة أزاحني الشيخ (عبد الله) عن طريقه وجثى على ركبتيه ليتفحص جسد (عيسى) كان يقرأ شيئا ما بصوت منخفض ربما آيات قرآنية،وأدعية كان يدهن على جسد عيسى بمادة زيتية ويبصق عليه وهو مستمر بالدعاء و(عيسى) لا يزال نائما.... شعرت بقرصة الحرارة تحك أسفل قدمي رفعت قدما على أخرى لكني سرعان ماغيرت وضعيتي لأنها لم تلائمني. بدأ العرق يتصفد على جبهة الشيخ (عبدالله) ولحيته و(ريه ) لا تزال تحشد شفقة الجيران في خرقة عويلها لاأدري لماذا لماذا لم أصدق الامر.. بدا كالكذب الأبيض،وكالمقالب الغبية وقف الشيخ( عبدالله) قائلا:

_ لقد لحس الجن عقله

اشتد الصراخ والعويل،وهو يضيف:

_ لقد بال تحت شجرة النبق على رأس جني....قدمي القرابين يا(ريه) لشجرة النبق عل الجن تغفر خطيئته....

تركنا الشيخ (عبد الله) ورفعت النسوة( عيسى )إلى داخل المنزل،وانتشر الخلق محملين بالخيبة والحسرة سمعت همهماتهم الباهتة:

_المسكين...ذهب عقله.....والجن قلما تعفو عن الخطايا....

نسيت لوهلة قدمي فوق السخونة، وكأنهما استؤصلا مني.. لم أعد اشعر بهما.. بألمهما لم استوعب الموقف جيدا ظللت واجمة.خرجت فجأة (ريه) محملة باللحم والحلوى والتمر والبخور والحزن الكثير. سرت معها لا أفهم شيئا كل شيء مكتنز بالغباء.. كل ما أعرفه أنها تتجه صوب سدرة النبق. رأيتها تنضد اللحم والحلوى والتمر ثم تشعل البخور في موقد صغير وترش عليه بخور اللبان لتنتشر الرائحة حولي قوية وحادة وهي تدور حول الشجرة وتتمتم بالأدعية كتلك التي قالها الشيخ (عبدالله) ولم أفهمها لكنها كانت تشي بالكثير من الاعتذار حتى خلت أنهم سيخرجون من الأرض أو سيتدلون من أعلى الشجرة جلست(ريه) ورائحة البخور تمتزج بالدخان فجلست بقربها.. مسحت على ضفيرتي وضمت رأسي إليها وهمست في أذني:

_ (عيسى) ذهب من بين يدي ياابنتي......

اردت أن أخبرها أن (عيسى) نائم لكنها لن تصدقني، ربما بدأت أنا بتصديقها فكل شيء مشوه وشاحب... وهذه اللعبة تستعصي على ادراكي. بردت حرارة الشمس استطعت العودة إلى المنزل بمفردي تركت (ريه) خلفي تعلق التمائم والأدعية على أغصان خساراتها الكبيرة تأملت مدخل بيت(عيسى).. كل شيء هادىء خطر ببالي نفس الخاطر أن أصفعه بعنف لأنهي هذه المهزلة لكني سرعان ماتراجعت لفت انتباهي قميصه العفني الذي أحبه وعلى ياقته تكورت بقع الزيت والبصاق....

لا أدري لماذا خطر ببالي أن أضم القميص إلى صدري بعنف تحت بطانيتي، وأنشج بالبكاء....

(عيسى) متخمر كالفطيرة في فراشه لم يعد يأتي ككل صباح ليصطحبني إلى المدرسة كعادته قرعت بابه العديد من المرات وأخبرتني (ريه) أنه لن يذهب اليوم أيضا إلى المدرسة.. فتيات الحارة يشمتن بي لأني الوحيدة التي كانت تصاحب صبيا... أخبرنني أن الله عاقبني فأخذته الجنيات مني..هكذا يعلقن على حائط غيابه الطويل وعجزي الذي ينضح من حيلتي الهشة.... خطر ببالي أن أهرب من الحارة...خطر ببالي أن أقتل (عيسى) في الذاكرة.......

اليوم انتبهت له وهو يعبرني ليحرض في ثورة أو بكاء هذا (عيسى) جاء ليمشط أرجوحة قديمة علقناها على شجرة النبق. كان يدفعني بقوة في الهواء وهو يضحك أخبرني بأن أغمض عيني وكلما ارتفعت ولامست سقف السماء أسرق نجمة وأدسها في فمي قال إن لها مذاقا يشبه طعم القبلات... وكان لي دمية صغيرة اتفقنا على أن نتبناها معا ونصبح أبا وأما صالحين لكنه خذلني ترك الصغيرة في حضني وحيدة لذا لم تعد أطرافها تنمو كبقية الأطفال وفي البركة الصغيرة أخبرني (عيسى) أنني حورية بحر، وهو الفارس الذي سيلعق جسدي جيدا لأتناسب مع اليابسة.. و ها أنا ذا حورية معلقة على تعاويذ تستغفر لذنبه.... وهذا جسدي نسي طعم الملح....

هاقد كبرت ياعيسى وأنت لا تزال صغيرا تحت سدرة النبق، وربما لا تزال متمددا بجسدك في البركة وفي خزانة قديمة في العلية ينام قميصك العفني الذي أحب بقرب دمية انفتق ابطيها من كثرة ماقلبتها بين يدي.. ها أنا أمر على بيتك كل يوم محملة بدفتر جامعي ومجموعة روايات شيقة تمنيت لو أتبادلها معك لكنك لا تزال هناك تهذر ببطولاتك البريئة التي لم أعد أشتهيها وربما.......لم أعد أشتهيك.

(عيسى ) منهمر علي ببلادته كالجوع، وعيناه تتسلق جسدي الذي انفلت من شرنقته بسرعة، انفر من تلصصه المزعج، اتابع سيري لكنه ظل يعبث بسرة جنوني ليدغدغ (عيسى) الصغير النائم تحت أظافري وأنا تنتابي خشية أن يستيقظ (عيسى) على خارطتي التي لن تمنحه وطنا معافى. أردت أن أفر صوب جهات لايعرفها لكنه ظل كالشبح يعاند خطواتي دون أن أجد لغة مناسبة أتفاهم بها معه فثمة شرخ كبير بيننا،ومساحة شاحبة لم يشذبها الوقت بعد. التفتت صوب عينيه مباشرة لأرسل شفرة متورطة بالخوف من شيء بدأ يرتجف في أحشائي:

- (عيسى) الفرح الذي أهديتني إياه فقد طعمه، ورائحته منذ أن أقمت بينك وبيني فجوة تتسع لاختناق... (عيسى) ابق هناك بذاكرة بدائية، فليس ثمة هنا ما يبهج، وحدك من احتفظ ببراءته نظيفة حين خبأها على رأس جني، وحدك من أصبح يمرق أمامنا بمخ ضفدعة مكفوفة، وبروح منثلمة قلما تتصالح مع حاراتنا التي لا تزال بحاجة لمزيد من التشحيم لتبتسم بسخرية في وجه الغرباء.... هاأنت يا(عيسى) تنذرني لفزعك وحزنك الكبير حين تقذفني بالخصوبة والبهاء من نوافذ أغلقتها جيدا خوف البرد، والعري...

يبدو أنه لم يستوعبني جيدا.. يقترب مني ليفسح لعينيه مجالا لتتجول في جسدي، يتلعثم بكلمات لاتبدو منسجمة:

- لنذهب صوب اللعبة... الحرارة مرتفعة...... سنأكل حتى التخمة...

يمرر يده المعروقة برفق فوق يدي ليصطاد أصابعي لكني سرعان ما انتشلها منه بحدة صائحة:

- أيها المجنون....

يحملق في بنظرة حادة،شعرت بها تحرق رتابتي، وتنخر اتساقي مع الموجودات تنتابني الحيرة من مزاجه الشقي،وأشعر بالخوف من لهاثه خلفي. أبلل ريقي بالادعية، عل الله يصرفه عني، وعيون الشارع ترقبنا بتحفز يولج شهوة الفضول،ومن بعيد يصيح بي رجل عجوز:

-ياابنتي...إذا أخذ الله ما أعطى أسقط ما أوجب....

ثم يسير متسقا مع طراوة الهواء دون أن يضيف المزيد، و(عيسى) يطفح على جلد ذاكرتي لينبش وجعي القديم فلا يزال مرحا كفاية لكي أخشاه وأخشى همجيته الطارئة... يقترب مني أكثر أشعر بجسده يلتصق بي وهو يسرف بتمتماته المندلقة من سقف وجعه حتى ارتعدت أوصالي.. وأنا لا أفهم شيئا من كلامه الذي يشبه الرقى:

_ في البركة تنام جنية جميلة.... سنلعب بالدمى معها.... ثم سأبلل جسدك بالماء..... تذكرين....؟؟

شعرت به يشدني صوب مدن لا أعرفها لذا تراجعت خطوة إلى الوراء، والشارع يطفىء عيبيه عنا لأن الله إذا أخذ ما أعطى أسقط ما أوجب....

إنه قريب جدا مني، أنفاسه كعبق البخور، وصوته يخرج من كهف بعيد

كالتعاويذ... يا إلهي لقد استفاق عيسى الصغير بداخلي.


تصميم الحاسب الشامل