ابتسامة سمية

 

سليمان المعمري (قاص من سلطنة عمان)


سفر  :

في زمن الحقائب المكتنزة بكل شيء وحدك تسافر بلا حقيبة.. كل هذه العيون ولا أحد يحدق فيك إلا الغربة، كل هذا الضجيج ولا شيء يوقظ روحك النائمة.

قاعة المغادرين دنيا مصغرة لن تأتي على مقاس متشرد مثلك أبدا.. وها أنت بعد هذا العمر الهباء تكتفي من الغنيمة... بالذهاب !

 دمك يسافر معك خاليا من السُكّر والأمنيات.. كم يلزمك من العمر لتدرك أنك من فصيلة الكائنات المنقرضة التي لا تجيد هضم النصائح المغلفة بطبقة من الشيكولاتة.. لعله خلل في التربية والتعليم الأساسي حيث كان على تلميذ صغير لم ينبت له ضرس الجنون بعد، أن يقوم منذ صياح الديك للمعلم الذي كاد (لولا الحظ العاثر) أن يكون رسولا.  

الطفل الذي كنتَه في مدرسة عبدالرحمن بن عوف الإعدادية التي لم يصبها دوار البحر رغم وقوعها قاب محارتين أو أدنى منه، كان من الزبائن المفضلين لعصا المعلم الغليظة والمشحوذة بحذق مربٍ فاضل تُراهنُ بما تبقى من عمرك أنه لن يصبح رسولا في يوم من الأيام  (هذا إذا كان مازال على قيد الحياة !).. الطفل كان ينتظره مستقبل عظيم في السذاجة بدليل أنه كان يستجيب ـ وبلا تحفظ ـ لنصائح زملائه الأشقياء الذين ما يلبثون أن يتنصلوا منها بمجرد مشاهدة  العصا.. من سذاجاته المشهورة سؤاله البريء جدا لمربيه الفاضل : هل صحيح أنك غير مختن يا أستاذ ؟

ذلك زمن ولى إلى غير رجعة علمك كيف تفتح أذنك اليسرى لأية نصيحة مجانية، ثم وبسرعة الوميض تفتح اليمنى لتتيح للنصيحة التنعم بالهواء الطلق، والطيران في المطلق كفراشة 

ثمة صوت ناعم لا يأبه كثيرا باللغة ولا بمخارج الحروف يطلب من المسافرين التأكد من حزم الأحلام والذكريات جيدا في الحقائب حتى لا يطوح بها في الفضاء مطب جوي !

الرجل الملتحي يجر حقيبته بإيمان راسخ، وينظر إلى البهو الخارجي بصمت جميل يليق بوطن سيختفي بعد قليل وراء الغيوم الداكنة.. الكتب التي يحملها في يده تشي بأنه ذاهب للدراسة.. تراهن وأنت تحدجه بنظراتك المستكشفة بأنه يعبئ الوطن في الروح بما يكفي لسنوات قادمة.. أنت شخصيا تكفيك صورة سمية في المحفظة وهي تبتسم بغموض (وكأنها تعتذر عن خطأٍ ما) لتتأكد أن الوطن سيسافر معك أنى توجهتَ .. يجدر بك أن تنوه للسادة المسافرين الكرام (الذين لن يسمعوا هذا التنويه بكل تأكيد) أن الصورة التُقطت في زمن غابر، قبل أن تفقد سمية ابتسامتها بعصور.. أيام كانت تلك الابتسامة تضيء بوهجها الكهوف المعتمة داخلك قبل أن تلعب الأيام لعبتها المفضلة وتقذف بك في مطار حزين كهذا حيث لا باب أمامك لتقصده ولا نافذة وراءك لتلتفت إليها.

ثمة امرأة شقراء تحمل رضيعها في يدها كتميمة، وتبتسم للشرطي الذي يبدو مرتبكا وهو يقرأ تفاصيل الجمال الأوروبي في جواز السفر.. الابتسامة الصفراء لم تنجح في إخفاء الارتباك.. بالمناسبة، ابتسامة الشرطي لا يمكنها أن تضيء أبدا لأنها مصنوعة من مادة عازلة للكهرباء.. ولاحظ أنك تطرح هذه الفكرة بينك وبينك بتجرد تام، ولا دخل لذلك بكونك لا تحب الشرطة أو تذوب في شرائطهم.

في ذروة الصعود المحسوب بدقة نحو الضجر ثمة امرأة أربعينية تصعد إلى المشهد بهدوء.. امرأة تكبرك فقط بخمس عشرة سنة.. أحسستَ دائما بأن سمية لا تحبها وإنْ لم تصرّح بذلك، لكنها كانت تحترم صرامتها في تربية أولادها الذين كنتَ بكرهم.. وما أشقاك بهذه الميزة التي مازلت تدفع ضريبتها حتى اللحظة.. الأم مدرسة إذا أعدها جدك بفعل قليل وجدتك بكلام كثير، وما كانت بعد هذا الإعداد لتجد صعوبة في أن تحب زوجا يكبرها بضعف عمرها.. تراهن الآن بما تبقى لك من دقائق معدودة في الوطن أن الوطن الآخر الذي في المحفظة لم يكن يحبها لأنه كان يريد أخذ حصتها في تربيتك.

 

اليوم همس وغداً شمس :

 ـ أيها الرازبوتي.. يبدو أنك بالغت في البهارات فضاعت الطبخة.

ـ هل فعلتَ ما قلتُه لك بالضبط ؟

ـ نعم يا شيخ سعيد بالحرف.. لففتُ الحُصيّات الخمس في منديل أبيض كانت أمي تستعمله لمسح دموعها بعد سقوط بغداد ودسستُها تحت الوسادة.. قبل أن أفعل ذلك استحممتُ بصابونة لوكس جديدة عليها صورة منى زكي..

ودلقتُ على دشداشة النوم قارورة عطر كاملة.. وتبخرت، ليس في الهواء يا شيخ سعيد بل أقصد أنني وضعت بخورا كما طلبتَ مني.. كررتُ هذه الطقوس لمدة شهر كامل لدرجة أنني أشعر أن الحصى دخل يافوخي.. وتصور بعد هذا كله يا شيخ سعيد، يا رازبوتي، سمية لم  تبتسم حتى الآن.

 ـ اذا، فالأمر ليس بيدي.. انه بيد الخالق.

الآن صرت تعرف الخالق أيها المشعوذ اللعين.. لم تكن هذه لهجتك وأنت تتف في وجهي فائض اليقين، قابضا على المائة ريال بشدة لئلا تطيّرها الريح : »ستبتسم.. لقد حسبت الأمر جيدا.. إنها النجوم يا صديقي« .

في الطريق إلى سعيد الرازبوتي.. كانت أم كلثوم تخبر الملل وهو في عز الظهيرة أن  »هذه ليلتي«، أما المرآة الجانبية فيبدو أنها حدستْ أنني على وشك الانعطاف إلى اليسار فهتفت تحذرني أن الأشياء أقرب مما تبدو في المرآة .. مؤكد أن مرهون السهتان كان يدرك أن الطريق طويل ومع هذا لم يحاول قضمه ولو بنكتة عابرة.. كان صامتا كمن ينقب في تلافيف الدماغ عن كذبة يبرر بها لزوجته الأحمرَ المنسي في خده.. حين توقفت السيارة أمام بيت الرازبوتي المتواضع الذي لا يتناسب مع الشهرة والهيلمان اللذين زرعهما فيَّ مرهون أدركتْ أم كلثوم بحسها المرهف أنْ »سوف تلهو بنا الحياة وتسكر«.

كانت تلك هي المرة الأولى التي أُبقي فيها أبواب أذني مشرعة لنصيحة مجانية دون أن أسمح لها بالخروج من الأخرى..كان مرهون السهتان يتحدث بطلاقة بائع شعارات عن التفسيرات الميتافيزيقية لغياب ابتسامة سمية.. وكان لا بد من حكاية شخصية ليبدو الأمر أكثر إقناعا : في أيام عيد الأضحى ـ هكذا قال ـ أصابه مرض غامض.. آلام مبرحة في المعدة وصداع شديد في الرأس، وذوو البدلات البيض المكوية بعناية فائقة مصرون أنه ليس بمريض.. أدرك والده أن الأمر بحاجة إلى عينين تسترقان النظر إلى الماوراء، فكان أن عبر به الوادي إلى المعلم سعيد الرازبوتي الذي اتصل من فوره بالجن على الخط الساخن فأخبروه أن جارهم ذا الكرش المنتفخة نظر إلى مرهون بعينٍ فرِحة.. يا الهي.. أيكون الفرح مؤذيا لهذه الدرجة؟!.. وعموما، فان قنينة مياه غازية من الصنع المحلي منقوعا بها بعض الآيات الكريمات كانت كفيلة بجعل مرهون السهتان يقفز من فراش المرض كحصان السباق..

مرهون بارع في إخفاء النصف المعتم من الصورة.. لم يخبرني أن الرازبوتي أعور.. يا الهي.. أنا لا أحب الذين ينظرون إليّ بعين واحدة..

 ـ هل ستخبرون عني الحكومة ؟

سؤال مباغت لساذج مثلي.. وحده مرهون السهتان يملك الإجابة:

 ـ كلا.. لن نخبر أحدا.. نحن نريدك للغد أيضا

(عرفتُ فيما بعد أن أحدهم وشى به لدى الوالي فأخذ منه هذا الأخير تعهدا ألا يعود لهكذا... شعوذة !)

الريح تعبث بلحيته يمينا ويسارا.. ابتسامته الصفراء الغامضة تشكل مع عينه اليتيمة صورة للأعور الدجال لمن أراد.. ولمن شاء فهو ولي من أولياء الله الصالحين، وخاصة حين يدمدم وهو يفرك الحصى بيديه بسورة الفلق.. غير أن ثقافته ليست دينية فقط.. فهو يردد أثناء اتصاله بالجن بعضاً من أبيات الغزل القديمة، علاوة على بعض الجمل الغامضة..

حين سأل عن اسم أمي تلعثمت.. كان سؤالا خاليا من الذوق بالمرة.. ولولا خوفي من الجني الذي يحميه للكمتُه على وجهه.. ما دخل أمي بالموضوع ؟.. ثم أليس من المعيب على رجل محترم مثلي أن يبوح باسم أمه للغرباء هكذا وبكل بساطة !.. لكن السهتان تبرع بإخباره ليس باسم أمي فحسب بل باسم أم سمية أيضا.. وقبل أن أعترض كان سعيد الرازبوتي يفرك الحصى بيديه كالملدوغ وهو يردد : »اليوم همس، وغدا شمس«.. ثم قال كمن اكتشف شيئا مهمّا :

ـ ثمة شبح يسكن في الخطوة التي تفصل بين الأصيل والغروب هو الذي سرق ابتسامتها ودفنها تحت غافة كبيرة.

 

لحظة محنطة :  

حان الآن حسب توقيت ساعتي البيولوجية موعد الغطس في الحنين، وعلى القاطنين خارج اللحظة مراعاة فارق التوقيت.. من رماد الذاكرة تنبجس سمية كطائر أسطوري رغم شساعة الجغرافيا وغموض الخرائط التي لا تدل على شيء.. أراها الآن، هناك، في جُحرٍ ما من الروح تغزل بابتسامتها السحرية أيامها القادمة.

لم نكن كلانا نجيد مسك الحبل من منتصفه (الأرجح أننا لم نكن نجيد مسك الحبل بالمرة) ومع هذا كنا نؤمن أنْ لا شيء يرغم الشمس أن تكون غير الشمس، وكانت هذه المسلّمة البديهية كافية لعصفورين ساذجين لم يتسنَ لهما التنبه للطلقة التي تنتظرهما على مرمى تلة.

أجمل ما في الصور أنها تحنط أجمل لحظاتنا.. نقبض على اللحظة ونحبسها في ألبوم ولا نسمح لها أن تضحك للحرية إلا حينما نقرر أن نبكي !.. ثمة ابتسامة مازالت قادرة على سرقة نصف الأغاني من النجوم رغم أنها محبوسة في إطار مستطيل.. أستطيع أن أزعم وكلي ثقة أن هذه الابتسامة هي أفضل ما حدث لي، وأفضل ما يمكن أن يحدث.

تضع سمية يديها على كتفيّ فينبت لي جناحان كبيران وأطير.. نطير معا كفراشتين.. في السماء العالية نغض أطرافنا فنشاهد البيوت نقطا صغيرة تتبادل الأحاديث الودية.. على صخرة تنام تحت شلال مياه نحط.. وإذ تتشابك الأيدي وتشدو العصافير موسيقاها التي تدغدغ السماء نتحد.. نصير واحدا يغني للحياة والأمل.. أقول : لك الشمس وضياؤها، والقمر ونجومه، والينابيع وعصافيرها، ولكن إياك اياك أن تصغي للياسمين وحدك.. وتقول : لك كل الأمنيات التي خلفتها الريح وراءها، وكل اللآلئ التي ضاق بها البحر، وكل الورود التي تمردت على حدائقها.. ولكن إياك إياك أن تنيم ظلك إلا في ضباب عينيّ .

وفجأة تصمت العصافير وتطير سمية في الفضاء :  

ـ إلى أين تذهبين وتتركيني وحدي في هذا المنحدر ؟

ـ الوقت تأخر.. حان وقت عودتي للإطار.  

 

انظر أيها الأعمى :

تقعد متسمرا ببلادة أمام الخشبة.. الملك يأمر قائد الجيوش بالاستعداد للغزوة.. يعود القائد من حيث أتى.. همسٌ بين عاشقَيْن في المقعد الذي خلفك.. تتلاعب أصابعك بالمكسرات في ضجر.. الملكة تدخل على الملك فيرحب بها بالطريقة النمطية نفسها.. تتمتم في نفسك: »أووع.. أهذه البقرة الضاحكة ملكة؟!!«.. تشتكي له بأنها لا تجد عقد الألماس الذي أهداه لها في عيد ميلادها، وأنها تشك في الخادمة.. تحس نفسك تكاد تتقيأ.. الملك يأمر بإحضار الخادمة.. تنظر إلى ساعتك بملل.. ثم... ثم.. يحدث الأمر المفاجئ الصاعق الذي لا يأتي في العمر إلا مرة واحدة.. مرة واحدة ولا يتكرر.. تتسمر في مقعدك بانبهار المبهوت.. عيناك تتشبثان بالملاك الداخل توا.. يتماوت في مشيته كغزالة على وشك النوم.. البريق يخرج من العينين كأنه ضحكة شمس.. وانفراجة الشفتين.. يا الله.. أيعقل أن تكون هذه ابتسامة ؟!.. تقف كالمخدر ولا تشعر سوى بيد من خلفك تعيدك إلى المقعد بقوة وصوت يزمجر بغضب: »نريد أن نرى«.. الملك يسأل: أأنتِ سرقت عقد الألماس؟!.. فمها محارة تنفتح فيخرج اللؤلؤ على شكل كلمات لا تسمعُها لأنك في عالم آخر.. تقف مرة أخرى.. يد الملك ترتفع بغضب وتسقط على خد الفتاة.. تصرخ من فورك: »لا«.. تصفيق حاد.. تنسدل الستارة.. يدخل المخرج مرغيا مزبدا :»ما هذا الذي فعلته أيها المعتوه«.. الملك يتأوه والفتاة تبتسم.. تمسك بيدها وتنظر إلى المخرج: »بل أنت المعتوه، والغبي، والأحمق.. انظر أيها المخرج العبقري، أيها الأعمى إلى هاتين العينين، إلى هذه الابتسامة الساحرة.. أهذه ابتسامة خادمة ؟!  تفو عليك «

في السجن، زارتك الفتاة. طلبتَ أن تعرف اسمها فرفضت.. قالت: عندما تصير حرا ستعرف.. تسعون يوما قضيتها في السجن، زارتك خلالها ثلاث مرات، وكانت تتعمد أن تُودِع ابتسامتها لديك قبل أن ترحل.. يا بديع السماوات والأرض.. لا تعرف كيف تصف ابتسامتها.. هل تقول : سماء ترقص للمطر؟!.. فردوس يركل الغياب!.. خرير ينسج الحرير؟!.. شلال متساقط ناحية الهاوية؟!.. شعرة رقيقة تفصل بين ما هو أرضي وما هو سماوي؟!.

في اليوم الأخير خرجتَ من السجن فوجدتَها بانتظارك..

قلتَ : أنا حر

قالت وهي تبتسم : وأنا سمية

 

الذي يروح لا يجيء :

تورطتُ ذات مساء في موت غير مقصود بما يكفي لتبكي نورستان على قبري.. وإذ أنا تائه في نعناع الغياب أخبرتني إحداهما بينما هي تمسح دمعة علقت بجناحها الأزرق أن الألم مضيء مضيء، وأن الذي يروح لا يجيء، والذي يجيء يروح بسهولة، وأن الذي يعيش لا يعيش تماما، والذي يموت لا يموت تماما.. وكانت النورسة الأخرى تنصت لشقيقتها باهتمام مبالغ فيه بينما يفتر ثغرها عن ابتسامة شامتة.. ورأيتها تجذب أختها من جناحها الأزرق وتنتحي بها جانبا فيما يشبه المؤامرة.. همستْ لها بمنتهى الجدية : إن أسوأ ما يمكن أن نفعله هو كلامنا مع الجثث..

حين غادرني النوم مذموما مدحورا قالت سمية وهي تبتسم : حتى النوارس تعلمت كيف تحيك المؤامرات.. تصور !

وكانت تلك آخر مرة أرى فيها ابتسامتها.

 

بداية :

الطائرة تطير في الأعالي، ومع هذا مازالت روحي في الأرض.. أفكر أنني قد أعود في يوم من الأيام إلى أمي.. إذا ما تم ذلك فسوف :

١- لن أحاول الاتصال بسمية البتة

٢- سأشي بسعيد الرازبوتي لدى الحكومة

٣- سأقطع علاقتي نهائيا بمرهون السهتان

٤-  لن أشاهد مسرحيات

٥-............


تصميم الحاسب الشامل