|
|||||
|
رأس : صاعدا درجات السلم الطيني ،حتى أصل إلى النقطة الأكثر ارتفاعا في بيتي، أتأمل بيوت الحارة واحدا فواحدا وعمارات المدينة واحدة فواحدة، وأختزل تاريخ المدينة في صورة واسعة ، من هذه الجدران العالية، البيوت الطينية صفراء، هادئة كلوحات تراثية موصولة، والمنائر تتسامق ساطعة ، وكنت في ارتفاع بحيث أن نخبة من البيوت تبدو بارزة قليلاً ، لأصطاد النظر إلى رأس بشري من البعد، كان ثابتا بدون حركة، وكان يبدو لي من بعيد شكلاً جميلا، نقطة صفراء لإنسان ، وكما لو أنه يراني، مثلما أراه، نقطة بعيدة كنت أتأمله، حتى رفعت يدي ملوحاً له، ولكني لم أجد استجابة واضحة ، فقط تحرك الرأس حركة صغيرة، ثم عاد إلى سكونه، فرفعت يدي ملوحاً مرة أخرى، ولم أجد ردا، وبدا لي الرأس أكثر جموداً كصنم، كأنه يريد أن يتفرج فقط، دون أن يكون بحاجة إلى مد جسور علاقة مع أحد، حتى رأيته، بعد وقت يتحرك ويميل برأسه، فلوحت له بيدى، ارتفع قليلا، فلمحته لأول مرة واضحا، بثوب أحمر زاهٍ. كأنه الفرح نفسه، يرقص على جدران بيوتنا، ويطل علينا من علو، يليق به .
خوف : قلت لك أنني عندما رأيتك أمامه مرتبكا، شعرت بالخيبة التي دفنتني في الحزن البالغ، وقلت لك أنك بدوت أمامه كخائف لا يقوى على الكلام، كانت الكلمات تخرج من فمك بأحرف مخنوقة، متقطعة، ومرتجفة، كأنها تبكي، وكنت أرى وجهك أصفر، وجسدك يعتز بصراحة واضحة . كنت تحاول أن تحني رأسك وأنت تتحدث أمامه، أو وأنت تخرج منديلك الأبيض بتوتر لتمسح عرق جبينك، وكنت تدافع عن نفسك كثيرا، وفي غير ما داع، في وقت كنت تحتاج فيه إلى سؤال صغير جدا، لماذا فعلوا بك هكذا. قبل أن تدخل، كان الرجل يسألني بأي وجه سوف يقابلك، وكان متوتراً. بعد أن خرجتَ رأيته يضحك بعمق شديد .. بِعمق .
مواجهة : كنت أغني في الظلام، دون بهجة، ومصحوبا بخوف شفيف، لم أكن أستطيع التخلص من تلك الحالة الموسيقية، لذلك قلت لها أريد أن أحبك هكذا بكل بساطة، بكلمات لم تقل حتى الآن، وبنار لم تشتعل حتى الآن، وبرسالة لم تصل من أحد .. ثم أنني غنيّت بكلمات غامضة. الظلام يلف الغرفة، لا يهم إذا كان الظلام ظلامي أو ظلام الأغنية أو ظلام الخوف القديم الذي يربض في صدري . لكن الحجرة، هكذا بلا مقدمات، سقطت بجدرانها الورقية على كلمات الأغنية، في مشهد سينمائي مؤثر، وأنا استسلمت لنومة أبدية، موت مبكر، محروماً من كل ذكرياتي، ومنذ ذلك الوقت تركت عادة الغناء في الظلام. قررت الإفصاح عن مشاعري دائماً في الهواء الطلق، أمام الناس، حتى لا أموت مرة أخرى ميتة مجانية، بلا جماهير ، فلماذا أحبس أنفاسي وخوفي في صدري، وأنا أشعر أن الكرة الأرضية، بقضها وقضيضها، تسكن في صدري .
ربما يأتون ربما يتركون بيتهم القديم، ويأتون، أخيراً . يأتون إلى مدينتنا التي ستحتفل بأرواحهم المبتهجة وملامحهم الجميلة . يأتون إلينا .. يأخذون بيتاً جوار بيتنا، فنسمع أصواتهم في الليل والنهار .. ربما يتركون بيتهم، يحمّلون سيارتهم ويدخلون المدينة من كل أبوابها دفعة واحدة، ثم تتبعثر أقدامهم في تراب حارتنا، وتنطق مهرة الغناء في أرواحنا . ربما يأتون، هم ودماؤهم، وبعض أسرار الطريق . ينظرون خلفهم إلى بيتهم القديم وآثار أعمارهم .. ثم .. يأتون إلينا . ربما ...
تعارف : استيقظ فجأة مبكراً وبشكل مزعج، حتى أن تفكيره كان متوقفاً عند نقطة ما تقاطع في شارع (مثلاً)، أي شارع، كان يتمشى وحيداً على الرصيف الممتد، حتى ابتسمت في وجهه فجأة وسألته : ما الذي جاء بك إلى هنا ؟ .. تأمل وجهها وسأل نفسه : أين رأيت هذا الوجه من قبل؟ في المساء طرقت عليه الباب، طرقت مرة أخرى، لكن دون إجابة، فأقنعت نفسها أن تتركه لينام ، بينما كان يلف أرصفة المدينة يبحث عن تقاطع ما في شارع ما في مدينة غامضة لا يعرفها ، وفي أحيان قليلة كان يتوقف ليسأل نفسه : أين رأى ذلك الوجه الجميل من قبل ؟
رؤية : كان يسير بمحاذاة رصيف مظلم مكسور، السيارات تتجاوزه بسرعة كبيرة، والأضواء تتخاطف منه النظر الضعيف، وفي لمحة بصر واهن، فجأة، لم يجد نفسه، هكذا . قال إنه ربّما سقط في بئر مهجورة، أو حفرة خادعة، أو غيابه لا يعرفها، وكان كلما حرّك يديه تصطدمان في جدار صخري، يفتح عينيه فلا يرى شيئا، والمكان ممعن في ظلام عميق معبأة أجواؤه بخيالات موحشة . كان يسمع أصواتاً بعيدة تأتي من كوّة ضئيلة فوق رأسه، وكان يشعر أن صوته بدا أكثر ضعفاً من ذي قبل، وروحه تصفق بأجنحتها كل شيء حولها . حاول أن يتحرك فلم يستطع، كان يشعر بشلل في كافة أطراف جسمه، حاول أن يصرخ فخرج صوت خافت يشبه العواء الصغير، فأمضى وقته ما بين غيبوبة وصحو مريض. كان يسير بمحاذاة رصيف مظلم مكسور، السيارات تتجاوزه بسرعة كبيرة، والأضواء تتخاطف منه النظر الضعيف. كان يفكر بأشياء كثيرة متداخلة ممعنة في السواد فيبكي، وأحياناً تمعن أشياؤه في البياض فيضحك. وصل بيته يقطر خوفاً وتعباً وعرقا، ثم بدأ يقص رؤياه الحزينة بكلام لا يفهمه وعلى أناس لا يراهم في وقت حالم ومثير، له رائحة الحمى .
نسيان : ذات مساء، تركت رأسي بكل أسئلته الضالة عند باب بيت لا أعرفه وخرجت، كنت أشعر أنيّ خفيف إلى درجة الطيران . وفي البيت شعرت أن الكلام يهرب مني، فكلما أنطق كلمة تخرج معكوسة، أو تطير في الهواء بلا صوت، أحسست أن أعضاء جسدي تتساقط الواحد بعد الآخر في معركة يبدو أنها محسومة، وحين قررت الهرب والنوم، صحوت فجأة . كنت أحاول أن أترجم تلك الكلمات التي خرجت معكوسة حين قفز السؤال مثل عمود النار: هل أنا الذي كنت نائماُ؟ .. أم أن الذي كان يقظاً أحد سواي؟. |
|||||
|
|||||