إدوارد سعيد
صورة المثقف الكوني..!

 

فرج بوالعشة (شاعر وباحث من ليبيا يقيم في ألمانيا)


 تقول الاسطورة الفرعونية: قام ست (إله الشر) بقتل أزوريس (العادل)، وتقطيع جسده إرباً، ثم رمى كل قطعة في ناحية من الأرض. فقامت زوجته إيزيس (ابنة إله الأرض وآلهة السماء) تبحث عن جسد زوجها المشتت في أطراف الأرض، حتى عثرت عليه، فجمَّعت أعضاءه قطعة قطعة، ضمتها إلى بعضها،ثم احتضنت جسده المجمع، فتحبل منه، لتلد ابنهما حورس الذي سيثأر لأبيه من إله الشر.   

إدوارد سعيد أزوريسي بامتياز. مزق النازيون الجدد (الصهاينة) هويته الوجودية (= هوية شعبه الفلسطيني) شتات، ورموا بها على طول العالم وعرضه. وإيزيس (هنا) هي تجربته، في الحياة والمعرفة، في البحث عن لحظة التئام هويته الوجودية الممزقة شتاتا، خارج المكان، في المنفى القسري. خارج اللغة الأم، في اللغة المتبنية/ المتبنية..!

كما يمكن ان يكون أوليسي أو تموزي أو جلجامشي، بامتياز. إذ كونه يختزل روح الفلسطيني (الرافض لدور الضحية)، المقذوف به خارج العدالة، في شتات الرمز، يليق به المعنى الاسطوري لسؤال الوجود إياه عن أنا/الآخر، المحمول على معادلة اغتراب العالم والاغتراب عن العالم، في الوقت نفسه، ولكن في سياق جدلي خلاّق.!

ولمقاربة تجربة إدوارد سعيد، في الحياة والمعرفة، ينبغي الدخول من باب قراءته الفكرية المتفحصة لتفاصيل سيرته الذاتية (طفلا وشابا ومثقفا).

 لماذا اختار، إدوراد سعيد، جوزف كونراد، الروائي البولوني الشهير، ليكون عالمه الأدبي موضوعا لأول كتاب أصدره العام 1966.

جوزيف كونراد كان في السابعة عشرة من عمره عندما هاجر وطنه العام 1874 . عاش في فرنسا لحوالي ٤ سنوات. عمل بحارا في البحرية التجارية الفرنسية. ثم انتقل للعمل في البحرية البريطانية العام 1878.وبعد حوالي ثمانية عشر عاما، نشر روايته الأولى »جنون آلماير« بلغة انجليزية فذة، بحيث نُعي بعد موته العام 1924، بحسبانه أفضل كاتب أجنبي يكتب باللغة الانجليزية.

وكونراد لا يستمد مكانته الأدبية المتفردة بحسبانه أحد أبرز الناثرين في كل العصور،ومؤسسا رائدا لأسلوب روائي حديث فحسب. وإنما بحسبانه مبدعا متجاوزا لثقافة عصره، حاملا رؤية إنسانية صافية، في محتوى أدبي رفيع. وبرؤيته الانسانية الصافية تلك، كما تجلت في روايته: »قلب الظلام« فضحت الصورة الإنسانوية الفاقعة، التي رفعتها البرجوازية الغربية إلى مصاف المهمة المقدسة للرجل الأبيض، لتبرير استعمارها للآخر (الأحمر/الأسود/ الأسمر/ الأصفر..!!) بذريعة تمدينه وتحضيره!!

كونراد كان، حسب الناقد الانجليزي ارنولد كيتل، إلى جانب روبارد كبلنغ، هما فقط من نظر إلى الامبريالية وجها لوجه، وقد اكسبتهما تجربتهما حيوية يفتقر إليها بوضوح كتاّب عصرهما.لكن كونراد وحده نظر إلى الامبريالية بأمانة كافية جعلته فنانا عظيما.

وإدوارد سعيد، في علاقته الفكرية الحميمة،غير معني بمناطحة كونراد في مصافه الإبداعي. أنه شبيهه في  رؤية إنسانية كونية مشتركة، تشتغل، فكريا، على تعرية الثقافة الامبريالية من أغطيتها الإيديولوجية. وهو شبيه تجربة من حيث الوجود في لغة أخرى ليست لغته الأم. مع فارق ان اللغة البولونية وثقافتها بالنسبة لكونراد تمتح من حضارة أوروبية واحدة في جذورها. بينما اللغة الانجليزية والثقافة الانجلوامريكية، بالنسبة لإدوارد سعيد المنزوع من عربيته تتخذ شكل المنفي.لكنه منفي خلاّق لأسئلة ضاغطة، متوترة، تتبادل شكوكها بين عالمين: »مختلفين كلياً بل متعاديين: العالم الذي تنتمي إليه عائلتي وتاريخي وبيئتي وذاتي الأولية الحميمية ـ وهي كلها عربية ـ من جهة، وعالم تربيتي الكولونيالي وأذواقي وحساسياتي المكتسبة ومجمل حياتي المهنية معلما وكاتبا من جهة أخرى...«.

وسياق الأسئلة المتوترة هذه، في اتجاهين متعاكسين، حياة ولغة، تنسج »غربة مزدوجة«: »فلا أنا تمكنت كلياً من السيطرة على حياتي العربية في اللغة الانجليزية، ولا أنا حققت كليّا في العربية ما توصلت إلى تحقيقه في الانجليزية....«.

لكنها الأسئلة التي تنتج بالمقابل هوية متحركة على قلق كأن الأسئلة: »جغرافية الارتحال، من مغادرة ووصول ووداع ومنفى وشوق وحنين إلى الوطن وانتماء، ناهيك عن السفر ذاته. فكل واحد من الأمكنة التي عشت فيها..... شكلت جزءا عضويا من عملية نموي واكتسابي هويتي وتكوين وعيي لنفسي والآخرين.«.

لجهة السياسة،كانت هزيمة 6/5/67 بمثابة هبوط ضروري من فضاء أسئلة الوطن/الذاكرة، والإقامة المنقوصة في لغتين، إلى أرض المصدر الواقعي لمسقط الرأس وسحنة الجسد، ومذاق الكلام ومقال المقام. هبوط بمعنى العودة الملموسة إلى العالم العربي، عبر معايشة حركة المقاومة الفلسطينية الناهضة بقوة رفضا لهزيمة 67، والانكباب على تعلم اللغة العربية ودراسة الأدب العربي، سعيا إلى تمثل الهوية العربية بما يليق بتجسير الهوة الفاصلة ما بين عالم البيئة الأصلية (العربية) وعالم التربية الثقافية (الانجليزية).

ولأن الثقافة الانجليزية كانت الغالب على تربيته، في المدرسة والبيت، وحتى أثناء عيشه في البلاد العربية، كان عليه، في نهاية الثلاثين من عمره، ان يستعيد هويته العربية، قبل ان تفلت منه نهائيا، لكن منهجه في استعادتها، جعله حريصا على أن تكون الاستعادة في سياق: »البحث عن الانعتاق والتحرر من القوالب الجامدة للعائلة والدين والقومية واللغة أيضا ـ قراءة تعيد إليّ ما كنتُ أرغب فيه من تكيّف أفضل وأكثر تناغما بين ذاتي العربية وذاتي الأمريكية. وكلما أوغلت في ذلك الجهد ازددت اقتناعا بأني إنما أسعى إلى تحقيق فكرة طوباوية..« فتكون النتيجة العقلانية أنه: »عربيًّ أدت ثقافته الغربية، ويا للسخرية الأمر، إلى توكيد اصوله العربية، وإن تلك الثقافة، إذ تلقي ظلال الشك على الفكرة القائلة بالهوية الأحادية، تفتح الآفاق الرحبة أمام الحوار بين الثقافات..«

وقبل ان يتوصل إلى ذلك لم يكن سعيد يطيق إدوارد: »هذا الاسم الانجليزي الأخرق الذي وُضع كالنير على عاتق »سعيد« اسم العائلة العربي القح.. »المسمى به على اسم: »أمير بلاد الغال(وارث العرش البريطاني) الذي كان نجمه لامعا عام 1935، وهو عام مولدي..« والاسم المركب ببعديه، الانجليزي (المستعمر، بكسر الميم الثانية) والعربي (المستعمر، بفتح الميم) أوقعه في إغتراب الهوية الاسمية: »خلال سنوات من محاولاتي المزاوجة بين اسمي الإنجليزي المفخّم وشريكه العربي، كنتُ أتجاوز »إدوارد« وأؤكد على »سعيد« تبعا للظروف، وأحيانا أفعل العكس، أو كنتُ أعمد إلى لفظ الاسمين معا بسرعة بحيث يختلط الأمر على السامع«. والاغتراب نفسه ينسحب على اللغة. فهو لم يعرف أبدا أية لغة تكلم بها أولا: »أهي اللغة العربية أم الإنجليزية، ولا أيا منهما هي يقينا لغتي الأولى. ما أعرفه هو أن اللغتين كانتا موجودتين دوما في حياتي، الواحدة منهما ترجِّع صدى الأخرى، وتستطيع كل واحدة منهما ادعاء الأولوية المطلقة، من دون أن تكون هي فعلا اللغة الأولى. وأنا أعزو مصدر هذا الاضطراب الأوّلي إلى أمي التي أذكر أنها كانت تحدثني بالإنجليزية والعربية معا..«

وانعكس ذلك اغترابا في  الهوية الوجودية، محمولا على »تمن محموم« لو أنه وعائلته: »عرب كاملون أو أوروبيون أو أمريكيون كاملون أو مسيحيون أرثوذكس كاملون أو مسلمون كاملون أو مصريون كاملون وما إلى ذلك..« فهو وإن كان، من حيث الأثنية، عربي الأصل، فلسطيني المولد، مقيم في القاهرة، إلا أنه عاش معزولا عن حياة المصريين، كونه مقيما مع عائلته في (الحي الكولونيالي) ويحمل الجنسية الأمريكية، ويدرس في مدرسة إنجليزية، زمن الحرب العالمية الثانية، ويذهب إلى الكنيسة البروتستانتية، ووالده وديع اختار لنفسه اسم »وليام« لكي يكون لائقا بجنسيته الأمريكية..!!

لكن ذلك لم يمنع إدوارد/سعيد من أن يلعب أو قل يتلاعب بخيارات هويته المتعددة. فحالة الاغتراب لم تكن عدمية، وإنما هي  ضرب من الاغتراب الإيجابي الخلاق، كما ستأتي نتائجه لاحقا في حركية إدوارد سعيد الإبداعية، برسم هوية مثقفي عضوي كوني.

وفي مركز حياة إدوارد سعيد يبرز الأب والأم اللذان مثّلا طرفي المعادلة الحياتية التي شكلت صورة المثقف،طفلا وصبيا وشابا،حتى تسنى له أن يشب عن سلطة الأب القاسية وسلطة الأم الدافئة، حيث: »وفر ليّ دفء أمي السائغ لأكون الشخص الذي كنت أشعر حقيقة انني إياه، بالمقارنة مع »إدوارد« الفاشل في المدرسة والرياضة والعاجز عن مجاراة الرجولة التي يجسدها أبوه....«

من أمه شعر بجسده: »جسدا مثقلا وإشكاليا إلى حد لا يصدّق، أولا بسبب معرفتها الحميمة به، لأنها الأقدر على إدراك طاقته على ارتكاب الشر، وثانيا لأنها حرمت نفسها الحديث علنا عنه،فلم تقارب الموضوع إلا تلميحا.... فتتكلم عنه ـ أي جسدي ـ عبرهم مثل الناطق من بطنه.........«

كان جسده مصابا بعدة علل: قدمان مسحاوان، رعشة غير إرادية تتملكه كلما حكمته رغبة التبول، آلام دائمة في المعدة، هزل وقصر في النظر بسبب التهابات في قناة العين ونوبات التراخوما، قامة طويلة ملتوية: »وقد أضحت هوس أبي وموضوعه الأثير، عند بلوغي المراهقة(.......) وأكثر ما أحبطني في تلك التجربة هو أني، وقد بلغت الحادية والعشرين لم أعترض على كون أبي خوّل نفسه أن يحزّمني مثل طفل شقيّ ترمز قامته الملتوية على ماهية ذميمة تستحق عقابا عِلميّا.....«

من جهة الوضع الاجتماعي الطبقي، نجد الوالد تاجرا ثريا ناجحا. بدأ صغيرا في عالم تسويق القرطاسيات. وكان جزء من نشاط شركة الأب وعائلته يشمل بيع الكتب وكذلك نشرها بشكل محدود ومنها: »كنتُ أتلقى هدايا من الكتب المناسبة مستلة مباشرة من على الرفوف... وقد انقسمت تلك الكتب المدرسية إلى فئتين عامتين: كتب أطفال... وكتب معلومات مفيدة...« علاوة على الكتب التي كانت توفرها له الوالدة وتقرأها معه أحيانا.

في ذلك العالم، من القصص المصورة للصبيان والفتيان عن حكايات الجن والقصص التوراتية والأساطير الاغريقية، انجذب بشدة إلى استيهامات الخيال الاستشراقي في قصص الاطفال والصبيان، وسلسلة أفلام طرازان حبيب الحيوانات المفترسة والسكان المحليين من الأفارقة، وسلسلة أفلام ألف ليلة وليلة، حيث علاء الدين وعلى بابا وسندباد وسلاطين بغداد. يتكلمون الانجليزية بلكنة أمريكية ويتناولون أطعمة غامضة، ولعلها من صنف الـ»سويت ميتس«.

أو وهو منحبس: »انحباسي الضيق في حياتي وبيتي« غارقا في : »الدروس والكتب الإنجليزية« التي تدور حول عظمة الامبراطورية البريطانية وأمجادها التاريخية، بينما في الواقع، بسبب سحنته العربية يصطدم بالممارسات الكولونيالية العنصرية،التي اقامت حاجزا، اجتماعيا، يفصل بين حياة عموم المصريين في فضاء القاهرة الشاسع، و»الضاحية الكولونيالية المصطنعة« حيث يعيش مع عائلته معزولا عن حياة المصريين، من بني جلدته ولغته وثقافته، وكذلك عن حياة الانجليز المنغلقين على عالمهم الخاص والمحظور على العرب.

 ومن بين تجاربه المبكرة في الاصطدام بالممارسات العنصرية، يذكر أنه بينما كان في طريق عودته من المدرسة إلى البيت: »عند الغسق عبر أحد الحقول المترامية الأطراف لنادي الجزيرة، اعترضني انجليزي......... والد رالف زميلي في المدرسة: »ماذا تفعل هنا، يا ولد؟« نهرني بصوت بارد هزيل. »أنا راجع إلى البيت« قلت، محاولا التزام الهدوء، فيما أخذ يترجل من على دراجته ويتقدم باتجاهي. »ألا تعلم أنه ممنوع عليك أن تكون هنا؟« سأل مؤنبا. فبدأت أُغمم شيئا عن كوني عضوا في النادي، لكنه قاطعني بلا رحمة:« لا تجاوب يا ولد. غادر المكان فقط، وغادره بسرعة ممنوع على العرب ارتياد هذا المكان، وأنت عربيّ!«

 تلك الاهانة العنصرية القاسية على نفسية صبي ممزق بين عالمين ولغتين، ستحفر  جرحا مؤلما في ذاكرته، لأنها قصدت إشعاره بدونية أهليته رغم عضويته في النادي الأجنبي، وتسفيل أصله،وهو الذي: »لم يسبق أن فكرتُ بنفسي بوصفي عربيا...« وعزز ذلك أن أباه (الخبير بهذه الممارسات العنصرية) لم يبال بالأمر، حتى أنه: »...بدا وكأنه يوجد عقد استسلامي بيني وبين أبي توافقنا فيه على أننا ننتمي بالضرورة إلى مرتبة دنيا...«

لقد خدشت الحادثة، في نظر إدوارد الصبي، صورة الأب القوي المهيمن، التي كانت برسم المتسلط البطريركي، الحاضر بضراوة في تشكيل صورة ابنه على هواه. وهو يقارب  صورة الأب الكافكاوي كما صوره كافكا، وان لم يكن أب إدوارد على تلك الدرجة من السوداوية، إلا انه كان يرى فيه صورة صاحب الحضور الجسدي الموحي بالثقة الطاغية: »بالمقارنة مع جبني وخجلي الانكماشيين والعصابيين..«

فالاب لم يكن راضيا عن تكوين شخصية ابنه الوحيد، جسديا وسلوكيا. دائم الاحتجاج على جسده، وعلى خجله وانكماشه. كان حاضرا في ذهنه كمسطرة  لرسم وجوده، لاقحامه في الحياة، لجعله يمشي كمشيته: »المتيبسة كقضيب والمنتصبة على نحو يكاد أن يكون كاريكاتوريا..« وعندما اباح الابن للاب، الذي: » لا يبدو أنه يخشى اقتحام أي مكان أو الإقدام على أي فعل ـ وهما أكثر ما أخشاه.«، أنه لا يقوى على ان يقابل نظرات الناس إليه بمثلها. أشار إليه الأب بان لا ينظر إليهم: »عينا في عين، بل إلى أنوفهم«، الأمر الذي منح إدوارد سعيد كما يقول: »تقنية سرية استخدمتها عقودا من الزمن. وعندما بدأت التدريس، بُعيد تخرجي في أواخر الخمسينيات، وجدتني مضطرا إلى خلع نظارتي لكي يتحوّل الصف كتلة ضبابية يتعذر عليّ تمييز أي شيء فيها. ولا أزال إلى الآن أجد صعوبة لا تطاق في أن أشاهد ذاتي على شاشة التلفزة، بل حتى أن أقرأ ما يكتب عني.«

مقابل حضور صورة الأب الصارم، تترقرق صورة الأم،التي وفر دفئها الرائق: »الفرصة النادرة لأكون الشخص الذي كنتُ أشعر حقيقة أنني إيّاه، بالمقارنة مع »إدوارد« الفاشل في المدرسة والرياضة والعاجز عن مجاراة الرجولة التي يجسِّدها أبوه. على أن علاقتي بها ما لبثت أن ازدادت التباسا مع الوقت، وصارت إدانتها لي أشد تدميرا من الناحية العاطفية من تنمُّر أبي وتأنيبه«.

لكن صورة الأب المهاب، والعنيف في بعض الأحيان، حتى أنه: »اعتدى عليّ بالضرب المبرح على نحو مهين وأنا طالب دراسات عليا في هارفارد، عقابا على وقاحتي، كما صرح لأمي..« ليست نمطية تماما لأب جائر بالمطلق. فهناك الوجه الآخر للوالد المحب لعائلته، ولابنه الوحيد لدرجة المبالغة في خوفه عليه. المستقيم والمنصف في عمله، دائم السخاء. وإلى ذلك هو رجل الأعمال الناجح، الذي كان أول من أدخل آليات البزنس على الطريقة الامريكية إلى منطقة الشرق الأوسط: »لاحقا قدرت أن ما حققه أبي في مجال التنظيم العقلاني للعمل ومنح الحوافز لكل واحد من موظفيه المتكاثرين باستمرار كان عملا فريدا، لا بالقياس إليه فقط وحسب وإنما قياسا ايضا إلى منطقة الشرق الأوسط برمتها..« ولا يبدو ذلك مبالغة من طرف ابن في حق أبيه، فالأخير: »كان رائدا في مجال التصليحات وخدمات ما بعد البيع... وطور بمساعدة زوجته، والأحرى القول إنه »اخترع« الآلة الكاتبة بالحروف العربية بالتعاون مع شركة »رويال«...« 

وخلاصة استبيان ميراث الأب،في تحليل الابن، ارتباطه، عنده، على وجهين: »دونما فكاك في مفارقة مطلقة لا جدال فيها، حيث ينفتح القمع والتحرر واحدهما على الآخر في لغز بدأت اعترف به للتو، وإن كنتُ لا أفهمه تمام الفهم.«

أما الأم، الفضاء الحميم لوجوده، والصديقة الأعز في حياته، سيما في سنوات استقلاله، فقد أثقلت، في طفولته، على احساسه بجسده وأشكلت عليه معرفته به: »أوّلا بسبب معرفتها الحميمة به لأنها الأقدر على إدراك طاقته على ارتكاب الشر، وثانيا لأنها حَرَمَتْ نفسها الحديث علنا عنه.« كما اشكلت عليه لغة جسده في علاقتة مع شقيقاته، كونها علاقة واقعة في دائرة التباسات المحظور والمباح من حيث طبيعة حدود العناق والاحتضانات والقبل الأخوية.!

كانت الثقافة الجنسية غائبة، بمفهومها التربوي، في:»أسرة تصر على افتعال تصوير نفسها جماعة أوروبية صغيرة، على الرغم من بيئتها المصرية والعربية...« إذ كان الحديث عن الجنس : »ممنوعا في كل مكان ، بما في ذلك الكتب ، على الرغم من ان فضولي وتوافر الكتب في مكتبتنا حالا دون تطبيق المنع الكامل في هذا الميدان..«..!

 كان عليه ان يختبر علامة بلوغه بنفسه،وقد شكل له اختبار الاستحلام والعادة السرية أسئلة شائكة، عن كيف يعرف المرء أنه استحلم، وهل إفرازه مثل تبول»بيبي« على ما جاء في سؤاله الطفولي لأبيه،الذي أجاب ليزيد الأمر غموضا، قائلا: »تعلم ذلك في الصباح... نعم أنه يشبه التبول، إلى حد ما، لكنه دبق أكثر من التبول ويعلق على منامتك..« ثم يحكي له عن شرور ومخاطر العبث بالجسد(العادة السرية) التي تؤدي إلى الاصابة بالصلع أو الجنون. ونجده يتحول إلى مفتش»جنائي« يدخل إلى غرفة ابنه في الصباح، يفتش منامته بطريقة مخبرية، ناظرا إليه بغضب وقرف: »لا شيء. كم مرة حذرتك من مخاطر العبث بجسدك..« باعتبار عدم وجود أثر لاستحلامه يثبت أنه مارس الاستمناء.!      

وفي سياق رحلة البحث عن الهوية المشتتة كأطراف اوزوريس في فضاء التجارب الحياتية والمعرفة الفكرية، ينتقل إدوارد سعيد الصبي من عالم التعليم الانجليزي الصارم إلى عالم مدرسة القاهرة للاطفال الأمريكيين،  عام 1946، ذات النظام التربوي، المصمم كي يكون: »جذابا وبيتيا ومفصّلا على مقاس أطفال في طور النمو..« وحيث تختفي المظاهر المتكلفة للمدرسة الانجليزية، سلوكا وزيّا. ليجد نفسه مندهشا في عالم المدرسة الامريكية، أو قل يصيبه ذعر عظيم (بلغته) وهو يشاهد زملاءه الجدد يرتدون الـ»تي شيرت« والجوارب المقلمة وأحذية الموكاسان مما يعد ثورة فوضوية كبرى بالنسبة إلى ما يرتديه الصبي المتهندم، القادم من المدرسة الانجليزية محشورا في: »شورط رمادي لائق انيق وقميص أبيض رسمي وحذاء أوروبي تقليدي ذي أشرطة..« وهذه الملاحظات على بساطتها في التمايز بين عالمي المدرسة الانجليزية والأمريكية يكشف في العمق عن التمايز بين روح الحضارة البريطانية المتكلفة وقد شارفت على الغروب وروح الحضارة الأمريكية المتحررة وقد باشرت شروقها إلى الأوج.

 وفي العالم المدرسي الامريكي ازداد التباس هويته في صورة اسمه. فحاول ان يحرف اسمه إلى »سِغيد« ليقترب بغرابته إلى الاسماء الامريكية،حتى: »اضطررتُ إلى أن أخفي ملكتي الممتازة للغتي الأم...« فتعرض بسبب ذلك إلى تهكم معلمة اللغة العربية التي كشفت له بطريقة خبيثة، غير مباشرة، عن معرفتها بتحايله على اسمه العربي الأصيل.!

كثيرة هي التجارب المؤلمة في سيرة بحث الذات عن هويتها الوجودية في لحظة سلامها مع نفسها بعد اعتراك مضني مع الحياة والاحلام والاوهام. ودائما كان مركز الاعتراك وجوهر سطوته يدور حول الشعور بالنقص الفادح في منسوب الهوية المبددة في التناقضات: إدوارد وسعيد، فلسطيني بدون فلسطين، عربي خواجة، مسيحي بروتستانتي، أمريكي الجنسية، من قبل أن يرى امريكا، يبطن هوية عربية أخرى: »لا أستمد منها أية قوة بل تورثني الخجل والانزعاج..«، حتى انه في لحظة تعنيف المعلمة الامريكية له في الصف، تملكه شعور ان كل من في الصف من الاولاد الامريكيين يحدقون إليه باستهجان وفضول، وتخيلهم كأنهم يتساءلون: »أنه مجرد صبيّ عربي مسكين. فما الذي جاء به إلى مدرسة للأطفال الأمريكيين؟ ومِن أين جاء؟«.

وسط كل هذه التجارب الحياتية بمتعها وخيباتها والتباساتها تشكل وعي إدوارد سعيد بمأساة وطنه المستلب بشكل تراكمي وعبر اشارات متواترة. فقد كانت العائلة حريصة على ان لا تقحم صغيرها في أمور لم تعد له صلة بها. وحدها عمته نبيهة من ستحسسه، بشخصيتها الوطنية وعملها التطوعي في مساعدة اللاجئين الفلسطينيين إلى مصر، معنى ضياع وطنه، وسيستغرق التحسس عقوداً طويلة قبل ان يتحول إلى وعي تاريخي/إنساني بقضية عادلة، يترسخ عنده، تدريجيا، مع سنوات النضج في حياته الأمريكية، دارسا وباحثا،ثم أستاذا جامعيا ومثقفا كونيّا: »كانت فلسطين تلوح كلمح البصر ثم تختفي سريعا من حياتنا النيويوركية.. سمعتُ لأول مرة عن تأييد الرئيس ترومان للصهيونية... منذ ذلك الوقت اكتسى اسم ترومان عندي طاقة تعويذية شريرة، ما أزال أستشعرها إلى الآن....«

وفي الخامس من حزيران/يونيو 1967 صدمته الهزيمة العربية الشاملة  في مواجهة إسرائيل، بحيث: »لم أعد الإنسان ذاته بعد العام 1967. فقد دفعتني صدمة الحرب إلى نقطة البداية،إلى الصراع على فلسطين، فدخلت من ثم إلى المشهد الشرق أوسطي بوصفي جزءا من الحركة الوطنية الفلسطينية...«

ولم يكن لانخراطه السياسي في القضية الفلسطينية، أن يستقيم موضوعيا وعمليا دون استعادة الهوية العربية وتمثلها تمثلا موضوعيا، وكان ذلك مشروطا بالطبع بامتلاك اللغة بما هي أداة تفكير في(وبـ) الثقافة العربية.

وليس مصادفة، أو أنها مصادفة ذات مغزى،أن آخر ما كتبه من دراسات، قبل وفاته، دراسة رائعة عن اللغة العربية تحت عنوان: »لغة تعتبر في امريكا اليوم قضية خلافية لأسباب إيديولوجية« نشرها باللغة الانجليزية في المجلة الأدبية المتخصصة »راريتان« في عدد ربيع 2002، ونشرتها صحيفة الحياة في حلقتين، بتاريخ 8ـ9/3/2004، تلبية لرغبة سابقة من إدوارد سعيد في ترجمتها إلى العربية كي يطلع عليها قراؤه العرب.

تدور الدراسة عن علاقة إدوارد بلغته الأم مفككة ومضطربة وممزقة كعلاقته بفلسطينه المسلوبة، واسمه المركب من لورد انجليزي وفلاح فلسطيني، التلميذ في المدرسة الانجليزية المقبول على مضض في العالم الكولونيالي، والقاهرة العربية المعزولة عنه، خليط اللهجات العربية الفلسطينية واللبنانية والسورية التي تلقاها في حله وترحاله، لتبقى اللهجة المصرية، التي صار يتكلمها بطلاقة: »هي أسرع وأكثر إلماحا بكثير، وأجمل كما أعتقد،من اللهجات التي نشأت عليها بين الأسرة والأقارب.«

خلال الخمس عشرة سنة من عمره التي قضاها في البلاد العربية كانت اللغة العربية لغة ثانية في تعليمه، وقد دُرسِّت له في المدرسة الكولونيالية الانجليزية »كلغة ميتة مستعصية« وتلقاها بالشعور بالضيق وهو يستمع إليها في مواعظ الكنيسة أو في بعض الخطب العصماء في مديح الملك المبجل. بحيث أنه وهو الطفل المراهق الموزع بين انجليزية التعليم ودروس الفصحى العربية المغتربة والدارجة البيتية الحميمة،استعمل الفصحى: »للاستهزاء والتقليد الساخر للبلاغيات المملة والتهجم على الكنيسة والدولة والمدرسة.«

وبعد حرب 67 أو قل على إثرها وبسببها وجد المثقف المشتت مكانا ولغة (العالم لغة يقول ماركس!) أنه في حاجة إلى لغة أصله وفصله كي يتماسك  توازنه القائم على ان تكون هنا وهناك، أي أن تكون فلسطيني/عربي وأمريكي/كوني. بمعنى ان تكون أنت أنت: ادوارد وسعيد! وقد: »جاءت حرب 67 لتدفعني، مكرها إلى السياسة، ولو عن بعد. وكان أول ما لاحظته ان لغة السياسة كانت الفصحى وليس العامية (التي) قامت على نماذج للفصاحة تم تلقينها لتقليد الجدية في الطرح وليس الجدية بذاتها (بمعنى سيادة) الرطانات الماركسية والتحررية السائدة وقتها، حيث تم تعريب توصيفات الطبقة والمصالح المادية والصراع الاجتماعي ـ وما يرافقها من الكلام عن التناقضات والنقائض..... لتكون مادة لمونولوغات لا تخاطب الشعب بل الناشطين المثقفين الآخرين.«

ووجد ان عليه أن يعود إلى قواعد اللغة العربية وفيلولوجياتها. وكان معلمه (لحسن حظه) انيس فريحة. وعلى مدى عام، ولساعات ثلاث يوميا، درس: »مئات المقاطع من القرآن والمؤلفين الكلاسيكيين مثل الغزالي وابن خلدون والمسعودي، والحديثين من أحمد شوقي إلى نجيب محفوظ«.

وفي مقالته، عن اللغة العربية، المشار إليها آنفا، يناقش موضوعة العلاقة في اللغة بين الفصحى والدارجة على مستوى سطح العلاقة بينهما، وفي العمق العلاقة بين فصاحة البلاغة اللغوية المتحذلقة، التي تستعمل: »المهارة اللغوية للتسلط على المستمع..« والفصاحة الناطقة بالحكمة، أو التي »ليست سوى الحكمة عندما تتكلم..«

ويتوقف عند فصاحة العربية الحديثة التي اصبحت قاسما عربيا مشتركا للتفكير العام، والتي إذا: »أُحسن استعمالها فلا مثيل لها في دقة التعبير وللطريقة المذهلة التي تتغير بها الحروف ضمن الكلمة الواحدة، خصوصا في نهايتها، لتقول شيئا متميزا مختلفا. انها أيضا لغة لا مثيل لها من حيث مركزيتها بالنسبة إلى ثقافتها، كونها، بحسب ياروسلاف ستيكتيفتش، مؤلف أفضل كتاب حديث عنها، ولدت مثل فينوس بكامل جمالها، وحافظت على ذلك الجمال رغم كل مخاطر التاريخ وتخريب الزمن.«

والمقصود باللغة العربية الحديثة، تلك التي نهضت مع حركة النهضة العربية في اواخر القرن التاسع عشر، وكانت القاهرة مركزها الرئيسي، التي كانت مركز جذب للمثقفين العرب الذين لجأوا إليها هربا من الاضطهاد السياسي والفكري، وخصوصا رواد النهضة العربية من الشوام (لبنانيون، سوريون، فلسطينيون) الذين قادوا معركة تحديث اللغة العربية وتطويرها، حيث طعّموا الفصحي بنحو ٠٦ بالمائة من المفردات الحديثة. وهذه الاضافة اللغوية التحديثية الثرية لم تكن مفصولة عن تحديث الفكر العربي. ولذلك، حسب  سعيد، لا: »أساس للشكاوى في » نيويورك تايمز« من » الفيلسوف الأحمق« توماس فريدمان والمستشرق المنهك برنارد لويس، اللذين يكرران التعويذة القائلة إن الإسلام والعرب بحاجة إلى اصلاح ديني على غرار الاصلاح البروتستانتي، لأن علاقتهما (فريدمان ولويس) بالعربية سطحية، وليس لهما أي اطلاع على كيفية استعمالها من جانب العرب، حيث نجد انها (اللغة العربية) تحمل في كل ثنية من ثناياها، فكرا وممارسة، أثر الاصلاح.« ويدلل على عبقرية اللغة العربية، في صورة تجليها الإبداعي الحديث، بنثر الياس خوري وجمال الغيطاني وكذا شعر اودنيس ومحمود درويش، كنماذج إبداعية رائعة لقدرة اللغة العربية  على التطور والتفوق .

ورغم تمكن سعيد من العربية قراءة وكتابة ظل، بتواضع العالم، يشكو من انه لا يستطيع أن يحاضر أو يناقش بالفصحى دون مزجها بالتعبيرات العامية. وهي في الحقيقة ،إذا كانت مشكلة،هي مشكلة معظم المثقفين العرب(ناهيك عن العامة) بسبب غياب الفصحى عن الممارسة اليومية. إلا ان الأمر يرتبط عند سعيد بتحدي ازداوجية الهوية، المشتتة بين عالمين مختلفين: لسانا ومكانا وثقافة. وحتى مع وجود »كم هائل من الكتابات التقنية عن ثنائية اللغة، لكن ما اطلعت عليه منها لا يمكن ان يعالج مسألة ان يعايش المرء فعلا لغتين من عالمين مختلفين وفصيلتين لغويتين مختلفتين، وليس ان يعرفهما فحسب.«.!

لكنه، لعله، وجد تعويضا (عاطفيا) في ابنه، الذي كأنه منح لأبيه (شيئا) قبل ان يمنحه لنفسه، عندما عكف الابن بجهد استثنائي على تعلم العربية، وقد أردفه بإقامات طويلة في القاهرة وفلسطين والأردن وسورية ولبنان: »مسجلا أي مصطلح جديد يتعلمه، قانوني أو قرآني أو شعري أو جدلي،حتى تحول الفتى الذي نشأ في مدينة نيويورك واصبح محاميا، لغته الأولى هي الانجليزية طبعا، إلى مستخدم ضليع (للغة العربية) التي ينطق به جد والدته، وكان يدرّسها كأستاذ جامعة في بيروت  قبل الحرب العالمية الأولى.«

وهكذا، تنقفل دائرة التجربة الحياتية /المعرفية الثرية، لإدوارد سعيد، بختم الموت، ذلك الفاعل المجهِّض لاكتمال كل نهاية متصورة في الحياة. إذ لا اكتمال لشيء، ولا نهاية لمعنى، في الحياة، عدا السؤال؟!

 السؤال الذي يموت عند كل إجابة. والعزاء في غياب سعيد بعدما تحرر من التباسات إدوارد، انه ورَّث لنا أسئلة مفتوحة على ما بعد النهايات.!


تصميم الحاسب الشامل