قصيدتان

علي ناصر كنانة (شاعر ومترجم من العراق يقيم في السويد)

كالغريب أسأل نفسي

 بعيداً.. بعيداً ترحلُ الذكريات

 وتأخذني معها

 وتتركُ ظلّي

 تخبُ به الريح والطرقات

 بعيداً.. كأن المكان

 تكوّر في خطوة والزمان

 تدحرج (كيف أعرفهُ؟)..

 يختالُ بين الكراتْ

 ....

 بعيداً..

 كذا تأفلُ الذكرياتْ.

 وجوهٌ ظننتُ بها ألفةً..

 ما رأتني

 وألفيتني كالغريب أسأل نفسي

 فتفجعني الهمهماتْ

 أيتها الذكرياتْ!

 وحدّيني بظلي

 لتقبلني الكائنات

 أو دعيني كما كنتُ دوماً

 وحيداً كدمعٍ

 على لوحةٍ

 فوق ماءِ الفراتْ

 المكانُ مكاني

 وإن كان وهْم المكانْ

 والزمانُ زماني

 وإن كان وهم الزمانْ

والقطارُ الذي

 في نواح المغنين

 قد قيل فاتْ

 أشعرُ لمّا يزلْ

 عامراً بالأزلْ

 ورحيق الحياةْ

 شفقُ الذكرياتْ

 ليس كما شفقُ الذكرياتْ

 والغسقْ

 والترابُ له نكهةٌ

 لستُ أعرفها

 والمياهُ البريئةُ

 منكوبةٌ بالغرقْ

 والمحبون

 غير المحبينَ

 والأصدقاءُ

 تلاشوا على مفترقْ

 والكتابُ الذي

 خبأتْهُ الأمومةُ

 قالوا: احترقْ

 ...

 وذا ما تبقى من الذاكرة..

 هشيمٌ من الصور المشتهاة

 تداعتْ على موقد الدائرةْ

 وكم دار بيْ صوتُها النداءاتُ

 حيرى وأصداؤها حائرةْ

 كدتُ أصرخُ بالهجرة القاهرةْ

أن أعيدي إليّ الجنون..

 لتسعدك اللغةُ العاقلة!

 واسلكي المستقيمَ

 وخلّي لي الطرق المائلةْ!

 فلستُ بمستمع

 بعد قتل النواح لغير نواحي

 ولستُ لأحمل سيف الحماقة

 كيما أموتُ خؤوناً،

 سألقي سلاحيْ

 وأهجرُك نحو نفسي

 واملأُ كأسي

 وأشربُ حتى الثمالة كي لا أيقْ

 لأقطف من حقلٍ وهم بريقْ

 يرنو إلى القادمين

 مع أوانِ الرحيقْ

 أصيحُ يا قادمينْ

 بصيغة الراحلينْ:

 ذا وداعي..

 وبعضُ حزنِ الصديقْ

 وماءُ عين الرحيلْ

 يوم انتخى للصراخْ

 ليس سوى المستحيلْ

 كان الصدى.. الصدى الذي

 على مداخل الزمانْ

 يرقبُ في لجاجة قيامة اأوان

 تخرجُ من خرافة الطنينْ

 أو من بيان قولها المبينْ


أو من جحور وطأةِ الهوانْ

 ... يا أيّها الزمانْ

 أغربْ.. وبلّغ المكانْ:

 في نقطة بينكما

 عزمتُ أن أكونْ.

 خذا الحياة كلها

 وحصتي: الجنونْ..

 في فيضه تُستنسبُ الإقامة

 لريثما يحينُ موعدُ القيامةْ

 ويأفلُ النسيانْ.

 وآفلاً أروحُ في ضبابه

 تسبقُني الأشجانْ:

 ما أتعس الإنسانْ!

 كنافلٍ يُداسُ في ممالك الهوانْ.

 ما أهونَ الأفول في النسيانْ!

 مياه الغريب

 أحفرُ نهراً كل صباح

 ينبعُ من روحي

 ليصبَّ مساءً

 في روحي.

 - هكذا أقاومُ الجفاف.

 ٭

 كلما رأيتُ ماء يجري

 استيقظت ذاكرةُ الأنهار:

 من »الغرّاف«

 إلى »خريسان«

 يتهادى بي »دجلة«

 عكسَ التيار.

 - هو الحنين، وديدنهُ.

 ٭

 الزوارقُ الورقيةُ

التي عوّمها ماءُ الطفولة

 احترقتْ في أعماق الساقية..

 وما عادت أوراق الكهولةِ

 تصلح لصناعة زورق،

 ولا الماءُ مائي.

 - يا لقسوتها.. لعبة الزمن.

 ٭

 على حافات »هور الحويزة«

 يتناقصُ الماءُ

 والطيورُ

 والجنودْ..

 وأنا أقرأ المزيد من الكتب

 وأكتبُ المزيد من الشعر

 والمزيدَ من رسائل الحب

 حتى فاضَ بي التمرّد.

 - هكذا بقيتُ حياً.. أعني يتاً.

 ٭

 افترشُ رمل الخليج وقصائدَ السيّاب

 وحيداً أنتظرُ البصرة

 التي كانت تقع على كوكب المريخ!

 ولكن الكويت لم تمهلني

 والأممُ المتحدةُ زحلقتني برفق

 على كوكب جليدي

 يخادعُني بالألفة وأقاومهُ بالحنين.

 - ما فتئتْ أسناني تصطكُ برداً.. والذكريات.

 ٭

 كانت ستوكهولم تحاصرُني بالماء

 والبحرُ أمامي أنى توجهتُ..

 ولكنني.. ولا مرةً واحدةً

 غرفتُ حفنةً لأتذوقها.

 - كنت أخشى على مذاق

الرافدين من الملوحة.

٭

كانت الباخرة »سيليا«

تمخر عباب »بحر الشمال«

من الشمال إلى الشمال

وأنا الغريب على متنها

أبحثُ عن جنوبي الضائع.

- دون مغيث.

٭

وقفتُ على نهر »التايمز«

مغمض العينين

يتماوجُ تحتَ أحداقي

نهرٌ آخر

تدجّل وتفرّت في عروقي

وما برحتْ نوارسُهُ المشاكسةُ

تصطادُ أسماكي.

- أكادُ أمسكُ نورساً بيدي.

٭

كلّما عبرتُ نهر »الفولغا«

يباغتُني

إسفلتُ »جسر الشهداء«

بأقدامي التي لم تغادرهُ:

جيئةً وذهاباً.

- من اين لي بأقدام تكفي لجسور الشهداء؟

٭

لم يكن »المتوسط«

سوى شرقٍ

قرأتهُ في رواية »منيف«.

وما »بيروت«

إلا تعلّة الغريب.

- الحدودُ المفتوحةُ مغلقةٌ جداً!


تصميم الحاسب الشامل