منهجية
النظريات الأدبية

 

هيد غوتنر
ترجمة: منذر عياشي (ناقد واكاديمي من تونس)


إذا أردنا ان نعطي اجابة عن السؤال الذي يهمنا هل نظريات الأدب هي نظريات علمية، فيجب فحص ليس التنظيم الواضح فحسب، ولكن أيضا القيمة التجريبية للنظريات. ويمكننا أن نهمل مسلمة الدقة اللغوية المستعملة من غير التشكيك مع ذلك بالعلمية.

 

١- تمهيد ابيستومولوجي

ما هي النظرية؟ لقد اهتم الابستومولوجيون دائماً بهذه القضية، ولقد تم في السنوات الاخيرة، تقديم أجوبة.. وهكذا فان المتصور الذي اقترحه كارناب (1956)، والذي أصبح كلاسيكيا الآن، إنما يتأسس على الانقسام الثنائي للغة العلمية: القسم التجريبي والقسم النظري. ويعرف كارناب هذين المكونين على النحو التالي: لا يتضمن القسم التجريبي سوى محمولات مفهومة بذاتها. والمقصود هو محمولات ناتجة عن ملاحظات أولية ومعقدة. فالمحمولات الاولية تعمل بوصفها محمولات أساسية. وتُستخلص انطلاقاً منها المحمولات المعقدة بمساعدة التعريفات الواضحة. وأما القسم النظري، فيتضمن كل المحمولات التي لا تستطيع لغة الملاحظة، وهي لغة ضيقة، أن تبينها، ونجد من هذه المحمولات مثلاً، محمولات التنظيم التي تشير الى نعوت لا يمكن أن تقوم إلا عندما تتحقق بعض الشروط. وهكذا ، فان المتصورات العروضية او الكمية وتلك التي تميز الأشياء التي لا يمكن ملاحظتها مبدئياً (الذرة، الجزيء، الذري، الى آخره). وتبعاً لكارناب، فان كل جملة تظهر متصورا نظريا على الأقل، تعد جملة نظرية بوضوح. وذلك لأن النظرية بناء من جمل تمثل كل واحدة منها جملة نظرية، واننا لنسمي هذا المتصور للنظرية (Lestatement view التقرير المنظور).

لقد طور (ت.س. كوهن) (1962- 1970) متصوراً آخر للنظريات العلمية. فالنظرية تمثل، تبعا لما يراه، بناء دينامياً، يتألف من قوانين، وفرضيات، ومعلومات يمكن ملاحظتها مباشرة وتعد جزءاً من المستوى النظري الى حد ما، وقد تم انتاجها جميعاً في لحظة التطبيق النموذجي الاول لهذه النظرية فالنموذج بوصفه مثالاً او نموذجاً، يعد غير دقيق، فهو لا يقول شيئاً عن كل التفاصيل ولا عن الدرجة المحتملة لدقة النظرية العلمية. ثم إن النموذج ما ان يتم تثبيته، حتى يتمكن العلم العادي من الولادة أخيراً. فنشاطه لا يتضمن ادخال نظريات جديدة، ولكنه يتضمن إنشاء نظرية كانت قد أعطيت من قبل، أي يتضمن حل سلسلة من الألغاز العلمية.

ويصبح تأويل النموذج هشا، عندما يظهر الشذوذ، فالشذوذ يجعل النموذج يسقط في الغموض او في حالة من حالات الازمة. فاذا استقر الانفصال، فثمة توافق لن يستطيع عمليا ان ينتج. وهذا ما سيكون بالأحرى هو المخرج الوحيد، وهكذا، فان الأزمة ستمتد، لأن فشل التوضيح التقني، واذن العادي، للألغاز العلمية سيعيد اظهار الوعي بوجود المشكلات، وهذا ما تم كبته من قبل. ويتجلى هذا الوعي ليس فقط في المشاريع التأويلية الجديدة والمنهجية، ولكن ايضاً في التحليل الفلسفي وفي التطورات النظرية. ويبدأ، حينئذ فقط، البحث عن نموذج جديد بشكل واضح. وعندما يتم العثور أخيراً على هذا النموذج، فإننا سنشاهد ثورة علمية، تظهر بوساطة استبعاد النموذج القديم وقبول النموذج الجديد.

ان المتصور الملتبس للنموذج وكذلك عدم دقة وغموض المتصورات الاساسية التي يستعملها كوهن في وصفه للتطور الدينامي للنظريات، قد أفضى الى مجادلات دائمة. ويبدو أن المصدر الرئيسي لسوء الفهم يتمثل في الحدث الذي يصف كوهن متصوراته إذ يضعها في »التقرير المنظور« لهؤلاء المتنازعين، والذين تعد النظريات بالنسبة اليهم أبنية لمقترحات، في حين أن لمتصوره الخاص عن »النظرية« وعن »النموذج« معنى آخر في الواقع، انه »عدم التقرير المنظور«: لقد اصبحت النظريات حينئذ مصممة بوصفها أبنية للمتصورات.

ولقد استخلص »ج. د. سنيد« (1971) النتائج من هذا الغموض، معيداً بناء متصور كوهن بمساعدة المتصورات المستعارة من نظرية المجموعات ومن المنطق. ولقد حول تعريف النظرية الذي اقترحه كوهن باعادته الى متصور »عدم التقرير المنظور« وبجعل متصورات الاساس المستعملة ملتبسة. ويمكن ان ينظر لمشروع سنيد بوصفه تفسيراً لتعريف النظرية التي كان كوهن قد أدخلها، بالاستناد الى قاعدة نظرية المجموعات. ومن فوائد هذا المشروع ان حمل الدقة المطلوبة الى تعقيد المتصور عند كوهن.

بداية، ليست النظرية بالنسبة الى سنيد سوى محمول اساسي للنظرية، ويحدد عدد معين من المسلمات هذا المحمول وتحتوي هذه المسلمات على المقدمات الجوهرية النظرية وغير النظرية التي تتأسس النظرية عليها. اما المقدمات غير النظرية فهي لا تمثل الجمل التجريبية تبعاً لكارناب- اننا بعيدون عن متصوره-، وانها لتعد جملاً غير نظرية فقط بالنسبة الى نظرية ما. ولكنها تستطيع ان تكون نظرية بالنسبة الى نظرية أخرى. وتكوّن المسلمات، وكذلك بعض الوصف المنطقي، »البنية الاساسية« للنظرية. ولكن هذه لن تبقى إلا في حالة البناء المجرد، اذا لم يقدم »مجموع النماذج النموذجية« بوصفه تطبيقاً أولياً للنظرية، البرهان بأنها تمتلك مضموناً تجريبياً أكيداً. ويكتسي إذن »مجموع النماذج النموذجية« أهمية خاصة، ويرتفع الى مرتبة القيمة الاصولية. وإن هذا ليعد جوهرياً في بناء النظرية كما يعد جوهرياً في »البنية الاساسية«. ويجب على المقدمات النظرية للنماذج، وعلى »البنية الأساس«، وعلى »مجموع النماذج النموذجية«، أن تبقى على الدوام هي نفسها اثناء التحويل الذي تخضع له النظرية عبر المراحل المتعاقبة للتطور العادي، وأثناء التحويل الذي يصوغ اتساعها، وإلا يكن ذلك، فان النظرية ستفقد هويتها. وهكذا، فان سنيد إذ يدخل متصوري »البنية الأساسية« و»مجموع النماذج النموذجية«، يوضح بدقة ما كان كوهن يفهمه من »النموذج«.

 

٢ - هل نظريات الأدب هي نظريات علمية؟

إذا أردنا أن نجيب بشكل مرضٍ عن هذا السؤال، فيجب ان نثبت ان نظريات الأدب تستجيب الى شروط هذا المتصور او ذاك، اللذين قمنا بعرضهما. وهذا ما حاولت ان أقوم به إذ لجأت الى نظرية كوهن وسنيد فيما يخص البناء المنطقي لنظريات الأدب »كوتنير/ جاكوب، 1987).

ولكن إذا تركت نظريات الأدب نفسها تنبني انطلاقا من الجهاز النظري لكوهن وسنيد، فان هذا لا يبرهن مع ذلك على علميتها. فالابيستيمولوجيا التحليلية تميز ثلاث مسلمات رئيسية وذلك لكي تؤسس علمية النظرية: تتعلق المسلمة الاولى بالطابع الواضح لكل الفرضيات والنتائج، وتتعلق الثانية باستعمال لغة نظرية دقيقة الى حد ما. وإنها لتبتغي من هذا تجنب كل خلط في المتصورات. وأما الثالثة والاخيرة، فتتمثل في مسلمة التحقق من كل التأكيدات. واذا تأملنا، فسنجد ان المسلمات الثلاث لا تصح إلا بالنسبة الى العلوم التجريبية، في حين أن المسلمتين الاولى والثانية تصحان أيضاً بالنسبة الى العلوم الشكلانية.

وأما المسلمة الأكثر أهمية في تحليل نظريات الأدب، تبعاً لنظرية كوهن وسنيد، فتتمثل في الطابع الواضح، وتذهب ابيستيمولوجيا سنيد نفسها في هذا الاتجاه لأنها لا تحلل كيف تتحقق النظريات العلمية المختلفة من تأكيداتها، وانها لا تحلل أيضاً درجة الدقة التي تمتلكها اللغة التي تستعملها، انها تكتفي بمعاينة كيف أن بنية نظرية ما تستطيع أن تصبح واضحة، وذلك على نحو مستقل عن قضية معرفتنا إذا كنا نستطيع أولا أن نسند الى هذه النظرية المحمول »التجريبي«. وإذا أردنا إذن ان نعطي اجابة مرضية عن السؤال الذي يهمنا »هل نظريات الأدب هي نظريات علمية«؟، فيجب فحص ليس التنظيم الواضح، ولكن أيضا القيمة التجريبية للنظريات. ويمكننا أن نهمل مسلمة الدقة اللغوية المستعملة من غير التشكيك مع ذلك بالعلمية.

وأريد الآن أن أضرب مثلا بنظرية من نظريات الأدب وأن أبين كيف نستطيع إعادة بنائها بمساعدة نظرية كوهن وسنيد. وسأضيف ملاحظات تتعلق بقيمتها التجريبية. وسنجيب في النهاية عن السؤال: »هل نظريات الأدب نظريات علمية أم لا؟«.

اذا نظرنا الى نظرية ما، ولتكن نظرية رومان جاكبسون مثلا (1963)، فانه لمن الممكن، بفضل إجراء حدسي، أن نستخلص المقدمات النظرية الرئيسية. ويكفي عقد مقارنة بين كل المقدمات النظرية، الى ان نعثر على بعض المقدمات التي تتعلق بها المقدمات الأخرى. وتعد هذه المقدمات النظرية أساسية، أي تعد من منظور منطقي أعلى نظرياً من المقدمات الأخرى. إنها تشكل »البنية الأساس« للنظرية، في حين ان المقدمات الأخرى تعد »البنى الفرعية« لهذه البنية.

تُظهر نظرية جاكبسون المقدمتين النظريتين الاساسيتين التاليتين:

١ - »تهيمن الوظيفة الشعرية في الشعر«.

٢ - »تُسقط الوظيفة الشعرية، في الشعر، عن غير قصد مبدأ التعادل لمحور الاختيار على محور التركيب«.

لنأخذ المقدمة الاولى: إن جاكبسون إذ يتكلم عن الوظيفة الشعرية، فإنه يحيل الى نظريته في الوظائف اللسانية. ولقد تتناسب مع كل عامل من العوامل المختلفة التي تكوّن نموذج التواصل البسيط، وظيفة لسانية مختلفة: تتناسب الوظيفة الادراكية مع عامل المتلقي، ومع سياق الوظيفة المرجعية، ومع الرسالة الوظيفة الشعرية، ومع التماس الوظيفة الانتباهية، ومع الشرعة (Code) وظيفة اللغة الواصفة، وأخيراً مع المرسل الوظيفة الانفعالية.

ويستطيع هذا الترابط ان يتميز على النحو التالي: إن النصوص او العبارات اللسانية، التي تحيل الى العامل x من هذا النموذج، او التي على نحو أكثر دقة، من هدفها ان تكون متجهة نحو العامل X ، لتُظهر الوظيفة التي تتناسب مع X . وهكذا، فان للنصوص المتجهة نحو السياق، وظيفة مرجعية، والنصوص المتجهة نحو المرسل وظيفة انفعالية، الى آخره. ويبين جاكبسون السمات اللسانية لكل وظيفة لسانية باستثناء الوظيفة المرجعية: يُظهر التعجب الوظيفة الانفعالية.

وتجد الوظيفة الادراكية تعبيرها القاعدي في النداء وفي صيغة الأمر. وتشير بعض الصيغ الشعائرية الى الوظيفة الانتباهية، وان بعض نماذج الاسئلة التي يطرحها المتكلمون لكي يتحققوا من انهم يستعملون الشرعة نفسها، لتميز وظيفة اللغة الواصفة. وتمثل، أخيراً، ظاهرة الاسقاط مؤشراً على الوظيفة الشعرية.

لنذهب الى المقدمة الثانية: يرى جاكبسون في »مبدأ التعادل« الاجراء التكويني للتتابع: يمكن لمقاطع الكلمات، وحركاتها، والأطوال العروضية، أو الوقفات النحوية أن تعد في الشعر متعادلة. ويشكل الانتخاب والتوليف طريقتين للترتيب، أساسيتين للخطاب، فالاختيار يقضي بالاختيار بين سلسلة من الكلمات المتعادلة، والمتشابهة، او المترادفة، في حين أن توليف الكلمات المختارة يبني التتابع في الخطاب. ولقد يتم في النصوص الشعرية اسقاط مبدأ التعادل لمحور الاختيار على محور التوليف.

وأخيرا، فإن جاكبسون يرى في هذا الاسقاط لمبدأ التعادل ظاهرة غير قصدية، أي ليست بريئة تماماً على الاطلاق.

لا تشكل المقدمتان النظريتان الاساسيتان كلية المقدمات المنطقية المحتواة في »البنية الاساسية«. ويبقى ان نتكلم أيضا عن المقدمات غير النظرية. فهذه الاخيرة تعين في أغلب الاحيان ميدان تطبيق النظرية، كما تشير حدساً الى كل المواضيع الاخرى الافتراضية. ومع ذلك، فان المقدمات النظرية وحدها تذهب مباشرة الى صياغة معايير لتحديد المقاصد. وينتج عن هذا ان المقدمات غير النظرية تبقى عملياً على الدوام ضمن النظريات الأدبية. وهي تحتوي على افتراضات حول »طبيعة« القضية الادبية، والتي لا نستطيع اكتشافها الا عندما نهتم بالأمثلة التي اختارها منظرو الأدب لادماج تأكيداتهم النظرية.

لنعد الآن الى نظرية جاكبسون. إننا نستطيع أن نصف الامثلة التي يقدمها بأنها »مجموعة من النماذج النموذجية« التي تخبرنا عن الالتزام الضمني لهذه النظرية. وسنلاحظ حينئذ انه لا يأخذ امثلة الا النصوص الشعرية المعترف بها اجماعاً بوصفها كذلك. فهو يفترض سلفاً وجود اجماع فيما يخص وجود الشعر. وإنه لأمر ظاهر أن يكون قد ابتدع نظريته لكي يصف نصوصا معترفا بها من قبل بوصفها نصوصاً شعرية، وذلك على نحو مستقل عن هذه النظرية. وهكذا، فاننا نصوغ المقدمة الاساسية غير النظرية التي تتضمن البنية الاساس لهذه النظرية: »الشعر معترف به حدساً بوصفه كذلك، وذلك عندما يتناسب مع متصور ما للشعر«.

ويمكننا بسهولة، انطلاقاً من هذه المقدمات الثلاث، ان نعيد بناء »البنية الأساس« لنظرية جاكبسون، ولقد كانت هذه التأملات السريعة كافية لكي نتأكد من أن المقدمات المنطقية ليست واضحة بما فيه الكفاية، وأن المسلمة الاولى، هي في النتيجة، مسلمة انتهاكية. ويجب علينا ان نستنتج ان بناء نظريته بناء غير كامل. مع ذلك، فانه ليس من الواجب أن نحط كثيراً من قدر نظرية الأدب هذه، والحديثة نسبياً. فالنظريات الأكثر تقليدية تكشف على نحو أكبر أيضاً عن هذه النواقص الموجودة في الاعداد النظري. وثمة أحكام قيمة، ومعايير، وعلاقات تضمينية ميتافيزيقية قد دخلت اليها خلسة.

ماذا نقول عن تطبيق المسلمة الثالثة، أي عن مسلمة التحقق الاساسي من كل الفرضيات المستنتجة من المقدمات الاساسية؟ هنا أيضا نصطدم بالصعوبات. وهكذا، فان جاكبسون لم يتحقق من صحة تأكيده، والذي تبعا له، فان قصيدة معينة لبريخت مثلا »(Wit sind sie)، ستكون نصا شعرياً، وذلك لانها تتناسب مع ما نعده »شعرا« باتفاق الآراء. وانه ليقبل، كما بالنسبة الى كل الامثلة الاخرى، ملاءمة هذه الفكرة المفترضة للشعر حدساً، وكذلك الأمر، فان التأكيد المستنتج من المقدمة النظرية الأولى والتي تهيمن تبعاً لها الوظيفة الشعرية في هذه القصيدة، لم يتم التحقق منه. والسبب أنه لم ينتج إلا انطلاقاً من الاعتقاد الضمني ان هذه القصيدة هي من الشعر. وأما اجراء التحقق الواضح فلا يستخدم إلا عندما يحاول جاكبسون أن يبرر التأكيد المستنتج من مسلمته النظرية الثانية، أي من الاسقاط القصدي في قصيدة بريخت لمبدأ التعادل من محور الاختيار على محور التوليف (٣٧٩١). ويقضي عمله في التحقق، في جزء كبير منه، بملاحظة طبقات التعادل في هذه القصيدة وبانشاء علاقة بين بعض منها. وان المقصود فعلا بالنسبة الى جاكبسون هو اظهار أن مبدأ التعادل لا يتجلى بداهة في القصيدة، ولكنه يمثل فيها مبدأ التنظيم المهيمن. ويشد وجه معين من هذا المبدأ انتباهه، أي التوازي. فهو يكتشف تعادلات وتوازيات في بناء المقاطع الشعرية، وبين الاشكال الصيغية المميّزة، وأشكال النفي، وأخيراً بين الوحدات الدلالية والصوتيات. وتكون النتيجة لهذا الفحص ايجابية. ويستطيع جاكبسون أن يبين ان قصيدة بريخت تملأ فعلاً الشروط التي تستوجبها المسلمة النظرية الثانية. ولكن هذا يكشف في الوقت الذي تكشف فيه ان لنظريته في الأدب حقلاً للتطبيق العملي، أي ان لها مضموناً تجريبياً.

ولقد نستطيع أن نقول، على الأقل فيما يخص المسلمة النظرية الثانية، ان المسلمة الثالثة للابيستيمولوجيا التحليلية مسلمة مُرضية.

اننا نستطيع أن نؤكد أن نظرية الأدب التي اقترحها جاكبسون هي نظرية علمية، وذلك على الرغم من خطيئة الاسقاط فيما يتعلق بالسمة الواضحة وبالتحقق، والتي، من حيث المبدأ، سيكون سهلاً جعلها تتوارى. والنتيجة، على العكس من ذلك، ليست ايجابية على الدوام بالنسبة الى كل نظريات الأدب. فالمرء لكي يستطيع أن يعطي حكماً متميزاً بهذا الخصوص، يجب عليه أن يفحص المبادئ النظرية للأدب ومقاصدها في اطار نظري أكثر سعة.

 

٣ - نظريات الأدب وافتراضاتها

قبل انشاء الدراسات الادبية وجعلها علماً حقيقياً له زعم نظري، فإننا كنا نمتلك عدداً من »الفنون الشعرية«. ولعل المقصود بهذا هو وجود كوكبة من الضوابط الموجهة لإبداع أعمال شعرية جديدة، والموجهة للحكم على أعمال موجودة من قبل. ونحن لن نقوم بإحصائها عدداً. ذلك لأننا سنكتفي بالاشارة الى تلك التي كان لها أعظم صدى في تاريخ الأدب الأوروبي، أي شعرية ارسطو التي لعبت دوراً جوهرياً في الماضي الكلاسيكي القديم، وفي عصر النهضة الذي انبعثت منه، وحتى الكلاسيكية الأوروبية التي تهيمن عليها على نحو حاسم، وإنها مثل كل الشعريات الاخرى، قد قدمت مسبقاً سمة معيارية كأداة نقدية وأداة برمجية. ولقد صاغ ليسينغ نقداُ نافذاً فيما يخص تجانس الشعرية الارسطية في أوروبا. وأما هامان وهيردر، فانهما إذ أخذا الخطوط الكبرى لهذا النقد، فقد تناولا نقيض أرسطو وأبدعا شعرية جديدة، كان يجب أن تصل الى ذروتها الأولى مع أعمال الأخوين شليجل. وتكف الاعمال في هذه الشعرية الرومانسية عن أن ينظر إليها بوصفها أبنية تم انتاجها تبعاً لضوابط مفروضة من الخارج، ولكنها أصبحت على العكس من ذلك التعبير المباشر لروح الشعب او التجربة الحميمة للفرد المتفوق (العبقري). ألا وانه في هذا الخط قد تطورت دراسة الآداب القومية، في حين أن الشعرية الكلاسيكية قد أظهرت عدم مبالاة إزاء الحدود اللسانية والشعرية. ومع ذلك، فلهذه الاعمال في الشعرية وفي الشعريات السابقة سمات مشتركة من وجهة نظر ابيستيمولوجية: ان لجميعها مزاعم معيارية قوية، وانها لتعبر عن نفسها في الوظائف النقدية والبرمجية. وهكذا، فان الأدب الذي يستجيب للشروط التي طرحها المتصور الرومانسي، لينعت علناً »بالجيد«، وإنه ليرى نفسه مقوما، في حين ان الأدب المنتج تبعاً لضوابط المذهب الكلاسيكي المعمول به الى الآن فبخِّس.

لقد كان »و . ديلثي« (1914- 1970) هو الاول الذي حاول ان يقيم نظرية منظمة للأدب على اسس فلسفية، وبالسماح للدراسات الأدبية ان ترتقي الى مرتبة العلم النظري. فلقد عاد الى المتصور الرومانسي للأدب وذلك لكي يعيد تأويله بمساعدة علم المصطلحات الفلسفي المطور في مختلف مراحل فلسفة الحياة. وأما المرحلة الاولى من هذه المراحل، فيمكن ان تنعت بالمرحلة النفسية. وينعكس هذا النزوع الفلسفي في تعريف المحمول الأساسي لنظريته الاولى في الأدب. فالمحمول الاساسي »الشعر الحقيقي« يتضمن مقدمتين نظريتين: »يعد الشعر الحقيقي تعبيراً وتمثيلاً للحياة« و»للشعر الحقيقي قاعدة هي التخيل الشعري«. ويُفهم معنى »الحياة« هنا بوصفه حياة الروح، تماما كما يفهم ذلك علم نفس العلاقات. ثم ان لمصطلح »التعبير« او »التمثيل« وظيفة تتجلى في اظهار التجارب المعاشة سابقاً. ويمثل »التخيل«، فيما يخص التعبير الشعري، الموهبة الرئيسة للروح. ذلك لانه الأداة التي تسمح للتجارب السابقة بالظهور. ويمكن لهذه التجارب أن تكون، تبعا للشعرية الرومانسية، تجارب لروح شعب، او تجارب لروح أفراد متفوقين.

وفيما بعد، عندما التزم ديلثي في طريق المثالية وتاريخ الأفكار، فقد حدد المحمول الاساسي »الشعر الحق« لنظريته الأدبية الثانية بقوله: »الشعر الحق هو تعبير عن الحياة وتمثيل لها«، و»يعبر الشعر الحق عن متصور العالم (إنه يعكس متصوراً للعالم مسبق الوجود، أو هو يخلق آخر)«، و»للشعر الحق شكل داخلي يتناسب مع نماذج متصور العالم«. ولقد تعني »الحياة« هنا الحياة العقلانية، وذلك كما في النظرية العقلانية ومثالية التاريخ (هيجل). واذا كان ذلك كذلك، فان »التعبير« يصبح منذ اللحظة تجليا، من خلال العصور، »لما هو نموذجي في الحياة الانسانية«. والشعر، بوصفه انتاجاً للحياة الثقافية للعصور، هو أيضا يعبر مباشرة عن »متصور للعالم« الذي لا يوجد له سوى ثلاثة نماذج أساسية، كل واحد منها يتناسب مع نموذج شعري: النموذج »الطبيعي« (بلزاك مثلا)، ونموذج »المثالي- الذاتي« (شيللر مثلا)، ونموذج »المثالي- الموضوعي« _غوته مثلا).

وقد ألهمت نظرية الأدب لديلثي، عند المنظرين الذين خلفوه، موجا من النماذج كلها مجردة، ولا تزال هيجاناتها محسوسة في الماضي الحديث لعلم الأدب. وتبقى مبادئ النمذجة التي تبني تاريخ الأفكار هي نفسها، وتتلقى النماذج المختلفة فقط تمايزات أخرى.

إن المثل المختار في نظرية ديلثي، كما في المتغيرات التي أنشأها خلفاؤه، هو عمل غوته. وأما الأعمال الاخرى التي لا تملأ الشروط المحددة سلفاً، فهي تترك في الجزء الأسفل من الأدب، كما يقال. وهكذا يظهر بوضوح الطابع المعياري لهذه النظرية. ولقد نرى ان الوظيفة النقدية، من بين الوظيفتين المعياريتين الممكنتين، هي التي تؤدي الدور الجوهري في هذه النظريات، والسبب لأنهما منذ البداية متركزتان على التاريخ الأدبي، وليس على انتاجه. ولذا، فان المبادئ الاساسية للشعرية المعيارية ليست موضع شك إذن، وذلك على الرغم من حضور قاعدة فلسفية.

إن الدراسات الأدبية ذات الميل الظاهراتي، والتي تخلف الدراسات الأدبية الملحقة بتاريخ الأفكار، لتجد منظريها في »رومان انغاردن« (1960). فنظريته الأونطولوجية »لطبقات« العمل الأدبي، تستند الى التحليل الظاهراتي للكائن عند هوسرل. ويتمثل المحمول الرئيسي لنظريته في »العمل الأدبي«. ولقد نجد أن ثلاث مقدمات اساسية تقوم على تعريفه: »تكمن فكرة العمل الأدبي في العلاقة الجوهرية بين وضع ماثل ونوعية ميتافيزيقية«. والعمل الأدبي يبلغ أوجه في تجلي النوعية الميتافيزيقية«. و»تقضي البنية الأساس للعمل الأدبي بأن يكون العمل بناء مكوناً من عدة طبقات غير متجانسة«. و»يدل العمل الأدبي على طابعه وذلك عن طريق تغير تنوعاته. فهذه تصوغ علامة الوحدة بين القارئ والعمل«. ويميز انغاردن بين هذه المقدمات العامة بمساعدة حشد من المقدمات الخاصة التي لن نذكرها هنا.

ويبدو المحمول الاساسي لهذه النظرية الظاهراتية للوهلة الاولى انه ينتمي الى النظام الوصفي. ويبدو أن التعريفات التي تنطبق على متصورات »الطبقات غير المتجانسة« و»التحققات المنوعة للعمل الأدبي« انها تمتلك هي أيضا طابعا وصفياً. ومع ذلك ، فان المقدمة الاولى تبتعد عن هذا التأكيد: انها تثّبت على أساس معياري ما يعد خاصة من خواص العمل الأدبي: »تجلي النوعية الميتافيزيقية«. وإن الأعمال التي تتناسب مع هذا النعت هي أعمال يحكم عليها بأنها ايجابية. وانها لتمتلك قيمة النموذج في كل التحليلات الأدبية ذات الميل الظاهراتي. وان الطابع المعياري لهذه النظرية وتنوعاتها ليتجلى أيضاً في اختيار الامثلة النموذجية، أي عموماً في اختيار الأمثلة التي نسبت النظريات المعيارية اليها من قبلُ القيم الايجابية مثل »جيدة«، »حقيقية«، »نقية«، الى آخره.

ولا نستطيع، مع ذلك، أن ننكر بأن المقدمتين الأساسيتين الاخيرتين على الاقل تشتملان على عناصر للمتصور الوصفي. وأن هذا ليصبح بديهياً عندما نولي عناية الى التوجهين اللذين تطورا انطلاقا من هذه المقدمات. ولقد سمحت المقدمة الأساسية الثانية لانغاردن بتخصيص الطبقات المختلفة للعمل الأدبي وبتحليلها مع جهاز منهجي أكثر دقة. وتحت هيمنة النقد الجديد الأنجلو أمريكي ومنهجه في »القراءة المغلقة« فقد كان يجب أن تتطور مدرسة جديدة، إنها مدرسة التأويل المحايث للأعمال الأدبية. وإن هذه المدرسة، إذ تتابع هدفاً منهجياً، فقد دأبت على وصف كل طبقات العمل الأدبي. وقد كان لها ذلك بفضل الاجراءات المحسنة للتحليل الاسلوبي الى حد ما، ولتحليل الوزن، والايقاع، والوصف البنيوي لنظرية الاجناس. وهكذا، فقد اجتمعت العناصر الضرورية الأولى لتطور التجريبية في الميدان الأدبي. وهو تطور كان قد اوقفه الطابع الحدسي لهذه المناهج التي لا تمتلك لغة علمية معدة على نحو كافٍ. بيد ان المانع الأكبر يتمثل في الاحالة الدائمة الى المبادئ الميتافيزيقية التقليدية التي منعت تطور تحليل للأدب يكون فعلاً وصفياً. وتشكل المقدمة الثالثة الاساسية لانغاردن، أخيراً، قواعد نظرية تتأسس فوقها نظريات التلقي، التي تحلل علاقة القارئ بالعمل وتصف، ليس تاريخ الأدب، ولكن تأثيراته. وتتأسس هنا أيضا حركة باتجاه التجريبية التي تفشل مع ذلك، من أجل الأسباب نفسها التي ذكرناها فيما يخص التأويل المحايث للأعمال الأدبية: لم يكن الجهاز المنهجي معداً بما فيه الكفاية، والسبب لأنه ما زال حدسياً ومليئاً بالمقدمات المعيارية.

وثمة واحد من التيارات الرئيسة لعلم الأدب، عُرف في هذه السنوات الأخيرة، وكانت الحركات الاجتماعية والماركسية قد كونته. فقد حاول باحثون مشهورون، في قلب المدرسة الاجتماعية، مثل مانهايم، وأليفين، وسشوكينغ، وهيرش ان يُظهروا بالبداهة العلاقات بين بنية الطبقات الاجتماعية من جهة والبنى الأدبية من جهة أخرى. أما من جهة الماركسية، فقد تم التنديد بعدم كفاية مثل هذه المشاريع، أو تم تثمينها على انها مادة سوقية. وإننا لنواجه هذه القضايا نفسها مع الجهاز المنهجي الأكثر صلابة من الجماليات الجدلية والمادية لماركس وانجلز. وحتى بنى الطبقات، فإنها تعد بنى منحرفة، ونحن نحاول أن نكتشف تكوينها، وذلك بمساعدة القوانين التي تسوس التطور الاقتصادي تماماً كما صاغتها الماركسية. وكما ميزنا اتجاهين في النظرية السياسية، فإننا نميز اتجاهين في قلب النظرية الجمالية:

الاستقامة وعدم الاستقامة، وتعد هذه الاخيرة جد متنافرة، ولقد عدَّ جورج لوكاتش، الذي نلخص نظريته، خلال زمن طويل الحامل الرئيس للواء الاستقامة، وسنذكر من مدرسة عدم الاستقامة »ت. أدورنو« من بين منظرين آخرين لا يقلون اهمية مثل نجامان، وغولدمان، وبلوش. فنظرية أدورنو ليست تمثيلية، ولكنها بكل تاكيد مميزة لحركة عدم الاستقامة.

لقد كان المحمول الأساس لنظرية لوكاتش (1972 B 1972 A) هو »أدب الواقعية«. وانه ليتحدد بالنعوت التالية: »يمثل الأدب الواقعي طريقة خاصة لعكس الواقع الموضوعي«، و»إن المضمون بالنسبة الى الأدب الواقعي (أي الانسانية الاجتماعية) له الأولوية«. ولوكاتش يعني بالمصطلحات »واقع موضوعي« جملة القوانين الاقتصادية والاجتماعية، تماما كما صاغتها الماركسية: إن من وظيفة الأدب إذن ان يعكسها. وتعني »الطريقة« الخاصة لعكس »الواقع الموضوعي« انه يجب على هذه الحركة أن تكون جدلية. فأولوية المضمون تحيل الى جماليات المضمون الماركسي. ولكن هذا المضمون ليس قسرياً، انه مضمون »الانسانية الاجتماعية«، أي مضمون المثاليات الانسانية، تماماً كما عبرت عنها النظرية الماركسية.

وتتم هذه المقدمات الاساسية مقدمات أخرى، انها أكثر خصوصية، وهي تحدد المحمول الأساس بمحمولين متميزين: »أدب الواقعية البرجوازية« و»أدب الواقعية الاجتماعية«. وأما المقدمة الاولى ، فتتميز »بالفهم الحدسي للواقع الموضوعي وقوانينه«، كما تتميز »برؤية نبوية«، »طابعها شعبي«. وتتميز، أخيرا، بـ»مضمون الانسانية البرجوازية- الثورية«. وتشكل أعمال بلزاك مثلها النموذجي. وأما المقدمة الثانية (أدب الواقعية الاجتماعية)، فيحددها »الفهم الواعي للانسانية الاجتماعية«. وتشكل أعمال غوركي المثال النموذجي.

يعد المحمول الاساسي، والمحمولان الأخريان المائزان، محاميل معيارية، والسبب أن الاعمال الأدبية المشار اليها توصف بأنها »جيدة« و»عظيمة«. ويرى الأدب »البرجوازي المنحط« نفسه قد هبط قيمة وتميز إزاء الاعمال السابقة. وتعد الوظيفتان المعياريتان بديهتان على نحو خاص في تقسيم المحمول الاساسي الى جناحين: »الواقعية البرجوازية« و»الواقعية الاجتماعية«: يعد تحليل »الواقعية البرجوازية« تاريخياً، وانه ليتسم بطابع نقدي، في حين أن تحليل »الواقعية الاجتماعية« يعلن طابعاً نموذجياً، وذلك كما هو الحال غالباً في بيانات الحزب للبلدان الاشتراكية التي تعالج مسائل تتصل بالأدب، وللأسف، فان لوكاتش لم يقم بأي شيء لكي يتحقق في النصوص الادبية نفسها من صحة المتصورات المستخلصة من المقدمات المذكورة.

وكذلك الأمر بالنسبة الى نظرية الأدب التي أنشأها أدورنو (1984)، والتي نريد الآن ان نلخص اطروحاتها: يحمل محمولها الاساس العنوان »الأدب نقد- سلبي«. فهذا الأدب مثمن، وانه ليتيمز من »الأدب التأكيدي« الذي يجد نفسه وقد تدنى قيمة. ويتلقى المحمول المعياري حينئذ المقدمات التالية: »يجد الأدب نفسه في علاقة نقدية- سلبية ازاء الواقع. وهنا يكمن طابعه الطوباي«، و»يشكل الشكل والمضمون في الأدب تلازماً جدلياً. ومع ذلك، فان الأولوية تذهب باتجاه الشكل«، وتخالف هاتان المقدمتان بوضوح المقدمتين الاساسيتين المعبر عنهما في النظرية المستقيمة. فلقد تعارضتا فعلاً مع الاطروحة التي تبعاً لها يجب على الواقع أن ينعكس في الأدب، كما تعارضتا بعد ذلك مع الاطروحة التي تعلن أولوية المضمون. وإنه وان كانت كل واحدة من هاتين النظريتين تستند الى الجماليات الماركسية، إلا أنهما تظلان متناقضتين، ويكون هذا بدهياً على نحو خاص عندما نقارن مقدماتهما الاساسية.

وأما التيار الاكثر حداثة، فتقدمه المدرسة الشكلانية التي تنطلق من الشكلانية المحضة الى نظريات الأدب ذات الميل اللساني، مروراً بالبنيوية. وانها لتتميز بجهد تبذله في الدقة الشكلية والمنهجية، كما تتميز في وقت واحد أيضا بتقدم البحث التجريبي في علم الأدب. ولذا، فانه لمن العسير حصر حقل الشكلانية، وذلك لأنه يوجد عدد من العناصر للنظريات، ولكن توجد أي نظرية مهيمنة ايضاً، مثل بقية التيارات الأدبية.

لقد ذكرنا من قبل نظرية رومان جاكبسون، وسنأخذ الآن مثلا آخر يتمثل في »س.ر. ليغان« (1963- 1971). فنظرية جاكبسون مثل نظرية ليغان تحددان محمولات وصفية بشكل اساسي، لأن هدفهما الأول يقتضي تحديد خصوصية الأدب. ويمكن »للأدبية« أن تبرز بداهة، بفضل الاستدلال، المميزات البنيوية للمواضيع الادبية. وان هذه المميزات لتتحدد بدقة بمساعدة النظريات اللسانية. فنحن قد تكلمنا من قبل عن تعريف الأدب عند جاكبسون، ونقترح الآن ان نفحص تعريف الأدب عند ليغان. واننا لنرى انه يحتوي على مستويين: تعريف يقوم على قاعدة حدسية، وتعريف لساني. أما الأول، فيستعمل متصورات مثل »التماسك«، و»الانزياح«، و»الكثافة«. وأما في التعريف اللساني، فان ليغان يريد أن يوضح هذه المتصورات الثلاثة، ولكنه في الواقع لا يقوم بذلك إلا بالنسبة الى »كثافة«. وإن ليغان ليفهم من ذلك ان الموضوعات الأدبية »تشتمل، بنسبة أعلى من الوسط، على تحويلات حذفية، نستطيع أن نعيد بناءها«. وتوجد احالة الى سمة تتحدد، في القواعد التوليدية التحويلية، على النحو التالي: إن النصوص التي تمثل طابع »الكثافة«، لتكشف عن بنى سطحية نحوية لا تتناسب معها أي بنية عميقة محددة، لأنها نتيجة لتحويل الحذف ولا يمكن اعادة بنائها، حتى ولو كنا نعرف البنية السطحية والضابطة التطبيقية للتحويل. وهكذا، فان الاشارة الى الكمية المتضمنة في التعريف »أعلى من الوسط« تبقى غير دقيقة.

تختلف افتراضات هذه النظريات اختلافاً دقيقاً عن تلك التي عايناها في الأعلى: انها تتخذ لنفسها اطاراً نظرياً، ليس النظريات الجمالية المعيارية، ولكن نظريات لسانية وصفية. وتُستخدم هذه النظريات قاعدة لمناهج لسانية في المعاينة، ولمناهج غير حدسية، وذات دقة تقنية عظمى ومقدرة إذن هنا لفحص ما كان مؤكداً في نظرية الأدب. وكنا قد رأينا، مع المثل الذي قدمه جاكبسون، كيف تمر الأشياء. وان المقصود هنا هو قطيعة جذرية مع اجراءات الدراسات الأدبية التقليدية. ولا تريد هذه النظريات أن تمارس وظيفة نقدية أو برنامجية، ولكنها تريد أن تؤسس علماً للأدب، علماً نظرياً وتجريبياً يخضع لقوانين الابيستيمولوجيا المنطقية والتحليلية. وأما أن لا تملأ نظريات ليغان وجاكبسون إلا جزئياً هذا الشرط، فهذا أمر يجب ان يعزا جزئياً الى الطابع غير المجرب للأرض التي بنيا عليها نظرياتهما.

وتقدمت أثناء ذلك دراسات نظرية أخرى وتجاوزت هذه المرحلة البدئية. ففي ميدان الجماليات المؤسس على نظرية المعلومات، تمت المحاولة مثلاً لإدخال متصورات كمية في التحليلات الأدبية. وتوجد محاولات شبيهة متأسسة على استخدام الاجراءات الاحصائية كانت قد استعيرت من المناهج التجريبية المستخدمة في التحليل النفسي والاجتماعي التجريبيين. ومن جهة أخرى، فان نموذج التواصل البسيط الذي يستخدمه جاكبسون، قد حلت محله، مذ ذاك، نماذج أكثر تعقيداً. ولقد تم الكشف، استناداً الى مثل هذه النماذج، عن تعريف الأدب بمساعدة السمات المميزة البنيوية الملازمة للأشياء- ولقد تبين أن هذه الدراسات فاشلة- ولكن المحاولة تمت بإسناد نوعية معينة، كأن يكون الشيء موضوعاً أدبياً، في اطار صيرورات التواصل المعقدة. ولقد انتقل حقل الاستقصاء لمثل هذه النظريات: لم يعد »الأدب« هو الذي يمثل موضوع تحليلهم، ولكن »صيرورة التواصل الأدبي«.

٤ - حكم منهجي:

لقد برز نموذجان كبيران للنظريات في هذا الملمح السريع والمبسط للتطور التاريخي لنظريات الأدب: النموذج المعياري والنموذج الوصفي، ولا يعني هذا أن النموذج الوصفي لا يكون خاضعاً لمعايير في افتراضاته النظرية، ولكن هذا يعني أن المقدمات النظرية الاساسية ذات النموذج المعياري تتضمن محمولات للحكم وان المحمولات ذات النموذج الوصفي لا تتضمن ذلك.

إن الافتراضات ذات النموذج المعياري، كما رأينا ذلك، هي افتراضات جمالية معيارية، وانها، هي نفسها، مبنية انطلاقاً من نظريات ميتافيزيقية معيارية. وأما الافتراضات ذات النموذج الوصفي، فهي، على العكس من ذلك، نظريات لسانية علمية تتخذ من علم المناهج الابيستيمولوجي التحليلي لنفسها بنية عليا.

فهل هذا يخبرنا شيئاً عن علمية مختلف النماذج النظرية؟ لننطلق من المسلمات الثلاث للابيستيمولوجيا التحليلية التي سبق ان أشرنا اليها: الطابع الواضح للبناء النظري، واللغة العلمية الدقيقة الى أقصى حد ممكن، والتحقق التجريبي من كل التأكيدات. ونلاحظ أن نظريات الأدب ذات الميل البنيوي واللساني فقط، هي التي تبدو علمية. فإذا أردنا أن نعمل على نحو دقيق، فيجب أن لا نسند المحمول »علمي« إلا الى النظريات التي تتحقق من كل التأكيدات المعطاة انطلاقاً من المقدمات النظرية فقط. والسبب ان هذه النظريات وحدها هي التي تمتلك مناهج كافية. وأما النظريات الأخرى ذات النماذج الوصفية، فإنها لا تضمن التأثير المطلوب من مناهجها. فلربما تشتمل علميتها على تصدعات. وللتخفيف من هذا الفصل القاسي جداً، يجب القيام بمقارنة بين مختلف درجات العلمية.

لا تستجيب النظريات ذات النموذج المعياري للشروط العلمية كما تطرحها الإبيستيمولوجيا التحليلية. فهل يجب من أجل هذا اتهامها بأنها أبنية غير عقلانية ومجردة من أي تبرير؟ أنا لا أعتقد أن هذا يعد ضرورة. فالنظريات المعيارية تأخذ على عاتقها وظائف تختلف عن وظائف النظريات الوصفية. وهكذا، فان بعض النظم الأدبية لم تتطور إلا على أسس النظريات المعيارية. ويتجلى ذلك مثلاً في النقد، وفي التاريخ، وفي الفن التعليمي للأدب، فلهذه النظم وظائف تداولية الى حد ما.

ولكننا لن نستنتج أيضاً ان كل نظرية معيارية تستطيع أن ترى نفسها مبررة. فالمسلمات التي تصلح لهذا النموذج من النظرية، تختلف عن تلك التي تعد أساساً للنظريات الوصفية والتي تم إنشاؤها بهدف علمي. وإنها لتشبه تلك المسلمات التي تصلح من أجل إنشاء المعايير عموماً؛ إننا نطالب بتوضيحاتها العقلانية. و»التوضيح العقلاني« لا يعني هنا تبريراً محتوماً، ولكن يعني بالأحرى حافزاً عقلانياً. ويعطي هذا الحافز، عندما نكون قادرين أن نقدم حججاً كافية وقابلة للفهم، وتناقشها مجموعة من الأفراد في عضر من العصور وتقبلها، وذلك لجعل المعيار معياراً مقبولاً.

إن النظريات المعيارية التي تعمل بهذه الطريقة إزاء كل معيار تكشف عنه، هي وحدها يمكن النظر إليها بوصفها مشروحة عقلانياً. وهكذا، فهي تستطيع ان تزعم بأنها معروفة تماماً، وأنها تشكل بوظائف المعايير التداولية الوجه المقابل للنظريات ذات النموذج العلمي المحض. وأما النظريات التي تتأفف من الشرح- كما هي الحال دائما تقريباً، للأسف، في النظريات التقليدية ذات النموذج المعياري- فهي فقط نظريات ذات طبيعة ايديولوجية وليس لها، في ذاتها، قيمة لا علمية ولا عقلانية. إنها مهمة على الأكثر، شأنها في ذلك شأن البيانات الممكنة لبعض رؤى العالم، والتي هي رؤى تاريخية مسبقاً.

٭ لقد استلت هذه الدراسة من كتاب لمجموعة من المؤلفين:

Theorie de La literature. Ed, A,et. Picard 1981, Paris.

مراجع حول موضوع البحث:

(ADORNO, Theodor W. 1974: Asthetische Theorie (((Theorie esthetiqye)),

(Frankfuri, 2 ed . (trad. Fr. Klincksieck, 1975

GARNAP, Rudolf, 1956: ((The Methodological Character

:(.In: H. Feigl/M. Scriven (ed of Theoretical Concepts)

Mennesota Studies in the Philosophy of Science

 I, Minneapolis, pp:38-76.

Wilhelm, 1914 a: ((Zur Grundlegung den Geisteswissenschaften, DILTHEY,

In: Gesammelte Schriften, vol. VLL, PP: 3 sqq.

 c: ((Der AUFbau der geschichtlichen Welt in

der Geisteswis- senschaften)), ibid, PP 79 sqq.

C: ((Die Typen der Weltanschauung)), in:

Gesammekte Schriften, vol. VILL, pp: 75- 118.

GOTTNER, Heide et Jacobs, Joachim, 1978L der logische

Aujban von Literalurtheotien, Munchen.

Ingarden, Roman, 1960: Das lilerarische kunstwerk, Tubingen, 2e ed.

JAKOBSON, Roman, 1963: Linguistique et poetique in: Essais

De linguistique generale Minuit pp 209- 248.

La structure grammaticale du poeme de Bertolt Brecht

Wir sind sie)) In: Questions de Poetique (Seuil) pp444-463.

KUHN. Thomas S. 1972: La structure des revolutions scientifiques

Flammarion .

LEVIN Smuel R. 1963: Deviation- Statistical and Determinater-

 In Poetic Language in: Lingua XII. Pp 276- 290.

 The Analysis of Comperssion in Poetry in:

 Foundations of Language 7 pp38-55.

 LUACS Georg. 1972 a : Literatursoziologie par P. Ludz

 Neuwied/ Darmstadt/ Berlin. 5 ed.

 b: Die Grablegung des alten Deutschland par E.

 Geassi. Hamburg. 3e ed.

 SNEED. Joseph D. 1971: The Logical Structure of

 Mathematical Physics (Reidel . Dordrecht.

 


تصميم الحاسب الشامل