|
|||||
|
لم يتخيل الكاتب ادوارد ستيفنسون ان يكون هذا المكان، بحيرة غاردا، هو المكان
المثالي لحل مشكلة العقم في خياله وتوقف ذهنه عن الابداع، وتخلصه من حالة
انسداد في الموهبة عانى منها لأكثر من سنة.
السكن هنا على حواف البحيرة هي البيئة المنشودة لخصوبة الابداع، بالنسبة له: اشجار الحمضيات تتدلى ببهاء كدمغة تعطيها لهوية المكان، ماء البحيرة تحضنه الجبال من اكثر من جهة، ازرق صاف يصلح للتأمل، أما المقاهي المواجهة للبحيرة او المطلة عليها من السفوح المجاورة، فليس من مكان أحلى للقراءة او الكتابة مع فنجان قهوة اسبريسو، او فنجان شاي بالليمون. ثم هناك العنصر المهم الذي لا يجب ان يتجاهله، اي البشر الذين يتوافدون من اوروبا تحديدا، حاملين معهم قصصهم التي تصلح مصدر إلهام للكتابة. توصل الى هذه النتيجة بعد بضعة ايام فقط من وصوله مع شركة سياحية متخصصة في سياحة الجبال والبحيرات، الشركة التي عثر عليها عندما كان يبحث في الموقع الالكتروني (لاست مينيت دوت كوم). وكان العرض »اسبوعان الى بحيرة غاردا شمال ايطاليا بثلاثمائة جنيه استرليني«. جاء العرض المغري مع وجبتي فطور وعشاء في فندق اربع نجوم. لم يكن ينتظر اكثر من ذلك العرض الاستثنائي المتأخر، اغراءً للهروب من لندن، وهو الذي يحمل لايطاليا صدى عذبا في ذاكرته الادبية. ايطاليا المكان الذي حج اليه تاريخيا عدد من الكتاب والشعراء البريطانيين والمهتمين ايضا بالأدب والفنون، هربا من تجهم مناخ بلادهم في الشتاء. ليس المناخ فقط. فالمبدعون كانوا يهربون اساسا من رتابة العيش المقيدة بتقاليد خانقة، تعود الى العصرين الفيكتوري والالبرتي في القرن التاسع عشر حتى منتصف القرن العشرين. يقيمون في منطقة وسطى بين بلادهم الاصلية واوروبا، ويظلون رغم ذلك في حضن الحياة المدنية والثقافة الحارة بخيالها وعطائها، في المتاحف والآثار ومخطوطات الكتب العتيقة. هذا ما فعله شعراء مثل، لورد بايرون، كيتس، وشيلي. ولن ينسى وهو يستعيد الاسماء الادبية، كتّاب الرواية امثال دي اتش لورنس وإي ام فوستر. وهذا ما يفعله الان هو، يهرب مثلهم باتجاه المكان المفتوح على الشمس والاصوات العالية، والنفوس غير المقيدة بما يجب او لا يجب ان يفعله المرء طوال اليوم. توصل الى قناعة الاستقرار في المكان عندما بدأت تتراكم متابعته لتحركات المسافرين الذين قدموا معه في نفس الرحلة ونزلوا في الفندق نفسه. رجال ونساء راحوا يلهمونه القصص والشخصيات. لم يحتج الامر الى اكثر من ابتعاد عن جنوب غرب لندن، حيث يسكن، كي يسترجع بعضا من طاقة مخيلته ككاتب. فهناك لا شيء من حوله بات يلهمه شيئا، علاقته بزوجته انتهت قبل ثلاث سنوات بان ترك لها وللولدين البيت. ولم يكن يريد بعد الانفصال سوى الحصول على شقة مضيئة وغرفة مكتب تطل على شارع هادئ. »غرفة خاصة بي« كما كانت تردد فرجينيا وولف في سياق حديثها عن المرأة والكتابة. ألا نحتاج كلنا لغرفة تحتضن وحدتنا وخيالنا. لماذا فرقت وولف اذن بين الرجال والنساء!. وجد الشقة في مكان معقول في حي تشيم قرب ساتن، الحي الذي اعتاد أن يعيش فيه مع اسرته الصغيرة. لم تكن الشقة بمستوى حلمه، مضيئة لكنها لا تطل على منظر جميل، بل على شارع جانبي هادئ وهذا ما يمنحها ميزة، ثم انها معقولة بحدود دخله وايضا بمستوى ارتفاع ايجار الشقق في لندن. ويكفي أنه وجد المكان الخاص البعيد عن مشاحنات يومية مع الزوجة ومع الابن الاصغر الذي لا تكف امه عن الدفاع عنه كلما حاول ان يتدخل في مسار حياته المرتبك. ترك المدرسة وتنقل في اكثر من عمل ودخل في مشاكل عديدة مع زملائه كانت تنتهي بشجار وتضارب بالايدي. »جيل من دون آباء«. يرددها باستياء كلما فكر في مشكلات من هم في سن ابنه. هكذا اراد المجتمع للجيل الجديد ان يعيش. لقد قُـتل الاب فعليا وليس رمزيا عندما ثار الشباب على السلطة الابوية في الستينيات. والان يؤنب المجتمع بمؤسساته الاهل لانهم لم يربوا اولادهم جيدا! هرب من كل ذلك الى شقته الصغيرة موهما نفسه انه سيتفرغ للكتابة تماما. فكر انه سيكتب عن تلك المشكلة تحديدا، »غياب الاب عن حياة الابناء«، اما لأنهم ولدوا خارج الزواج فلم يعيشوا حياة سوية مع الأب، النموذج الذكوري الذي لا بد منه كي تتوازن حياتهم مع النموذج الانثوي، او بسبب ارتفاع معدل حالات الطلاق. كتب قصتين مستوحيا تلك الفكرة التي نفدت سريعا. ثم تناول العلاقات الزوجية التي تكون عنصر خنق لأي ابداع وتقود الى الموت احيانا، وان بالمعنى الرمزي للكلمة. وانتهت الثيمتان التي انطلق منهما الى نشر مجموعة قصصية رابعة لاقت استحسانا عند البعض وثناء اقل عند البعض الآخر من النقاد. صدرت المجموعة منذ قرابة السنة ونصف السنة، ولم يكتب شيئا من حينها. كأن آخر احجار الخيال قد قدح ولم يعد من شيء يستفزه لإبداع قصة. افتعل الحبكة مرات ثم توقف في منتصف الطريق او في مستهله، غير قادر هو على الاستمرار في نصه، مع كل محاولاته العودة الى الكتب التي تشكل دليلا الى عالم الكتابة السردية، والتي تصدر عادة لمساعدة الهواة في عالم الكتابة. عاد أيضا الى قصص وروايات يعتبرها رائدة في هذا المجال علها تشحذ خياله، لكن من دون اية فائدة!. وها هو بعد ايام قليلة من وجوده في بحيرة غاردا شمال ايطاليا، يجد نفسه قد دون مجموعة افكار لكتابة قصصية. لو عاش هنا لعدة سنوات فستكون فرصة كي يكتب عن الاوروبيين الذين اتحدوا سياسيا واقتصاديا، ولكنهم سيبقون مختلفين ثقافيا واجتماعيا. الا انه في الوقت الحالي ومنذ ان وصل الى بلدة ليمونه واستلم البرنامج المقترح للرحلات الداخلية، يهجس بكتابة »قصص حب«. اوحى له بذلك وجود رحلة الى مدينة فيرونا، المكان الذي وقعت فيها تفاصيل مسرحية شكسبير »روميو وجولييت«. وتبلورت فكرة القصص بعد زيارة منزل جولييت »المفترض«، ووقوفه تحت شرفتها يتفرج على الصبابا السائحات يطللن من فوق، متخيلات بين الحشد في الاسفل، عاشق أبله سيقتل نفسه من اجل واحدة منهن! وجد الثيمة الاساسية لمشروعه القادم، سيكتب عن العلاقات العاطفية التي تبدأ باندفاع وحماسة، ثم تفتر في منتصف الطريق لأنها في الاساس تنطلق من الوهم، من وعد متخيل يرتديه المحب، بغواية من الحبيب او بسبب خداع النفس. سيجد هنا حول بحيرة غاردا وما حولها من مناطق، مثل فينيسيا وفيرونا الشخصيات الموحية، فمع كل اثنين يصلان للسياحة حول هذه البحيرة الشاسعة الاكبر في شمال اوروبا، هناك قصة حب جلباها معهما. هذا ما يلاحظه في الفندق، وفي المطعم تحديدا، حيث يلتقي بقية النزلاء صباحا ومساء. المائدة المواجهة له في المطعم مثلا، تجلس إليها امرأة ترافق رجلا في اوائل اربعينياته وتصغره بحدود خمس سنوات. يحمر وجه المرأة كلما همس لها رفيقها ببضع كلمات. لا يسمع هو من طاولته شيئا، لكنه يخمن انه غزل يبوح به الرجل الاربعيني لرفيقة الرحلة. والا فما يجذب المرأة الجميلة الى هذا الرجل غير الوسيم الذي يبدو من طريقة لباسه انه يعمل في المهن اليدوية، لا رجلا موظفا يذهب الى مكتبه يوميا ببدلة وربطة عنق، كما هم الموظفون في بريطانيا. استنتج ذلك من البوط القبيح الذي يرتديه الرجل - رغم ان الطقس نهارا دافئ- وايضا من غياب التناسق في الالوان بين القطع الثلاث التي يرتديها، القميص والبنطلون والكنزة، واحيانا الجاكيت. ثم حركات جسده التي تشي بكونه يعمل حقا في واحدة من المهن اليدوية: تركيب سخانات الماء او تمديد انابيب التدفئة، او ربما يكون مقاول بناء متوسط الحال. ارتاح للوصف الاخير، خاصة وان الرجل كان فارع الطول، يتمتع بيدين وساقين طوالا. بهذا الشكل ثبّت اولى المواصفات لبطل قصته. وقد خال المرأة الجميلة في الايام الاولى زوجته، (افترض ان اسمها ميري)، ثم توصل الى قرار يميل الى نفي هذه العلاقة، بسبب انها تحتفظ برد فعل غريب مستمر: احمرار الوجه. لا بد انها صديقته، اذ لا يمكن للزوجة ان تظل ذات حواس مرهفة الى هذا الحد، وان تتأثر بكل مفردة او جملة يهمس بها الزوج. لكن وفي الوقت نفسه، لا يبدو على رفيقها انه رجل عازب. شيء ما يقول له ان بطل قصته متزوج ولديه اطفال ايضا. خمن ذلك أيضا من حركة جسده التي لا تتمتع بالسلاسة، كأن الزوجة الغائبة والاطفال البعيدين اربطة تقيد حركته طوال الوقت. بدأ ستيفنسون يشعر بمتعة وجوده ككاتب في هذا المكان. يستمتع بالطبيعة والبشر، ويترك لخياله ترميم البقية. احيانا يتقصى بعض المعلومات من روبرتا، المرأة التي تدير المكان مع شقيقها، ووالدتهما التي تحضر بصورة اقل منهما الى الفندق، مبتسمة دوما، بطيبة يود معها لو يقبلها كما لو انها أمه التي توفيت قبل ست سنوات. فندق بإدارة عائلية، وهذا ما يحتاجه تماما »رائحة العائلة في المكان«. في هذه البقعة الفردوسية، لا شيء يثير الاعصاب ويقلب المزاج. بل على العكس، الصفات المحمودة اكثر مما تمنى: اللطافة، بهاء المنظر الذي يطل عليه الفندق من كتف الجبل الى حيث البلدة القديمة التي تتدرج نزولا الى البحيرة، المحلات الصغيرة المحشورة في الحواري، البيوت المبنية كما لو انها مستوحاة من حكايات الخيال، درج عتيق وشبابيك بساتر خشبي اخضر اللون، واصص الزرع بزهورها الحمراء المبهجة تستريح فوق الدرجات وحواف الشبابيك. تفاصيل لا تقاوم تغري على البقاء هنا، الى حيث هيأ له القدر مكانا اختاره لها بعناية. يتحرك في بلدة (ليمونه) كما لو انه في حلم، ويود لو يبقى هنا بقية العمر. حياة لا يتخللها الملل، واحتمال عال لكتابة دائمة. وفكر أنه سيكتب عن سكان مدينته بصورة اغنى عن بعد، عندما سيصفو ذهنه وتضيء شاشة افكاره. سيبقى هنا لو ارتبط بروبرتا، وبذلك، يتوفر له مكان الاقامة. أما امور معيشته فسيتدبرها بما ينشره من وقت لآخر في الصحافة البريطانية. »الارتباط بروبرتا ليست فكرة سيئة! لم لا؟ ألا ترسل له هذه المرأة العازبة نظرات يفهم منها الاعجاب ومحاولة التقرب! تسأله عن قصصه وتبدي رغبتها الحارة في قراءتها، مستعرضة في حوراها معه مخزونها المعقول من اللغة الانجليزية، بينما يحاول هو ان يبدو ايطالي الهوى بترديده مفردات التقطها خلال احتكاكه بأهل المنطقة، فيردد »سي. سي« كلما بادلته الحديث، موافقا اياها على تعليقاتها. روبرتا الممشوقة ذات العينين البنيتين والشعر الاسود الذي تتركه مسترسلا بتموجاته مائلا على كتفها الأيمن. تكوينها الجسدي يشبه بطلات افلام ايطالية شاهدهن في السينما وانجذب لهن بحرارة ارواحهن. »هل يمكن لروبرتا ان تحبه وان تقبل به؟« أيضا لم لا؟ صحيح انه في اوائل الخمسينيات من عمره، لكنها ايضا ليست صغيرة، ربما على عتبة الاربعين تقريبا، او في اواخر الثلاثينيات من عمرها. ثم انها غير متزوجة حتى الآن. هي لم تخبره شيئا عن حياتها، لكنها لا تبدو منفصلة عن زوج، قد تكون خطبت ولم تتزوج. النساء العازبات ممن لم يعشن علاقة زواج لهن وهج خاص. حركتهن خفيفة البنات اللواتي لم يغادرن بيوت اسرهن، حركة غير مثقلة بعبء عشرة مستمرة في الزمن مع رجل محدد. يستطيع ان يؤكد لنفسه انها مرت بتجربة مؤلمة، وربما اكثر من واحدة، لكنها لم تتزوج، بقيت في مكانها، في البيت الذي يحلم هو ان يشاركها العيش فيه مع امها، شرط ان تكون هناك غرفة بنافذة تطل على واحدة من الحارات المتدرجة وجانب من منظر البحيرة. اطلالة تصلح كمسقط ضوء ومنظر مريح للعين، وموقع يلهب حماسته للكتابة. هل ستتمنع عليه روبرتا؟ ضحكتها وحركة جسدها تبدوان احيانا هستيريتين مع محاولتها التحكم بهما، شيء مما يصدر عن امرأة تريد الزواج، أو تنتظر الحب الذي منته طوال حياتها، فلم لا يكون هو الفارس المنقذ؟ الساعة السابعة مساء في هذا اليوم شبه الصيفي، والضوء النهاري لا يزال في الافق، شاحبا ينجلي ببطء. بدأت أعماقه تمور بالرغبة في الكتابة. شعور حرضت عليه اصوات حركة النزلاء الذين بدأوا يتوافدون الى المكان مارين عبر البار الى المطعم الصغير وقد وضعت على موائده ارقام الغرف بشكل ثابت، بحيث يجلس النزيل في المكان ذاته يوميا. طاولته هو وضعت ملاصقة للجدار، يجلس ويسند ظهره اليه، ويبدأ بمتابعة المكان من حوله. الى اليسار طاولتان اخريان، مستطيلتان تتسع كل منهما لثمانية اشخاص. انها المجموعة التي جاءت من (كورنويل جنوب غرب انجلترا) لتمارس هواية المشي وتسلق الجبال المحيطة المتاخمة للتضاريس النمساوية والسويسرية. ضجيج المجموعة المنقسمة على مائدتين يضفي بهجة صوتية على المكان، فيعجب من انطلاق الشعب الانجليزي خارج بلاده مثل عصافير حبيسة! هل للمكان قوانينه اللامرئية، الموروثة من سلوك الاسلاف او من طبيعة مناخه وتضاريسه؟ ينطلق الانجليز في البلدان الغريبة، كمجموعات، بكل المرح والعفوية، ويبقون على تحفظهم، نسبيا، عندما يواجهون الآخر كأفراد. وهذا ما يحدث في علاقته مع الزوجين الجالسين على طاولة قربه في المطعم. المرأة تبتسم له بتحفظ، والرجل يومئ برأسه ايماءة جنتلمان يخشى ان يقترب منه احد من الغرباء. كلاهما في منتصف الخمسينيات من عمرهما وعلاقتهما لا تبدو على ما يرام. يميلان الى الصمت غالبا، وان تناقشا يكتمان انفعالاتهما كي لا تتسرب الى من حولهما. قدر انهما زوجان يمران بأزمة عاطفية، وجاءا الى هنا علهما يحلانها. ربما ان واحدا من الابناء، يعيش في استراليا مثلا، قرر ان يهديهما التذكرتين، محاولة منه للتقريب بينهما. الا انهما وبعد اسبوع على وجودهما في المنتجع، لا يزالان محتقنين، يتحدثان الى بعضهما بتهذيب لكن من غير عاطفة ظاهرة. ما الذي جرى للعلاقة كي تصل الى هذا المستوى؟ هل هي ازمة منتصف العمر يمران بها؟ هل تقاعدا عن العمل فاتسع الفراغ وكشف عن ندرة ما يجمعهما في الواقع؟ ربما ان الزوج يمر بأزمة عاطفية، احب امرأة تصغره على سبيل المثال. ود لو يناقش الامر مع الاثنين كوسيط، فقد اثارا شفقته وليس فقط فضوله ككاتب. يبدوان زوجين بخلفية مهنية جيدة، ربما هو محام وهي موظفة في احد البنوك. التحفظ الذي يتحركان به والرصانة التي يتعاملان بها مع من حولهما، يشيان بذلك. كانت بلدة (ليمونه) تستعد لليلة الالعاب النارية التي ستنطلق قرب ساحل البحيرة. اخبرته روبرتا بذلك، وشرحت له بتباهٍ ان الفنادق كلها تساهم في تمويل هذه الالعاب من اجل تسلية السياح. تسلل عدد من النزلاء الى كورنيش البحيرة ليفترشوا المقاهي والارصفة بانتظار اللحظات المضيئة. وقرر عدد آخر منهم كان هو بينهم، ان يجلسوا الى شرفة الفندق التي هي امتداد للبار، ليشهدوا النيران الفرحة من العلو. انفرجت اساريره وشعر بالارتياح عندما لاحظ ان ابطال قصتيه بقوا في المكان ليوفروا له فرص متابعتهم في شتى المواقف. بدأت الطلقة الاولى للالعاب النارية، علا ضجيج المتفرجين وراح صداه ينتقل في الهواء قادما من شتى الامكنة، مختلطا بالانوار الساطعة الملونة التي تفترش افق السماء. تابع صدى البهجة على وجوه ابطاله، فلاحظ ان ميري تقف بتشنج قرب صاحبها الذي يعمل في البناء، تضع جاكيتا على كتفيها من دون ان ترتديه، وعندما حاول ان يضمها اليه قليلا، ابعدت جسمها عنه. لا بد انها تخاصمه. ربما انه يرفض تطليق زوجته واعلان علاقتهما على الملأ! مسحت عيناه الشرفة بحثا عن الزوجين الاخرين. اختفيا. شرد بذهنه الى احتمال ان يتخلص الزوج من زوجته منتهزا فرصة الضجيج العالي للمفرقعات. ربما قتلها وعاد بسرعة الى المكان ليثبت انه كان مع الآخرين. انزعج من هذا الخاطر لانه لم يرد ان يحول التفاصيل باتجاه القصة البوليسية متأثرا بكتابات أغاثا كريستي. ومع ذلك ظل قلقا لغياب الزوجين. صعد الى الطابق الثاني الى حيث اعتاد ان يشاهدهما قادمين من الجهة المعاكسة للممر الذي تقع فيه غرفته. راح يتمشى بعصبية في الممر عله يسمع صوت استغاثة، او شجار يدله على رقم الغرفة، الا ان ضجيج الالعاب النارية كان اقوى من اي صوت لحظتها. وعندما صمت الاستعراض الذي قدر انه استمر لنصف ساعة، راح يتنصت لبضع دقائق عله يلتقط صوتا ما، الى ان فاجأه صوت باب احد الغرف يفتح، ليخرج منه الزوجان، مبتسمين، فارتبك لضبطهما اياه في الممر. قال بصوت لم يغط تماما على ارتباكه. »لقد فاتكم المنظر الجميل للالعاب النارية«، ردت المرأة »المشهد من شرفة حجرتنا كان اوضح واجمل«. ثم نظرت باتجاه زوجها »أليس كذلك يا جورج؟« هز الرجل رأسه بشدة قائلا »تماما يا عزيزتي«. »حقا؟ اوه ما اغباني..غرفتكم تطل على البحيرة«. وشعر انه مدين لهما باعتذار. وفي البار حيث اجتمع النزلاء بعد ان ابتعدوا عن جدار الشرفة حيث الجو يميل الى البرودة، قرر ان يهدي الزوجين شرابا على حسابه. لكنهما اجاباه بتهذيب شديد انهما لا يشربان اي شيء بعد العاشرة مساء وانهما سيجلسان قليلا لحين شعورهما بالنعاس. »ولا شاي حتى؟«. »لاشيء«. ردا بصوت واحد بدا انهما اعتادا عليه طوال سني حياتهما المشتركة، فقدر انهما متورطان بمشاكل لها علاقة بالمثانة ولا يرغبان بازعاجات الصحو الليلي المتكرر. »سمة طريفة يمكن ان تضاف الى الشخصيتين في القصة، فالمتزوجون لفترة طويلة يتشابهون حتى في المتاعب الصحية«. غير ان فشله مع ابطال قصصه لم يثنه عن الطلب الى روبرتا وقد اهملها في اليومين الاخيرين، بأن يدعوها الى سهرة في ناد قريب. ترددت قليلا، الا أنه استطاع ان يلتقط ذبذبات الموافقة بين اكوام ما بدا تمنعا. تحججت بانها يجب ان تصحو مبكرا لتداوم في الفندق. ثم قالت انها ستحاول ان تسأل اخاها ان يغطي غيابها. بعد قليل، اتته تقول انها تفضل تأجيل السهرة الى ليلة الغد »على الاقل سأكون مستعدة«، واشارت الى جسمها في حركة عفوية وخجولة شعر معها برغبة لأن يحضنها. تبقت ثلاثة ايام من الاقامة هنا ايها الكاتب التعس وعليك ان تفاتحها وتحسم امرك معها. وان كانت هي ستهيئ نفسها مقدما، فماذا سيفعل هو الذي جاء الى الرحلة بملابس تتلاءم مع روح السفر النهاري، فهو ليس من هواة السهرات الليلية الخارجية. قرر ان يشتري في الصباح السترة المخملية عسلية اللون التي لفتت انتباهه في احد المحلات القريبة قبل أيام، وتردد في شرائها بسبب ارتفاع ثمنها. سيرتديها فوق كنزة صوفية خفيفة سوداء وبنطلون اسود مخملي ايضا. ملابس تلائم برودة الليل، وربما استطاع باطلالته تلك ان يغوي روبرتا المتمنعة قليلا. نظر الى هيئته في المرآة فوجد نفسه مقبولا: شعر كستنائي يخف قليلا على الجانبين، وعينان يتراوح لونهما ما بين الازرق والاخضر، غير واسعتين انما حلوتان كما كانت تقول له زوجته في بداية علاقتهما. سيحاول ان يكشف عن عينيه بوضع النظارة جانبا قدر المستطاع اثناء اللقاء، مساء الغد. الخلاصة، انه يملك جسدا لا يتسم بالكوارث، لا صلع ولا كتل دهنية متدلية في الجسد المتوسط الطول، الممتلئ قليلا. الا ان روبرتا التي بدت فاتنة في المساء التالي بثوبها السكري اللون الذي يغلب على الجزء العلوي منه قماش الدانتيلا، حتى بدت كعروس جاهزة لعرض الزواج، فاجأته بضحكة ساخرة قصيرة ردا على اقتراحه ان يقترن بها ويبقى معها في بلدتها. لم يرض غرورها ولهه بالمكان وسكانه، رغم انها كانت تتباهى دوما بين النزلاء بجمال وتميز بلدتها. »ولماذا لا نعيش في لندن؟« قالت ونبرة الخذلان تفوح من كلامها. وجد نفسه محشورا في العرض بين منطقتين جغرافيتين. وعندما تصور نفسه يعيش في لندن مع روبرتا انقبض قلبه، وشعر بوجهه ساخنا، لكنه ارتاح لفكرة ان الانوار الهادئة في النايت كلوب تغطي عليه. »ولماذا لا نعيش هنا روبرتا. هنا الجنة؟« »اية جنة يا صديقي؟« ثم رفعت كأس النبيذ الابيض البارد الى شفتيها محتمية بمفعوله، وأحس ان صوتها مبلل بالبكاء المحبوس. »أنت هنا في بداية الصيف. بهجة المكان لا تستمر اكثر من خمسة شهور على ابعد تقدير. بعد ذلك يموت المكان. تموت ليمونه وبقية بلدات البحيرة، ويختفي البشر. يتبقى اهل المكان فقط، نحن، لنواجه الشتاء والوحشة«. ثم ادارت وجهها ناحية الطاولات الاخرى فشعر انها تريد ان تستنجد بشهود غائبين. »لندن موحشة معظم الوقت ايضا والمسافات بين مناطقها بعيدة، وكذلك البشر«. لم تدعه يكمل وردت بحدة »لندن المسارح وآخر عروض السينما واصدارات الكتب. المقاهي والبارات المزدحمة. هل رأيت شبابا من المنطقة يعيشون هنا؟« فاجأه السؤال لكنها لم تنتظر رده. »كلهم هجروا البحيرة للعمل في ميلانو وروما وفيرونا وفينيسيا، ولندن، في المدن الكبيرة«. صمتت قليلا فملأ الفراغ بأن تمتم »نعم. لاحظت ذلك. لكن أليس كل الشباب يطمحون للمغامرة هذه الايام. هذا يحدث حتى في لندن. شبابنا الآن في دبي واميركا وآسيا«. غير ان روبرتا كانت لا تزال تحتفظ بحماس تعليقها على دعوته فاستأنفت »هذا المكان كئيب حتى في الصيف، الا تلاحظ ان غالبية السياح من متوسطي الاعمار ومن المتقاعدين؟«. »لأنهم ينشدون الهدوء والاسترخاء. هذا ما شدني انا الى هذا المكان في الاساس يا روبرتا؟« بدأت ملامح روبرتا تقسو. بعد ردوده، وبعد ان فقدت رومانسية الليلة، ما عادت تأبه برقتها أمامه. قالت له خاتمة قرارها »انا الان في الثامنة والثلاثين. واريد ان اخرج الى مكان فسيح يضج بالحياة«. صدمته الارتباكة التي احدثها الجدل بينهما، فنسي العودة الى الموضوع الاصلي، اي مفاتحتها بالزواج، كأن مفعول العرض انتهى بتغير المكان المرشح للاقامة. ثم انتبه الى انه وقع أساسا في غرام المكان وليس في غرام روبرتا، لا بل شعر انه ما عاد يطيقها بعد تلك الليلة. وفي اليومين التاليين حاول ان يتجنب الحديث معها، مصدوما من تلك النهاية التي لم يتخيلها ابدا. توقع ان ترفضه لأسباب لها علاقة بالعمر، او بالمظهر، لكن ان تربط الامر بالانتقال معه الى لندن وتحقير البحيرة الساحرة! عندما كان ينهي حساب غرفته صباح يوم المغادرة، تعاملا كأي غريبين، موظفة ونزيل. لم تنظر في عينيه عندما ردت على وداعه »تشاو روبرتا«. ود لو يعتذر لها لكنه ارتبك من الموقف، فحمل حقيبته ونزل الى حيث انتظار الحافلة التي ستقله وبقية المجموعة الى مطار فيرونا في طريق عودتهم الى مطار تشيزيك بلندن. وأمام مدخل الفندق اقترب من المرأة الشقراء وممن تخيله عامل بناء. كانت التي افترض ان اسمها »ميري« لا تزال تبدو غاضبة من رفيقها، وعندما طلب منها هذا الاخير ببرود ان تساعده في حمل حقيبة الكتف التي تخصه، ردت بصوت لم تأبه ان يكون مسموعا »انا سكرتيرتك فقط ولست زوجتك«. »ليست زوجته«! وانفرجت اسارير الكاتب ادوارد ستيفنسون للمرة الاولى منذ يومين. لقد نجح على الاقل في ان يخمن شيئا صحيحا حول علاقة ما. وهذا يعني ان ذهنه يعمل بشكل مقبول نسبيا، ذهن كاتب قصصي مصاب بعقم المخيلة، زار بحيرة غاردا وعاد منها ببضع افكار لقصص تصلح لمجموعته القادمة. |
|||||
|
|||||