إدوارد سعيد
مرتكزات التعليم وأبعاده في الجامعات الأمريكية..

 

ترجمة: خالصة الأغبري (اكاديمية من سلطنة عمان)


مقدمة المترجم

يقاس تطور المجتمعات وتقدمها بمدى فاعلية نظم التعليم الجامعي فيها، فعلى مخرجاته يعوِل المجتمع، وبنظرياته تستنير العقول، وبأبحاثه النافعة ترتقي العلوم، ويشكل التعليم الجامعي المحور الأساسي الذي يحظى بنصيب الأسد في الخطط التنموية لما له من آثار فاعلة تخدم قطاعات المجتمع المتعددة، ولهذا يحمل المفكر العربي هموم أنظمة التعليم التي تتبناها مجتمعاته النامية ومدى فاعليتها، وتدور في أذهانه تساؤلات عدة حول سر استمرار تدني مخرجات التعليم  الجامعي  في بلاده على الرغم من الجهود التي بذلت ولا تزال تبذل لتحسينه والارتقاء به.

إن دول العالم المتقدم كأمريكا وبريطانيا وكندا وألمانيا وغيرها من الدول تتمتع بنظام تعليم جامعي متكامل جعلها تكتسب مكانة مرموقة وتستقطب عقولا مفكرة، كما أضحت مصانع يتخرج فيها المبتكرون وفلاسفة المجتمع، ويعود السبب في ذلك إلى تشجيع البحث العلمي ومكافأة الباحث بتمويل بحثه ونشره، ولهذا نجد أن كمية البحوث والمشاريع العلمية التي تقودها تلك الدول أكثر بكثير من أن تحصى، ونحن لا نقول بكمالية التعليم بالمطلق في تلك الدول، فربما يعتري بعض مؤسساتها التعليمية حالات المد والجزر في أدوارها وأبعادها إلا أن اهتمامها بالبحث العلمي ودفعها عجلة البحوث إلى الأمام يبقى هو قمة أولويتها، وهذا بالطبع ما ينبغي التركيز عليه في المجتمعات النامية.

وفي هذه المقالة الشيقة يسعى إدوارد سعيد - كونه أحد أبرز المفكرين الذين أثروا وتأثروا بمجريات التعليم في الولايات المتحدة- إلى إلقاء الضوء على مرتكزات التعليم في الجامعات الأمريكية، ويستخلص الاعتبارات التي أضحت تشكل مقياسا يقيم من خلاله مستوى التعليم وفاعليته مؤكدا ما وصل إليه التعليم الجامعي من اهتمام بالغ بالبحث العلمي.

الترجمة

يبدو التعليم في الجامعة البريطانية حاسما ومحدد الأهداف- ربما أكثر مما ينبغي- إذا ما قورن بالتعليم في الجامعة الأمريكية، فمهما تباين التعليم بين الجامعات العريقة والحديثة وبين الانجليزية والاسكتلندية فإن معدل التفاوت في مستويات الجامعات البريطانية يعتبر ضئيلا جدا حينما يقارن بالمستويات المتباينة للجامعات الأمريكية. ولا تؤثر مستجدات الحياة وتياراتها على ثبوت هذا الوضع، ففي حين يبدو الطلبة أقل تباينا، إلا أن المهام التي تتطلبها أنظمة الجامعة- على الرغم من الغموض الذي يكتنفها- تبدو أكثر صرامة ولا تتصف بالمرونة، كما أنها قد تبدو أكثر مقاومة للنقد والاستجواب. فكما هو متوقع من الطلبة في تلك المؤسسات أن يكتسبوا المعارف والعلوم المختلفة، فمن واجب المدرسين كذلك أن ينغمسوا في البحث العلمي، ولا تتغير هذه المعادلة بتزايد أعداد الطلبة، ففي كل الأحوال يوجد النقد والسخط، ومع ذلك تتوق الأنفس للتجديد من حين لآخر ويصاحب تلك اللهفة تخوف من عدم تقبل البيئة المحيطة للتغيير.

وكم يختلف الوضع الحالي في أمريكا حيث تبدو الجامعة الأمريكية في قمة الفوضى - فيها أعداد مهولة من الطلبة المتباينين كليا، منهم الأذكياء وذو الخيال الرحب والمتبلد الحس والمتحمس والروتيني والماكر والفضولي والمطيع والعاصي والمتمرد إيجابا. ويغطي هؤلاء مساحات أكثر توسعا وتنوعا من المركز الطلابي البريطاني نفسه. كما توجد أيضا جامعات وكليات شتى - منها الكبيرة والصغيرة والمحافظة والمتطرفة والراقية والمتخلفة فكريا، وهنالك أيضا كليات وضيعة وأخرى تباهي في عظمتها وتألقها أي جامعة لها شأن في تاريخ العلوم والتعليم. وهناك مؤسسات تمولها وتشرف عليها شركات خاصة، وأخرى تحكمها قوانين كاثوليكية رومانية، وتظل أخرى تتمتع بإشراف كنائس ومذاهب بروتستانتية على نشاطاتها. إضافة إلى أن هنالك بعض الجامعات فقيرة وبعضها الآخر غنية، وبعضها يدرس فيها الأثرياء والبعض الآخر يرتادها أولئك الذين يعتبرونها مرحلة حياتية مهمة، وربما لديهم أغراض بسيطة أخرى، كما ان هناك مؤسسات تعليمية أخرى يحضرها الصنف المبتذل أو المتحير الذي يعمل ليل نهار في المكاتب أو المتاجر أو المصانع. وكل ذلك ناجم عن عدم وجود سلطة مركزية تبث المعايير أو تمنح الدعم المالي لهذه الجامعات، وحينما تتفق ردود أفعال الشارع حول مدى صلاحية ظاهرة معينة للدراسة فإنها بلا تردد تدرس.

وقد بدأ يتشكل هذا التفاوت الملحوظ في وحدة جديدة بغض النظر عن تنوع تيارات الثقافة الأمريكية وأطوار المجتمع الأمريكي المختلف الذي يميز المنحى الأكاديمي في الولايات الأمريكية ، ويعزى فرض هذه الوحدة جزئيا إلى الحقيقة المعروفة بأن كل هذا الوضع بدأ يتسرب إلى المجتمع الأمريكي بأسره وبالتالي متأثرا بالتقاليد المشتركة للثقافة الأمريكية والمعتقدات السائدة التي تنادي بتطوير الذات بأسلوب يتوافق ومركز المجتمع. ويولد انسجام الحكومة وبالأخص انسجام السلطة المركزية الناجم عن السرعة والسهولة في التنقل والاتصال يولد وحدة في النظام الجامعي، وتصبح الجامعات الرائدة علميا موضع ثقة المجتمع بأسره وليست طبقة الأثرياء بالمدن الرئيسية مثل جامعات وكليات »أيفي ليج )) التي كانت ولا تزال على هذا الوضع. وبالتالي فإن إزالة الحواجز التي تفصل أفراد الطبقة الكاثوليكية الرومانية عن عامة الشعب الأمريكي  والتقليل من نفوذ الطبقة البروتستانتية- على الأقل بين الفئات المتعلمة- قد فتحت كليات الكنائس وبصورة متزايدة على المجتمع الفكري الموجود بمركز المجتمع.

ويعتبر النظام الجامعي موحدا أيضا بحكم التطورات الداخلية التي طرأت عليه فتقدم البحث والذي استحوذ على اهتمامات الجامعات وما ارتبط به بصورة وثيقة من طلب لحملة شهادة الدكتوراه لشغل مناصب حتى وإن كانت على مستوى متدن نسبيا أدى إلى ازدياد وتيرة الدراسات العليا في الجامعات الأمريكية.  كما أصبح سوق العمل الذي يستقطب الأكاديميين والمفكرين يتسم بالقومية أكثر من ذي قبل، وكنتيجة مباشرة لكل هذه المستجدات أضحى عدد قليل نسبيا من الجامعات مصدرا أساسيا لأولئك العلماء والمفكرين ومعيارا يحتذى به للتقييم ونموذجا للمستويات الأكاديمية الصحيحة. ويعتبر هذا في حد ذاته تسلسلا هرميا لما كان في الماضي مسألة تدريس على المستوى المتوسط فقط أعقبه زيادة بالاهتمام بالمسائل البحثية. وعليه أصبح البحث في الجامعات أشبه بالجزيرة التي من الممكن الحفاظ على الكثافة والنزاهة الفكرية بها في وسط طوفان عارم من الطلاب الذين يصعب التعرف عليهم بحكم الفترة البسيطة التي يقضونها من جهة وكذلك الجموع الغفيرة منهم من جهة أخرى.

وقد كان لنمو هذا النظام الوطني وجهان، حيث عززت الجامعات الرئيسية تفوقها في البحث العلمي وساهمت نوعية البحوث التي ينشرها أعضاء هيئتها الأكاديمية وإنجازاتها المتواصلة في رسائل شهادة الدكتوراه في تألقها، فكما هو معلوم أن البحث العلمي الذي ينشر يعد معيارا للحكم على مستوى ونوعية التعليم في أي مؤسسة. لذا فمن الأرجح أن لا يلاحظ إنجاز أي مدرس إلا إذا كان مدرسا لطلبة البحوث وحتى وإن كانت إنجازاته ملحوظة فإنها لا تحظى بنفس الاهتمام والتقدير. وحينما يتطلع الإداريون والأمناء والمدرسون الذين يمتازون بالطموح إلى الرقي بسمعة مؤسساتهم العلمية فإنهم يقومون بتكثيف الجهد في البحث والنشر. وينظر للمدرس الجامعي لغير الخريجين بالدونية وهذا نابع من التقليل من قيمة التدريس الجامعي لغير الخريجين. ولا تحظى الوظائف الفكرية العامة للجامعة بنفس الدرجة من النقاش إلا إذا كانت مسخرة لأغراض البحث أو لتدريب المهتمين بالبحث العلمي في المستقبل وتأهيل المدرسين والمحامين والفيزيائيين والمهندسين.

وفي الوقت نفسه، تتضاعف أعداد غير الخريجين، إذ أصبح الحصول على شهادة البكالوريوس مهما كانت الأسباب هدفا ممكن المنال لشريحة كبيرة من الناس في وقت بدأ اهتمام أولئك القائمين على هذه البرامج يقل شيئا فشيئا. وينظر لأعضاء هيئة التدريس بالدونية  وأن عملهم غير ملائم  ويبدو غريبا للذين يستمتعون به. وفي الوقت ذاته اعتبرت شهادة البكالوريوس لا شيء في حد ذاتها إلا سقفا يمهد للحياة العلمية الحقيقية، كما ينظر لغير الخريجين كالحضيرة أو المستودع الذي يمكن من خلاله انتقاء أولئك الذين يبشرون بمستقبل واعد للبحوث.

ولعل أحد مصادر عدم الاحترام لتدريس غير الخريجين هو اعتقاد عدد كبير من المدرسين الأمريكيين أن غير الخريجين ليسوا ناضجين للعمل الجاد، كما يعتبرون طلبتهم غير قادرين على العمل الفكري الجاد  أو يفتقرون إلى الميول نحوه. كما عزز تدني التعليم الثانوي الأمريكي الذي تخرج منه هؤلاء الطلبة الإيمان بأن غير الخريجين لا يستطيعون الانغماس في العمل الفكري المطول وأن طاقاتهم الاستيعابية ضعيفة، وقد أدى ذلك إلى وضع مناهج دراسية تتواءم والحياة الفكرية الراكدة التي اعتاد عليها هؤلاء الطلبة.

أما توسع حركة التعليم العام - رغم كونها جديرة بالإشادة في العديد من الجوانب- فقد أدت إلى تخفيف العبء على غير الخريجين، حيث يكتشف الطلبة المتميزون ميولهم الحقيقية قبل سنتهم الثالثة- حسب تقديراتي. ويعزى ذلك إلى أنهم لم يتعمقوا في دراسة أي مادة بدرجة تدفعهم إلى روح الفضول أو الشعور بتحقيق الإنجاز لديهم وبالتالي لا يقرر أي طالب الشروع في الدراسات العليا إلا عندما يتولد لديه اهتمام بمادة معينة أثناء الدراسة الجامعية وذلك حتى يعرف المزيد عن ذلك الموضوع الذي أثار اهتمامه، الأمر الذي جعل الغالبية العظمى من هؤلاء الطلبة يعزفون عن البحث أو حتى لا يكترثون بتعلم أساليبه، ولكن بما أن البحث العلمي يعد شرطا أساسيا لمعرفة المادة التي تولد لديهم اهتمام متأخر بها  فإنهم لا محالة يسيرون في هذا الاتجاه. ولذلك يعتبر زيادة عدد الباحثين نتيجة معقدة لإهمال الجانب الفكري للتعليم الجامعي لغير الخريجين وقد يساهم في إهمال هذا الجانب لاحقا، إذ يبدو هذا جليا في أشهر الجامعات الحكومية والخاصة.

ولا يسري هذا الوضع على جميع الجامعات في الولايات المتحدة إذ تجد في بعض الكليات أن المدرسين ليسوا فقط مكرسين جل جهدهم للتدريس وإنما يضعون مطالب جمة على الطالب بحيث يكون الطالب بعدها مهيأ بصورة جيدة  ، وبالتالي عندما يلتحق بالجامعة مرة أخرى لدراسة الماجستير يكتشف بأنه قد تم إعداده مسبقا لهذه المرحلة ( ولهذا نجد أن كثافة مواد شهادة الماجستير والدكتوراه تتضاعف كلما كانت الخطط الدراسية المتبناة لتدريس غير الخريجين غير كافيه لأعداد أشخاص قادرين على البحث العلمي).

وفي هذا الصدد هنالك العديد من الأسئلة التي تطرح نفسها. فهل توضع الخطط الدراسية لغير الخريجين على أساس أعدادهم؟ وهل يعزى تخفيف العبء الدراسي في تدريس غير الخريجين إلى كونهم عاجزين عن تقديم الأفضل؟ وهل تقلل الفصول الدراسية المكتظة بالطلبة قدرتهم على الاستيعاب؟ من الملاحظ أنه كلما كبرت الجامعة وتوسعت تخصصاتها تدهور مستوى تدريس غير الخريجين وأصبح أكثر ميكانيكية (و كلمة أكثر لا تعني بالضرورة أسوأ). كما يؤدي زيادة عدد أعضاء هيئة التدريس من حملة شهادة الدكتوراه الذي يصاحب تزايد أعداد الطلبة إلى تقليص الاهتمام بتدريس غير الخريجين وتركيزه بالبحث، وعليه يمكن النظر إلى البحث بأنه أشبه بالجزيرة التي تحفظ النزاهة والكثافة الفكرية وسط الطوفان العارم من الطلاب الذين يصعب التعرف عليهم وذلك بحكم المرحلة الانتقالية التي يمرون بها وكذلك بحكم الأعداد الكبيرة منهم.

وهنالك آثار متوازية نتجت عن حاجة سوق العمل لمدرسي الجامعات والذي أشرت إليه سابقا وعن البحث المضني للتميز على مستوى المؤسسات والأقسام الذي أوجد بلا محالة الحاجة إلى البحث، إذ لا يمكن لأي مدرس أن يتميز في الوقت الراهن دون إيجاد أعمال أسطورية له. فهذه الآثار تؤثر على الشخص الذي هو في المقام الأول يمارس مهنة التدريس دون سواها.   ويوجد في النظام الأمريكي مدرسون بارعون ويكن الجميع لهم الحب والتقدير ولكن نجد أن الجامعات لا تتهافت عليهم عندما تتوفر لديها شواغر جديدة كما أنهم لا يتهافتون على الدخول في هذا العالم الواسع. فهم لا يعرفهم سوى الطلاب الذين درسوا معهم أو أصدقائهم أو زملائهم القريبين منهم. لذا فالمدرسون المتميزون يتحركون فيما يشبه البيئة الخفية لا يمكنهم من خلالها بناء سمعة طيبة إلا عبر ما تتناقله الألسن فقط وهم في نظر الطلاب أبطال ولكن على صعيد محلي فقط إذا أنهم نادرا ما يعرفهم أحد خارج نطاق البيئة التي نشأوا فيها.

وهناك نتيجة أخرى للنمو الذي طرأ على النظام الوطني والتي قد تبدو إيجابية في بعض الجوانب وسلبية في جوانب أخرى، فبعض المؤسسات التعليمية التي كانت مكتفية بتقديم خدمات محلية كونها تخرج أعدادا من الطلبة لتلبية متطلبات التوظيف المحلي وبتقديم تسهيلات الترفيه على المستوى المحلي مثل كرة القدم والسلة وغيرها من الألعاب، قد حولت اتجاهاتها وتطلعاتها منذ الحرب العالمية الثانية، إذ يعزى ذلك الأمر جزئيا إلى الجدية التي يتسم بها بصورة أكثر جيل الشباب الحالي وكذلك اختفاء جيل الخريجين الذين وصفهم الكاتب جيمس ثربر في كتابه »ذا ميل أنيمال« . كما يعزى ذلك الأمر أيضا إلى تشكل الأعضاء الجدد ضمن النظام الوطني وبالتالي تركزت أذهانهم على البحث والمواضيع ذات الطابع الفكري العالي. كما أن الإداريين القدامى ارتأوا أن الحياة قد تبدلت وعليهم أن يتبدلوا تباعا مما نتج عنه التقليل من دور كرة القدم والتركيز على البحث العلمي.

ولقد أصبحت الكليات والجامعات التي أسستها الهيئات الدينية أكثر حساسية تجاه تقليد العزلة المتعارف عليها به عن التيارات الرئيسية للحياة الفكرية بالبلاد ولم تعد مقتنعة به. فالازدياد الذي طرأ على أعداد الطلاب لديها تضمن زيادة في عدد الموظفين وهذا يعني صعوبة تجنيد أعداد كافية من المدرسين من السلك الديني أو أولئك المبشرين الذين تمولهم الكنيسة ممن يتمتعون بالكفاءة في تخصصاتهم وكذلك متدينين في نفس الوقت.

وعلى صعيد كليات الزراعة والهندسة فلقد تحولت هذه الكليات إلى جامعات وذلك كاستجابة منها بصورة جزئية للأعداد المتزايدة من الطلاب وإدراكا منها أن التعليم المهني والتقني أصبح غير ملائم للظروف الحالية، لذا فإن الجهد المبذول للدخول في النظام الوطني قد تأثر بل ويؤثر في الوقت ذاته في الرغبة لإجراء البحث العلمي على نطاق يكفي لجذب الانتباه والتقدير على المستوى الوطني بالبلاد.

ولم تكن خاصية الانغلاق والاهتمام بالشؤون الخاصة للكليات التقنية والجامعات الحكومية والكاثوليكية الرومانية أمرا جيدا من وجهة نظر النمو الفكري للبلاد أو التطور الفكري للخريجين ، لذا فإن نمو فكرة التشعب وثقافة »المركز« رفعت بصورة عامة من المستوى الفكري لهذه المؤسسات مما أوجد أعضاء هيئة تدريسية تشعر أن ثقافتها الفكرية تتعدى محيطها الديني وتخصصها التقني ومسؤولياتها المحلية.

كما أضاف نمو النظام الوطني ضغطا على الكليات الأدبية الليبرالية لتصبح جامعات تحتوي على أساتذة يهتمون بالبحوث، ويدربون طلبتهم على البحث العلمي بدلا من إعدادهم بأفضل الأسس الفكرية الممكنة التي تؤهلهم لمستقبل مثمر في المجالات المهنية وفي البحث أيضا. وقد نال معظم أعضاء هيئة التدريس درجاتهم العلمية المتقدمة من أفضل الكليات الأدبية لذا فهم موجهون باتجاه البحث العلمي، ولم يجد هؤلاء أن تدريس غير الخريجين - الذي يعد شاقا جدا- في الجامعات المتقدمة يرضي مع طموحاتهم وتوقعاتهم، كما أن فرص البحث في هذه الجامعات قليلة جدا لأنها لا تحتوي على مكتبات أو مختبرات تساعد على إجراء بحوث هامة. لذا فإن حقيقة وجود المخصصات المالية للبحث والوعي لدى الموظفين بأن هذه المخصصات تذهب إلى زملاء لهم في مؤسسة أخرى جميعها توفر إغراءات جمة لإجراء البحث العلمي. وبمعزل عن مشاكل البحث نفسه، تقوم مؤسسات كبيرة في الولايات المتحدة الأمريكية بتمويل المشاريع العلمية ماديا منها لجنة الطاقة الذرية ومؤسسة العلوم الوطنية ومركز الرعاية الصحية في الولايات المتحدة ومؤسسة الروكفيلر، أملا منها في أن تعود إلى سابق عهدها من العلو.

وفي نظام كبير كنظام الولايات المتحدة الأمريكية توجد مجموعات من الشباب ممن يشذون عن القاعدة ويرغبون لدوافع غير معروفة وليست بالضرورة جذابة الانخراط في سلك المدرسين ولكنهم لا يسعون لعمل البحوث أو لا يسعون للقيام به بنفس الدرجة والكثافة التي يقوم بها زملاؤهم الآخرون. وقد يكون بعض من هؤلاء مدرسين جيدين وعليه تجد توافقا طبيعيا بينهم وبين المهام التي يمليها نظام تعليم غير الخريجين. وقد استطاعت الكليات الأدبية الراقية مثل كلية ليد وكلية أوبرلين وكلية سواتهمور الحصول على التمويل الكافي، ولا يوجد سبب مقنع يوضح سبب عدم استطاعة أي نظام تخصيص فاعل العمل في ظل عدم مقدرة الجامعات الكبيرة على أن تقع ضمن هيمنة مثل البحث بحيث يتم اعتبار أي شخص لا يستطيع الالتزام بهذه المثل. يوزع هؤلاء الأساتذة إلى مناصب في الجامعات المعروفة تختص بتدريس غير الخريجين.

يقوم معظم المدرسين بالكليات والجامعات بالولايات المتحدة الأمريكية بتدريس غير الخريجين ويؤدي بعضهم هذا الدور بكل جدارة واقتدار إلا أن تدريس طلبة الدراسات العليا يعد علامة على ارتقاء الشخص وتخلصه من عقدة النقص المصاحبة لتدريس غير الخريجين، وإذا لم تنتبه الكليات الأدبية الراقية لنفسها فإنها ستصبح ضحايا لهذه النزعة، لذا أصبح تدريس غير الخريجين في الولايات المتحدة في موضع دفاعي يتعرض للهجمات المستمرة حيث تتعزز مكانة أي مؤسسة علمية بواسطة توفيرها لبرامج الدراسات العليا وببرامج »الدكتوراه«. كما ساهمت رغبة الناس للحصول على مقعد في برامج الدراسات العليا ما عدا أولئك الذين يحاولون تغيير مسارهم الوظيفي بصورة مباشرة في خلق أقسام جديدة للدراسات العليا وطرح برامج جديدة أيضا.

ولم يفطن المراقبون لهذه العملية في الولايات المتحدة في ملاحظة الغياب الفكري في المرحلة الجامعية لغير الخريجين، حيث يتجنب هؤلاء الاصطدام به من خلال تأكيدهم على أهمية التعليم العالي في صقل المواهب الفكرية وتنمية الذات ويقظة الضمير والتخلص من التهور وتمايز ونزاهة الذات.

ويهز البعض كتفيه لا مبالاة ويتعلل بأن الوقت الضائع في التعليم الجامعي لغير الخريجين سيتم تعويضه في مرحلة الدراسات العليا، فقد برر كاتب معاصر سبب وجود وقت ضائع إلى اتساع دورة الحياة ويعتبر مسألة إضاعة سنوات الدراسة الجامعية لغير الخريجين أمرا خطيرا خاصة في البلاد التي تهمل طاقات شبابها الفكرية حيث لا يعد ذلك إضاعة لسنوات هامة من عمر الشخص وحسب وإنما تدميرا لطاقات الدولة الفكرية. ويصعب في الوقت الحالي تحديد المصدر الأساسي للتغيير في الولايات المتحدة فالعمل الذي يطلب من الطالب القيام به بسيط جدا، حيث لا يوجد ما يجبر الطالب على توسيع مداركه، وإنما نجد أن ذلك نابع من شخصية الطالب نفسه من حيث الفضول لاكتساب المعرفة أو الرغبة في دراسة مادتهم المفضلة بتعمق ، وعليه فإن مقدار ما يعرفه الطالب حول مادة معينة - وإن كان قد تخصص في تلك المادة في دراسته الجامعية-  يعد محدودا.

ويأخذ تحسين نوعية الخريجين الجامعيين في الولايات المتحدة شكلا يشبه التعليم العام في الوقت الحالي، في حين تم إهمال البرامج الأكثر تخصصا في التعليم الجامعي- وإن كانت لا تعد متخصصة مقارنة بالنظام البريطاني. ولا أعتقد أن عملية التوسيع هذه غير متوافقة بدرجة كبيرة على الرغم من العيوب الكبيرة التي تكتنفها ومع ذلك فهذه ليست النظرة العامة لهذا الموضوع.

ومن الممكن تعويض هذه السنوات إذا ما استطاعت المدارس التي تطرح برامج الدراسات العليا إيجاد مكان  مشرف للمدرسين وكذلك أولئك العاملين في مجال البحث ، وليس بالضرورة أن يختلف محتوى مناهج برامج الدراسات العليا عن المرحلة الجامعية  بقدر ما يتم تغيير التركيز الثقافي بحيث يتم النظر إلى عملية التدريس الجامعي لغير الخريجين كنشاط جدير بالاهتمام - فتدريس غير الخريجين لا يقل أهمية عن البحث العلمي. ولن يتمكن رؤساء الجامعات وعمداء الكليات من إحداث التغيير في حين لا تستطيع الكليات الأدبية من إجراء أية تغييرات بل تظل متمسكة بمبادئها القائمة. ومع ذلك إذا حدث التغيير فإنه سيجد أصداء واسعة النطاق وتلحق بالركب معه حيث لا يوجد هنالك سبب للتفكير بان اتجاه الرأي الأكاديمي يأخذ منحى خطيا.

وعليه فإن هنالك أسبابا تعرقل قيام نظام تعليم جامعي لغير الخريجين مكثف بصورة أكثر وتبنى عليه متطلبات كثيرة في الولايات المتحدة الأمريكية وهي نفس الأسباب التي ساهمت في إعطاء البحث أهمية كبرى في العقود الأخيرة. ويعتبر البحث العلمي إنجازا عاما يتم  ملاحظته على المستوى الوطني أو الدولي بمجرد نشره أو بعد نشره مباشرة، أما التدريس فإنه من الأنشطة الخاصة نسبيا في العالم على الرغم من أنه يمارس على المستوى العام، فلا يحضر زملاء المهنة الواحدة محاضرات بعضهم البعض إلا في الحالات النادرة، كما لا تعد شهادة الطلبة على فاعلية مدرسيهم أو نتائجهم في الاختبارات حاسمة، وذلك لأن شعور الطلبة بالامتنان وإنجازاتهم في الحياة تأتي متأخرة جدا ويصعب تقييمها ومن ثم اعتبارها معيارا للتعيين والترقية،وحتى وإن كانت جهات التعيين لديها فكرة كافية عما هو مطلوب في المدرس وكانت مستعدة أن تعطيها ثقلها المناسب في عملية اتخاذ القرار، فإنه ليس من السهل قياس القدرات التي يمتلكها شخص ما كمدرس وذلك لخصوصية أدائه في الماضي.

ويقابل جهلنا بنوعية أداء التدريس في الماضي-بغض النظر عن الأخطاء الكبيرة التي يعرفها العامة عنه- بعدم استيعابنا لإمكانية تعليم فن التدريس، وعلى الرغم من أن فكرة تدريس من يصبحون أساتذة في الجامعة قد لا تحظى للوهلة الأولى بالقبول ، إلا أنه لا يوجد في حقيقة الأمر ضير في ذلك. إذ يتعلم المرء كيفية إجراء البحث تحت إشراف مدرس وهو بذلك يقوم بهذا البحث بالتعاون مع أو بالنقد من مشرفه، لذا هل يمكننا اعتبار التدريس بالضرورة أقل روتينية أو أقل ابتكارا عن البحث؟

وعلى الرغم من أننا قد نتقبل مبدأ إمكانية تعليم فن التدريس الجامعي لغير الخريجين ، إلا أن ذلك من الأنشطة التي يتم مزاولتها بلا ضمير حي أو بطريقة متعمدة، حيث لا توجد هيئه تعنى بالمعرفة النفسية أو السوسيولوجية والتي قد تقودنا إلى استنتاج وسائل أكثر فاعلية من تأملنا للتجارب الفردية. ولكن لا يعني ذلك من حيث المبدأ عدم القدرة على اكتساب المعرفة النفسية أو السوسيولوجية من خلال الدراسة المنتظمة لعملية التدريس.  ومع ذلك فقد يصعب القول بأن هذا الموضوع  لا يزال في بداياته في الوقت الحالي.

ومن الصعب التكهن بالثمار التي لم تجن بعد بما في ذلك بذور البحث السوسيولوجي والنفسي الاجتماعي حول التدريس والتعليم على المستوى الجامعي إذ لا يمكن اعتبارها عاملا حاسما لتحقيق التغيير المرجو في العلاقة بين التدريس والبحث في الجامعات والكليات الأمريكية، فهناك حاجة لتغيير جذري في الرأي الذي يصعب رؤيته بعد ، لأن عاطفة البحث ليست بالضرورة عاطفة الوصول للحقيقة، إذ تعتبر أحيانا مسايرة للموضة والموضة في حد ذاتها تتغير، وربما يؤدي السخط الذي يبديه عامة الناس في الولايات الأمريكية تجاه الآداب والعلوم والمجالات الإنسانية بالعقول المفكرة إلى الإيمان بأن تكثيف مناهج غير الخريجين ستساهم في تقليص السوقية والنزعة المادية والتي غالبا ما توجد في الولايات المتحدة الأمريكية وما يصاحبها من أداء مبدع ومتميز.

الخاتمة

 مما لا يختلف عليه اثنان أن التعليم الجامعي يلعب دورا ملموسا في ارتقاء العقول وخدمة البشرية، فهو يشكل سلما يرتقي من خلاله الإنسان إلى البحث والإنتاجية في العلوم المختلفة، وعليه فلا بد أن يعطى حقه من التمويل، كما أن على المفكرين أن يجدوا الطرق التي تساهم في جعله ذا فعالية وإكساب غير الخريجين مهارات البحث العلمي وتوظيف المصادر توظيفا جيدا.

مصدر المقال:

Said, Edward. (1972). The Intellectuals and the Powers. The University of Chicago press. 298-306


تصميم الحاسب الشامل