|
|||||
|
خلف ذاك الجبل الصغير الذي يبدو كوشم في تلك الصحراء نامت عين الشمس عن قرية فرشت أرضها بين واديين مملوءين بماء الطفولة، بعد أن غسلت شعرها الأبيض طارت بطة من صخرة في جوف ضفة الوادي، في تلك اللحظة نزل ديك بلونين مختلفين من سدرة توسطت بيتاً صغيراً، باحثاً عن حبيبته الميتة بين أشجار متوزعة في ساحة المنزل، رسم الظل شجرة النبق العملاقة على الحصى الصغير، أحست مريم بدفء ألوان الوحدة ترتسم في دفترها النائم بين يديها الصغيرتين، بدأت تغيّر من مشروع رسمتها المعتادة، كانت تلوّن بالأصفر المائي، امتدت يدها لحصاة صغيرة، رمت بها الكرة النائمة في أغصان الشجرة، حاولت جاهدة إسقاطها، في كل مرّة تسقط أثمار السدرة، جمعت ما نفضه الحصى في كيس صغير، على عتبة باب أصفر، جلست تلوك ما جمعه الحصى في الكيس، خلف ذاك الباب الذي يشبه الشمس ومريم، كان أحمد يتسلق شجرة بيذام، وصل لغصن مملوء بالخير،في كيس جمع ما كان أصفر، أما الأخضر فدسه في فمه، نزل فرحا بما جمع، هرول إلى حيث مريم، أعطاها ما كان ناضجا، أغمض عينيه وهو يدوس الأخضر بأسنانه في فمه، أهدته من كيسها ما جمعت من نبق، من هناك تحركا فرحين بما جمع كل منهما، قادها من أطراف أصابع يدها اليمنى إلى شجرة تين متوغلة بمزرعة تموج بفواكه الطفولة، من مزرعة والده أهداها عنقود عنب، و جوافة صفراء، بدآ جميلين أكثر من الأيام التسعة التي يحسان بها بعد دفن أي جثة كانت، توغلا قرب أغصان الذرة، دخل واكتفت بالانتظار ؛ إلى أن أهداها رأس ذرة صفراء كانت سببا في ترك المزرعة، في البيت دخلت مطبخا صغيرا يندس تحت درج السطح، من السطح طارت حمامة بيضاء؛ بعد أن سمعت صوت قبلة في يد مريم، حمّرت رأس الذرة، رشته بماء وسكر، جلست في الحبل المتدلي من غصني الشجرة، بدأ يطيّر الحبل في الهواء، من على ظهر الحبل حلّقت في الريح، أحست بنشوة التحليق في الجو البارد، أمرته أن يزيد من قوة دفع محركيه الصغيرين، اقترح أن يكون التحليق من الخلف، في تلك اللحظة دخلت أمها، ووجدتها معلّقة في سماء اللعبة التي رسمتها في كراستها . ( ٢ ) تفننت مريم برسم السماء، لم تكن ثمة نجوم في الورقة، وزعت لونها فوق الجبل المتدلي من رأس الشجرة، بعد أن دس سعفها؛ حلّق أحمد في كربة طويلة، ركض كثيرا، قلد صهيل فرس الشيخ، أمسك بالحبل المتدلي من رأس الكربة الذي تخيله فرسا، أثار غبار النقع بقدميه الصغيرتين، تناثر صوت الصهيل أمام السياج المحيط ببيت مريم، واصلت رسم الانتظار، سايرت ظلها إلى أن خرج من البيت، وقفت وظلها في مكانها المعتاد، لم يتأخر فارس أحلامها، جاءها بفرسه الميتة، امتطيا صهوة الفرس، ونسيت أن تحمل ظلها معها، استيقظ مادا بصره في الانتظار، لم يكن ثمة ما تراه عيناه الجافتان، أقفر الحي إلا من ظلال بيوت الطين، أمسك صدره بيديه الصغيرتين، مشى باحثا عن شمس لم تغسل وجهها هذا الصباح، طقطقت أسنانه صوتا موسيقيا، قبل أكثر من عشر سنوات حاول تحريك آلة البيانو من غرفة أخيه الميت في إيطاليا، في تلك اللحظة لمعت يد والده في خدّه، قال لمريم : »طقطقات أسناني في صباحات الثلوج، تذكرني بآلة البيانو عند أخي الميّ...« وقبل أن يكمل جملته اختلطت دمعة مريم مع لون الرسمة الضائعة. ( ٣ ) في الصورة التي رسمتها الحارة القديمة مدّ حبل سراب بين ظلي الجدارين المتقابلين، في تلك اللحظة صار كأرنب، ظل يقفز في حبل سرابه إلى أن أعتلت الظلال السطح، مودعة جداريها المهّشمين، واصل جسد مريم راحته، وحدة أحمد التي أحس بها مع ظل الجدارين كانت سببا لترك المكان، دخل ليطمئن، وجدها تلتحف شعرها الكثيف من أخمص القدمين إلى أصابع اليدين التي تجاوزت الرأس، القلب الرحيم الذي يتكوّم في ثنايا جسده، كان عاطفيا أكثر من العاطفة، فقد شرب ماء زمزم الذي في فمه؛ قبل أن يتناثر كندى بارد على جسدها، مسح دموعه بذاك الشعر المتكوم على تلك الجثة الهامدة، قبل أن تكتمل رسمة مريم؛ مات بطلا الفاكهة في ورقة المزرعة، بعد أن التحفا التراب نظرا في وجه المرآة، أحسا بطعم الليمون والملح اللذين دسا في بطن الذرة التي أكلاها قبل سنوات . |
|||||
|
|||||