بنية النص وبنية المجتمع
في السرد الليبي الحديث
 

 

 صلاح الدين بوجاه (كاتب من تونس)


في روايات ابراهيم الكوني تنسج العناصر الطبيعية أحلافا مع العناصر الانسانية، فيكون العناق بين البشري والحيواني، وعوالم الجماد الساحرة المتحركة بعد أن تطهرت من عبودية المكان وملكية الأشياء، وفي السياق ذاته تشير الى أن معاني التكفير عن الخطيئة حتى لكأنها البؤرة الأساسية التي تنبثق منها الأغراض، واليها تعود المعاني، تعضدها فكرتا الهلاك والطهارة، أو قل الهلاك المطهر من أدران الخطيئة.

 

 

 

ما فتئت فكرة العلاقة بين النص ومجتمعه تثير اهتمامنا، وتغرينا بالنظر والتمحيص، وكنا قد تعرضنا اليها في عمل مقارن بين الرواية العربية والرواية الفرنسية في تونس.(١) فضلا على دراستها في فصول متفرقة مستقلة(٢) او عبر ما نسهم به بين الفينة والاخرى في بعض المجلات المتخصصة.

والملاحظ أن الصلة بين النص والمرجع صلة ثرية جدا، والقول فيها متشعب بسبب الغموض الكبير الذي يكتنفها، وبسبب تداخل مقدماتها ونتائجها.

وكان الدكتور صبري حافظ قد تعرض اليها ضمن دراسته القيمة الموسومة بـ»جماليات الحساسية الجديدة والتغيير الثقافي).(٣)

ولقد لفتت الرواية الليبية انتباهنا في العقدين الأخيرين لما تمتاز به من سعة وطرافة وتناول للألوان المحلية، خاصة أننا كنا قد نظرنا في روايات عربية مختلفة (تونسية، ومصرية، وسورية وسودانية) باستثناء القطر الليبي. فرأينا دعم بحثنا بشطر من هذا التراث المهم عسى أن يمهد ذلك السبيل أمامنا لانشاء بحث حول نماذج عديدة متنوعة من الرواية العربية في دراساتنا المقبلة.

والملاحظ أن الرواية الليبية قد لبثت مجهولة نسبيا، أو قل بقيت غائبة عن مجال الدراسة المشرقية والمغربية رغم بروز أعلام كبار بأعمالهم الفريدة، التي تعتبر اليوم من أفضل الروايات العربية على الاطلاق.

ونجنح ههنا الى ثلاث بنيات اجتماعية نسائلها. وهي على التوالي: بنية الصحراء، وبنية القرية، وبنية المدينة. ولقد أعثرنا البحث عليها داخل الروايات المدروسة بكيفيات غير مرتبة ، لهذا ميزنا بعض عناصرها عن البعض الآخر لغايات منهجية، وعرضناها تباعا عسى أن نعود إليها في خاتمة البحث بالمساءلة والاستنتاج.

ولقد ركزنا أمرنا في نماذج دالة من أعمال ابراهيم الكوني، وأمين مازن، وخليفة حسين مصطفى، عسى أن نتمكن من البحث في وجوه التقارب والتباعد بين بنياتها النصية - والرؤية العميقة المتحكمة فيها- والبنيات الاجتماعية المختلفة التي ولدتها، والمحلية على البنية العامة للمجتمع الليبي، في نهاية المطاف.

 

غنائية للصحراء

يمتاز ابراهيم الكوني بحضور روائي قوي، لا بالنسبة الى نظرائه الليبيين فحسب، انما مقارنة بالروائيين العرب على وجه العموم والاطلاق. فهو مقروء من قبل الغربيين- بعد ترجمة أعماله الى لغاتهم(٤) - ونصوصه شائعة في البلاد العربية شيوعا حسنا، فضلا عن كثرتها وتنوعها.

فقد عاد الكوني الى الصحراء الليبية يسائل أسرارها ويستفهمها عن مغلقاتها. لهذا أنطق حيوانها، وأسند الأفعال الى نباتها، وخاطب كائناتها الخفية من وراء حجاب! والحق ان الفضاء الذي تتحرك داخله هذه الشخصيات يتخطى الجنوب الليبي ليشمل بلادا شاسعة هي بلاد الطوارق المعروفين بالملثمين، والذين يؤثرون في الغالب حياة الرحل ويأنفون التوطين. لهذا لبثوا في ترحال دائم بين جنوبي الجزائر، والبلاد الليبية، وشمال مالي والنيجر.

في هذا الخضم من الاقامة والترحال تمضي جميع أعمال ابراهيم الكوني التي تستقرئ تاريخ السلالات القائمة والبائدة، وتعرض اساطيرها، وتومئ الى عقائدها وخصائص مخيالها.

وقد رأينا ان نركز النظر ههنا في روايتين نرى أنهما تمثلان أهم الخيارات الأسلوبية، والسردية، والمعنوية التي ينبني عليها خطابه الروائي: ألا وهي التبر(٥) والخسوف [بأجزائها الأربعة](٦).

وسنتعقب في هذا السياق البنية الروائية، وأهم الشخصيات، وأبرز الأغراض، مستفهمين عن الخصائص العامة التي تسمها وتمكننا من التماس وجوه التقارب او التنائي بين البنية الاجتماعية والبنية النصية المتولدة عنها.

والملاحظ اننا في هذا القسم الاول. مع ابراهيم الكوني، نتأنى لدى خصائص المجتمع الصحراوي الذي تصدر عنه الروايتان الكوني وتستندان اليه. وهو ذو سمات مميزة نتعرض اليها في الإبان. ونخصص القسم الثاني من المقال لدراسة بنية المجتمع القروي مع أمين مازن... وهو المجتمع الذي حافظ على بنيته الأولى، حتى بعد أن دخل تجربة طرابلس المدينة الكبرى. أما خليفة حسين مصطفى فنجنح الى الجزم بأن روايته-وليالي نجمة خاصة- تمثلان بنية مجتمع مدني، بكل سماته الجامعة المانعة.

فالروائيون الثلاثة يختزلون، كل من زاويته الخاصة، المجتمع الليبي، ويمكن ان يمثلا أنموذجا دالا على المجتمع العربي الواسع، لذلك فالتريث عند تجربة كل منهما يسهل الافضاء الى نتائج ملائمة ضمن الأسيجة التي أخذنا بها أنفسنا.

فرواية »التبر« تقع، من حيث بنيتها الظاهرة، في 32 فصلا، مقسمة حسب حركة »المهري الأبلق« (٧) لا حسب حركة الفارس. وقد يكون اسناد الكوني الحركة الى الحيوان الأعجم منسجما مع ما ورد في العهد القديم: »ما يحدث لبني البشر يحدث للبهيمة، وحادثة واحدة لهم. موت هذا كموت ذاك، ونسمة واحدة للكل، فليس للانسان مزية على البهيمة لأن كليهما باطل« (٨) وهي قولة يصدر بها الكوني نصه هذا، فتمثل مع قولة ابن فضل الله العمري المستخرجة من كتاب »مملكة مالي وما معها«... نصا استهلاليا محايثا.(٩) ونود في هذا السياق ان نشير الى هوامش الصفحات التي يعتمدها المؤلف في ايراد بعض الشروح والتعليق. ونعتبرها هامة جدا، وهي ترد للغايات التالية:

- التعريف ببعض الأماكن

- التعريف ببعض سلالات الابل

- ترجمة مقاطع بعض الاناشيد البربرية (من لغات الطوارق)

- للتعريف ببعض العادات، مثل ضرورة الانتساب الى الخال في مجتمع أمومي

- أو الاحالة على ابن عربي في »الفتوحات المكية«.(10)

ونجنح الى اعتبارها جميعا بمثابة الفصل الاضافي الذي يدعم الفصول المعلنة بالتقديم والتعليق والتفسير والاضافة. لهذا نسجل قيمة النصوص الحافة(١١) في الرواية ومعاضدتها لظاهر النص واسهامها في اكساب بنيته شكلا خاصا.

وتتخذ رواية الخسوف [البئر- الواحة- أخبار الطوفان الثاني- نداء الوقواق] البنية ذاتها بالفصل بين »فصول« أو »تصديرات« و»تعاليق«... اضافة الى تنويعات خاصة من قبيل:

- بمثابة خاتمة(12)

- تجميع الفصول ضمن ابواب عامة (الواحة: الخروج/ العراف/ العقارب/ الخلاص الأول/ الخلاص الثاني) (أخبار الطوفان الثاني: النبع/ الغرو/ الطوفان) (نداء الوقواق: الغيب/ الغياب/ الحفيد/ الجد/ الحكمدار/ الديدان/ القربان/ النار والرماد/ لو كان الضمير رجلا/ حساب الدنيا وحساب الآخرة/ السر/ نداء الوقواق/ لعنة الامم/ الحملة/ القوقعة).

- تجميع التعقبات لدى نهاية الفصل (الواحة مثلا جمعت التعقيبات في الصفحة الاخيرة).(13)

تفضي بنا هذه الملاحظات الى الانتباه الى وجود بنية اثيرة عند ابراهيم الكوني، استخلصنا سماتها باعتماد روايتي التبر، والخسوف... ولكنها شائعة في أغلب اعماله السردية، موصولة بالبنية العميقة التي يقوم عليها عالمه القصصي. ومن أسسها ينبغي أن نشير إلى:

- اعتماده عالم الطوارق والصحراء، واستناده الى أساطيرهم ولغاتهم، وجنوحه الى ترجمة بعض أقوالهم او تفسير عاداتهم.

- اعتماده سردا دائريا غير محدود ببداية او نهاية، فالفصول موصولة بعضها بالبعض الآخر، وما ايهام الفصل بينها إلا لغايات منهجية شكلية، كان يمكن الاستغناء عنها بالوحدة العميقة للعمل الفني، ونحن في غنى عن الاشارة الى مسايرة هذا الشكل لبنية الصحراء غير النهائية.

عليه فمن اليسير ان نقرر أننا، من حيث البنية ازاء نص فرد يختلف عما ألفنا من نصوص تقليدية، ومن نصوص حداثية(14) أيضا، فهو يتخذ سبيلا خاصة به، هي - في نهاية المطاف- سبيل ابراهيم الكوني في بناء الرواية.

ولعله في هذا الخيار الفني يتمثل قولة »رالف أمرسون« التي صدر بها رواية الواحة (وهي الجزء الثاني من الرباعية):

»سأوصل راحتي يدي بأيدي الآخرين الذين يقفون على يميني وعلى يساري، واحتل مكاني في الحلقة البشرية كي أعمل وأتألم، لأن حدسي علمني: على هذا النسق فقط ستمتلئ هاوية الصمت بالأصوات. أنا أعرف ما هي هذه الهاوية.(15)

ان هذا التصور القائم على الوصل بين التباعدات والمفضي الى تحرك الكائن في محيط غير محدود، محيط الصحراء التي ابتدعت الصفر، هو الذي يميز الشخصية القصصية عند ابراهيم الكوني.

لهذا تبدو شخصية موصولة الجذور بممالك النبات والجماد، بل لعلها في أحايين كثيرة من صلب هذه الممالك. لهذا فمن قبيل الإلف والعادة أن يكون المهري الأبلق بطل رواية »التبر«، ومن معهود الأمور أيضا أن تكون أولى روايات رباعية »الخسوف« قد انبنت على موت تانس سليلة القمر التي انتقمت من الصحراء بتفجيرها النبع الذي روى عظام أخيها اطلانتس وغير وجه الأرض.

بهذا يجد المتقبل نفسه مباشرة في صلب كائنات ميثولوجية تجعل مبدأ الصراع يمثل المنطق الذي عليه ينبني كل شيء. وهو فيما نرى منطق يوناني يختلف كثيرا عما تيسره العقيدة الاسلامية من انسجام وتوافق بين الكائن السماوي والكائن الأرضي.

في رواية »البئر« تعود الكواكب للتآمر على القمر، وتغمر امبراطورية اطلانطيد بالغبار، وتبيد حضارتها.

أما بئر اطلنطيس الذي ظل تحت امرة القمر فقد خضع لفترات نضوب، وظل بشر الصحراء الزرق تحت جبروت الطبيعة. لهذا اقبلوا عليها ينسجون خرافات نبلهم من رمالها، ويخيطون أساطيرهم من ندرة مائها!

بعد عشرات الآلاف من السنين تنفذ الصحراء انتقامها الأخير، فتنضب البئر. على مثل هذا التجاذب بين الكائن الانسي وكائنات الطبيعة.

في رواية »التبر« يحدث تلازم مطلق بين »البطل« و»المهري الأبلق« الذي تلقاه هدية من زعيم قبائل »أهجار« الصحراوية وهو لا يزال مهرا صغيرا، فيلبث الكائن الانساني لاهثا خلف الكائن الحيواني يعدل من غلوائه، ويصلح أخطاءه، ويوجهه يمنة ويسرة... الى درجة حدوث تبادل للوظائف صريح يجعل المتقبل يستفهم عن هذه »الخطايا« الكثيرة التي يقع فيها الأبلق فتودي به الى احد أمراض الابل الخبيثة: ألا تكون هذه من خطايا الانسان؟ أو ... ألا يكون الكائن الحيواني قد وقع فيما يقع فيه الانسان عادة؟ أو انه قد سبق الانسان الى الوقوع فيما يخشى!

قصارى ما هنالك ان ائتلافا غريبا يحدث بين الكائنين يجعل قدر أحدهما موصولا بقدر الثاني، فهو سابق عليه، او لاحق في أحيان أخرى.. لكنه في حالاته كلها مشدود اليه عبر ثنائية الخطيئة والحرية التي تتخطى هنا معانيها الجنسية القريبة لتصبح من قبيل ارتهان قلب الانسان لعلائق الدنيا: البنوة، الزواج، والابوة، والصداقة والزعامة، والمال والكسب..

حول الانسان والحيوان والصحراء، التي تتخطى هنا معنى الفضاء لتكون شخصية(17)، مسهمة في الأحداث، تنشأ كوسموغونيا(18) شاملة قائمة على الصراع بين الارضي والباطني، حتى لكأن الآلهة لا تقطن السماء، انها تنبثق من باطن الأرض ضمن شبقية شاملة من التواصل، [والتواصل المفقود] بين الكائنات: ترابها، ومائها، ونارها، وهوائها، الأمر الذي يجعلنا ازاء بنية غير نهائية، هي بنية المجتمع الصحراوي الموصول بالفصول الأربعة، والعناصر الأربعة، والتغيرات غير المنظورة. التي ترجع علل الأحداث كلها الى »ليلة الخسوف« (19)، وهو تأويل جوهري بالنسبة الى احداث الرواية بكاملها المرتهنة بتحرك الكواكب، وبحركة القمر على وجه الدقة والتحديد.

الإنسان، والتراب، والصخر، والجمال، والخيمة، والأوتاد، وكمأة البراري، والودان(20)، والواحة، والمطر، والعقارب السوداء، معروضة جميعها فوق خلفية من الأحداث السحرية المندغمة في أحداث التاريخ العثماني، وبداية الاحتلال الايطالي.

من وظائف الفواعل في هذه الروايات ان تنسج العناصر الطبيعية أحلافا مع العناصر الانسانية، فيكون العناق بين البشري والحيواني، وعوالم الجماد الساحرة المتحركة بعد أن تطهرت من عبودية المكان وملكية الأشياء.

ونجنح في السياق ذاته الى ان نشير الى أن معاني التكفير عن الخطيئة هي الآخذة بجماع الأمر في كل من التبر، والخسوف، حتى لكأنها البؤرة الأساسية التي تنبثق منها الأغراض، واليها تعود المعاني. تعضدها فكرتا الهلاك والطهارة، أو قل الهلاك المطهر من أدران الخطيئة.

على مثل هذا الثالوث يدور الأمر كله في روايات تتغنى بالصحراء، وتجعل منها مصدر الأفكار الكبرى، والأساطير والديانات لا مصدر الحر، والعطش، والحشرات السامة فحسب. إذا سلمنا بهذا أمكن ان نبوب المعاني الثانوية في الخسوف بشكل متدرج.

ففي »البئر« تتفق الكواكب على أن تغمر وجه القمر بالغبار، فتنفذ الصحراء انتقامها في ملحمة تدمج الحاضر والاسطورة، وتمكن السارد من عرض أحداث متتالية عبر قرن من زمان. أما »الواحة« فتعني في رمزيتها العميقة الاستقرار والعبودية، لهذا يكون الانتماء الى الواحة ايحاء بقبول التنازل عن الحرية، ولهذا فان »أمود« يترك الواحة ليموت في الصحراء، أما الهاربون من العطش فتحاربهم اللعنات ويتمكن السارد أيضا من استعراض عقود من الاستعمار العثماني والاحتلال الايطالي.

أما أخبار الطوفان الثاني فرواية تقوم على فكرة أن الماء يطهر الأرض من الظالمين والاشرار ويبقي القلة المؤمنة، وهي من المواضيع الميثولوجية المتكررة التي تعتمد فكرة الطوفان. ويتواصل عرض السارد لفكرة الحرية الموصولة برغبة الليبيين في الخلاص من الايطاليين. هكذا تلبث نداء الوقواق- وهي رابعة العناصر في هذه الرباعية الكبرى- متضمنة معاني رحلة الانسان الكبرى عبر الزمان والمكان، مختزلة لطور من أطوار تاريخ الصحراء الاجتماعي والثقافي والوجودي.

هكذا نقف على سمة مميزة لبنية النماذج المدروسة ولوظائف شخصياتها، ولأهم المعاني المتداولة فيها، تلك التي نروم اختزالها في فكرة الصحراء وما يحف بها من مفاهيم الحرية والانطلاق والرحابة والاطلاق.

فالمجتمع الصحراوي الذي أسهم في تكوين مخيال العشائر، وأسهم في تكوين مخيال ابراهيم الكوني، هو الذي يسهم في جعل الرؤية العميقة المتحكمة في هذه الروايات رؤية غير متناهية، منسجمة مع حركة العناصر وتعاقب المشاهد المتماثلة فوق الرمال، وعدو المهاري الى ما لا نهاية له، وتتالي الفصول... حتى أن المكان والزمان يندغمان في كيان غير انساني واحد، هو كيان »الفضاء« الذي شمل كل شيء ويحيط بكل شيء. فيشعر الانسان بأنه مجرد جزء محدود ضمن سعة اللامحدود التي تأخذ به، بل تطوح به بعيدا عن كيانه، وتصوراته، وآماله، وأحلامه.

هكذا نسجل تقاربا صريحا بين البنية الصحراوية- بل وبنية المخيال الصحراوي- والبنية النصية المنبثقة والمتأتية عنها. ولا نشك في أن هذه المستخلصات الأولى تيسر العبور نحو استفهامات أوسع، لا تتعلق بابراهيم الكوني فحسب. إنما تتخطاه لمساءلة الرواية الليبية عموما، في صحرائها، وقراها، ومدنها الكبرى! مع روائيين آخرين.

مسرب من القرية الى المدينة

تتشعب مسارب- أمين مازن- تشعب الحياة... وتسير الى غايات شتى تحتفي بصاحب السيرة، وتعبر عن تاريخ البلاد. كما تحتفي بالبلاد. ثم تتفرع الى روافد متعددة منها التربوية ومنها العاطفية ومنها الشعبية العامة... وفيها الكثير من التصوف... انتماء وشهادة ... وتاريخا.

للسير في بعض هذه المسارب- بأجزائها الثلاثة (21) رأيت أولا أن أحيل على مداخلها. وهي على التوالي ثلاث توطئات، أو قل توطئة للدكتور- عبدالله ابراهيم- وقراءة أولى لمحمد الفقيه صالح، واشارات لأمين مازن ذاته:

فتوطئة الدكتور عبدالله ابراهيم تحيل على قراءة تميز بين السيرة والتاريخ... اللذين ظلا متلازمين في حوار شفاف بحيث تحكما في مسار النص حتى نهايته... احتفاء، بالذات والمكان والتاريخ.

فيكون النص عبارة عن ثلاث دوائر تؤطر بعضها البعض، وتحتوي بعضها البعض، وتتداخل فيما بينها، ألا وهي:

- دائرة الذات: شخصية الطفل/ الفتى/ الشاب

- دائرة المكان: شخصية القرية/ المدينة / الوطن

- دائرة التاريخ: شخصية البلد في العالم.

تجمع بين هذه الدوائر تجربتان، التجربة الذاتية للمؤلف، ثم التجربة التاريخية الحديثة للبلاد... وتتمازجان في وحدة واطراد.

وتركز توطئة عبدالله ابراهيم على الاقصاء المتواصل للبعد الحي الداخلي للشخصية، قبل ان يستدرك مباشرة... مشيرا الى ان النص يتجاوب مع تقاليد فن السيرة الذاتية العربية القديمة التي تطمس الجانب الحسي، وترفع من شأن الجوانب التربوية التعليمية.(٢٢)

وفي تقديرنا ان لهذا المنحى مبرراته الكثيرة التي سوف نحاول أن نقف عندها في نهاية هذه الورقة. ولعل الأمر لا يخرج في مجمله عما يسميه القائلون بنظرية التقبل بقواعد الاحالة التي تضبط الصلة بين المرجع الاجتماعي وبنية النص.

أما قراءة محمد الفقيه صالح، والتي يفتتح بها الجزء II من مسارب، فتقوم على الانصراف الكامل الى محاولة القبض على خصائص التكوين الثقافي والسياسي، ويرصد الفقيه صالح في هذا الباب مستويين، هما:

- تجربة المثقف

- الصعيد الوطني العام

وقد اتسعت الدائرة في هذا الجزء الثاني للاهتمام بالشأن العام. والتخلي عن مرابع الصبا والشباب القائمة على رصد بداية التكوين النفسي والثقافي.

ثم يحيل صاحب التقديم على وجوب وضع الامر كله ضمن مقتضيات الشرط التاريخي الخصوصي لتكوين الثقافة الليبية الحديثة، قبل أن يشير الى حديث الكاتب عن ذاته بضمير الغائب.

أما اشارات الكاتب التي صدر بها الجزء الثالث من مساربه، فيمكن اختزالها في ملاحظات خمس:

- مبدأ التهجين بين الذاتي والموضوعي.

- الاشارة الى قادح تأليف الكاتب: الغارة الامريكية فجر 15/٤/1986.

- الاشارة الى انتشار الكتاب، واحتفاء النقاد به.

- استراتيجية الانتقال من الخاص الى العام.

- الاعتذار عن اهمال بعض الشخصيات وبعض المسائل- فالكتاب ليس تاريخا ليبحث فيه عن الاحالة.(23)

والحق ان المسارب تدفع الى مساجلة عبدالله ابراهيم فيما أكده من اقصاء للبعد الحي الداخلي للشخصية.

وانه ليحلو لي أن أجزم ان امر التربية- وهو من المسائل التي تصدى لها الكاتب بكل دقة وجد- قد حدث مواربة... بل بمداورة المتقبل ومخاتلته، رغم أننا ندعى الى الاقرار بأننا إزاء كتاب في »السيرة الذاتية«!

حدث ذلك بكل تؤدة وتأن بين الفصلين الثاني والثالث، من الجزء الأول.

وأحسب أن تقديم الوالد، ثم الوالدة، عبر ضمير الغائب قد أتاح للكاتب مجال الهمس التدريجي ببعض من سمات تتعلق به، أو قل تتعلق بصاحب السيرة، المحتفى به غيابيا في هذا المصنف.

فنصرح بأنه قد قدم على استحياء، او انه قد ولج عالم سيرته في هدوء الانسان الذي يدخل العالم قبل الخلق. وقد شاقني أن أتأمل هذا الدخول الهادئ الواثق وأنا أدير في الذاكرة شطرا مما أعرف من سير ذاتية شتى [بعضها عربي وبعضها غربي] كانت كثيرا ما تجعل من صاحبها بطلها الاول، منذ سطورها الاولى.

لقد تمكن أمين مازن من نسج حلف سردي متين عبر التدرج الذكي الذي أفضى الى ولوج دنيا كتابه ولوجا ثابتا قويا. لكن دون جلبة او ضجيج:

- »لامين يا مختار«، بهذا النداء استجمع الكاتب الأم القائلة، والأب الموجه اليه الخطاب، و»لامين« المشار اليه... وأحال على الأحداث الموالية التي ينتظر أن يكون الأمين مدارا لها.

لهذا فاننا نميل الى تأكيد انبثاق صاحب السيرة بعد ما يربو على المائة صفحة... عبر شبكة من العلاقات المتداخلة، وبتفاصيل كثيرة وأسماء لا تحصى...

فأية أسرار تكتنف هذا الظهور في كتاب نقول في شأنه انه من كتب »السيرة الذاتية«؟!

لعلنا نسارع الى ملاحظة ان هذا المصنف مسكون بتاريخ الوطن، بل قل انه كذلك في أجزائه كلها، حتى لكأن تاريخ الذات يضحى مجرد تعلة لاستدراج احداث التاريخ العام... يتناولها مباشرة، ويحيل عليها، ويومئ اليها.

يقول عبدالله ابراهيم في القسم الأخير من توطئته: »النص يشغل بتوصيف العالم اليومي لشخصية الشاب الذي ينهمك بأمرين: أولهما الالتحاق بعمل وظيفي في الجهاز التشريعي، وثانيهما اعداد النفس لمشروع فكري ابداعي«.(24) فننتبه مجددا الى اندغام الوطني بالمشروع الفكري الابداعي ذي الجوانب الثقافية والسياسية والاجتماعية.

لهذا فاننا نتأنى للاشارة الى ان الاجزاء الثلاثة تعالج في الغالب الأعم مسائل وطنية صريحة يخوض الكاتب في شأنها إما مباشرة او عبر صلاتها به، وبأسرته، وأصدقائه ومعارفه.

فالجزء الاول يحتوي على اشارات الى التربية الفقهية تتصل بكتب الأحوال الشخصية ومسائل الارث والأملاك... وهي التي يحتدم بشأنها الخصام وتتداخل وجهات النظر بحيث يعتبر من يمتلك هذه الكتب بمثابة من يمتلك أداة الحركة.

وينعطف على علاقة البلاد الليبية بايطاليا ويشير الى ضيق الليبيين الذين كانوا في المهجر المصري إذ رأوا في تلك المحاولة نوعا من استغلال الظروف وممارسة الابتزاز.

ثم يتناول كيفية تحقق الاتقان في الكتابة والسبيل الى ذلك، وهي حفظ القرآن الكريم. ويومئ الى أعوام الجراد، ويعرج على العلاقة بالكولونيل الانجليزي... قبل أن يتأنى لدى مآسي الفقر والجهل والتخلف بكل جوانبها الصحية والاقتصادية والاجتماعية. وهذا خوض في الشأن العام لا يدخل غالبا في باب السيرة الذاتية!

ثم يتأنى الكاتب عند حلوله للمرة الاولى في طرابلس، ويصف ما لقي فيها وما استقر في ذاكرته من صورها، ويركز أمره في الاشارة الى المظاهرات التي كانت تهز العالم العربي اعتراضا على الوجود الاجنبي ابتداء من دنشواي... ووصولا الى تحرك المواطنين ذات يوم في طرابلس، وليبيا عموما.

وفي جميع هذا تسلل ذكي من الأحداث الخاصة، الى الاحداث العمومية، ورصد حركة التاريخ، واتخاذ المواقف الصريحة من هذه المسألة الوطنية او تلك.

أما الجزء الثاني فيتعرض خاصة الى بعض وجوه المساهمة الاجتماعي في طرابلس بجوانبها النقابية والسياسية والثقافية والرياضية.

ويتأنى عند المكونات الثقافية بما فيها مصنفات الأستاذ خالد محمد خالد، ومن بينها »هنا نبدأ« و»مواطنون لا رعايا« و»الديمقراطية«. وينعطف على ازدياد مشاعر الحساسية نحو »النادي« في طرابلس عقب تفجر الخلاف الحاد بين العراق ومصر لموقف العراق من الوحدة المصرية السورية وترددها في الانضمام الى الكيان الكبير... فضلا عن تمكن »كاسترو« من اقامة أول نظام ثوري في كوبا ومواصلة »غيفارا« مسيرته وانتصار »لوممبا« في الكونغو وسيكوتوري في غينيا.

وقد رغبنا في الاشارة الى هذه الأحداث لتأكيد انشغال الكاتب بالأحداث السياسية الكبرى في ليبيا، والبلاد العربية والعالم، فهو يتعرض الى ما يسمى باليومي على أنه مناط الاهتمام الرئيسي الذي لا ينبغي الاعراض عنه، ضمن السياق الأكبر الذي لا فهم للأحداث دون الرجوع اليه. ولعل الاشارة الى عمل الجمعيات واعتقالات القمع وواقع الأزمات الحكومية، يتخذ بعدا انسانيا خاصا ويرقى الى مستوى الأحداث المنغرسة في الذاكرة... ترددها جيلا بعد جيل.

بقي أن نشير الى ان الجزء الثالث يعتمد الجمع بين المحيط الأصغر والهاجس القومي الأكبر، في هذه الرحلة التي تعود بداياتها الى أواخر عهد الاستعمار الايطالي وفترة الحرب العالمية الثانية التي دار جزء هام منها فوق التراب الليبي، فضلا عن التعرض الى مرحلة الادارة البريطانية أثناء تقرير المصير الليبي، وما أحدثه ذلك من تغيير جلي في حياة الناس.

والملاحظ أن الفصل الأول يستهل بالانعطاف على تاريخ المكان، إذ يعمد الكاتب الى تقديم المنطقة التي تقع في ذلك المنخفض بين المناطق الشمالية والجنوبية فالشرقية والغربية.

فننتبه منذ البداية الى أن مرتكز الاهتمام في هذا المصنف الضخم لا يقع في صلب المفهوم الغربي المستحدث للسيرة... بل يجانبه تمام المجانبة... بحيث يعكف على العام، أو قل يخوض في مجال اللقيا بين العام والخاص، على افتراض أن الخاص يمكن أن يضيء العام... إذ العام، والوطني، والقومي، هي أصل الأشياء ومبتداها!

من هذه الزاوية نتناول تركيز الكاتب على الحدث العام، ونؤكد أننا ازاء رؤية مغايرة تختلف تماما عما عهدنا في العقود الاخيرة من سير ذاتية. فخطاطة هذا المصنف قد اختارت منذ صفحاتها الأولى ان تجعل الذاتي في خدمة الموضوعي. فاستعرضت الاضطهاد الايطالي، وتأنت لدى التحولات الاجتماعية التي استحدثها، وخاضت في لب التطورات التي عصفت بالقرية وحولت تاريخ أهلها، حتى التمائم التي يتبرك بها صارت حرفة يعول عليها وسط هذا الكم الهائل من الناس الذين أوجدوا بحضورهم جميع ما يزخر به المجتمع الليبي من رؤى.

وانه لمن الطريف أن نلاحظ أن الذات البشرية الأولى التي تفتح عليها الرواية هي ذات الاسطى عبدالسلام، ذلك الرجل الذي استطاع أن يصمد أمام الثمانين وظل يبذل في مهمة تجميل البيوت جهودا بلغت حد المعجزة... ليكون شاهدا على المغايرة، ليستحضر الآخر وينفي الذات الراوية من مسرح الأحداث!

على هذه الشاكلة تتوالى علامات تقديم الموطن. فتمثل طقسا طبيعيا، بل عنصرا من عناصر البيئة الريفية. فسيدي مسعود يعود من مزرعته مترجلا خلف حماره الاسود، وهو يضع نصب عينيه ذكرى شقيقه العربي وصهره الشعبوني اللذين تم شنقهما ضمن من شنقوا.

ويتأكد حضور الموطن منذ الصفحات الاولى، إذ يتفرع من الشارع الكبير شارعان طويلان ضيقان الى درجة كبيرة، تتخللهما الدكاكين المتراصة يطلق عليهما اسم الحارة الكبيرة والحارة الصغيرة، في مكان تقوم فيه العلاقة بين الناس على البساطة وعدم التكلف. ويستعرض المؤلف ألعاب الأطفال كما يستعرض عمليات شنق الايطاليين للأهالي، في مجال عمومي يدعم فيه الاحساس بالمواطنة والانتماء الى الأصل والعمل على استدراج التراث للتعبير عن الحاضر.

أما أمر التصوف في الكتاب فيبدو أقرب الى التصوف التربوي، أو قل التصوف الحامل لتراث جماعي. فهو ليس بالتصوف الدراويشي على أية حال! يتأنى الكاتب فرقة العروسية او الاسمرية نسبة للمتصوف الشيخ عبدالسلام الاسمر دفين زليتن... والذي دأب الناس على الانتماء اليه طمعا في بركة القطب الكبير المستحوذ على القلوب.

لهذا كانت العروسية ذات وزن واثر عميق، فضلا عن أن من يتقدم صفوفها له الهيبة التي لا تجارى، وعلى ان فرقة مماثلة في الشمال تقوم على الشعوذة والمظاهر الاحتفالية الغريبة.

والحق أن التصوف بالنسبة الى الكاتب أبعد غورا وأعماق أثرا من مجرد تجارب منفصلة، انه التجربة الكبرى التي تشد الفرد الى الأصل وتجعله يحس بأنه جزء تابع للكل. لهذا من اليسير ان نقول ان تجربة التصوف هي التي مكنت الكاتب من تناول المسائل السياسية والاجتماعية بالكثير من الدقة والحصافة، وخاصة مسألة النادي... انتماء واحساسا بالحرية، واعتزازا بالوظيفة.

هذه المسارب جميعا تؤكد ان هذا الكتاب يتحدى فن السيرة الذاتية، بل قل انه يلم بها حينا ويعرض عنها أحيانا، له في ذلك ضرورات شتى، منها ضرورات الأدب... مثلما نقول أن للشعر ضرورات على وجه الحقيقة والاطلاق!

لهذا نميل الى الاعتقاد بأن هذا المصنف الذي اختار أن يكون ضد جنس السيرة قد ضرب في دنيا الأدب، فكانت له فيه صولات وجولات.

ههنا مجمع المسارب كلها، في هذا الحيز الذي يلتقي فيه الذاتي بالموضوعي ويتقاطع فيه التاريخان الخاص والعام، ويصبح الموطن صنوا للوطن الكبير المترامي. تنبجس صورة الأديب يقتطع من أفق السيرة، وكتب التراجم، ومصنفات التاريخ، والدهائيات، وبعض من »الأحكام السلطانية« ، وشطر من الفن القصصي في الأسلوب وطرائق العرض، لينشئ على غرارها فنا رائعا ممتعا جميلا..

وهل فن القص العربي القديم إلا محاورة لهذا وارتياد لمجاهله، تلك التي يلتقي فيها الواقع بالخيال، والذاتي بالموضوعي... فتمتزج الأنظمة وتتراكب الطبقات لتفضي الى منظومة واحدة هي منظومة »الكامل« للمبرد، أو »العقد الفريد« لابن عبدربه أو »نشوار المحاضرة« للقاضي التنوخي ... ذكرا لا حصرا.

عليه فاننا نقر بأننا لسنا إزاء كتاب »سيرة ذاتية«، بقدر ما نكون ازاء كتاب »أدب«، في معنى انه كتاب حياة... يحوي السياسة والدين والتصوف، ويشتمل على التاريخ والأدب والعلاقات الاجتماعية والرؤى والاحلام.. والمأثور من كلام العرب...!

وقديما كان هذا الانموذج من الكتب الأكثر شيوعا في الثقافة العربية، به تثير أسئلتها الكبرى، وعبره تلتمس الاجابات الأنسب لاستفهامات الوجود. لذلك خاض فيه الأدباء في المشرق والمغرب، واكثروا التآليف وهي المصنفات الجامعة المانعة التي أخذت من كل شيء بطرف وغاصت في كل علم وارتادت كل فن.

لهذا فان البنية الصحراوية، والريفية، والحضرية التي أسهمت في بلورة هذا المصنف هي التي مكنته من امتلاك هذه البنية المتعددة القائمة على الكثرة والتعدد.

في هذا السياق يرد كتاب الأديب العربي أمين مازن، وضمن هذا التقليد العريق ندرج هذا المصنف الذي انعطف على مجمل حياة الانسان في القطر الليبي فأنار عديد الزوايا المظلمة، وعرف بالمجتمع، وأدان الرعب، وبشر بالجديد المبهج عبر الجمع بين تاريخ الفرد وتاريخ الجماعة.

ويبدو ان التعرض الى النصوص الحافة (من اهداءات وتصديرات) يدعم هذه الوجهة في الفهم ويمدنا ببراهين اضافية.

فالاهداءات، على التوالي، هي كالتالي:

ج I : الى الوالد الشيخ المختار: عهدا بالتزام هذا الطريق الصعب.(25)

ج II : لها... وللأبناء: فاطمة، عائشة، طارق، فيصل، كوثر، ملاك، أشرف، رباب... تجربة قلم، وملحمة جيل ووثيقة اعتراف.(26)

ج III : الى فارس حملت اسمه بعد أن لقي حتفه برصاص الغزاة الايطاليين في تلك المعركة المشهودة فجر 31/10/1928 الى عمي الأمين أحمد مازن، والى الاعمام والاخوال التسعة عشر الذين أعدموا شنقا مساء 15/١١/1928 .. لهم ولشهداء الوطن عموما.(27)

في الاهداء الاول نقف على الالتزام باتباع الطريق الموصوف بالصعب، مع التعريفن ولعلنا نخمن من مضمون الكتاب انه طريق الانتماء الى الجماعة والنهوض بقيمها والاستجابة الى اقتضاءاتها.

أما اهداء الجزء الثاني فيورد ضميرا مؤنثا ندرك من الساق انه يحيل على زوجة المؤلف، ثم يستعرض أسماء الأبناء قبل أن يضيف تجربة قلم، وملحمة جيل، ووثيقة اعتراف وأننا لنتشبث بهذا الثالوث لوصف الكتاب والالمام بشعابه.

أما اهداء الجزء الثالث فصريح في جمعه بين تاريخ الأمة، والتاريخ الشخصي للأسرة ، خاصة في استحضار عمه الامين الذي حمل اسمه بعد أن لقي حتفه برصاص الغزاة.

أما تأمل التصديرات فيفضي الى الغايات ذاتها ويضيف اليها سعي أمين مازن الى ان يندرج ضمن التاريخ العربي بقيمه الأصيلة الآخذة اليوم في الضمور والتآكل والنقصان...

فالتصديرات نصوص شعرية مستقاة من المقنع الكندي [القرن الأول للهجرة] والقاضي الجرجاني وأبي الطيب المتنبي. وجميعهم من المتغنين بالفروسية والشرف والحلم والاباء وحفظ العرض من فرسان الزمن الأول.

هكذا كان التصدير في الجزء الاول مستحضرا للمقنع الكندي:

وإن الذي بينبي وبين بني أبي

              وبين بني عمي لمختلف جدا

فإن أكلوا لحمي، وفرت لحومهم

              وان هدموا مجدي بنيت لهم مجدا

وإن زجروا طيرا بنحس تمر بي

              زجرت لهم طيرا تمر بهم سعدا

نلفت الانتباه في الأبيات الى ضرب من الحلف بين الشاعر وأبناء عشيرته، ونشير الى الحاحه على حسن صنيعه معهم رغم الاساءة، بل نؤكد أن ورود الأمر في سياق شرطي يجزم بالدوام والاطلاق. فليكن شعار الجزء الاول، من جنس صنيع المقنع، ومما يقتضي حيثياته.

 

أما في الجزء الثاني فقد استعار المؤلف من القاضي الجرجاني بعضا من انقباضه، إذ قال:

يقولون لي فيك انقباض وإنما

              رأوا رجلا عن موقف الذل أحجما

أرى الناس من داناهم هان عندهم

              ومن اكرمته عزة النفس أكرما

فالكاتب يدرج تجربته- بهذه الأبيات- ضمن سبيل عربية تأبى الضيم وتترفع عن الصغائر وتتشبث بعزة النفس على أنها الحلية الكبرى التي لا تفريط فيها. ويسهم بجملة أبيات التصدير في تسليط الضوء على مواطن بعينها داخل هذه المسارب المتشعبة، الأمر الذي يوجه القارئ الى ادراك معين للأحداث وفهم لخفاياها.

اما الجزء الأخير فيمكن اختزال تصديره في البيتين التاليين:

وأصدى فلا ابدي الى الماء شهوة

              وللشمس فوق اليعملات لعاب

أعز مكان في الدنا سرج سابح

              وخير جليس في الزمان كتاب

فقصارى ما نقول، باضافة البيتين، أننا في صلب مفهوم العرض عند العرب... وهو القائم على الشهامة، والمروءة والشجاعة، وإباء الضيم، والحلم، والترفع عن الصغائر.

فهنا نجد الاشارة الى ان تعدد هذه الأفكار يستحضر تعددا أصيلا في البنية الاجتماعية يحيل على استفهامنا الاول ضمن هذا المقال، الذي يتوق الى وصل بنية النص بالتركيبة الاساسية المتحكمة في المرجع المولد للنص.

والحق أن هذا يحيل على جملة من الاستفهامات المتعلقة بالتاريخ وبأدب السيرة الذاتية وبسوسيولوجيا الأدب، وهي جميعا فيما نرى موصولة بالأدب على وجه العموم... من حيث هو استحضار لمخزون القيم القديم.

فما مدى علاقة التاريخ بالحقيقة، وما خصائص جنس السيرة الذاتية الذي اختار أمين مازن ان يرتاده، وما حظ هذا وذاك من الأدب حسب المفهوم الذي احتكمنا اليه أعلاه؟

هذا هو ما رمنا الخوض فيه للاحاطة بهذه المسارب التي تشعبت حد التداخل.

نؤكد أولا حسن اندراج الكتاب في سلالة الأصل الأدبي العريق، رغم انه قد اكتفى في أحايين كثيرة بالايماء والتلميح، ولم يخض في لحم المسائل العامة. إنما ترك للمتقبل أمر تأويلها وتأملها.

ثم نشير ثانيا الى نجاح الكاتب في التأليف في السيرة الذاتية دون أن يخضع للاقتضاءات الشخصية، تلك النابعة من شغفه بالشأن العام، وجمعه بين آلام الذات وآلام الوطن عبر اثارته لمفهوم الأمة.

لهذا تلبث هذه المسارب سبلا شيقة تؤدي الى ادراك الحقائق الكبرى من أقصر طريق، بل قل انها تفضي الى علم التاريخ عبر مسرب متعرج ضيق هو مسرب السيرة

يبقى استفهام بسيط يطالعنا عند منتهى الكلام: كيف المشي في هذه المسارب؟

 

في متاهات المدن

أول ما يلفت الانتباه في عالم خليفة حسين مصطفى القصصي انه قائم على السرد الكلاسيكي، بل الكلاسيكي الجليل الجدير بالاهتمام، بل أضيف: الجميل اللافت.

وكنا قبل هذا في مواضع أخرى، لأسباب مختلفة وملابسات عديدة، قد تعرفنا على عالم الأديبين الكبيرين ابراهيم الكوني وأمين مازن فأسرتنا عوالم الصحراء السحرية التي تعود بالانسان الى بدء الخليقة، واستهلال السلالة عند الأول، وراقتنا شاعرية الثاني وعكوفه على خفايا النفس البشرية يستنطق تورياتها واستعاراتها وخفاياها.

وتشاء الصدف الجميلة ان ننعطف اليوم على عالم خليفة حسين مصطفى نتأنى عند روايته النهر ليالي نجمة(28)، وروايته الأقل طولا »الجريمة«... في عبارتهما الأنيقة وصورهما الشعرية الرائقة وتحليلهما للمواقف الانسانية دون ادعاء تجديد أو ارتياد نظريات سردية، غير عفو الخاطر المنساب سلسا بهيا ساخرا.

ولقد آثرنا دخول الروايتين، وهما تقعان في ما يربو على الألف صفحة، من روافد ثلاثة، يمكن ان نصطلح في شأنها منذ البداية على أنها تمثل أضلاع الثالوث المحظور ألا وهي:

- الجنس

- الدين

- السياسة

ويلاحظ الدارس وجود تلازم صريح بين وجوه المحظور يندغم فيه الحدث الجنسي بالحدث المقدس، وحدث السلطة، ايذانا باختراق واسع لمفهوم الحرام الجامع بينها.

وتدور القضية حول محور العلاقة بين المرأة والرجل، في اطار الزواج وخارجه، بل خارج اطار الزواج في الغالب، في مجتمع ذي عقيدة واحدة وسلطة واحدة.

وننعطف للنظر في المسألة على مواطن بعينها من »ليالي نجمة« و»الجريمة«، رغم الاختلاف بينهما والعائد الى ان احداث الثانية تدور في أحد معسكرات الاعتقال التي كان الجيش الايطالي يشرف عليها لترهيب الاهالي وكسر شوكتهم. وقد تؤدي بنا الروايتان الى التماس العلل العميقة الكامنة في البنية الاجتماعية المولدة لهذه النصوص.

ونجنح أولا الى تأكيد انبجاس الروايتين من مجتمع واحد، تنطلق فيه السلطة من أصل توحيدي في السياسة والدين والجسد، وتتوق الى تحميل البنية الثقافية والمخيال القصصي مسؤولية التجاوز، وتعمل عبر بنية النص المعقدة على تجاوزه وتخطيه.

فمبدأ المتعة يظل موصولا في مخيالنا العربي بركيزتين اساسيتين: ركيزة المداورة بين المرأة والرجل، وركيزة مخاتلة الملك والشيطان.

وتقوم مدونة »ألف ليلة وليلة« (وهل ننسى هنا ان احدى الروايتين المدروستين هي »ليالي نجمة«) شاهد يختزل تاريخ المجتمع العربي القديم خاصة من زاوية العلاقة بين الجنسين وحوافها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية العامة.

ولعلنا نقبل التعليل المبدئي الذي يفسر اندغام المحرمات الثلاثة في محظور عام واحد، ونعود الى تعليل نابع من بنية المجتمع العربي المؤمن في الغالب بضرورة الفصل بين الجنسين، وتكريس الحواجز، والمنضوي تحت »أنموذج التحكم الشرقي« المؤدي الى المزيد من الموانع وتكريس الرقابة، وتأكيد هيمنة السلطان الأوحد. وينسجم هذا كله مع البنية المدنية المعقدة المتشعبة متراكبة العلاقات.

نستند إذن الى فرضية اولى تدغم الجنس والدين والسياسة في كيان واحد. لكننا نفصل بينها لغايات منهجية مبدئية، ثم نعود الى فكرة الجمع بينها.

»ليالي نجمة« هي رواية الجنس بلا منازع، وتكاد لا توجد صفحة من صفحاتها إلا وهي تتضمن استحضارا لمشاهد الاقبال الصريح والادبار، ومظاهر الشد والجذب، بين المرأة والرجل، حتى ان الكلام قد لا يفي بهذا الكم الهائل من السرد القصصي الذي يناهز ألف صفحة.

والحق ان هذه المشاهد رائقة في النظر مبهجة للروح شاحذة للخيال، حتى أنني أود لو أتمكن من استعراض الكثير منها للبرهنة والاستطراف والاستحضار. توسل الكاتب الى ذلك باللغة، فوردت المشاهد جميلة بهية رائقة عبر الاستعارات والكنايات والتشابيه والمجازات المتراكبة. فكنا ازاء نثر فني هو من قبيل الشعر.

وكان الفن مطية لتجاوز المباشرة في التناول. وكان الشعر لابراز الجمال الكامن في علائق الجسد. حتى انه يندر ان يستقبح القارئ هذه العودات المتكررة الى الغرف الموصدة والاسرة الملتهبة، والخلوات الدائمة، بل ان كاتبنا قد عكف على ابتذال »شارع سيدي عمران« فهذبه. ورفع بعضه داخل شبكة من العلاقات يمكن اختزالها في صلات كبرى بين عدد من الثنائيات والثواليث التي تتبادل الظهور. ومن أهمها:

- صلات نجمة بالمعلول والملازم عبدالخالق، والشاويش عبدالله ثم بأحمد الجرايدي.

- صلة حورية بالشيخ عبدالرحمن الغاوي ثم نادل المقهى حسين.

- زهرة ومنصور.

- الشاويش عبدالله وفاطمة البكاية.

وكنت عند استهلال النظر في رواية »ليالي نجمة« قد خمنت وجود تركيز على نجمة دون سواها، بيد أنني أيقنت بعد ذلك أن التقسيم دقيق بل يكاد يكون هندسيا، وان الدوام ليس للشخصيات... إنما للقضايا والرموز التي تحمل الشخصيات. وهذا أيضا من قبيل بنية الرواية التي تحيل على تعدد بنيات المدينة الكبرى.

أما رواية »الجريمة« (29) فمحكومة بعلاقات مجهضة، وهي التي تقع أحداثها في الغالب في معسكر اعتقال. لهذا تبقى الصلات مأزومة، ويسود الحصر مجال العلاقات بما فيها الصلة بالجسد المنتهك.

ولنا أن نحتفظ في هذا السياق بعلاقة المترجم بزوجة مدير المعتقل، وصلة عبدالله الطيب بزوجته المعذبة. والشواهد على هذا جمة كثيرة.

تتكرر المشاهد في الرواية فتكون غالبا ازاء نمطين من أنماط الوقوع في الجسد يمكن أن نرمز اليهما بما يلي:

- نمط (١): سيدي عمران الممتهن الممزوج بعجائن الحرام والإفك.

- نمط (٢): نجمة بعد التوبة او قل »نجمة الجرايدي« القائم على التكامل بين الروح والجسد واقتضاءات الوضع الوطني العام.

وقد نبهتنا الصفحات السابقة الى ان الخوض في شأن الدين بدا على صلة وثيقة برغائب الجسد. وقد تجلى ذلك خاصة في ثنائي »حورية- عبدالرحمن الغاوي«، الفقيه الذي تحول الى صاحب مقهى يسهم في العراك وحياكة المؤامرات، ثم انتهى به الامر الى السجن بعد قتل حورية

فالجسد يبدو هنا من جسور الشيطان التي تدفع عن سواء السبيل. والحق ان الجسد والدين يتداخلان تداخل اندغام وتكامل. وذلك لعدد من العناصر من أولاها بالاحالة:

- الاحساس بالذنب عند أغلب ساكنات حي »سيدي عمران« فرغم الغواية الظاهرية التي أخذت بهن وألهتهن عن الشرف والقيم، يلبث الشعور الديني قويا عندهن، بل شاهدا على تمسكهن بالحياة الأخرى المرغوبة. تلك التي خسرناها الى الأبد

- قيام شخصية الفقيه عبدالرحمن الغاوي على تناقض أصيل بين مظاهر التدين وفورة الغريزة. ومن أمثلة ذلك انه كم من مرة رأى نفسه وهو يراوح بين النوم واليقظة مختليا بهذه الحورية او تلك من حوريات الدنيا في حديقة جانبية او في زاوية خرابة مظلمة، فجأة تغيم السماء وتمطر بغزارة، وأحيانا تخبو الشمس فلا يبقى أي أثر للضوء. وهكذا كان يعود من نزهته وحيدا مبللا، وفي مرات أخرى كان يتوه في الطريق.

- الشعور بأن مدافعة الطليان في »الجريمة« وهي انتهاك للغاصب وضرب من الانتصار للعروبة والاسلام، للانسانية في عفويتها الأولى

ويبقى الدين حارسا أخيرا للقيم، في زمن يلبث فيه مقوما أساسيا من مقومات الهوية رغم الضعف الانساني الذي يطوح بهذه الشخصية او تلك فوق سبيل التمرد، أو فورة الغرائز، أو الزيغ الى ركن المنبوذين.

وكثيرا ما يتخذ الكاتب وجهة الهزء اللطيف والسخرية الخفيفة. فحين تخوض الجريمة في افتنان الناس بجمال زهرة الدالي يشير الى قدوم الشيخ عبدالقادر الوافي امام الجامع (الى عبدالله الطيب) بعد القاء خطبة ساخنة في المصلين يكون قد ذكر فيها الناس بأن الله قد أعد للمؤمنين من عباده جنة عرضها السموات والأرض وهي بالطبع أجمل بما لا يقاس من زهرة الدالي.

فقد أنصت المصلون بشرود الى حديث الفقيه وقالوا فيما بينهم: مسكين الفقيه، لقد حرمه الله من نعمة البصر ولهذا فلا لوم عليه

ومن الجدير بالملاحظة ان نومئ الى اندغام ثان بين الجسد والدين والسياسة. ففضلا عن الخلفية التاريخية والحضارية التي تحيل على الايطاليين والانجليز والملكية والاستقلال، فاننا نرى أن شخصية الشاويش عبدالله بتناقضاتها الكثيرة ترمز الى صلة شارع »سيدي عمران« والمدينة العتيقة، ومن ورائها البلاد بكاملها، بأعوان الأمن.

في هذه العلاقة تختزل العلاقات جميعا بين الجلاد والضحية، بين الغاصب والمغتصب حتى تستنفد كل سماتها وتستحضر كل جوانبها. والملاحظ أن الكاتب قد تفنن في الانعطاف على هذا النموذج الضروري للسير العادي لحياة الناس، والمكروه من قبل الجميع، والمؤدي الى بعض من توازن صعب.

لهذا عمد الى تكرار هذا الانموذج تكراره لاستدعاء الجسد، حتى بدت السياسة ومقتضياتها تميمة أخرى يضيفها أسلوبه، كما تضيفها أغراضه، الى مستلزمات الفن القصصي.

ولهذا نجنح الى الالحاح على أن كلا من »ليالي نجمة« و»الجريمة« مصنف في السياسة، او قل هو رواية سياسية بكل ما تحمل اللفظة من معاني الثورة على الظلم، ورفض نقائص دولة الاستقلال ومناهضة الرجعية والتخلف. ولهذا تلبث موصولة بكيفية مباشرة بالمجتمع بنية ومواضيع وتصورات.

ولقد اجتهد خليفة حسين مصطفى في الجمع بين السياسة والدين والجنس جمع تكامل وانسجام، حتى ان القارئ كثيرا ما يفاجأ بصفحات كاملة تضرب بسهم في هذه الوجهات الثلاث دون أن يتمكن من اعادتها على وجه الدقة الى واحدة منها

في حيز الجمع هذا تكمن استراتيجية المسكوت عنه، هذه التي صادرنا عليها لدى مفتتح هذا القسم. فهي سبيل أثيرة عند الكثير من الكتاب العرب والاجانب، بل لعلها أضحت درجة لدى الغربيين على وجه الخصوص، بها يتوسل الى استقراء خفايا الظاهر، واليها يستند في تبيين النصوص الجيدة اجتماعيا. فهي خفية خفاء المدينة المتوارية خلف أزقتها.

من هذه الوجهة يمكن ان نصرح بأن كاتبنا قد نجح أيما نجاح اذ سلط السياسي على الجسدي والجسدي على الديني مستثيرا ملكات متوارية لدى الكائن البشري هذا المعقد أبدا.

واننا اذ نؤكد حسن تناول هذه الاضلاع الثلاثة بحيث لا يغلب الاهتمام بواحد منها على الاثنين الآخرين. فإننا نجنح الى تأكيد أمر لا نحسبه يغيب عن جمهور المتأدبين. ويتمثل في ان الكتابة. والكتابة القصصية على وجه التحديد، هي التي تتيح هذا المزج بين عناصر المسكوت عنه... وتتيح للمتقبل تأويل أسرارها وفتح مغاليقها، بالجمع الذكي بين النص والمرجع.

إن الكتابة هنا تصبح بديلا للمجابهة والمعابثة وتبديد القداسة. فلقد وفقنا عبر مواطن كثيرة في »ليالي نجمة« خاصة، ثم في »الجريمة«، على التدرج الذي أفضى بخليفة حسين مصطفى الى اختراق الجسد والسلطة وأدى الى ممارسة الكتابة.

فهل يغيب عنا أن الكتابة قد اصبحت اليوم موئل القداسة كلها أو قل إنها قد اكتسبت قداسة جديدة بدحض القداسات القديمة جميعا والتأسيس لبديل ينهل منها، ويتخطاها.

الرواية من هذا المنظور لا تحاكي الحياة، إنها بديل للحياة، والنص لا يحاكي المرجع إنما يصبو الى تجاوزه والعمل على استحداث أنظمة جديدة داخله.

كتابة الرواية مطية الى اختراق السائد وتحريك الثابت والخروج على المستقر باندغام المحرمات الثلاثة في محظور واحد، يعيدنا الى التساؤل عن بنية المجتمع العربي القائمة على ايمان أصلي عميق بوجوب الفصل بين الرجل والمرأة! وهل مجتمعاتنا في منتهى المطاف إلا امتداد للمجتمع القديم، مجتمع »ألف ليلة وليلة«، تستعيده الرواية أولا لانعطاف عنوانها عليه، وتستعيده ثانيا لمحاورتها البنية المجتمعية الآنية والسعي الى التعامل الذكي معها، وتستعيده ثالثا لرغبتها الدفينة في استحداث تنويعات شعرية مختلفة على أنموذج أصلي واحد.

وفي زعمنا فان خليفة حسين مصطفى قد نجح في استكشاف هذه الطبقات بكيفيات متفاوتة تنعطف عليها في مستويات ثلاثة:

أ - مستوى الأسلوب الذي تفنن الكاتب في الكثير من مواطنه تفننا لافتا، فجعل من الرواية وهي النسيج النثري المحكم نسقا خاصا حذا به حذو الشعر المفعم صورا وبنيات تخيلية شتى.

ب - مستوى السرد الذي جعل الروافد جميعا تسير بكيفيات متراكبة، بحيث يستحضرها الحدث، وتحيل عليها الشخصية، وتنطلق منها الرؤية العميقة المتحكمة في الحكي.

ج - مستوى المعنى هذا الذي يغوص في قضايا المجتمع الليبي الأسرية والاجتماعية والعقائدية والسياسية في عهد الاستعمار الايطالي، ثم عند بداية الاستقلال، يجلو غوامضها، ويكشف ما توارى منها خلف أستار الإلف والعادة.

وهل المجتمع الليبي من هذا المنظور إلا صورة للمجتمعات العربية تستحضرها وتختزلها وتحيل عليها؟ لهذا، ومن هذه الزاوية فان الدلالة في روايتي خليفة حسين مصطفى دلالة متعددة كثيرة، بل هي دلالات متشعبة آخذ بعضها برقاب بعض.

من طموح هذا البحث أن ينشئ استفهامات حول بنية المجتمع الليبي، في الفترة التي تتناولها النماذج الروائية، وأن يحاول الاحاطة بسمات السرد من خلال منظومات سردية مختلفة. هي منظومة ابراهيم الكوني الحداثية الضاربة بسهم في التجارب العالمية، ومنظومة أمين مازن الموصولة بتصورات السيرة الذاتية العربية التقليدية خاصة، ثم منظومة خليفة حسين مصطفى ذات الطابع التقليدي الذي يتوق الى تصوير ما يحدث في المجتمع.

إننا إزاء منظومات مختلفة، تتبنى تصورات نظرية متباينة، وتستند الى قوانين سردية بعضها تقليدي صرف. وبعضها وسيط، وبعضها يتوق الى الحداثة وما بعدها.

ولقد رمنا في شأنها الإلحاح على قواعد إحالاتها المرجعية أي الى ما به تحدث بنيات سردية داخلية نسعى الى التدليل على انسجامها مع البنية الاجتماعية المسندة اليها بسبب عملية الجدل المستمرة بين النص الأدبي والواقع الاجتماعي والأيديولوجي من ناحية أخرى«.

وفي امكاننا في هذا السياق- الذي اخترنا- أن نحتفظ بثلاث ملاحظات أساسية، تتعلق بالروائيين الذين أخضعنا شطرا من مدوناتهم للنظر.

فمدونة ابراهيم الكوني تكشف عن بنية دائرية لا مستهل لها ولا نهاية، فكأنها البنية المطلقة التي تبتدع مكانا وزمانا اسطوريين، هما غير المكان والزمان الهندسيين. وتتوق الى وصل عالم الغيب والشهادة، والجمع بين ممالك الانسان والحيوان. والجماد، في بنية تخييلية واحدة منسجمة مع مجتمع الطوارق، والبنية الصحراوية التي يستند اليها ويتحرك ضمن حدودها. لهذا كانت روايات الكوني غير متناهية، يفتح بعضها على البعض الآخر.

فهي مدونات طويلة ، تنتمي الى ما يعرف عند الغربيين »بالرواية النهر«(31)، وهو شكل من الروايات كان شائعا في نهاية القرن التاسع عشر، ثم عاد اليه المبدعون الآن بعد أن تناسته الذائقة الأدبية خلال عقود متتالية. وانه من المفيد هنا أن نلاحظ ان الكوني يجدد صيغا في السرد العربي القديم معروفة (32) بتقديمه بنيات منفتحة على بعضها البعض وشخصيات قصصية تواصل أعمال بعضها البعض، ومواضيع تتكرر بكيفيات لا تعدو ان تكون تنويعا على معنى الحرية، في اطار من الخوارق والعجائب والواقع السحري الذي لا يعدو أن يكون واقع الصحراء برمالها، وتجاويفها ومائها النزر القليل، وسمائها المتقلبة الغضوب.

ومدونة أمين مازن، التي تتبنى شكل السيرة الذاتية، تعتمد بنيتين احداهما منفتحة، والأخرى منغلقة، تتماشى الاولى مع المجتمع القروي حديث العهد بالمدينة والتنظيم العمراني، بينما تكون الثانية أكثر انسجاما مع بنية المدينة والتنظيم العمراني، وتكون أكثر انسجاما مع بنية المدينة السائرة نحو التعقيد. ونعتقد أن دارس »مسارب« أمين مازن سرعان ما يكتشف أنها تسير به من البيداء، أو من مشارف الصحراء، الى طرابلس في خط متعرج غير هندسي. فلعل تلميحات، وأوصافا، وبنيات في السرد بعينها تجعله في مجال وسط بين البنية المنفتحة تمام الانفتاح، والبنية المنغلقة تمام الانغلاق. ولاشك ان بنية »السيرة الذاتية«، التي يكون فيها الانسان مدار الأمر كله. قد أكسبت هذا النص الكثير من ثباته ووضوحه، خاصة ان الخيارات التقليدية التي يأخذ بها »أمين مازن« قد جعلته أميل الى تبني المواقف الواضحة. والاحكام القيمية الدقيقة(٣٣). لهذا نغلب أن تكون منظومته السير ذاتية اكثر انسجاما مع رؤية مترددة هي رؤية وسط بين مجتمعين بدوي وحضري، وبنيتين صحراوية ومدنية، ومعمارين- في نهاية المطاف- قروي وحضري.

أما خليفة حسين مصطفى فقد اعتمد داخل مدونته الروائية، »ليالي نجمة« و»الجريمة« رؤية موغلة في اقتباس البنية المدنية، بتعرجاتها، وتشعب أزقتها وتشابك العلاقات داخلها، واختلافها عن الرؤية الصحراوية والرؤية القروية العشائرية. فالصحراء تستند الى النهائي، بينما تستند المدينة الى المحدود، والقرية تقوم بغير الهندسي بينما تبنى المدينة على الهندسي المسدود.

ثلاثة أنظمة متباينة تفضي الى ثلاث بنيات متباينة أيضا، تصدر منها، وتتمثلها وتحيل عليها. وهي جميعا تسير في خط مختلف عن المستقر لدى النقاد في شأن مسارات الرواية المصرية (34) او الرواية التونسية مثلا(35).

ويعنينا ههنا ان نسجل الاختلاف الواضح بين البنية التي تأخذ بها نصوص ابراهيم الكوني ومجمل النماذج الروائية العربية المستقرة مشرقا ومغربا. فهو نسيج وحده، ولعله يقتضي منا مزيدا من التأني نخصصه له في مقال آخر.

 

الهوامش

 1- وجوه الائتلاف ووجوه الاختلاف بين الرواية العربية والرواية المكتوبة بالفرنسية في تونس، بحث ناقشناه في كلية الآداب بمنوبة يوم ٩ يونيو 2004 في اطار دكتوراه الدولة، تحت اشراف الدكتور محمود طرشونة، وقد شاركت في مناقشته لجنة مكونة من الاساتذة: منصور قيسومة والهادي خليل ومحمد الباردي وحبيب صالحة.

 2 - نذكر خاصة دراسة كانت قد صدرت سنة 1994 عن المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ببيروت، تحت عنوان »مقالة في الروائية«.

 3- صبري حافظ، »جماليات الحساسية الجديدة والتغيير الثقافي«، مجلة فصول، الجزء٢، المجلد٦، العدد٤ سنة 1986.

 4- الملاحظ ان الكوني يعيش متنقلا بين عواصم اوروبا الشرقية وقد ترجمت نصوصه الى عديد من اللغات المعروفة.

 وقد نشر ابراهيم الكوني مدونة واسعة، من أهم وحداتها:

 الصلاة خارج نطاق الاوقات الخمسة 1974/ جرعة دم1973/ شجرة الرتم 1986/ البئر، الواحة، اخبار الطوفان الثاني، نداء الوقواق (رباعية الخسوف) 1989/ التبر 1990/ نزيف الحجر1990/ المجوس (رواية في جزءين) 1992/ خريف الدرويش 1994/ الفم1994/ السحرة 1994/1995/ فئة الذؤان1995.

 ٥ - تقع التبر في جزء واحد، لا يتجاوز 160 من الطبعة الثالثة، دار التنوير للطباعة والنشر 1992.

 6- تقع رواية الخسوف في اربعة أجزاء، وهي على التوالي: البئر- الواحة- اخبار الطوفان الثاني- نداء الوقواق، وتتجاوز جميعها الألف صفحة، دار التنوير/ تاسيلي للنشر ١٩٩١.

 7 - وهو: »أبلق، رشيق، ممشوق القوام، نبيل، شجاع، وفيّ ص٨.

 8 - العهد القديم، سفر الجامعة، الاصحاح الثالث.

 9- نضيف اليها قولة من سفر الامثال وردت صفحة 23، واخرى لسوفوكليس ص61، واخرى من 71، وآية من القرآن الكريم، وأخرى لجلال الدين الرومي ص١٠١.

 10 - التبر، ص32.

 11 - Paratextes

 12 - بمثابة خاتمة، البئر ص215.

 13 - الواحة ص294.

 14 - انظر صبري حافظ القصة العربية والحداثة، دراسة في آليات تغيير الحساسية الأدبية، سبق ذكره (انظر خاصة النقطة السادسة في بداية المقال: الحساسية الجديدة... دلالات المصطلح وآفاقه).

 15 - الواحة ص٥.

 16 - التبر ص٧.

 17 - أو فاعلا قصصيا.

 18 - تصور اسطوري عن البداية: Cosmogonie

 19 - على سبيل المثال لا الحصر... ما حدث ص200 بعد انتحار »زارا« في البئر هروبا من الاقتران بـ»أمغار«

 20 - الوعل البري في براري الجنوب الليبي.

 21 - مسارب، أمين مازن، مطابع الثورة العربية، طرابلس 1998.

 22- انظر كتاب سيرة الغائب، سيرة الآتي، السيرة الذاتية في كتاب »الايام« لطه حسين، كري المبخوت، دار الجنوب، تونس 1992 (خاصة من صفحة ٩ حتى صفحة32).

  مسارب، جIII23 - ، ص12 (اشارات).

  مسارب، جI24 - ص14.

  مسارب جI25 - ص٥.

  مسارب جII26 - ص٥.

  مسارب جIII27 - ص٣.

 28 - ليتلي نجمة، خليفة حسين مصطفى الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع والاعلان، طرابلس 1995.

 29 - الجريمة خليفة حسين مصطفى، الدار الجماهيرية 1992.

 30 - انظر بداية مقال صبري حافظ سالف الذكر »القصة العربية والحداثة، دراسة في آليات تغيير الحساسية الأدبية«.

 31 -  Roman fleuve .

 32 - مدونة »الف ليلة وليلة« خاصة.

 33- نرى ذلك في استناده الى نماذج من الشعر العربي القديم مثلا: المعري، المتنبي.

 34 - انظر صبري حافظ، المقال سالف الذكر.

 35 - انظر صلاح الدين بوجاه، وجوه الائتلاف ووجوه الاختلاف في الرواية العربية والرواية المكتوبة بالفرنسية في تونس (بحث مرقون/ كلية الآداب منوبة).


تصميم الحاسب الشامل