|
|||||
|
» لم أصدقه عندما قال بوجودهم.. وقلت له إنها إحدى أوهامك المسرحية التي لا تستطيع أن تؤديها إلا في الكواليس، كونك تخاف الجمهور.. لكنني الآن، فقط، أعترف أنه لم يترك بينه وبين تلك الأوهام أية مسافة يمكن بها أن يعود... ولم أعد.. لن...........!!!« من أوراق ميّ قبل اختفائها.. في الصحراء كل شيء يذوب.. لا يبقى سوى الرمال الصفراء، لا تبقى إلا الحيات تجلجل أذيالها رغبة في الانقضاض على فريسة هائمة على وجهها ـ وكنت، كما كانوا، فريستها ـ أما الحية، أو الحيات، فلم أدرك، بعد، شكلها أو كيف انقضت عليّ / عليهم.. كم وقتا مر، وأنت هناك؟ كم من الزمن الهلامي أخذت كي تفتح عينيك وتفيق؟ »كانت عيناها شاردتين.. كانتا تبحثان عن مسافة تستطيعان من خلالها النفاذ إلى الخلاص، وكنت شاردا فيهما أحاول ألا أتحسس جرحي المنفطر، أحاول أن أبحر فيهما كي أنجو مما يحاصرني.. كانت هي النجاة، الطوق الذي سيحملني في هذا البحر الرملي الممتد، ويصل بي إلى الميناء، إلى شاطئ الأمان ! لكن لماذا تشرد بعينيها بعيدا عني؟ أهي المسافة التي يجب أن تظل بيننا؟ أهي المسافة التي قالت إنها ضرورية كي أنجو؟ مسافة ماذا؟ الموت وحده يخلق مسافات شاسعة بيننا، وهو لم يأت بعد ! فلماذا أردنا لكلينا المسافة؟ قالت »لكي أنجو« مم أنجو؟ والصحراء تحاصرني.. هنا لا مسافة بيني وبين الموت.. هنا تل يخبئ خلفه الغموض.. هنا صحراء تجفف داخلي المملوء بها وحدها.. غير إنه لا يبقى غيرها هناك !! لماذا تركتهم يفعلون بي كل هذا؟ وأصمت... لكنني تركتهم وحملت حقائبي ومضيت.. طال مكوثي في التيه.. طال سفري، ولم أجد منفذا في هذه الصحراء.. لم أعد أذكر ذلك الوقوف المقيت أمام تل رمليّ يشتعل ! تركتهم ومضيت، ولم أفكر في أن أصعد لأرى ما خلف التل... ( اصعد اصعد أعلى أعلى هناك حيث الرمال تزحف إليك اصعد اصعد للغيب، للقادمين.. وانظر ماذا ترى !!!! ) كم كان من الوقت سأحتاج لكي أفهم لماذا هم متسمرون كاليباس هكذا؟! كم وقتا سيمضي لكي أفهم لماذا يركزون أعينهم المصابة بانكسار الشمس إلى ما وراء التل الرمليّ الغامض؟! كم سأحتاج من الوقت، كم سأحتاج؟!!! كم سأفكر : لماذا هم يقفون سكونا في هذا المكان؟ ينتظرون قادما من خلف التل الأصفر ! والشمس تكوي وجوههم وتقلي أعينهم؟! تذيبهم كزئبق !! كانوا يواجهونها دون إدراك لأي مسافة بينهم وبينها.. كانوا يقفون منذ الصباح هكذا، وإلى مغرب الشمس : صدورهم تحترق، وجوههم تنصهر.. وهم لا يتزحزحون ! وعند الغروب يتراجعون عائدين إلى خيامهم العارية، وهم يتنهدون »لن يأتوا اليوم !« وأنا واقف أحاول أن أغطي وجهي من ضربات الشمس، أحاول أن أجد ظلا في هذه الصحراء، أحاول أن أجد مبررا كافيا لهذا الوقوف اليومي الغريب.. منذ الصباح حتى غروب الشمس الشمس التي أوغلت نارا في عيونهم المرهقة، أوغلت بياضا في عروقهم، فلم يعودوا يشعرون بمدى النار التي تحيط بهم في هذه الصحراء ! مر اليوم الأول، وهم هكذا.. كان كبيرهم يهسهس آمرا إياهم التزام الصمت، وهم يحدقون في قرص الشمس اللاهب، ينتظرون الغيب من وراء التل الرملي.. مر اليوم الثاني ملابسهم هي هي، لم تتغير.. جلودهم بدأت تطفح بالعرق.. وهم جامدون مكانهم، يحملقون بعمق، وينتظرون القادم من خلف الرمال.. والشمس ترسل شواظا من لهب للعيون.. مر اليوم الثالث الرابع الخامس العاشر السادس عشر وتساءلت امرأة كانت تعبة مرهقة، بطنها متكورة، وزوجها ينظر بجانبها كالبقية، تساءلت في وهن »سيدي : لماذا نحن هنا؟ ألن يأتوا؟ ألن نذهب نحن إليهم؟ لماذا ننتظر؟ إنني امرأة حبلى وهذا زوجي رجل أشيب، ألا تعفون الضعاف؟!!« الكلمات ضعيفة كانت والصوت مبحوح، وزوجها الأشيب يفتح فاه ككلب ضامر ! التفتوا إليها، وهسهس كبيرهم بالصمت، وانتظروا... مر اليوم السادس والخمسون وهم... هم ما فتئوا يواصلون نزوحهم اليومي، من الخيام إلى أسفل التل الرملي، يحملقون في القرص الأصفر، يذيبون أعينهم، وينتظرون القادم الغريب، وبعضهم ظل متسائلا »لماذا ننتظر؟!« »لماذا لا نذهب نحن؟!« وكبيرهم، ومن حوله، يهسهسون أن صمتا كي نسمع متى يأتون؟! أيام طويلة طويلة جدا، كنصل في سكون الليل، مرت.. حتى حزمت حقائبي، وأعلنت أنني لن أنتظر مكوثا هنا، ولن أنظر تجاه التل أو أصهر عينيّ أو أصمت أو أتكلم بغباء !! ليال طويلة.. طويلة، كعمر فاض عن حاجة صاحبه، مرت.. حتى أفقت صباحا، كي أدرك أن لا مسافة بيني وبين لظى شمسيّ يهبط على المكان.. كي أدرك أن نومي كان مملوءا بالاضطرابات، وأن ثمة ما هاجمني ليلا انتزع مني سلامي النفسي، ولم أدرك بعد ما كينونته أو كنهه !! »من منا أخطأ في حق الآخر؟! طلبت مني مسافة، فلم أخيب أملها.. كانت المسافة موجودة أساسا منذ اللحظة الأولى.. مسافة فاصلة بين قلبين مسافة صفراء مسافة تلين أكدت بأن هذه المسافة من الأهمية بمكان لكلينا، كي نظل أحياء ! وفي الختام.. أصبحت صحراء !!« وخلف التل الممتد كانوا ينتظروننا ! لماذا نذهب إليهم؟ سنتركهم ينتظرون حتى يكلوا من الانتظار، حتى ييأسوا !! وفيما بعد لن نترك مسافة، أي مسافات تفصلنا، وسنقصدهم.. سيكونون متعبين.. منهكين.. ولن يبقى منهم أحد، أي أحد.. لأنهم سينصهرون كالرمال.. ( صوت أحد كان وراء التل الأصفر ينظر باستمتاع ! ) »وتركت مسافة بيني وبين الذي أمامي كي لا أصطدم، كما أوصتني دائما، لم أشعل أي أنوار.. لأن الوقت كان نهارا.. وأمعنت النظر في الأمام، واستمعت إليها وهي تنشدني لحن سلام، وتقول لي : أحبك لن تفصلنا أي مسافة!!« ٭ ٭ ٭ في اللحظة التالية للحلم كان لابد أن أفيق كي أدرك مدى البعد الذي يملأ حياتي.. كي أدرك اتساع الرمل والاصفرار في رئتي.. كي أدرك أن الخيام التي أعيش فيها قد اندثرت وما عادت في مكانها، وأن اللوحة التي طالما رأيتها في أحلامي كانت مجرد رسم أبله لم أعرف أن أضع له الألوان المناسبة، ولا أن أقيس له بروازا ملائما ! وكي أدرك تماما أنهم جاؤوا على غفلة من الجميع ( غفلة النائمين بعيون مفتوحة ).. هبطوا من أعلى التل، وأخذوا يتوغلون فيّ / فيهم، دون أن يحسوا، وأحس معهم، بمدى فداحة ما يحصل ( فداحة حياتنا حينذاك ).. كانت مآقيهم مذابة فكيف سيسيرون؟ كانت دماؤهم متبخرة فكيف سيحسون؟ وأنا كنت أشاهدهم، ولم أر أنها كانت تسقط.. تسقط.. تسقط هبوطا نحو الهاوية.. الهاوية التي صنعتها.. الهاوية التي صنعوها.. الهاوية التي ما لها من قرار.. كانوا يحاصرونها.. يحاصروني.. ولم أسمع نداءاتها رغم القرب.. رغم المسافة.. (هل قلت المسافة؟!.. نعم كانت هناك مسافة بيني وبينها.. كانت مسافة عاشقين مملوءين بالبعد.. مسافة لم أدرك أنها كانت طويلة.. طويلة وحمقاء مثلي.. ويا غرابة هذه المسافة! يا للتناقض الذي تحمله كلمة مثلها ! النجاة والموت في آن معا!!) كنت أشاهد الواقعة الدائرة عند التل.. كان الصغار يعجنون الرمل ويسألون أباءهم المنصهرين »متى تعود لنا خيامنا؟ متى تورق نخلتنا؟ يسقط عيدها؟ متى نرى النهر يا أبي؟ متى نراه؟ هم يتساقطون.. يتساقطون خوفا من حجر يا أبي !! متى؟« ولأنهم كانوا يزدادون انصهارا ؛ كان الأطفال يكبرون على وجع السؤال، ويرون الصحراء تكبر تكبر، وتلتهم داخلهم البراءة والحياة ! كيف لم يشعروا بالقادمين، وهم الذين انتظروا دهرا؟ كيف توغلوا فيهم ولم يدركوا أنهم جاءوا إليهم وانسكبوا فيهم؟ كيف ظل كبيرهم يهسهس بالصمت ـ والقوم تأكلهم الشمس، يأكلهم العري والجوع ـ والذين تحلقوا حوله يرددون العبارات إياها؟ وكيف لم أنتبه؟ كيف لم أنتبه إلى أنها اختفت، وما عدت قادرا على اقتفاء أثرها؟ ستوووووووووووب صرخ عاليا.. كان حاجباه معقوفين وثمة خصلة بيضاء مندلفة على الجبين.. ستووووب.. كررها مجددا بصوت أكثر علوا.. كان العرق يتفصد من جلده.. كان غاضبا من أحدنا.. »أنتم لا تعرفون كيف تؤدون أدواركم.. لا تعرفون كيف تتعاملون مع منصة ستمتلئ مقاعدها بالمتفرجين بعد حين.. أنتم بلهاء، بلهاء..« متوترا كان، ودخان سيجارته يتصاعد منكسرا.. زفر بعمق، ثم شتم بصوت لم نكد نسمعه.. قلت، وأنا أرتجف حزنا في داخلي : النص صعب يا أيها المخرج.. صعب.. صعب.. أحدنا اتكأ على عمود من الفلين.. كدت أراه يبكي، لكنني رأيته يغمض عينيه ويبتلع الهواء ! آخر وضع رأسه بين يديه، ثم سرح شعره وصمت.. وآخر ظل صامتا، ونظرة عينيه تائهة في اللاشيء.. زفر مرة أخرى وهمهم بكلمات شاتمة، ثم جلس على أحد الكراسي، وأشعل سيجارة يرتشفها دون النظر إلينا.. وخرجنا.. خرجنا دون كلام، دون أن ينظر أحدنا للآخر، دون أن نتوادع في الطريق، أو يرفع أحدنا يده محييا الآخر.. »مثل البكا حبيبتي تحتاجني تحت الظلام، ومثل الفرح حبيبتي أحتاجها وسط الزحام« كان السائق يردد وراءه، والطريق متوقف لضوء أحمر.. مشتعل بأبواق السيارات التي لا تفصلها مسافة عن بعضها البعض.. أصوات أصوات تتداخل.. مزيج من الإعياء، مزيج ليلي يهبط على قلبي »لماذا لا أقدر على هذا النص؟« إضاءات تلهب عيني.. كان يفتح النافذة ويدخن.. الدخان يتطاير مع أصوات الشارع، الشارع مملوء بالأضواء المرهقة.. كلمات متطايرة، منقوصة، مأكولة، متكسرة... »أرفض المسافة، والسور، والباب، والحارس......« أخذت منديلا ورقيا ودعكت عيني.. قال »حمقى ! لا يعرفون كيف يصنعون شارعا !!« لم أنتبه تماما.. أعلن الراديو عن ساعة أخبار.. ( لماذا تركتهم يأخذونها مني؟ وفضلت أن أصمت، وأعطيهم ظهري، وأنظر ببلاهة في اللاشيء؟ لماذا هذا النص صعب؟ لو كانت معي.... لو.. ) كان ينصت، والسيارة تمضي في طريق أقل وجعا.. سلام موت حرب حياة.. اصعد أعلى أعلى حيث التل هل تراهم؟ ( في آخر دقيقة، جاء الأمر بالتوقف.. عندها انطفأ ضوء المصباح الوحيد، عندها رأيت عيونهم تلمع بشراسة ! عندها لم أستطع أن ألتفت.. قد أغلقوا المخارج، وحطموا الشاشة التي أمامي.. فأفقت..... ) ملاحظة : من يجد هذه الأوراق ؛ فليتلفها ! لأنها خطر على صاحبها ! |
|||||
|
|||||