|
|||||
|
ان الأعمال الإبداعية تقاوم الإرهاب باعتبارها أعمالا إبداعية، وكما أنها تقاوم انطلاقا من أدواتها أو تقنياتها المتفردة التي تنأى بها عن السقوط في الخطابات الإيديولوجية المباشرة. ولا يحول هذا التقدير الجمالي للإبداع دون مواجهة الناقد (المحدث) للإرهاب من خلال آليات القراءة في سعيها إلى استخلاص دلالات النصوص المتأصلة في أفق الإستنارة.
من نافلة القول التأكيد على جبهة النقد، أو الناقد، داخل خطاب جابر عصفور المتعدد الجبهات، وبالشكل الذي لا يفقد خطابه وحدته الـتي مردها إلى »النسق« المخصوص المنسرب في جبهات خطابه المتعددة، ذلك الناقد المشغول بالمقولات النظرية والمستندات التصورية وأساليب الكتابة الخالصة. إلا أن بداياته الأولى التي كشفت عن تحيزه لليسار منذ مفتتح السبعينيات، ثم طبيعة الأسئلة الحارقة للسياق الثقافي مع مفتتح التسعينيات... كل ذلك جعله يصرف مجمل خطابه إلى فكر الأنوار (العربي) والإنكباب بالتالي على نصوصه التأسيسية في نطاق مواجهة الإرهاب الكاسح. وهاجس التنوير الذي استأثر بخطابه جعله يقول في مقدمة كتابه »ضد التعصب: »وكم كنت أود أن أتوقف عن هذا النوع من الكتابة لأفرغ لقضايا النقد الأدبي الذي هو مجال تخصصي الأول والأخير« غير أنه سرعان ما يستدرك قائلا:»وكيف يمكن أخيرا، لناقد أدبي، من النقاد المحدثين، أن يذهب بعيدا في مناقشة التقنيات الخالصة للكتابة، وهو يشعر أن الحضور الإبداعي للكتابة نفسه مهدد بالاستئصال؟!«. إلا أن صاحب »أنوار العقل«، وإن في غمرة اهتمامه باستخلاص دلالات التنوير، لا يفارق »منطق« الناقد الذي يسند خطابه سواء داخل دائرة النقد الأدبي أو خارجها، وهو ما يتأكد بدءا من الأسلوب الذي يصوغ به خطابه التنويري. وليس من المصادفة في شيء أن يحتل الإبداع ذاته مكانا لافتا، ضمن خريطة التنوير، لدى جابر عصفور، وهذا ما يؤكده كتابه »مواجهة الإرهاب« (2003) الذي يتناول فيه - وبجرأة نادرة - الوضع الثقافي العربي من خلال قراءات نصوص أدبية عربية معاصرة تستجيب لدلالات الإبداع الموصول بأفق الإستنارة في نطاق دائرة المواجهة. ومن هذه الناحية فدور النقد لا يفارق ما عبر عنه عصفور في كتابه »أوراق ثقافية« بـ»العمل على استئصال الجذور الفكرية للإرهاب والتأويلات الدينية المغلوطة التي يعتمدها«(ص100). وقبل تناول طبيعة هذه القراءة، وخلفية الاستنارة التي تسندها في مواجهة الإرهاب، تتوجب الإشارة إلى حقل النقد (الأدبي) ذاته الذي صار بدوره مهددا من قبل »فكر الإظلام«. والنقد هنا باعتباره جزءا لا يتجزأ من الخطاب الثقافي في سعيه إلى توجيه التاريخ والمجتمع والإنسان. وفي هذا السياق يمكن الحديث عن »أسلمة الآداب« من قبل المجموعات الدينية المتطرفة، وكل ذلك بموازاة مع »النقد الإسلامي« الذي يحرص بدوره على تثبيت الأسلمة انطلاقا من كتب مستقلة أو مقالات متفرقة في نطاق ما يعرف بـ»الصحافة الإسلامية«. وهو ما كشف عن نفسه منذ فترة السبعينيات التي شهدت »تحولا جذريا« مس العديد من الأنساق الثقافية العربية. ذلك التحول الذي صار قرين تزايد وتائر الأسلمة التي أفضت إلى ما سيصطلح عليه بـ»نظرية الأدب الإسلامي« بكل لوازمها المرتبطة بـ»منظرين عقائديين« لا يقلون عن »اخوانهم« تطرفا في مجالاتهم المختلفة/الموحدة، خصوصا في المجال الديني. وقد التفت جابر عصفور إلى الموضوع، وإن عبر إشارات موجزة، منذ كتابه »هوامش على دفتر التنوير« الذي استهل به سلسلة كتبه حول التنوير. وقد وردت هذه الإشارات في أثناء الحديث عن »انتكاسة التنوير« التي جعلته يخلص إلى استحالة تحقق »الإنسانية الجديدة« التي كان يحلم بها فرح أنطون، واستحالة تحقق »مستقبل الثقافة« الذي كان يتطلع إليه طه حسين. إلا أن ذلك لم يمنع جابر عصفور من التشبث بالحلم والإلحاح عليه طالما أنه »جنين المستقبل وبداية النور الآتي من وراء النور«. وفي اثناء معالجته للموضوع سالف الذكر يشير الناقد إلى عشرات الكتب التي كتبت حول طه حسين منذ فترة السبعينيات، وأخذت بالتالي تنال منه باعتباره أحد أعمدة الإستنارة. وقد افتتح هذه الكتب أنوار الجندي بكتابه »طه حسين حياته وفكره في الميزان« (1976)، وسنتطرق إلى هذا الكتاب في الفصل المتعلق ب»قراءة طه حسين«. ويلخص جابر عصفور أن هذه الكتب تصاعدت بعد وفاة جمال عبدالناصر (سبتمبر 1970)، وبعد وفاة طه حسين نفسه (أكتوبر 1973)، وفي إطار من الوفاق بين مجموعات الإسلام السياسي والحقبة الساداتية(1970-1981)، وفي إطار النفوذ لما أطلق عليه فؤاد زكريا - ونقلا عن جابر عصفور نفسه - »البترو إسلام« أو »إسلام النفط«. وفي منظور هذه الكتابات، منظور »في ميزان الإسلام«، يختفي »المبدأ الطه حسيني« لفائدة مبدأ معكوس يغدو بموجبه صاحب »حديث الأربعاء« »رمزا شائها للعقلانية المبتدعة« و»الضلالة المصطنعة« و»العمالة للصليبيين من الفرنجة«. وفي ضوء ما حملته السبعينيات من هجوم حاد على طه حسين لن يبدو غريبا أن تكشف الثمانينيات عن انتشار رقعة الكتابات حول»نظرية الأدب الإسلامي« باعتبارها إحدى نتائج الهجمة على مبادىء العقلانية وقيم الحداثة. وفي هذا الصدد ستغزو كتب هذه النظرية الساحة النقدية والثقافية، ومن ثم ستظهر كتب كثيرة تعالج الموضوع أو أحد جوانبه. وفي هذا الإطار أخذنا نقرأ عناوين عديدة مثل »الأدب الإسلامي بين النظرية والتطبيق« لعلي صبح (1980) و»محاولة جديدة في النقد الإسلامي المعاصر« لعماد الدين خليل (1981) و»نحو أدب إسلامي في الأدب والنقد« لعبد الرحمن باشا (1981) و»في الأدب الإسلامي المعاصر« لمحمد حسن بريش (1982) و»الأدب الإسلامي، قصة وبناء« لسعد أبو الرضا(1983) و»الملامح العامة لنظرية الأدب الإسلامي« لعلي الطاهر محمد (1984) و»بين الإسلامية في الأدب والنقد« لأحمد بسام ساعي (1985) و»من قضايا الأدب الإسلامي« لصالح آدم بتلو (1985) و»مقدمة لنظرية الأدب الإسلامي« (1985) و»مذاهب الأدب الغربي -رؤية إسلامية« لعبد الباسط بدر (1985) و»آفاق الآداب الإسلامية« لنجيب الكيلاني (1985) و»نحو أدب إسلامي« لأسامة يوسف شهاب (1985) و»الظاهرة الجمالية في الإسلام« لصالح أحمد الشامي (1986) و»نحو أدب إسلامي حقيقي« لهاني فحص (1986) و»الإسلامية والمذاهب الأدبية« لنجيب الكيلاني (1987) و»النقد الأدبي المعاصر« لعماد الدين خليل(1987) و»الحداثة في ميزان الإسلام« لعوض بن محمد القرني (1987) و»خصائص القصة الإسلامية« لمامون فريز جرار (1987) و»شعراء وأدباء على منهج الأدب الإسلامي« لمحمد عادل الهاشمي (1987) و»الأدب الإسلامي ضرورة« لعبده زايد (١٩٩١) و»الملامح العامة لنظرية الأدب الإسلامي« لشلتاغ عبود (1992)... وغير ذلك من عشرات الكتب ومئات المقالات التي يصعب حصرها أو عدها، وهي كلها لا تحيد عن » نقد الأدب الإسلامي« و»نظرية الأدب الإسلامي«. وكل ذلك في المنظور الذي يباعد بين مؤلفي هذه الكتب و»الحداثيين« من »الملاحدة« و»الزنادقة« و»الشذاذ« بدءا من طه حسين وانتهاء بعبدالله الغذامي ومرورا بالذين يكتبون باللغة الأجنبية أمثال الطاهر بن جلون وسواه من »المتملقين للصليبية«. والإشكال هنا كامن في الوصل بين الأدب الذي له مجاله المخصوص والدين الذي له مجاله المخصوص أيضا، ذلك الوصل الذي تتدخل فيه »المصالح البشرية« و»المكاسب الدنيوية« مما لا يعطي صورة »نقية« عن المجالين معا. ويرتبط هذا الخلط بخلط أوسع يتصل بالدين والفكر الديني الذي هو إنتاج بشري؛ إلا أن هذا الخلط هو ما لا تقبل المجموعات الدينية المتطرفة بالإقرار به، بل تعده بالدين. ويشرح جابر عصفور هنا أن أصحاب مثل هذه الكتب سالفة الذكر لا يفصلون بين رأيهم والإسلام، أو بين تأويلهم ونصوص الدين، أو بين أغراضهم الشخصية ومقاصد الشريعة، بل يقومون بالتوحيد بين فهم الدين والدين نفسه، ويلغون المسافة بين تأويلاتهم والنصوص الدينية ذاتها، فإذا هم إياها، بالمعنى الذي يوقع كل من يخالفهم في هوة المعصية، ويحشره في زمرة الكافرين والجاحدين، إلا من عصمته المصلحة أو رعته المنافع المتبادلة. ويوجز ناقدنا ما سلف في نطاق ما ينعته بـ»تقنية استهلالية« يتكشف عنها »إرهاب منسرب فيها ومنسرب بها في آن، من حيث الثنائية الضدية التي تنطوي عليها، بين أعلى معصوم سلفا وأدنى مدان سلفا؛ ومن حيث إيقاع المعرفة اليقينية في جانب وحجبها عن الجانب الآخر؛ ومن حيث ما تقوم به من عملية تخييل، تسبق الرؤية وتلغي عملها (هوامش على دفتر التنوير، ص162). وكما يشرح صاحب »أنوار العقل« آليات»العملية التخييلية »من خلال كتاب »كلمتنا في الرد على أولاد حارتنا لنجيب محفوظ« الذي أصدره صاحبه عبد الحميد كشك من القاهرة بعد حصول نجيب محفوظ على جائزة نوبل للآداب عام 1988. ويتتبع ناقدنا »إرهاب العملية التخييلية« الناظمة للكتاب بدءا من عتبة العنوان بصيغته الجازمة ورسم صفحة الغلاف المسايرة له، مما يهيئ القارىء لكي يتقبل أحكام الكتاب وكأنها الحق الذي لايأتيه الباطل. ومن مجموع العلاقات - التي تصل ما بين العناصر سالفة الذكر- يتحدد »سقف الخطاب العقائدي« للكتاب، ولعل مثل هذا النفق ما جعل جابر عصفور - وهو يستحضر المناظرات التي شهدتها الثقافة العربية في مطالع القرن - يطرح الأسئلة التالية: »هل يمكن أن يدخل نجيب محفوظ، والأمر كذلك، في حوار مع أمثال كشك؟ وهل يمكن أن نمضي في المقارنة بين الحاضر الذي نعيش فيه من حيث العلاقة التي يتعارض بها نجيب محفوظ مع الشيخ كشك؟ والحداثيون مع عوض القرني...«. والجواب الذي يعقب- وفورا - فيوض الأسئلة هو التالي: »من المؤكد أن المقارنة ليست في صالح أيامنا. وهي إن دلت على شيء فإنما تدل على أننا ننتقل من عصر يبيح حق الاجتهاد لكل قادر عليه، إلى عصر ترهبه مجموعات سياسية، تطابق بين رأيها والدين«(ص168). إن ما سلف ذكره بخصوص »نظرية الأدب الإسلامي« لم يرد عند جابر عصفور إلا عرضا، طالما أن مركز الثقل - في الهوامش - هو ميراث التنوير الذي لا يتجاوز فترة الثلاثينيات إلا نادرا. والظاهر أنه لا يمكن التغافل عن هذه النظرية في نطاق رصد ما يتهدد فكر التنوير (المتواصل) من قبل »المكفراتية« في سعيها إلى أسلمة العصر ككل، تلك الأسلمة التي تسعى إلى استئصال كل ما يمت بصلة إلى العقل باعتباره مصدر المعرفة الإنسانية المختلفة. وتقع النظرية في »استراتيجية« المجموعات الدينية التي تتصور أن التركيز لا ينبغي أن يقتصر على الخطابات التقليدية المباشرة مثل الخطاب التربوي والخطاب السياسي... بل لا بد من التركيز على الخطاب الأدبي أيضا. فالأدب بدوره يعد إحدى قنوات الدعوة والتغيير بسبب من اتصاله الوطيد بالميدان الفكري والثقافي عامة. ذلك هو »أدب الدعوة الإسلامية« الذي ليس أدبا جماليا محضا« أو »أداة تسلية« أو »أداة ترويح عن النفس« أو»زخرف القول وجمال الصورة«...إلخ. فهذه الأوصاف هي بمثابة وهاد يفارقها أدب الدعوة نحو ذرى »التعبير الهادف السليم« عن »الحياة والكون والإسلام« ونحو أداء »رسالة الإيمان والتوحيد«، الرسالة التي لا يتوانى »المنظرون العقائديون« عن النظر إليها باعتبارها »رسالة سامية، إنسانية، إسلامية عالمية«. وذلك، أيضا، هو »أدب الله« الذي يتقوم على »الإسلام« أو - باصطلاح سيد قطب - »التصور الإسلامي«. الأدب الذي مصدره »الأدباء الشرفاء« أو »الأديب المؤمن« الساعي إلى »بناء الشخصية الإسلامية«، بل و»بناء الحضارة الإيمانية«. وليس من المصادفة في شيء أن يوازي الأدب الإسلامي نقد يغدو - و بسبب من آليات المطابقة ذاتها - معلولا لصلة الأدب الإسلامي، وبمثابة مظهر من مظاهر الثقافة الإسلامية طالما أنه لا يحيد عن دائرة تأكيد » الرسالة« السابقة وعن »التأسيس العقائدي« لها انطلاقا من مفاهيم إسلامية يقع في مقدمتها ما عبر عنه سيد قطب - الذي سلفت الإشارة إليه قبل قليل - في كتابه »معالم في الطريق« - و في أثناء حديثه عن غياب الأمة المسلمة- بـ»الشهود«(ص٨). وهو الشهود الذي سيغدو، في ضوء التنظير العقائدي، »شهودا حضاريا«. ومن ثم تتحدد »معالم الأدب الإسلامي« الذي لا يتوانى »المنظرون العقائديون« عن نعته بـ»الأدب الحقيقي« تمييزا له عن الأدب غير الحقيقي أو »الأدب الزائف«. ويمكن لنا أن نتساءل هنا: متى كان هناك أدب حقيقي وأدب غير حقيقي عدا داخل دائرة »التأويل الحدي« أو »الأحادي«. ولعل الملتقى الدولي الأول للأدب الإسلامي - وعلى سبيل التمثيل فقط - الذي نظمته كلية الآداب والعلوم الإنسانية بمدينة وجدة (شرق المغرب) ورابطة الأدب الإسلامي العالمية بالهند تحت عنوان »رسالة الأدب والشهود الحضاري« في سبتمبر 1994، وقد جمعت مداخلاته في كتاب ظهر بعد أربع سنوات تحت عنوان الندوة، كتاب جدير باستجلاء الدلالات المتناغمة لـ»نظرية الأدب الإسلامي« في إصراره على المطابقة بين الهوية والفكر الديني وعلى رسم الوجود الإسلامي انطلاقا من التصور الإسلامي وليس العكس، وفي ذلك يقع اجثثات الأدب من »داخله« نتيجة سلبه »هويته الوجودية« و»وظيفته الذاتية« التي هي قرينة عناصر »التشكيل« النوعية داخله؟ أجل إن الإرهاصات الأولى لـ»النقد الإسلامي« يمكن أن نعثر عليها ضمن ما يعرف بدائرة »التفسير الأدبي للقرآن« على نحو ما نجد في إنتاجات سيد قطب (1906-1966) مثل »التصوير الفني في القرآن« (1945) و»مشاهد القيامة في القرآن« (1949)، ثم في كتاب شقيقه محمد قطب »منهج الفن الإسلامي« (1961)، وربما توجبت الإشارة إلى محاولات سابقة على هذه الأعمال وهي ذات صلة بالتفسير ذاته كما نجد عند الشيخ محمد عبده(1849-1905) والشيخ أمين الخولي (1895-1966). وغاية القول هنا أن بعض الكتابات، التي أخذت تدعي الانتساب إلى الثقافة العربية الأصيلة، جديرة بأن تستجلي البون الشاسع بينها وبين ما نشره سيد قطب نفسه في مرحلته الأولى التي تعرف بـ»المرحلة الأدبية« أو»الإسلاميات الفنية« (1930-1950)، بل ربما توجبت الإشارة إلى انغلاق الكتابات السابقة داخل المرحلة الأخيرة من حياة سيد قطب التي عرفت بـ»المرحلة السياسية« أو»الإسلاميات الحركية الهادفة« (1963-1966). وإذا أخذنا بالتمييز سالف الذكر الذي يقيمه يوسف العظم في كتابه »الشهيد سيد قطب حياته ومدرسته وآثاره« (1980) فإن المرحلة الأخيرة تغدو هي المركز والأساس خصوصا من ناحية مفهوم »الجاهلية« التي تطغى على سطحها الإيديولوجي. وليس من الغريب في شيء أن يحول هذا المفهوم دون تتبع مستويات »المجاز« و»الجمال« و»التصوير« في النصوص بما في ذلك النص القرآني الذي يعد نص العربية الأكبر. فالأدب هنا يغدو قرين »مضامينه« و»أدواره« التي لا تفارق دوائر التبشير بـ»الدعوة« و»التغيير« التي تتعارض- وبالضرورة - مع الأساس المعرفي/الأنطولوجي للأدب. ولعل ذلك ما يستلزم نقدا جذريا لمثل هذه الكتابات التي تدعي الانتساب إلى »الإسلام«. والنقد الجريء لـ»نظرية الأدب الإسلامي« هو ما سنطلع عليه في كتاب »نقد المركزية العقائدية في نظرية الأدب الإسلامي« للناقد والباحث المغربي سعيد علوش والصادر من العاصمة المغربية (الرباط) عام ٢٠٠٢. وأهمية الكتاب نابعة من إقدام صاحبه على معالجة موضوع يدخل في نطاق ما يعبر عنه البعض بـ»المناظرة الدينية التقليدية« ذات النتائج المحسومة لفائدة المجموعات الدينية المتطرفة، مما يجعلهم يتحاشون ولوج مثل هذه المناظرات أوبالأحرى الاقتراب من إحدى دوائرها. وأهمية الكتاب، كذلك، ليست نابعة من النقد الجذري الموجه للآليات »المركزية العقائدية« فحسب، وإنما من طابعه البيبليوغرافي التقريبي (كما ينعته صاحبه والذي أفدنا منه سابقا) وجرده لبعض الأنطولوجيات والمؤتمرات ذات الصلة بـ»نظرية الأدب الإسلامي« التي راجت خلال العقدين الأخيرين (1980-2000) اللذين يعدان »عقدي المركزية». ولعل الفقرة التي افتتح بها سعيد علوش الكتاب جديرة بأن تضعنا أمام »معالم«النظرية، يقول: »إن ما اعتبره تاريخ الأفكار بالأمس القريب مجرد أطروحة ثقافية خجولة، تمرد هوامش على مركزيتها، في الثقافة العربية، هو ما أعلن عن نفسه عقائدية مركزية اليوم، في ما تطلق عليه الصحوة الدينية: (نظرية الأدب الإسلامي)، لاستبعاد ما تنعته بـ:(جاهلية القرن العشرين) في الأدب العربي المعاصر«. وسيكون من باب تحصيل الحاصل الإشارة إلى اندراج مقولة »جاهلية« (جاهلية القرن العشرين) ضمن كتاب سيد قطب »معالم في الطريق« (1964)الذي يعد آخر وأخطر ما كتبه سيد قطب في العقيدة والفكر والتنظيم والبناء، كتاب اعتبر في أثناء فترة صدوره »كتاب الساعة« بين آلاف الكتب التي أصدرتها دور النشر وقدمتها المطابع في العصر الحديث (يوسف العظم، ص192). وتحتل مقولة »الجاهلية« مكانة بارزة إلى جانب »الحاكمية« و»الجماعة« والمنهج« وغيرها من المقولات التي أكسبت خطاب سيد قطب طابع »الأسلمة الراديكالية« في نطاق ما ينعته محمد حافظ دياب في كتابه »سيد قطب- الخطاب والإيديولوجبا« بـ»طوبوغرافيا الخطاب السياسي المصري المتشكل- وقتذاك- من الخطاب الليبرالي والخطاب القومي والخطاب الناصري والخطاب الإسلامي. وفي جميع الأحوال فإننا لسنا هنا بصدد تحليل خطاب سيد قطب في مستوياته الإيديولوجية وآلياته التخييلية، إلا أن ذلك لا يحول دون التوقف عند مقولة »الجاهلية« خصوصا من حيث صلتها بالمستويات التي تفضي إلى مكانة الأدب داخل الخطاب الإسلاموي. وليس هناك ما هو أبلغ من هذا النص الذي يقول فيه سيد قطب نفسه: »نحن اليوم في جاهلية كالجاهلية التي عاصرها الإسلام أو أظلم. كل ما حولنا جاهلية.. تصورات الناس وعقائدهم، عاداتهم وتقاليدهم، موارد ثقافتهم، فنونهم وآدابهم، شرائعهم وقوانينهم. حتى الكثير مما نحسبه ثقافة إسلامية، ومراجع إسلامية، وفلسفة إسلامية، وتفكيرا إسلاميا...هو كذلك من صنع هذه الجاهلية« (معالم في الطريق،ص21). ومن ثم فإن »الجاهلية ليست فترة من الزمان، إنما هي حالة من الحالات التي تتكرر كلما انحرف المجتمع عن نهج الإسلام، في الماضي والحاضر والمستقبل على السواء« (ص182). ومن ثم، كذلك، فإن »المجتمع الإسلامي« هو المجتمع الذي يطبق فيه الإسلام... عقيدة وعبادة، وشريعة ونظاما، وخلقا وسلوكا... أما »المجتمع الجاهلي« فلا يطبق فيه الإسلام، ولا تحكمه عقيدته وتصوراته، وقيمه وموازينه، ونظامه، وخلقه وسلوكه (ص116). وفي ضوء التقابل بين الإسلام والجاهلية، أو المجتمع الإسلامي والمجتمع الجاهلي، يفهم التقابل الضدي بين الأدب الإسلامي والأدب الجاهلي. الأدب الذي يستند إلى »الثقافة الإسلامية« القائمة على - ما يسميه سيد قطب - »قواعد التصور الإسلامي«، والأدب الذي يتعارض مع هذه القواعد سواء كان هذا الأدب قبل الإسلام أو بعده وفي أرض الاسلام أو خارجها. ومن الجلي أن يمثل سيد قطب البدايات الأولى لـ»التصور الإسلامي« للأدب التي ستتواصل مع الأجيال اللاحقة التي سلفت الإشارة إلى بعض أسمائها. ذلك التصور الذي ترتبت عنه مصادرة أعمال فكرية وفنية كثيرة، و»تكفير« مفكرين وأدباء بل والاعتداء عليهم واغتيالهم... وحصل كل ذلك باسم الدين لا باسم »نمط تأويلي« له. وسنعرض للموضوع ببعض التفصيل في الفصل المتعلق بـ»تنوير النص الديني« الذي سنركز فيه على المفكر المصري المستنير نصر حامد أبو زيد وما لحق بأعماله من »تشويه« بلغ حد تهديده في حياته وإجباره على الرحيل إلى خارج بلده. وحتى نبقى في نطاق موضوع »نظرية الأدب الإسلامي« فثمة أسئلة عديدة تطرحها هذه النظرية في مقدمتها سؤال عن مدى أهمية الإقدام على دراستها وتمحيصها والكشف عن أبنية خطابها وآلياتها الاستدلالية وعلى افتراض أنها تنطوي على آليات من هذا النوع أم أن »التصور الإسلامي« يستبق الآليات والبنيات ويكيفها بالتالي مع الأهداف المتوخاة من النظرية/ الأدب ضمن »أولويات الحركات الإسلامية« إذا جاز أن نوظف عنوان أحد كتب الداعية يوسف القرضاوي. وفي هذا الصدد يمكن أن نستحضر التساؤل الذي أبداه سعيد علوش في نص مقدمة كتابه حول »الداعي إلى تخصيص كتاب كامل لعمل ناقص أصلا؟ لأنه - في نظره - لا أحد من »منظري« الأدب الإسلامي استطاع تقديم بناء معرفي قويم أو رؤية تستقيم فلسفيا. ثمة فساد أداة ومنهج »نظرية الأدب الإسلامي«، بل إن صاحب الكتاب لا يتوانى عن الإشارة إلى ما ينعته بـ»خرافات التأسيس« ل»نظرية الأدب الإسلامي«. إضافة إلى أن الأعمال المتصلة بالنظرية هي أعمال »ترويجية« تقف وراءها مؤسسات تدعمها وتوسع دائرة انتشارها. فقد ترتب عن العقائدية، في منحاها العام، »أدب عقائدي« يغلب المضمون... في مقابل »أدب خاص« يغلب الشكل والفن، وينظر إلى الأدب في »ذاتيته«. وفي ضوء هذا التقابل يتحدد »الجهاد« أو »الإسلام المحارب«، الإسلام الذي يحارب في واجهة الأدب أيضا. وفي هذا الإطار تتم - بلغة سعيد - »الهرولة في جميع الاتجاهات«(ص228) حيث »الواقعية الإسلامية« و»علم الجمال الإسلامي« و»المسرح الإسلامي« و»الإلتزام الإسلامي« و»الأدب الإسلامي المقارن«...وكل ذلك وفق»المنهج المعياري« و»تجميل العقيدة بالأدب«. ومن ثم يضيع » التنظير« أو »التنظيرية« التي تضاد »العقائدية«، لأن أغلب »منظري« الأدب يعتقدون أولا ثم يستدلون فيما بعد (ص29). وبموازاة »المركزية العقائدية«، التي تنسرب في »نظرية الأدب الإسلامي«، ثمة مركزية من نوع آخر هي قرينة »الانغلاق« أو »تجاهل« جميع الكتابات المتصلة ب»نظرية الأدب« في أساسها المعرفي وسندها الإبستيمولوجي، خصوصا تلك التي تعد بمثابة مراجع في مجال » التنظير«. هذا بالإضافة الى عدم استشعار صعوبة »التنظير« من قبل المنظرين العقائديين بسبب من عدم اكتراثهم بالأساس الإبستيمولوجي للتنظير. وفي السياق نفسه ليس من الغريب أن يتوقف الباحث المغربي عند كتاب عائض القرني »الحداثة في ميزان الإسلام« (1988) الذي هو جدير باستجلاء معالم النظرية وطرائق استدلالها وأشكال تدبرها لـ»دلالات« الأدب الإسلامي في مقابل الأدب غير الإسلامي، إضافة إلى المؤسسة الداعمة للكتاب/النظرية كما يتأكد من خلال تقديم »الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد في المملكة العربية السعودية«، وفيما يقدم »رؤية شبه رسمية لموقف السلطة العقائدية« ل»فضيلة الشيخ عائض بن محمد القرني« كما يصفه التقديم. وفي هذا الكتاب - كما يقول سعيد علوش - يصفي القرني حسابه مع الأسلاف الكبار من الشرق والغرب. وليس من المصادفة أن يتوقف سعيد علوش عند الفكرة ذاتها التي أثارت جابر عصفور نفسه وأثبتها في كتابه »هوامش على دفتر التنوير« (ص160)، تلك الفكرة التي تغدو الحداثة بموجبها مجرد »نبات الحي اللاتيني في باريس، أو أزقة سوهو في لندن، عليها شعار الشاذين من أدباء الغرب الذين لا يكتبون أفكارهم إلا في أحضان المومسات أو تمثال ماركس«. وعلى مستوى آخرلا يخفى أن مفردة »الإرهاب« أخذت، في مفتتح الألفية الثالثة، وخصوصا بعد أحداث الحادي عشر سبتمبر 2001 التي هزت الولايات المتحدة الأمريكية أكبر قوة في العالم والتي هزت »حرمتها« التي لم تهتز منذ 1821، معنى مغايرا يساير المعجم الأمريكي في سعيه فرص إلى معانيه التي لا تفارق منطق »القوة التواصلية« التي تؤكدها القوة الإقتصادية والعسكرية. ولعل هذا ما جعل اللساني المغربي عبد القادر الفاسي الفهري يقول في كتابه »اللغة والبيئة«: »...فلك أن تتحدث ما شئت عن »الشهداء« أو »المقاومين«، فإن اللغة تفرض مصطلح »إرهابي«، وتتبعها فيه كثير من لغات العالم. المعاجم صارت أمريكية وإن كانت ألفاظها عربية، فرنسية أو حتى إنجليزية« (ص97). إلا أن ما تجدر الإشارة إليه هنا أن الإرهاب واقع قائم في التاريخ العربي الإسلامي على مر العصور، كما تؤكد ذلك دراسات كثيرة عنيت بالموضوع، أو بما يتصل به من تعصب فكري أو عنف ديني. ومن هذه الناحية فقد ظل الأدب العربي - موضوع هذا الفصل - في كل عصوره، ولا يزال، يواجه أشكال القمع المقترنة بالإرهاب، سواء في أسبابه أو في جمعها كما يقول جابر عصفور. وفي هذا السياق عالج جابر عصفور الموضوع على صعيد التراث العربي، في دراسة لافتة تحت عنوان لافت »بلاغة المقموعين« (1992) عرض فيه لمظاهر الوعي النقدي والبلاغي بالقمع وفي موازاة ذلك »تجلياته الكتابية« في التراث نفسه، وكل ذلك في المنظور الذي قاده إلى تبيان تعدد أسباب ميراث القمع الإجتماعية والسياسية والدينية وتبيان أشكال المقاومة بالحيلة والأمثولة والتورية والتخييل والتمثيل الكنائي والمراوغة باللغة الأيسوبية. وحتى إن لم يكن الناقد قد خصص موضوعا مستقلا لموضوع »بلاغة المقموعين« فإن كتاباته المتفرقة وإشاراته المتعددة كفيلة بتأكيد ثقل الموضوع داخل مشروعه النقدي والفكري. وفيما يتعلق بالإرهاب، أو بالأدق مواجهة الإرهاب، وانطلاقا من دائرة الأدب العربي المعاصر، فقد خص الناقد له كتابا مستقلا تحت عنوان مركزي »مواجهة الإرهاب« (وقد سلفت الإشارة إليه من قبل ) وعنوان ثان فرعي »قراءات في الأدب العربي المعاصر(2003). والكتاب في الأصل مجموعة من المقالات نشر أغلبها في عموده الأسبوعي بجريدة »الحياة« اللندنية ما بين 1994-2001. ومن الجلي أن يشير الناقد، في مفتتح الكتاب، إلى أن الإرهاب يتصل - زورا وبهتانا - بالدين الحنيف، الإرهاب الذي تصاعدت وتائره بشكل متسارع منذ السبعينيات الساداتية من قبل بعض المجوعات الدينية المتطرفة الموازية للدولة أو التي انقلبت عليها حين رفعت شعار الدولة الدينية. وقد نتج عن ذلك - كما يشرح جابر عصفور - عنف لاهب بدأته، في السبعينيات ذاتها، جماعة »الفتية العسكرية« (شباب محمد) سنة 1974، ومضت فيه جماعة »التكفير والهجرة« سنة 1977، وأكملته »الجهاد« التي أعيد بناؤها التنظيمي سنة 1979 لتقوم بعملية اغتيال السادات (1981) التي كانت أخطر عملية عنف سياسي شهدها تاريخ مصر الحديث. وبعد ذلك تواصلت عمليات الاغتيالات التي بلغت ذرونها مع اغتيال المفكر العلماني فرج فودة في عام 1992، ثم نجيب محفوظ الذي نجا بأعجوبة من محاولة اغتيال في عام 1994. هذا بالإضافة إلى موجات تكفير المفكرين والأدباء والفنانين، ومصادرة أعمالهم ومنعها من التداول. ويصل جابر عصفور بين القمع والتعصب، إذ لا فرق بينهما. فالقمع قهر وإذلال وإجبار، والإرهاب تخويف وترويع وتفزيع، وكلاهما يلتقي في دلالات ممارسة العنف. فكل فعل من أفعال القمع ممارسة الإرهاب، والعكس صحيح بالقدر نفسه. وأن القمع الفكري كالإرهاب الفكري له وجهان: وجه أول متصل بالدولة المستبدة التي تفرض الإجماع والإذعان بالقوة، ووجه ثان متصل بممارسة الأفراد أو الجماعات الموازية للدولة أو المنفصلة أو المستقلة عنها في الأهداف والغايات (ضد التعصب، ص13). وفي السياق نفسه يصل ما بين التعصب والقمع وعلى نحو يفضي به إلى استكشاف العلاقة القائمة بينهما (علاقة السبب بالنتيجة) وبالقدر نفسه استكشاف التلازم بين مجالاتهما. ويتصور صاحب الكتاب أن دور الأدب وازن على مستوى مواجهة الإرهاب العاصف. وتتحدد المواجهة عن طريق الكشف عن آليات الإرهاب ودوافعه، وعن طريق وضع شخصيات الإرهابيين وأفعال عنفهم الوحشي في مرايا الإبداع. وفي هذا الصدد يعرض لمضامين المواجهة المتمثلة في معالجة تنويعات المثقف التقليدي المعادي للتحديث والتغير والتطور، مرورا برجل الدين المتعصب المتحالف مع سلطات الإستبداد ورموز الظلم الإجتماعي والسياسي، وانتهاء بنموذج المثقف الأصولي الذي انقلب إلى إرهابي في تداعيات الأحداث والتحولات. وعلى ذكر المعالجة سالفة الذكر تتوجب الإشارة - التي لا تفوت نباهة ناقد في حجم جابر عصفور - إلى أن الأعمال الإبداعية تقاوم الإرهاب باعتبارها أعمالا إبداعية، وكما أنها تقاوم انطلاقا من أدواتها أو تقنياتها المتفردة التي تنأى بها عن السقوط في الخطابات الإيديولوجية المباشرة. ولا يحول هذا التقدير الجمالي للإبداع دون مواجهة الناقد (المحدث) للإرهاب من خلال آليات القراءة في سعيها إلى استخلاص دلالات النصوص المتأصلة في أفق الإستنارة. وعلى مستوى آخر يشدد الناقد على قلة المكتوب أدبيا بوجه عام في مواجهة الإرهاب الديني، بالقياس إلى المكتوب عن أشكال الإرهاب المدني والعسكري والمجتمعي. وكما يلاحظ أن الكتابة عن الإرهاب الديني، داخل الدائرة الأدبية دائما، ظلت أقل - كميا وكيفيا - عن الكتابة التي واجهت الأشكال المدنية من الإرهاب السياسي والفكري، إضافة إلى أشكال التخلف الاجتماعي أو القمع الاجتماعي. وتتصل هذه القلة بمستوى الظاهرة التي تفرض نفسها على المساءلة، خصوصا في سياقنا التاريخي الذي تزايدت فيه ضغوط المجموعات الدينية الأصولية منذ مطالع السبعينيات سواء في مصر أو في غيرها من الأقطار العربية. وتنطوي الظاهرة على أبعاد لا تتصل بالمستوى الظاهر من العملية الأدبية أو الإبداعية التي تلتصق بتجليات هذا البطل أو ذاك وفي هذه الرواية أو تلك، وإنما تتصل بـ»البنية العميقة« للثقافة العربية المعاصرة ومكانة الأدب داخلها ومدى إسهامه على مستوى »التغيير«. ومن ثم تماس البطل والمثقف كما يعرض لذلك ناقدنا في الفصل الأول (المدخل النظري) من الكتاب المعنون بـ»من المثقف التقليدي إلى المثقف الديني« الذي يكشف فيه عن تصوره للأدب عموما والرواية خصوصا. وفي هذا الصدد يكشف عن انحيازه إلى النوع الروائي بالقياس إلى الأنواع الأدبية والفنية ذات الصلة بالإبداع في مواجهة الإرهاب. وفيما يتعلق بتصوره - وإن في منحاه التطبيقي الغالب- فقد سبق له أن صاغه في كتابه »زمن الرواية« الذي سبق ظهور »مواجهة الإرهاب« بأربع سنوات (أي عام 1999-). ومن ثم ليس غريبا أن يصل تشكل الرواية العربية بتشكل »الوعي المدني« للمدينة العربية الحديثة التي لا تزال تسعى إلى التخلص من بقايا التخلف على كل المستويات، وكل ذلك في المنظور الذي يفضي بناقدنا - وبلغة الناقد المجري جورج لوكاش - إلى وصل »الملحمة الكبرى« للرواية العربية بـ»ملحمة التغيير« في أبعاده المختلفة، إضافة إلى الصراع بين القديم والجديد الذي يظل ثيمة مهيمنة داخل ملحمة التغيير. وإذا كان الأنثروبولوجي كلود ليفي ستراوس يتصور أن الثقافة توجد خلفنا وأمامنا فإن جابر عصفور يقول ان المثقفين التقليديين يحيطون بنا من كل حدب وصوب (ص42). وكل ذلك في السياق الذي يفيد - بمفاهيم غرامشي التي يوظفها الناقد - أن كل طبقة اجتماعية تخلق لنفسها مجموعة من المثقفين، ووظيفة هذه المجموعة إشاعة الوعي الطبقي للجماعة وتأكيد هيمنتها الخاصة. وليس غريبا أن يفيد الناقد هنا من آراء المفكر الإيطالي غرامشي (1885-1973) الذي جدد في النسق الماركسي خصوصا من ناحية مفهوم المثقف الذي مال إليه المثقفون العرب بعد هزيمة العام السابع والستين التي لا تزال مستمرة إلى الآن كما يقول غالي شكري في كتابه »الخروج على النص« (ص82). وتجدر الإشارة هنا إلى أن الأمر يتعلق بـ»المثقف المحدث« في مقابل »المثقف التقليدي« الذي يستند إلى إطار مرجعي ثابت أو بالأحرى »أطر مرجعية ثابتة« كما يضيف غالي شكري في كتابه سالف الذكر(ص163). وهذا الإطار المرجعي الثابت هو الذي يجعل المثقف التقليدي (المرادف للإرهابي أو المتطرف الديني) متسلحا بتأويل اعتقادي يرفض التقدم ويعاديه، مما يجعله نقيضا للمثقف المحدث في سعيه إلى التقدم. وعلى هذا المستوى يلاحظ الناقد انحياز الرواية العربية إلى البطل المحدث أو المثقف المحدث. وإذا ما عالجت الرواية النماذج البشرية للمثقف التقليدي، كما يستدرك الناقد، فإنها تستند إلى منظور معالجتها للنماذج المنحازة للجديد. والنتيجة هي - بلغة عصفور- »شحوب ملامح نموذج المثقف التقليدي«. ومن الجلي أن الانحياز سالف الذكر مصدره المثقف المحدث ذاته الذي هو الصانع والمبدع الأساسي في كتابة الرواية، إضافة إلى أن هذه الأخيرة ظلت- منذ البداية - فن المدينة المحدث ومثقفها المحدث على السواء. ثم إن »الشحوب« سالف الذكر لا يتصل بالكتابة الروائية فحسب، أو النقد الموازي لها، وإنما بما هو أوسع، بالفكر العربي ككل أو بما ينعته جابر عصفور ب»العقل العربي المحدث« الذي يقول عنه في نص خاتمة الكتاب بأنه: »ظل مشغولا باجتلاء صورته، باحثا عن أشباهه بالدرجة الأولى، غير منشغل بالقدر نفسه بنقائضه التي تتجلى في نماذج لم تنل من الدرس والتفكيك الواعي للمكونات ما يتناسب وحضورها المقاوم لحضور هذا العقل المحدث. ولذلك ظل نموذج المتطرف الديني، أو الإرهابي، بوصفه نموذجا للحد الأقصى الذي يمكن أن يصل إليه المثقف التقليدي المعمم، بعيدا عن بؤرة التأمل الذي يغوص عميقا في الشخصية التي ينطوي عليها النموذج، والوعي الذي يتجسد به«. وهذا ما يفسر ندرة الدراسات النقدية للخطاب الديني وندرة المساءلة الجذرية للفكر الديني ولو في بعض مشاريع »نقد العقل العربي«. وعلى هذا المستوى لا تزال الأعمال التأسيسية والإشكالية لمثل هذا النقد لصيقة بأسماء محدودة كمحمد أركون ونصر حامد أبو زيد وأودنيس. وقد تأكد انحياز الرواية العربية الحديثة للمثقف المحدث، في نظر صاحب »أنوار العقل«، منذ جيل الرواد (طه حسين، العقاد، المازني، توفيق الحكيم)، وذلك من خلال ما يعرف بـ»الرواية الشخصية« التي تحولت إلى نوع من أنواع السيرة الذاتية، وفي المنظور الذي أخد يفصح عن تزايد الهوة بين البطل المحدث ومجتمعه المتخلف في علاقات القص. وتواصل الانحياز نفسه في إنتاج الجيل الطالع مع بدايات الحرب العالمية الثانية وعلى نحو أخذ يكشف عن اتساع عوالم البطل وتنوعه. ويقف نجيب محفوظ - في نظر عصفور - في الصدارة بتركيزه على شخصية »المثقف المحدث الوسطي«. وقد تواصلت تنويعات المثقف المحدث، خصوصا المثقف المحدث المسجون الكاشف عن التعارض الجذري القائم بينه وبين الدولة التسلطية، وكل ذلك في إطار ما يعرف ب»أدب السجون« أو بتعبير جابر عصفور »اتجاه تعرية الأجهزة القمعية للدولة التسلطية«. إن ما سلف ذكره جدير بأن يكشف عن تحيز ناقدنا إلى النوع الروائي الذي يفرضه سياق التحولات التاريخية والإجتماعية، إلا أن ذلك لا يحول دون انفتاح الرواية على أنواع أخرى يقع في مقدمها فن السينما والمسلسل الدرامي التلفزيوني والمسرح و القصة وغيرها من إبداعات »المرايا« التي تؤدي - في نظره - »دورا مزدوجا« (ص28). ولذلك فإن جابر عصفور، وفي غمرة تفرغه للتنوير، خصص كتابين مستقلين للشعر:»استعادة الماضي«(2001) و»ذاكرة للشعر«(٢٠٠٢).وعلى الرغم من انخراط بعض الشعراء في مواجهة الإرهاب فان الناقد يستبعد الشعر عن دائرة المواجهة. ويرجع ذلك إلى الفعل الإبداعي للمقاومة الشعرية الذي يظل محدودا مقارنة بالأنواع السابقة، علاوة على دوائر تلقي الشعر التي تظل بدورها محدودة مقارنة بالرواية خصوصا في صلة هذه الأخيرة بشاشتي السينما والتلفزيون مما يجعل دوائر تلقيها أوسع بكثير من دوائر تلقي الشعر المحدودة. هذا بالإضافة إلى ما ينعته جابر عصفور بـ»الكتابة المؤداة« على شاشات السينما والتلفزيون التي تومىء بدورها إلى مجال اتساع تداول الرواية. ومن ثم فإن بعض الأفلام مثل »الإرهابي« الذي عرض لأول مرة في الثاني عشر من مارس 1994 واتخذ من جريمة اغتيال المفكر العلماني فرج فودة منطلقا للدراما، ومسلسلات مثل مسلسلات أسامة أنور عكاشة ووحيد حامد وبعدهما محمد جلال...كلها كان لها تأثير واسع نتيجة اتصال التلفزيون بملايين الناس. ولسنا في حاجة الآن - وفي ضوء ما سلف - إلى التأكيد على صيغة »زمن الرواية« التي كان جابر عصفور أحد النقاد البارزين الذين عملوا - وعلى أساس من مجمل التبدلات الأدبية والثقافية التي أومأنا إليها من قبل - على تكريسها داخل الخطاب النقدي العربي المعاصر سواء من خلال كتابه »زمن الرواية« الذي ضم مقالاته التي نشرها في جريدة »الحياة« اللندنية على مدار التسعينيات أو من خلال الملف الذي كرسه لها - تحت الصيغة ذاتها (أي زمن الرواية) - في مجلة »فصول« القاهرية ( المجلد الحادي عشر، العدد الرابع، شتاء 1993) حين كان يرأس تحريرها. ولعل هذا ما يدخل في نطاق » النقد الحداثي« في سعيه إلى الإستجابة إلى آفاق العصر ومبادىء الإستنارة. ومن ثم ليس من المصادفة أن تهيمن الرواية - رغم ندرة تعاطيها لنموذج المتطرف الديني - داخل القراءات الناظمة لكتاب »مواجهة الإرهاب« المغاير حقا لكتب عديدة تعنى بدراسة الرواية، خصوصا تلك القراءات التي تتكشف عنها النزعة المنهجية الغالبة في أحيان وأحيان كثيرة. فكتاب جابر عصفور أوثق صلة بسياقات الحاضر وأسئلته اللاهبة. وفي هذا الإطار يدرس راية »الزلزال« للطاهر وطار (1974) وقصة »اقتلها« ليوسف إدريس (1981) ورواية »المهدي« لعبد الحكيم قاسم ورواية »الأفيال« لـفتحي غانم (1981)، بل ويخصص لكل واحدة منها حيزا كبيرا مقارنة مع رواية »الشمعة والدهاليز« للطاهر وطار نفسه (1995) التي خصص لها حيزا صغيرا في المحور الأخير الذي عنونه بـ»بين السينما والمسرح والرواية«. وفي السياق نفسه لا ينبغي أن نتغافل عن إشاراته المتكررة إلى روايات أخرى التي تصب في دائرة »مواجهة الإرهاب«، خصوصا روايات العملاق نجيب محفوظ مثل »المرايا«(1972) التي كرسها لسيد قطب و»التنظيم السري« (1984) و»يوم قتل الزعيم« (1985) و»صباح الورد« (1985). ولا يبدو غريبا، كذلك، أن تتفاوت النصوص السابقة على مستوى مواجهة الإرهاب وعلى النحو الذي تتكشف عنه نظرة جابر عصفور الهيراركلية التي بموجبها يميل إلى رواية »الزلزال« والتي يرى في نص الخاتمة أنها »تظل رواية علامة، لا توازيها[...] رواية مماثلة في الهدف أو مشابهة في المنظور أو مقاربة في دائرة الرؤية« ويضيف أنها لا تزال »الرواية العربية الوحيدة التي تجعل من البطل الديني المتطرف بطلا، لا ينافسه في الحضور أحد غيره، وتغوص في وعيه وفي لاوعيه بما لا يكشف عن مكونات هذا الوعي، ويضعنا في حضرة عقلية التطرف من داخلها، ونرى آليتها الدفاعية، وسياقات عقلنتها وتبريرها لما تفعل، ولما تراه بمثابة الصواب والحقيقة«. عكس قصة »اقتلها« ليوسف إدريس التي عرضت للإرهابي من الخارج وفي الحيز المحدود للقصة القصيرة. ورواية »الأفيال« التي نظرت إلى الإرهابي بوصف»نتيجة«، مما جعلها تكترث بالكشف عن الأسباب التي أدت إلى تشكيل المتطرف دون أن تجعل من اكتشاف الوعي الذاتي للإرهابي همها الأول. والشيء ذاته سقطت فيه مسرحية »منمنمات تاريخية« لسعد الله ونوس والتي يعالجها الناقد بطريقة لا تقل أهمية عن معالجة الروايات سالفة الذكر...إلخ. وخلاصته أن رواية »الزلزال« تظل »العمل الأدبي الإستثنائي في تقديم شخصية المتطرف الديني من داخله، وبما يسمعنا صوته، ويفتح لنا المغلق من أبواب شعوره«. ومعنى ذلك أن الطاهر وطار تلافى »القالبية الخارجية« في التعامل مع شخصية الإرهابي، مما جعله يرقى به إلى مصاف »النمط« بالمعنى الذي يعطيه جورج لوكاش حيث »الخاص« الذي يعبر عن »العام«. ولا يفوت الناقد أن يعرض للأسباب التي حققت هذا الإستثناء، ويردها إلى أن الطاهر وطار درس في الجامعة الدينية »الزيتونة« التي مكنته من الإطلاع على الدراسات النقلية التقليدية الإتباعية ومن الإختلاط بنماذج مثل شخصية »بو الأرواح« التي يعرض لها في »الزلزال«. والظاهر أنه ليس صاحب »الزلزال« بمفرده من درس في جامعة »الزيتونة«، فالجيل الأول - في الرواية الجزائرية - أو »جيل الثورة« كما ينعته البعض- الذي ضم الطاهر وطار إلى الراحل عبد الحميد هدوقة ورضا حوحو... كله مر من تونس ودرس في هذا البلد، ومعنى ذلك أن المكان غير كاف بمفرده لرصد فرادة الطاهر وطار. ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه علينا بإلحاح هنا: هل النصوص التي انتقاها جابر عصفور تعكس بمفردها »مواجهة الإرهاب« أم أن هناك نصوصا أخرى لا تقل أهمية على مستوى التعبير عن »شرف المواجهة«؟ وألا يمكن لنا أن نعترض هنا ببعض نصوص الراوي واسيني الأعرج ومن داخل الجزائر ذاتها التي يميل جابر عصفور إلى وطارها أو بالأحرى »وطاره«؟ وفي أي سياق يمكن أن نضع - وعلى سبيل التمثيل - نص واسيني الأعرج »سيدة المقام« (1995) الذي لم تجرأ دور نشر عربية على نشره عدا »دار الجمل« في ألمانيا والذي ترجم إلى الفرنسية تحت عنوان مغاير »دم العذراء«(Le Sang du vierge)؟ وأليس واسيني الأعرج من عانى أكثر من الإرهاب نتيجة الوضع الإسلامي المتأزم في الجزائر؟ وأليس هو من قال في نص حوار مطول معه: »كنت كلما أنهيت رواية أقول للإرهابي: ها أنا قد أتممت روايتي فماذا أنتم فاعلون؟ !!(مجلة »عمّان«، العدد 196، ص16). إلا أن ما يشفع لناقدنا هو مفهوم »النمط« الذي استند إليه، وفي منظور يتجاوب مع دلالة »التمثيل« التي تؤكدها النصوص التي انتقاها ناقدنا اعتمادا على منظور منهجي يسعى إلى استنطاق المركز الدلالي للنص الروائي القائم على تعارضات التتخييل و التمثيل والتحقيق ومشاكلة الواقع. وربما كانت الملاحظة التي تفرض ذاتها بقوة هي ما يتصل بالوجه الآخر للإرهاب، أي الوجه غير المتصل بمجموعات التطرف الديني وإنما بأجهزة الدولة القمعية. ومن هذه الناحية فإن الرواية العربية غنية بنماذج كثيرة من هذا النوع، ولا يفوت جابر عصفور - في نطاق رحابة تصوراته - أن يشير إلى نماذج مصرية دالة عليها مثل »الكرنك« لنجيب محفوظ و»العسكري الأسود« ليوسف إدريس و»تلك الأيام« و»حكاية تو« لفتحي غانم و»تلك الرائحة« لصنع الله إبراهيم و»الزيني بركات« لجمال الغيطاني. أجل إن هذه النماذج تقود إلى »المثقف المحدث»الذي انتقد الناقد الرواية العربية (العقل العربي بوجه عام) على تحيزها إليه مقارنة مع تعاملها مع »المثقف التقليدي« الذي لا يزال حضوره شاحبا. إلا أن ما تجدر الإشارة إليه هنا أن موضوع المثقف المحدث ينبغي أن يفيد - وداخل النص الروائي - على مستوى الكشف عن »الإرهاب الشامل« الذي تمارسه الدولة إلى جانب المجموعات الدينية المتطرفة. ثم إن استحضار الدولة، ومواجهة الإرهاب الذي تمارسه، يعكس بحق ما تنعته بعض الكتابات الصحفية (المهاجرة بشكل خاص) بـ»المواجهة الشاملة« التي سنتحدث عنها في الفصل الأخير المتعلق - في جانبه الأكبر - بموقع سؤال الدولة في مشروع جابر عصفور التنويري. وقبل أن نختم الحديث عن دور الإبداع في مواجهة الإرهاب عموما، والرواية خصوصا، لا بأس من الإشارة إلى ما كان قد أبداه الناقد الفلسطيني فيصل دراج في قراءة لكتاب »مواجهة الإرهاب« حول مدى استطاعة الأدب العربي - في هامشيته - مواجهة إرهاب تنتجه »مراجع صلبة« و»مكينة وطيدة«؟ (جريدة »الحياة« اللندنية، 24/30/2004). ولا بأس من الإشارة إلى ملحوظة ثانية، وحتى إن كانت ذات بعد نقدي صرف، فهي لا تخلو من دلالات الإستنارة. وتفضي بنا هذه الملحوظة إلى مكانة القصة في الأدب العربي وبالتالي دورها في النهضة العربية. ومن هذه الناحية فإن نشأة الرواية العربية هي ذات صلة بحركة الاستنارة، ولذلك فإن العودة إلى التنوير هي بشكل من الأشكال عودة إلى بعض نماذج هذه القصة، يقول جابر عصفور في كتاب »زمن الرواية«: »إننا نتحدث كثيرا عن »التنوير« في السنوات الأخيرة، ربما أكثر من اللازم، خصوصا بعد أن اختلط الحابل بالنابل، وأصبحت كلمة »التنوير« من الموضات البراقة والبضاعة المفيدة. ومع ذلك فما أقل ما نتذكر، إذا ما تذكرنا أصلا، أن رواد التنوير العربي الحديث هم رواد القصة العربية الحديثة...« ويضيف:»والحق أن نشأة القصة العربية مرتبطة إلى أبعد حد بحركة الإستنارة العربية، وذلك في سعي هذه الحركة وبحثها عن فن نوعي مغاير، يتولى تجسيد وعيها المحدث، وإشاعة قيمها الجديدة بين جمهور الأفندية الواعد والطليعة النائبة الرائدة«(ص80). ولا يزال هذا التصور غير متداول في ساحة النقد العربي عدا عند بعض الأسماء القليلة مثل الناقد فيصل دراج في كتابه »نظرية الرواية والرواية العربية« (1999-). وفي هذا السياق قاد البحث عن جذور الاستنارة وأصولها صاحب »زمن الرواية« إلى التشديد على رواية »غابة الحق« التي نشرها صاحبها الرائد المجهول فرنسيس فتح الله المراش (1835-1874) للمرة الأولى عام 1865 في حلب الشهباء. وقد قاده إعجابه بها إلى إعادة نشرها من جديد ضمن سلسلة »الكتاب للجميع » (العدد 15) من منشورات دار المدى (2001) بعد أن مهد لها بمقدمة مركزة ودراسة مطولة تحت عنوان »غابة الحق: حلم الدولة المدنية«. والظاهر أن الاستنارة التي يشدد عليها جابر عصفور متضمنة في النص، ولا تفصح عن نفسها بالطريقة التي تعكسها قراءة عصفور. فالتأويل يبدو جليا، ويتناغم مع »الرمزية التمثيلية« التي هي قرينة »المنحى الإصلاحي« في النص. وقد قاد »الوعي المديني« الذي تصوغه»غابة الحق«، في مواجهة »مملكة التوحش«، ناقدنا إلى عدها أول رواية عربية مخالفا بذلك »الاطمئنان النقدي« الذي تم تكريسه منذ كتاب يحيى حقي »فجر القصة العربية«(1960) الذي »خايل« -حسب تعبير عصفور - الجميع بتاريخ فجر القصة الذي يبدأ من الحرب العالمية الأولى ولا يجاوزها إلى ما قبل1914، أي سنة نشر رواية »زينب« لصاحبها محمد حسين هيكل (1888-1956). وقد عاد الناقد ليعالج الموضوع ببعض التفصيل في كتابه »أوراق ثقافية« (ص309-319). إلا أن ما يبدو جليا، في نقاشه بخصوص فجر القصة، أنه يستند إلى تصور ثقافي لا يكترث بـ»المستوى الجمالي« أو »الفني« بتعبير يحيى حقي. ويتأكد هذا التصور أكثر في أثناء تعامله مع نص فرح أنطون »الدين والعلم والمال« (1903) الذي يخصص له حيزا مهما من كتابه »أنوار العقل«. ويعد هذا النص الأخير - وبسبب من التمثيل والأمثولة - »رواية قصيرة« مع أنه أقرب إلى »البحث الفلسفي الاجتماعي« على حد تعبير فرح أنطون نفسه. وفي هذا الصدد يتبدى لنا فكر الأنوار الذي يوجه قراءات الناقد للنصوص الإبداعية، بل يوجه فهم الإبداع ذاته في هذه النصوص. ومن تم يغدو الإبداع وكأنه جزء من ميراث التنوير. |
|||||
|
|||||