|
|||||
|
نحن أمام أنطلوجيا تسعى إلى التحرر من العمق الأصلي كي تتمكن من التفكير في قوى الزيف بعيدا عن كل نموذج، وفي لعبة السطوح. فما أبعدنا عن فلسفات التمثل والأصل والمرة الأولى والتشابه والمحاكاة والوفاء والأمانة... لكن، ما أبعدنا كذلك عن ميتافيزيقا الجواهر. ذلك أن الاستيهامات لا تشكل امتدادا خياليا للعضويات، وإنما تعطي حيزا مكانيا لمادية الأجسام. الاستيهامات هي ما يشكل لا جسمانية الأجسام.
لا بد في البداية من التوقف عند هذا العنوان الذي يظهر أنه لا يخلو من ادعاء، إن لم نقل من ادعاءات بصيغة الجمع. الادعاء الأول هو أنه يزعم الحديث عن »أنطلوجيافوكو« انطلاقا من نص صغير وحيد كتبه فوكو سنة 70، أي في مستهل الفترة التي بدأت فيها ملامح »الانعراج الجنيالوجي«كما يحلو لبعض المولعين بالتحقيبات الزمنية أن يقولوا، وهو نص »مسرح الفلسفة«(١) الذي كتب مبدئيا تعليقا على كتابي دولوز اللذين كانا قد ظهرا سنة فيما قبل، وأعني »منطق المعنى« و»الاختلاف والتكرار«. الادعاء الثاني هو أننا، بهذا العنوان، نوهم القارئ أننا سنستوفي المسألة حقها، في حين أننا لن نتحدث عن مفاهيم لن تتبلور ربما إلا لاحقا، كمفهوم السلطة من حيث هي »مقولة أنطلوجية« على حد تعبير ف. ايفالد، وكمفهوم الفلسفة من حيث هي »كشف طبي للحاضر«، ك »أنطلوجيا الحاضر«، أو مفهوم الذات ك»طي للخارج«. الادعاء الثالث، ولعله أكثر أهمية، وهو أننا نزعم هنا قراءة هذا النص بما هو نص كتبه فوكو، وليس بما هو تعليق على مصنفي دولوز. وربما تقتضي منا هذه المسألة بعض التوقف. إذ أنها ليست قضية شكلية كما قد يتبادر إلى الأذهان، بل ربما من شأنها أن تربطنا مباشرة بموضوع بحثنا. يتعلق الأمر إذن بالجواب عن السؤال: من يتكلم وراء هذا النص؟ وقد سبق لـ»آ . باديو« أن طرح السؤال نفسه، أكثر من مرة، في كتيّبه عن دولوز(٢) حيث يتكلم عما يدعوه »عدم القدرة على تحديد من يتكلم؟« .و هذه القضية، كما نعلم، تواجهنا على الخصوص في كثير من النصوص الفلسفية المعاصرة، لا عند فلاسفة يستنسخ بعضهم البعض، وإنما عند مفكرين نشعر أن كل واحد منهم يكتب ما كان يمكن للآخر أن يكتبه لو أنه اهتم بالمسألة عينها، وطرق الموضوع ذاته.مما يجعل تصنيف الفكر المعاصر إلى أسماء أعلام قضية محتاجة لإعادة نظر. وكما تعلمون، فقد سبق لفوكو نفسه في »حفريات المعرفة« أن طرح هذه المسألة، بل ربما أجاب عنها، حين كتب:»في التحليل الذي نقترحه هنا، لا يكون لقواعد التشكّل موقع في أذهان الأفراد أو في وعيهم، وإنما في الخطاب نفسه، ونتيجة ذلك فهذه القواعد تفرض نفسها، وفق نوع من الغفلية التي تتخذ شكلا موحدا عند كل الأفراد الذين يأخذون في التكلم داخل الحقل الخطابي«. ورغم هذا، فلا بأس أن نستأنس بالأجوبة المتعددة التي يعطيها باديو للسؤال الذي طرحه: ففي إحدى الصفحات(٣) يضعنا في حلقة دائرية ويقول: »إن من يتكلم هو فوكو وقد أفاد من دولوز الذي استفاد هو منه بدوره«. وفي صفحة أخرى(٤) يقول: »ينسب دولوز للزوج فوكو-دولوز، هذا الزوج الذي يشكل إحدى »شخصياته المفهومية« الاكتشاف التالي: إن العنصر الذي يأتي من خارج هو القوة. ذلك لأن القوة بالنسبة لـ»فوكو« »وفي الحقيقة بالنسبة لدولوز الذي يوضح موقف نيتشه وهو يشرح تفاعل القوى الفاعلة والقوى المنفعلة لأن القوة بالنسبة لفوكو ترتبط بالقوة، ولكن من خارج«. في صفحة ثالثة يطرح باديو المسألة التي تعنينا هنا صراحة فيقول: »عندما أقرأ، على سبيل المثال، العبارة الموجودة في كتاب دولوز حول فوكو(ص21):« إن الإنسان، بما هو قوة بين القوى، فانه لا يثني القوى التي تشكله دون أن ينطوي الخارج من تلقاء ذاته فيحدث فجوة ذات الإنسان »أتساءل: هل يتعلق الأمر بالفعل بقول لفوكو؟ أم بتأويل؟ أم هي بكل بساطة أطروحة لدولوز، ما دمنا نتعرف فيها على قراءته لـ»نيتشه«، وما دمنا نضع إصبعنا هنا على مفهوم أساس من المفاهيم التي شكلت عمله الأخير، وأعني مفهوم الطيّ؟«. يستخلص باديو جوابا على كل هاته الأسئلة: »ربما ينبغي القول بأن هذه الجملة تولدت عن الدفعة التي أوقعها على دولوز ما يشكل عند فوكو دفعة أخرى أتت من ضغط آخر. بهذا المعنى ففي تواري هوياتهم المتتابعة، وما دام الفكر هو دوما« دفع التفردات اللاشخصية لأن تتكلم »فسيان أن نقول: إن هذه القولة غدت قولة فوكو ، أو أنها كانت لـ دولوز«.(٥) ماذا يمكن أن نستخلص من هذا التوقف غير القصير؟ يظهر أن هذه المسألة ليست قضية ثانوية، بل إنها تضعنا في صلب موضوعنا وتحدد مفهوما معينا عن تاريخ الفلسفة أشار إليه النص الذي نحن بصدده أكثر من مرة. وعلى أية حال فهذا النص ليس فقط نصا لفوكو حول بعض أعمال دولوز. لكنه ليس كذلك نصا للثنائي فوكو-دولوز على نحو ما نقول ماركس-انجلز، أو دولوز -غواتاري. عندما يكتب فوكو في بداية هذا النص »إن القرن سيكون دولوزيّ الطابع«، فانه يشير، من بين ما يشير إليه، إلى أن أيّ واحد منا، ممن ينتمون لهذا القرن، لا يمكن وهو يتحدث عن فلسفة دولوز، إلا أن يحشر نفسه في لعبة مرآوية ويتحدث عن نفسه، فكأن فوكو يورّط نفسه هنا عن قصد، بحيث تغدو الأنطلوجيا المعبر عنها هنا هي الأرضية الفكرية لكوكبة من المفكرين الذين يقولون »الشيء ذاته« بأنحاء مختلفة. يتحدث النص عن تناغم دولوز/ كلوسوفسكي، كما يشير إلى تناغم آخر أكثر خفاء آرطو/فرويد، لكنه يحيل كذلك في أحد هوامشه على بلانشو، كما يشير إلى باتاي. هاته الأسماء يكرر بعضها الآخر بالمفهوم الذي يحدده النص للتكرار، لا من حيث هو رجوع إلى النقطة ذاتها، لا من حيث هو استمرار الواحد ولا تشابه المتعدد، إذ لا وجود في هاته الأنطلوجيا كما سنرى، لا للواحد ولا للمتعدد. فنحن أمام سلسلات متفرقة لا تتجمع: أمام تكرار. والتكرار، كما نعلم ، يكون أساسا في المسرح. المسرح هو الفضاء الذي نكرر فيه. الفلسفة هنا، كما يؤكد النص في عنوانه وخاتمته، مسرح: »مسرح ميم متعدد المشاهد اللحظية الهاربة، حيث تتبادل الحركات الإشارات من غير أن يلمح بعضها الآخر، مسرح تنفجر فيه بغتة ضحكة السوفسطائي خلف قناع سقراط، وتدور فيه أحوال سبينوزا حول دائرة لا مركز لها، بينما يحوم حولها الجوهر ككوكب معتوه، مسرح يعلن فيه فيشته متعثرا: إن الذات المفلولة ليست هي الأنا المفتت، ويظهر فيه دونسكوت وقد حمل شوارب كبيرة: إنها شوارب نيتشه متقنعا بكلوسوفسكي«. هذا المسرح لا يمثل أي شيء، انه لا يستنسخ ولا يقلد ولا يحاكي: »انه مسرح أقنعة ترقص، وأجساد تصيح، وأياد وأصابع تتحرك.«. إذا أضفنا إلى هذه الأسماء الواردة في هذا النص برغسون ووايتهيد ولايبنتز وكريسيبيوس وفرويد ولويس كارول، وقفنا على مختلف الحالات التي كانت وراء الدفعة أو الدفعات التي تلقاها دولوز . لا يجد التكرار هنا تفسيره في صيرورة دائمة ولا في رجوع لما تم وحصل، وإنما في عودة الاختلاف. يميز النص بين الصيرورة، والرجوع، والعود. فليست الاختلافات عناصر من صيرورة عظمى تحملها في جريانها، وليست هي الرجوع الذي يحيل إلى التكرار كحلقة ودائرة ورجوع إلى نقطة البدء. إن الوجود هو الرجوع وقد تخلص من انحناء الدائرة ليغدو عودا أبديا. ذلك أن العود يتم على خط مستقيم. إلا أنه عود للاختلاف. وما لن يعود هو المشابه والمماثل والمطابق. فهل يتعلق الأمر بحاضر خالد؟ نعم، شريطة أن نفهم الحاضر من غير امتلاء، والخلود من غير وحدة. انه خلود متعدد لحاضر يتزحزح. إذا كانت الصيرورة هي زمان الكرونوس الذي يبتلع ما ولده ليعيد إحياءه من جديد، فان الآيون هو الزمان الذي ما ينفك يمضي وما ينفك يعود: »فبدل الحاضر الذي يضم الماضي والمستقبل، يضع الآيون مستقبلا وماضيا يصدّعان الحاضر كل لحظة«. لا شك أن هاته العبارة الأخيرة تجعلنا ننصرف بذهننا إلى هايدغر ومفهومه عن الزمان. بيد أن المقارنة لا ينبغي أن تذهب أبعد من هذا. والتنبيه يأتينا مرات ثلاث في هذا النص القصير. فمرة ينبهنا بعبارة لا تخلو من سخرية، أننا »لا نتجه تحت قرع الطبول نحو المكبوت الأعظم للفلسفة الغربية«، ومرة يقول: »بأننا أمام أنطلوجيا لا تريد مرة أخرى فضح نسيان الوجود، وإنما تتوخى الحديث عما هو خارج الوجود«، ومرة ثالثة يؤكد: »عوضا عن فضح النسيان العظيم الذي افتتح المغيب«، يكفينا أن نشير إلى بعض الاهمالات وبعض الثغرات، وبعض الأشياء الصغيرة التي لا تكتسي كبير أهمية، ربما يكون الخطاب الفلسفي قد أغفلها«. لإعطاء مكانة لهذا المفهوم عن الزمان، ولإنعاش دينامية التكرار وتحرير الاختلاف، كان ينبغي التخلي عن أشكال متعددة من القهر عرفها تاريخ الفلسفة استهدفت الاختلاف كي تخضعه. يميز النص أربعة أشكال لهذا القهر والإخضاع: تطابق التصور كما حدده أرسطو، تشابه المدركات كما حددته فلسفات التمثل، تعارض المتناقضات كما حدده هيجل، تقسيم الوجود إلى جهات ومقولات. عند أرسطو يغدو الاختلاف هو ما يدعوه المناطقة »الفصل النوعي« أو الخاصة. انه ما ينبغي أن تختص به وحدة التصور. يتساءل فوكو :»و لكن ، فوق الأنواع هناك دوما الحركة التي يعج بها الأفراد. هذا التنوع الذي يفلت من كل تخصيص، ليس شيئا آخر غير تمرد التكرار؟«.و ما الذي يخضع الاختلاف هنا ويقهره؟ انه بادئ الرأي الذي يأبى أن يرى الصيرورة الحمقاء والاختلاف الفوضوي، فيسعى للتعرف على المطابق.، تدفعه »إرادة طيبة« تجعله يعين ما هو عام في الموضوعات، ويقر شمولية الذات العارفة. لكن، ماذا لو ابتعدنا عن هاته الإرادة الطيبة، وفتحنا المجال للإرادة الخبيثة ، وحررنا قوى الزيف من عقالها ؟ ماذا لو تحرر الفكر من بادئ الرأي؟ ماذا لو امتنع الفكر عن معاشرة الدوكسا، وانتهج طريق البارادوكسا؟ حينئذ، بدل أن يبحث عما هو مشترك تحت الاختلافات،فانه يبحث بكيفية مخالفة عن الاختلاف، وحينئذ لن يعود الاختلاف خاصية عامة تعمل لصالح عمومية التصور، وإنما يغدو حدثا خالصا، كما يعود التكرار اختلافا متحركا. عندما ينفلت الفكر من الإرادة الطيبة ورقابة بادئ الرأي الذي يحدد ويقسم، فانه لا يبني التصور، وإنما ينشئ حدثا-معنيا بتكراره للإستهامات. أما فلسفات التمثل فان إخضاع الاختلاف يتم عندها بادراك التشابهات العامة (التي تُجزّأ فيما بعد إلى اختلافات وهويات جزئية)، فيقترن كل تمثل جديد بتمثلات تسمح للتشابهات أن تنتصر في النهاية، وحينئذ فان التكرار الذي كان لا يشكل في التصور إلا اهتزازة المطابق، يغدو في التمثل مبدأ ترتيب الشبيه. لكن، من يتعرف على الشبيه التام الشبه؟ انه العقل السليم هو الذي يتعرف على المسافات ويقسّم ويوزّع. انه أحسن الأشياء قواسم. لنجعل هذا العقل السليم يهتز، ولندع الفكر يعمل خارج الجدول المنظم للتشابهات، فستظهر حينئذ سلسلة من القوى تختلف شدة. هذا المنظور إلى الموجودات من حيث القوة يجعلها تتدرج لوحدها قبل أن يجعلها التمثل تتدرج في سلم التشابه، وذلك لأن الشدة هي في ذاتها درجة من القوة. إنها اختلاف خالص، اختلاف يتحرك ويتكرر. لكن، لندع جدول التمثل يعمل عمله. في أصل الإحداثيات هناك التشابه التام، ثم تتدرج الاختلافات كتشابهات تزداد ضعفا، وكتطابقات تزداد وضوحا إلى أن نصل إلى الاختلاف الذي لا يمثل فيه التمثل ما كان حاضرا. لكي يكون هناك اختلاف، ينبغي ألا يكون الشيء هو نفسه، هنا يتحدد الشيء نفسه على أرضية من السلب. هذه المرة يتم إخضاع الاختلاف لمنظومة التعارض والسلب والتناقض. لكي يكون هناك اختلاف يلزم أن يحد التطابق اللانهائي، أن يجد حده ومحدوديته ونهايته عند اللاوجود، يلزم أن يعمل السلب في إيجابيته. هنا يتولد الاختلاف عن التوسطات، ويغدو التكرار علامة على فشل الهوية وعجزها عن أن تنفي ذاتها لتجدها في الآخر. فبينما كان التكرار في فلسفة التصور خارجا خالصا غدا هنا ضعفا وعجزا باطنيا. على هذا النحو فان الجدل لا يحرر المخالف، وإنما يضمن انه لا بد وأن يلاحق ويُخضع ويُتدارك. فكأن التناقض يعمل في سر لحفظ المتطابق وصيانته. لذا فان أردنا تحرير الاختلاف من قبضة السلب، يكون علينا إقامة فكر من غير تناقض ولا جدل، فكر يقول نعم للتنوع، فكر مثبت ايجابي يستعمل الفصل أداة، فكر متعدد رحال. كان يلزم إذن، لإقامة هذا الفكر، تحرير الاختلاف أولا من فلسفة التصور، ثم من فلسفات التمثل، فالفلسفة الجدلية. إلا أن أكثر أشكال الإخضاع والقهر التي عانى منها الاختلاف هي تلك التي تولدت عن المقولات. عندما تعين المقولات الكيفيات المختلفة التي يمكن أن يقال بها الوجود، وعندما تحدد مسبّقا أشكال الإسناد والحمل على الوجود فارضة على الموجودات خطاطة توزيعها، فإنها تتحكم في لعبة الإثبات والنفي، وتؤمّن لتشابهات التمثل دعامتها، وتضمن موضوعية التصور وعمله.إنها تقمع فوضى الاختلاف كي توزعها إلى جهات. تحرير الوجود من هيمنة المقولات يستدعي إذن وحدة وجود سبق أن أكدها، في تاريخ الفلسفة، وجهان، وبلغة النص حالتان، هما دون سكوت وسبينوزا. لنتصور أنطلوجيا يطلق فيها الوجود بالكيفية نفسها على جميع الاختلافات، ولا يقال إلا عنها، ولا تكتسي الأشياء جميعها التجريد الأعظم الرتيب للكائن، كما عند دون سكوت، ولا تحوم أحوال سبينوزا حول وحدة الجوهر، حينئذ لا يغدو الوجود هو الوحدة التي توجه الاختلافات وتوزّعها، وإنما يغدو تكرارها بما هي اختلافات. لا تربط وحدة الوجود هنا التعدد بالوحدة ذاتها. وإنما تجعل الوجود يعمل من حيث هو يقال تكرارا عن الاختلاف. الوجود هو عودة المخالف، من غير أن يكون هناك اختلاف في الكيفية التي يقال بها الوجود. إن الوجود لا يتوزع إلى جهات: فلا يتّبع الواقع الممكن، ولا العرضي الضروري.انه الوجود نفسه بالنسبة للمستحيل والممكن والفعلي. وهو كذلك على الخصوص بالنسبة للحقيقي والظاهر. فلا يتعلق الأمر هنا بإعادة مجد هذا على حساب ذاك. ولن نعطي فرصة أخرى لانتقادات هايدغر بصدد القلب الافلاطوني. وحتى قلب الافلاطونية لا ينبغي أن يفهم على أنه فلسفة مضادة. بل كل تاريخ الفلسفة هو قلب للافلاطونية، وهذا بدءا من افلاطون ذاته. فلسفة خطاب هي فارقه الافلاطوني. هذا الفارق هو العنصر الغائب عند افلاطون،الحاضر في ذلك الخطاب، أو على الأصح، انه العنصر الذي يتولد مفعول غيابه في السلسلة الافلاطونية، بفعل ظهور سلسلة جديدة. فكأن هاته لا تعمل، لا على قلب الافلاطونية، بل على فضح نقصها، فضح عوزها. حينئذ يغدو تاريخ الفلسفة بلغة الموسيقى، تنويعات على الثيمة ذاتها. لقد ابتعدنا غير ما مرة عن هايدغر ، وها نحن نبتعد عن كل معمارية للأنساق الفلسفية. نبتعد عن غيرولت. بمقتضى احدى هاته التنويعات للافلاطونية تغدو الموجودات سيمولاكرات منفصل بعضها عن بعض من غير علاقة باطنية لا فيما بينها، ولا مع مثال مفارق. فلا داعي للبحث وراء الاستيهامات عن حقيقة أكثر صدقا، تكون هي مجرد دليل مشوش عنها.كما لا داعي لربطها فيما بينها وفق أشكال قارة وتكوين بؤر صامدة للتجميع.فباعتبار القوة الديناميكية للوجود ليس هناك أي مبرر كي تحاكي الموجودات ما هو أكثر جوهرية منها. الموجودات هي توليد محايث للواحد، وليست مطلقا صورا يحكمها التشابه. إنها أحوال وأنماط للواحد خاضعة للصدفة، وهي درجات جهوية من الشدة والقوة. وما دامت القوة ليست إلا اسما آخر للوجود، فان الموجودات ليست إلا أنماطا للتعبير عن الواحد. هاهي السيمولاكرات إذن تسترد حقها من حيث هي شهادة حية مرحة على القوة الواحدة للوجود، من حيث هي حالات تدل الدلالة نفسها على الوحدة، من حيث هي تنويعات للوحدة. نحن أمام أنطلوجيا تسعى إلى التحرر من العمق الأصلي كي تتمكن من التفكير في قوى الزيف بعيدا عن كل نموذج، وفي لعبة السطوح. فما أبعدنا عن فلسفات التمثل والأصل والمرة الأولى والتشابه والمحاكاة والوفاء والأمانة...لكن، ما أبعدنا كذلك عن ميتافيزيقا الجواهر. ذلك أن الاستيهامات لا تشكل امتدادا خياليا للعضويات، وإنما تعطي حيزا مكانيا لمادية الأجسام. الاستيهامات هي ما يشكل لاجسمانية الأجسام. فإذا كانت الفيزياء خطابا حول بنية الأجسام والخلائط والتفاعلات والآلية المتحكمة في الداخل والخارج، فان الميتافيزياء خطاب حول مادية اللاجسماني، مادية الاستيهامات والسيمولاكر. إذا كان النقد الكنطي قد حاول تعيين وهم الميتافيزيقا وتأسيس ضرورته، فان الميتافيزيقا ترمي هنا الى إرساء النقد الضروري لتحرير الاستيهامات، ورفع الأوهام عن قوى الزيف. موازاة مع مادية الاستيهام تتحدث هاته الأنطلوجيا عن لاجسمانية الحدث.فان كان الحدث دوما نتيجة لتفاعل الأجسام وتصادمها، امتزاجها وانفصالها، إلا أنه ليس من مرتبة الأجسام. لتوضيح هاته الفكرة، ولإعادة الاعتبار لمعنى الحدث ، علينا أن نستبعد معاني ثلاثة أعطيت له عبر تاريخ الفلسفة عند فلسفات حاولت أن تعمل فيه فكرها من غير أن توفّق في إدراك معناه. هاته الفلسفات هي الوضعية الجديدة، والفينومنولوجيا وفلسفة التاريخ. فالوضعية الجديدة فهمت الحدث على أنه الواقعة التي تحيل إليها القضية، وجعلت منه مسلسلا ماديا. وبحجة أنها ترى أننا لا يمكننا قول أي شيء خارج العالم، فإنها ترفض سطح الحدث، وتسجنه بالرغم عنه داخل الامتلاء الدائري للعالم. أما الفينومنولوجيا ، فبما أنها جعلت المعنى لا يتواقت مع الحدث، فهو إما يتقدمه أو يتأخر عنه، وبحجة أنها لم تسمح بوجود المعاني إلا بالنسبة للوعي، فإنها وضعت الحدث خارجا وقبل، أو باطنا وبعد، وهي تحدد موقعه دوما بالنسبة لدائرة الأنا. أما فلسفة التاريخ، فإنها تسجن الحدث داخل دوامة الزمن، وبحجة أنها لا تعطي وجودا للحدث إلا في الزمن، فإنها تخضعه لنظام يجعل من الحاضر صورة محصورة بالماضي والمستقبل. لقد فهم الحدث إذن على أنه الواقعة التي تحدد صدق القضية، والمعيش الذي هو حالة الذات، والعيني الذي هو المحتوى التجريبي للتاريخ. مقابل هاته الفلسفات الثلاث يدعونا فوكو إلى إقامة: ميتافيزيقا الحدث اللاجسماني ضد الوضعية الجديدة وخلافا لفزياء العالم، ومنطق للمعنى المحايد ضد الفينومينولوجيا ،و خلافا لدلالات الذات، وفكر الحدوث ضد فلسفة التاريخ، وخلافا لتجاوز المستقبل التصوري وحفظه لماهية الماضي. وحدها تلك الميتافيزيقا وذلك المنطق وهذا الفكر من شأنها أن تعيد للحدث معناه، لأن المعنى ليس هو البعد التبييني للقضية، إذ هو لا يرتد إلى الوعي أو الذات، ولا هو البعد التعييني لها لأنه لا يتحدد بتمثيل الوحدات الخارجية، ولا هو بالبعد الدلالي لأنه ليس شرط الصدق. للقضية بعد رابع غير هاته الأبعاد كلها. حينما نقول:مات فوكو ،فان هاته القضية تشير إلى واقعة، وتعبر عن رأي أو فكرة، وتدل على إثبات. لكن ، إضافة إلى كل هذا فلها معنى ، وهو فعل الموت ، وهو حدث لا يدل على إثبات، ولا يؤكد صحة ولا فسادا. هذا الحدث-المعنى لا يمكن إدراكه لأن له وجهين، وجها يؤم نحو الأشياء، وآخر نحو القضية.إن المعنى »بخار لاجسمي لطيف« يطفو في الحدود الفاصلة بين الكلمات والأشياء من حيث هو ما يقال عن الشيء وما يحدث له. ذلك أن المعنى لا يقال دون أن يحدث، والحدث لا يحصل دون أن يقال. إنها إذن أنطلوجيا تمنح المعنى وضعا في غاية التفرد، لأنه غدا يجمع، إلى جانب صفته القضوية واللاجسمية، صفة التعلق بالحدث. هاهو المعنى يتخذ وضعا، كما يقول النص، خارج الوجود، لا نعني بطبيعة الحال أنه يعود من جديد لسماء المثل، وإنما أنه أصبح خارج الأعيان والأذهان، بعيدا عن الجسمية والذهنية. لقد سعت الفلسفة أن تحدّد الحدث انطلاقا من التصور نازعة عن التكرار كل قيمة، كما حاولت أن تقيس الاستيهام على الواقع باحثة عن مصدره، سعت الفلسفة إذن أن تعرف وتحكم، حاولت أن تكون علما ونقدا. في مقابل الفلسفة هناك الفكر الذي يعطي لقوى الزيف بعدها الفعلي، ويجعل الحدث لامحدودا ولامحددا كي يتكرر كتفرد شمولي. إن دور الفكر هو التوليد المسرحي للاستيهام ،و تكرار الحدث في تفرده. الفكر يولد حدثا-معنيا بتكراره للاستيهام. ها أنتم ترون أن هايدغر يلاحقنا خلال هذا العرض كله، وهاهي تفرقته بين الفلسفة والفكر تظهر هنا أيضا، إلا أننا لن نتوقف من جديد لمقارنتها بالمعنى الوارد هنا، ويكفي أن نقول ختاما بأننا إن كنا قد تبينا فيما سبق أن الفكر ليس دوما إلا استجابة لضغط خارجي، إلا استجابة لقوة، وأنه دوما »فكر الخارج«، وليس منبعه قط هو الوعي، فينبغي أن نستخلص الآن أن هذا الوعي ليس حتى مسرحه. الهوامش ١-.1970 theatrum philosophicum , critique,foucauld(m) ٢- Badiou (A), Deleuze, La clameur de lêtre, Hachettes ٣- OP,cite, p125 ٤- p128 ٥- p26 |
|||||
|
|||||