|
|||||
|
طُلب منـي أن أترجـم أعمـالي بنفسـي إلى اللغـة العربيـة ، فقلت لا أستطيع أن استحم بماء النهر الواحد مرّتين الرواية العربية تخلو من الألوان والروائح والايقاعات الصوتية
لا يشكّل الحوار مع الكاتب والروائي الجزائري »أمين الزاوي«متعة وحسب، إنمّا رحلة في عوالم الكاتب ومخياله الفني وفلسفته ورؤاه، وعوالم أبطاله وشخوص رواياته، فهو يأخذك في رحلةٍ بين الفكر والأدب والخبرات الشخصية، والبحث والأسئلة، حتى مشارف القلق ومطلات الروح، وتسأل وأنت تتابع حواره: إلى أين يجرجرك هذا الساحر والمسحور بين الأزمنة وجغرافيا التاريخ؟.. فمن المغرب العربي، والجزائر تحديداً، إلى دمشق وكنوزها التي لا تعطيك نفسها مرّة واحدةً.. فكيف بناسها وبيوتها ومهاوي القلب من عوالمها الخفيّة المضمّخة بروائع سوق العطّارين والبزورية إلى باريس وتجربة الائتلاف والاختلاف عنها، إلى مدارج الطفولة الأولى وبيت الجد الكبير والأب بعده والأم، والتفتحات الأولى على جمالها وعوالم أسرارها وفنّها؟.. أضف إلى ذلك ما اختزنته ذاكرة هذا الجوّال والمتربص معاً من ثقافاتٍ وخيالات وعوالمَ بين الحسّ وعبق الليالي.. أن تقرأ كتابات مبدعٍ ورواياته شيء، وأن يسحبك معه في رحلة السحر البوحية إلى مأدبة من مآدب المعرفة والدهشة شيء آخر. حول جماليات مكانية وزمانية على صعيد السرد والحوار واللغة، ملامح الطفولة وترسخها في عالم الرواية، وبالتالي اللغة التي نكتب فيها (اللغة العربية أو الفرنسية) وتركيزه على أن اللغة العربية لغة المؤسسة والقمع، واللغة الفرنسية لغة الحرية، وحول جيل كامل في الجزائر يكتب باللغة الفرنسية، المنفى وازدهار الكتابة.. حول كلّ ذلك وتفاصيل أخرى نحاول أن نفتح الأبواب في حوارنا هذا: * للرواية جماليات مكانية زمانية، على صعيد السرد والحوار واللغة، كيف تنظر إلى التفاوتات والتشابكات بين العامية والفصحى في السياق الروائي على الصعيد الإجتماعي وتمايز الشخصيات؟ = يبدو لي أن الثقافة الروائية تحتاج إلى ثقافة خصوصية، فلا يمكن أن يدخل أيّ روائي العالمية إلا إذا كانت له خصوصيته القادمة من ثقافة الأم. الأم بمعنى الحضارة، والأم بمعنى اللغة- الحليب.. في »وحشة اليمامة« وفي رواية »يصحو الحرير« المكتوبتين باللغة العربية حاولت من خلال إيماني وفلسفتي في الكتابة أن أمزج ما بين الرواية المثقفة العالمية التي تقدّم للقارئ مرآة تحمل ظلال الذات، وظلال الذكريات التي تجعلنا نستأنس بخصوصيتنا داخل هذا التنوع العالمي، فرواية بدون مرجعية هي رواية فاقدة لعطرها، والرواية بدون الانغماس في الثقافة المحلية ستكون تكراراً لنصوصٍ دون هوية.. ومن هنا فإنني حينما أرتبط بهذا التراث المغاربي والمشارقي وأقدّمه للقارئ أكون كمن يتكئ على إرث، ومن يتكئ أيضاً على رأسمال من الرموز التي لا يمكن لأي ثقافة أن تتقدّم دون أسطورة الرمز.. إلى جانب ثقافة المعرفة، فالرواية تحتاج إلى ثقافة الشعبي المفتوح، لأنّه لا يمكن لهذه الرموز أن تستمر بالحياة مالم تكن متأصّلة في الحياة الشعبية.. لأنّه في نهاية الأمر الحياة الشعبية تكسر الرمز دون أن تفقد ذاكرتها ودون أن تكون حبيسة التقليدية، فعبقرية الشعبي تكمن في الترتيب وفي التخريب خاصة على مستوى اللغة التي تخلق عبقرية الأسلوب في الرواية. وفي تصوّري أن اللغة العربية قادرة على أن تتأقلم مع فتنة التخريب دون أن تفقد سلطتها اللغوية أو ذاكرتها. فاللغة حين تقترب من الشعبي وتبتعد عن الديني تتحوّل إلى لغة الشعر، أي تتحوّل إلى لغة الحياة.. ومن هنا على الروائي أن يكتشف ويفاجئ اللغة في تلك اللحظات. فالعامة عندما يتكلّمون يقولون الشعر/ تمشي كما الحمامة. وبقدر ما يرتبط الأديب أو الروائي بشيئين مفقودين في الثقافة العربية، وهما حضارة العين وحضارة الأذن يستطيع أن يكون عميقاً..مرّات أقرأ روايات عربية وأتصوّر أن الكاتب أعمى لأنّه لم ينتبه إلى الألوان.. الشرفات - العمارة.. أعتقد أن هذه الثقافة غائبة إلى حدٍ كبير في النص العربي، كذلك الثقافة الأذنية فنحن لا نعرف الإيقاعات الصوتية التي تشكّل بنية إيقاع الجملة، فالكاتب الذي لا يغني أو لا يستمع إلى الموسيقى أعتقد أنه لا يمكن أن يكتب نصّاً حداثياً. كتبت مرّة (أسمع النبيذ) هذا الهيس والموسيقى هو الذي نبحث عنه.. الموسيقى المختبئة في صمت المتكّلم هي التي على الفنان أن يبحث عنها، وللأسف فالأدب الروائي فقير جداً في هاتين الثقافتين، فحين ترجمت رواية عبد الرحمن منيف »شرق المتوسط« إلى الفرنسية قرأتها لجنة دار النشر وقالت هذا ليس نصّاً أدبياً لأنّه يخلو من الألوان والرائحة. في روايتي »يصحو الحرير« أُسمّي البطلة »أومليتا«.أي »صوت القلي« لتأكيد حضارة الأذن في الثقافة، أصواتنا في الحارات والأحياء الشعبية لا تشبه أصوات الناس في الغرب.. مازلت أذكر أولّ ليلة قضيتها في دمشق وقت القيلولة.. كنّا نسمع (يا أبو بسّام الناس نائمين)، مازال هذا الصوت يرنُّ في أذني.. من هنا فإن قوّة النصوص العربية تكون حين نحمل هذه الثقافة إلى الآخر، ونقول أننا ننتمى إلى شقٍ آخر من حضارة الإنسان.. لذلك لابدَّ أن تكتمل حضارة الغرب بنا.. لهذا فأنا أفتخر أنني بربري.. وأعتزُّ بـ»الطيب صالح« و»إبراهيم الكوني« ، وفي تصوّري أن إبراهيم الكوني أهم من نجيب محفوظ في تركيزه على الصحراء.. ولأنها، أي الصحراء، التي أخذت دور البطل في رواياته تستحق آلاف الكتب. * في »وحشة اليمامة« لم تأخذ الأم البعد الشعبي ولم تقم أنت بالحفر على هذه الشخصية، إلى جانب اعتمادك على مناخ الرحلة في السرد الروائي، ما تفسيرك لذلك؟ = في »وحشة اليمامة« لم أكن أركّز كثيراً على صورة الأم، بقدر ما كنت أفكر بفلسفة المكان والجغرافيا ونار الرحلة، فنحن ورثاء ثقافة الرحلة ، لقد قرأت رحلات »القرطبي« وكتاب »أحمد بن فضلان« عن رحلته في مدينة السلام (بغداد)، فالعربي يمكن أثناء الرحلة، وفي كلّ مدينة يزورها أن يحكي عن (عاداتها وتقاليدها - العمارة - الطقوس الدينية) هكذا نوظّف الرحلة في السرد الروائي. * الحفر في المكان.. رسم الخطوط المرتبطة بالوجدان، كيف تجرجر أمكنتك إلى عالمك الروائي؟ = في سياق الحديث عن الرحلة، تعجبني الجغرافيا.. لذلك أعود دائماً إلى قواميس الجغرافيا، أبحث عن الأماكن، فأرى أسماء مدن غرقت في العدم، ومدن ظهرت، وعن جغرافيا تبدّلت.. لذلك تسكنني هذه الأشياء.. مرّة كتبت قصة من أولى قصصي عن قرية على ضفة نهر طواد المالحة، كتبت هذه القصة في منطقة تلمسان.. رجعت مرّة إلى هذا المكان وبفضول دخلت الى المغرب بالسيارة..عدت الى ذاك المكان فأصبت بخيبة، لأنني لم أجد المكان.. أغمضُ عينيَّ يعود المكان.. أفتحها يغيب.. هكذا تتجلّى علاقة الفنان بالأماكن.. فالجغرافيا تسكنك مرّتين، وهماً وحقيقة، وحينما تستطيع تحويل الوهم إلى حقيقة، والحقيقة إلى وهم تكون قد أجدت لعبة الروي.. كلُّ هذه الأماكن معاشة على المستوى الرمزي والثقافي والواقعي.. ومصوغة ما بين المتخيّل والواقع معاً.. وعلاقة الإنسان بالمكان متجذّرة فيه.. فأوّل بيت سكنته في باريس كتبت فيه روايتي »نورمانديا« أو »وحشة اليمامة« مرّة شعرت بالحنين إلى هذا المكان وحين عدت إلى هذا البيت، لم أجد البيت، حتى صندوق البريد لم أجده.. عاد إلى مخيلتي مرور ساعية البريد.. والفرح الذي كنّا ننتظره بمرورها.. ومكان الباب أغلق بالحجر، وفتحت الفيلتان على بعضهما.. كنت تماماً كمن يقف على الأطلال وبكيت.. قلت: أين الباب.. أين صندوق البريد؟ وحين أغمض عيني يحضر هذا المكان.. هكذا تجرجرني الأمكنة إلى عالمي الروائي ، يبدو لي مرّات أن لا وجود لحدث دون تراب، حتى ولو كان هذا المكان وهمياً.. فالأحداث موجودة .. وكلّما كان المكان وهمياً معناه أنّه يعطيك حريه الفتنة والإبداع والإفتتان.. لذا تسحبني هذه الأماكن لقراءة أماكن ربّما فقدتها، أو أماكن أبحث عنها، أو أماكن أحنُّ إلى العودة إليها، والمكان ليس الفراغ.. المكان في الروح، فحين أتحدث عن هذا البيت الذي غيّرت ملامحه في باريس كنت أتحدّث عن لينا - هزار - إلياس - وربيعة باحثاً عن هذه الحياة.. والأنفاس (موسيقى أنفاس الأطفال.. وأنفاس زوجتك).. * عالم الطفولة يطبع الكائن بطابعه - نكهات أولى- ملامح أولى - خرق أوّل، ما هي الملامح الباقية التي تطبع الروائي»أمين الزاوي« بطابعها وتبقى معه في عالم الرواية؟ يبدو لي انطلاقاً من تجربتي الشخصية أن الطفولة كنز لا ينضب، وشجرة لا تشيخ فينا، وإذا ما شاخت الشجرة في عمق الفنان تحوّل إلى خشبة أي إلى حطبة ميتة.. فحسُّ مغامرة الفنان يبدأ من شيطنة الطفولة.. وهذه الشيطنة الملائكية موجودة في كلِّ أعمالي.. فالطفل يظلُّ حتى في الشخصيات الأكثر تقدّماً في السّن لأنّ عيني الطفل وقلبه هما الأقرب إلى الشعرية.. لذا فكلّ طفولاتي التي قضيتها في ضواحي تلمسان مع أخواتي وأمّي (المغنية) الجميلة جداً ،والتي كانت محطّ غيرة كل نساء أعمامي، ويمكن أنها كانت بعلاقة عشقٍ مع جدّي . كلُّ هذه العلاقة مسكونة فيني.. حتى الحصان.. فلا يخلو بيتنا من حصان، ومن الأشياء الجميلة.. ومن كثرة حبي للحصان والكلب حينما عدنا من دمشق أنا وربيعة، بدأت زوجتي تأخذ دروساً في ركوب الخيل.. اذكر أننا كنّا نجلس تحت الأشجار والحصان في الباحة بعيداً عن الأسطبل..كان الحصان يحمحم..سألت والدي عن صوته .. فال: إنه يحلم ، وعرفت من وقتها أن الحصان يحلم.. هذه قوة الحياة، حينما تدخل في الكتابة تعطي مفهوم الدهشة .. لذلك نقول الطفولة كنز، ومن هنا يجب أن نكتشف دهشة الحياة وأشياء كثيرة لانزال مسكونين فيها.. كنت أشاهد أمّي تصلي وتصوم في رمضان، وما أن ينتهي الشهر حتى ينتهي كلّ شيء.. ومع ذلك كنت أشاهد أمي تلفُّ المصحف بقماشٍ ليبقى في حالة قداسة من أن يمسسه أحد.. هذا مشهد.. ومن زاوية أخرى كنّا ننام في غرفةٍ واحدةٍ وفي الليل نسمع صوت الجسد.. كنت أتساءل كيف تلفّ القرآن الكريم بهذه العناية وتمارس حياتها بشكل طبيعي ، وبدأت علاقتي بالمقدّس تتوضح ،وأوّل جسد شاهدته عارياً هو جسد أمّي في الحمّام.. وأوّل جسدٍ أعجبت به كان هو.. كنت أشاهدُ هذا الجمال من خلال طقس الحمّام (اختيار الملابس - المناشف - الحناء..الخ) ولكن بمجرد ما يبدأ الخجل تبعد عن هذا العالم وتشعر أنّك فقدت شيئاً عزيزاً وهو »الطفولة«. * يقول »غرامشي«:»إن التنازل عن المواقع اللغوية، إنما هو في مقام التنازل عن المواقع السياسية والحضارية«، وقد قلت في أكثر من مكان بأن اللغة الفرنسية غنيمة حرب، والذين يكتبون باللغة العربية في الجزائر يدورون في فلك السلطة، فهل اللغة الفرنسية لغة الحرية، واللغة العربية لغة المؤسسة السلطوية؟ = اللغة العربية ليست لغة قاصرة شأنّها شأن كلِّ اللغات الجميلات في العالم، فحينما أشاهد »روميو وجولييت« باللغة الأمازيغية أشعر بأنّها من أجمل اللغات في العالم. اللغة الجميلة هي اللغة التي تستطيع التحدث عن الفسق، والله، والحياة اليومية .. ولكن مشكلة اللغة العربية في الجزائر وفي العالم العربي أنّها كامنة في المؤسسات التي تدير هذه اللغة، على سبيل المثال فقد حدّثني صديقي »نبيل سليمان« عن مفهوم الرقابة.. فقد طلب طبع أو استيراد كتاب ما، فمنعته الرقابة مبرّرة هذا المنع بأن فيه نوعاً من الكلام المباح.. فيعقب »نبيل سليمان« بأن القرآن الكريم لو نزل البارحة لمنع ، وقد يتحدث القرآن الكريم في»سورة يوسف« عن تفاصيل جسدية، وإنسانية، وعاطفية.. ولو حضر رقيب اليوم لمنع ذلك تماماً.. وأعتقد أن مشكلة اللغة العربية مشكلة مؤسسة وليس مشكلة ابتكارية اللغة.. ففي العشرية الأخيرة في الجزائر هيمن الأصوليون على اللغة العربية واعتبروها ملكاً لهم بالتآمر مع المؤسسة.. أي أنّهم صادروا اللغة العربية وكأنها ملك للأصوليين والدينيين، ولذا تراجعت الكتابة بشكل عام، والكتاب الجريء في الوطن العربي.. والأهم والأجرأ مكتوب باللغة العربية وهو »ذهنية التحريم« لصادق جلال العظم، ومعنى ذلك أنّها كارثة للغة، انطلاقاً من كلِّ ذلك أعود إلى تجربتي الخاصة في العودة للكتابة باللغة الفرنسية معتبراً ذلك عودة طبيعية، لأنّ محاولاتي الأولى كانت بالفرنسية.. كنت أحبُّ »جبران خليل جبران« الذي كتب»النبي« باللغة الانجليزية Brophet The .. هذا الشخص الذي خلخل اللغة العربية وحدثها، وليس المصريون من حدّثوا اللغة ، وإنّما أهل الشام (اللبنانيون والسوريون) وخاصة الجناح المسيحي منهم لارتباطهم بثقافة الغرب.. فحينما كنت أقرأ صوفية »جبران« عرفت فيما بعد أنّه كتب باللغة الإنجليزية.. فالكتابة حالة مع اللغة.. علاقة غامضة مع اللغة، نحن نحترق ونحب الاحتراق باللغة، أحياناً حين أبدأ اللغة فأجد نفسي ساقطاً في صهريج لغوي سواء كان هذا النص باللغة العربية أو الفرنسية، واللغة ليست إختياراً عمدياً وإنما انسجام داخلي ، طلب مني مرة أن أترجم أعمالي بنفسي إلى اللغة العربية ، فقلت لا أستطيع أن استحم بماء النهر الواحد مرّتين، بمعنى أن الكتابة هي استحمام داخلي ، وكل اللغات قابلة لأن تؤدي وظيفة الاستحمام إذا كان لها جذور في استحماماتنا وتراثنا وثقافتنا وذاكرتنا وتاريخنا. حينما نشرت الرواية الثالثة في باريس دعيت للتلفاز »برناربيفو« وبعد أن قرأ نصوصي قال.. يا أمين أنت فتحت اللغة الفرنسية على نوافذ وموسيقى اللغة العربية.. واللغة الفرنسية التي أكتب فيها هي لغتي الخاصة بي.. لأن اللغات في الإبداع هي ملكية خاصة وليست ملكية عامة.. وأعتقد أنها ملكي لذلك أشتغل كما أريد.. وقد كتبت نص »وحشة اليمامة« باللغة العربية لكنني لست راضيا عنه لأن الرقابة حذفت الكثير منه، فكنت مثل طفلٍ أُخذت منه بعض الأشياء التي أحبّها. بطبيعة الحال حينما أكتب باللغة الفرنسية أجد نفسي أكثر راحة وحرّية لقول أبعاد الإبداع، لا أشعر بمخفر أو فقيه أو مسجد في رأسي بعيداً تماماً عن التابوهات.. أشعر أنني فنان يمارس، يخطئ، ينكسر، هذه هي غوايتي.. أما حين أكتب باللغة العربية فإنني أحمل في رأسي مجموعة من الحسابات. * لماذا ظهر جيل كامل من الجزائريين يكتبون باللغة الفرنسية مع العلم أنّ كلّ هؤلاء تخرجوا من المدرسة الجزائرية المعرّبة؟ = أقولها بحرقة حينما ابتليت الجزائر ببلية الإرهاب لم يجد المثقفون في إخوانهم العرب أيّ سندٍ.. ولم تقم أيّ ندوة تسلّط الضوء على الإرهاب في الجزائر.. نعم لم تُشكّل أيّ مجموعة لمساندة المثقفين الجزائريين تحت محنة الإرهاب، ولم يزرنا أيّ وفد من العرب ليسألوا كيف نعيش، كنّا لوحدنا نواجه الموت.. اذكر أننا كنّا في تونس، وشكّلنا مجموعة وحاولنا أن نصدر بياناً لمساندة المثقفين الجزائريين وفوجئنا بأمرٍ يأتي (لست أدري من أين) وأوقف البيان، أما الذين وقفوا إلى جانبنا في هذه المحنة فهم أصدقاء ديمقراطيون من المثقفين الفرنسيين.. فرنسا العدوة الكلاسيكية للجزائر وجدنا في صفوفها مثقفين وقفوا معنا.. واستقبلوا المثقفين والجامعيين منا، وأقاموا مظاهراتٍ حتى ضد الحزب الإشتراكي الحاكم آنذاك ضد »ميتران«الذي كان واحداً من المساندين لزعماء الإرهاب في الجزائر.. وقفوا ضد سلطتهم معنا.. وتشكّلت آلاف الحلقات والندوات لمساندة الجزائريين وأنا شخصياً لم أنس هذه المواقف الإنسانية التي أخذت بيد الإنتلجنسيا الجزائرية في لحظة المأساة، هذا الوضع وضع التآزر هو الذي جعل الكثير من الجيل الجديد يُعيدون النظر بمفهوم اللغة والصديق. الكثير من أعداء العرب يتحدّثون بالعربية، والكثير من أصدقاء العرب لايعرفون العربية.. فقد تَجوّلتُ في أوروبا وعرفت أصدقاء من الكتاب والسينمائيين والتشكيليين الذين يشكل العالم العربي بالنسبة اليهم نموذج الغد (الأمل).. إذاً علينا ألاّ نفسّر الكتابة بهذه التبسيطية في اختيار اللغة الأولى، أو اللغة الثانية. فأنا شخصياً لن أتنازل عن اللغة العربية، رواية »يصحو الحرير«صدرت 2002 وأحاول أن أظلّ على علاقةٍ إبداعية مع اللغة العربية دون أن أتنازل عن اللغة الفرنسية كلغة إبداعية، فأنا لا أخون ذاكرتي حيث أكتب بالفرنسية، بل أكون أكثر حرية حينما أنظر إلى نفسي في مرآة صافية. إذاً بهذا المعنى اختيار اللغة الفرنسية أو الانكليزية (جبران - جبرا) هذه واحدة من الرسالات التي يجب أن تقدّم إلى العالم الغربي، فنحن لا ننتمي إلى شعب متوحش، نحن أهل العطور، أهل حضارة وعلينا أن نقول لهم ذلك وبلغتهم وبجمال يفوق ما يكتب بالفرنسية دون نكران للذات.. وبعيداً عن عقدة اللغة. فاللغة الفرنسية غنيمة حرب، وغنيمة حضارة.. علينا من خلالها أن نواصل حوارنا مع الآخر وأن نقول أننا كنا نناضل في الجزائر لنؤكد استقلالنا وتراثنا (العربي والبربري) ولكن في نهاية الأمر لن نكون أعداء للثقافات الإنسانية ولا للغات التي يتكلّمها الناس في العالم. * بهذا المعنى ما كتب في التراث العربي في اصقاع عربية مختلفة »ألف ليلة وليلة«، طوق الحمامة، منامات الوهراني، أين يقع كلّ هذا؟ أولاً أعتبر كل تلك المؤلفات مصدراً إبداعياً مهما لي.. والمشكلة ليست في اللغة، وإنمّا في المؤسسات، فالبرلمان المصري يفتي عام 1987 بمنع ألف ليلة وليلة، وابن عربي، وظل أبو حيان التوحيدي مهمشاً ولايزال، وأعمال أبو نواس الكاملة غير موجودة في الوطن العربي، وقد منعت في معرض الكتاب بالقاهرة.. هنا نؤكد ثانيةً أن المشكلة ليست في اللغة وإنمّا في المؤسسات. الحرب والمنفى * قد تؤدي الحرب ..أو المؤسسات القمعية بالأديب إلى المنافي، هل تزدهر الكتابة في المنافي، وما هي رؤيتك للمنفى؟ = الأديب دائماً في حربٍ مع نفسه ومع ترسانته الثقافية المحافظة، وفي هذه الحرب المفتوحة يعيش حالة منفى كما يقول: البير كامي: »الفنان يعيش حالة منفى مستمرة« وأغلب الكتاب الحقيقيين عاشوا المنفى داخل بلادهم (السهروردي- الحلاج - التوحيدي) وأذكر مقولة للتوحيدي تجسّد هذا الجرح وهي »قتلتنا مهنة الوراقة«وهناك خير الدين الأسدي - أدونيس - السياب - خليل حاوي، فالمنفى ليس المكان فقط .. المنفى بالنسبة للأديب حالة شعورية ضد المتخلّف.. فحينما نشعر أننا في حارة من التخلف، أو حالة من التخلف فإننا نشعر بالغربة.. فالمجتمع المتخلّف يغرِّب وينفي أدباءه وهو على بعد مترين، في حالة الجزائر كانت الحرب في العشرية الأخيرة من القرن الماضي.. هذه الحرب كانت حرب إبادة جسدية، لذلك فالمنفى كان محركه الأساسي هو الحفاظ على رأسمال يسمّى الحياة، حين تنفجر قنبلة أمامك.. عليك أن تحفظ رأسمالك (الحياة) حفظ حقوق الحياة هو أدنى حق من المطالب.. فحينما وجدت في فرنسا سمحت لي سنوات المنفى بأشياء إيجابية كثيرة.. أولاً تقييم مفهوم الصديق، فإذا أردت أن تدرس العالم العربي عليك أن تقرأه بمرجعيات أخرى، ففي المكتبة الوطنية في باريس تجد كلّ ما تريد عن دمشق ، وكمثقف عليك أن تغربل لتعرف من هو عدوّك، ومن هو صديقك، علينا أن نقرأ ما لا يعجبنا ويجرحنا لأن الكتابات المتطرفة في الغرب عن العرب والإسلام ناقوس تنبيه لنا، ففي الفترة ما بين 1991 - 1995 عشت بالجزائر حالة من التخفي، وكانت أقسى سنوات الحرب، وقلت حينما وجدت في المنفى هاهي الفرصة قادمة لأحقق ما أريد كتابته .. كتبت »وحشة اليمامة« وروايات باللغة الفرنسية، كنت أستاذاً في الجامعة، وعندي مكتب في المكتبة الوطنية .. لذلك كنت أقرأ أنا وأولادي وزوجتي، وقد كانت فرصة بعد جحيم.. هنا بدأت المشاريع في القراءة والكتابة لأنني إذا متُّ سأترك شيئاً يشهد. فجاءت »إغفاءة الميموزة« بالفرنسية والتي ترجمت إلى العربية بـ »يصحو الحرير«عن الوضع بالجزائر. * هل شكلت الرواية عندك بعداً تاريخياً ،وكيف وصلت إلى عالمٍ شبه كفكاوي؟ = الرواية عندي لا تدخل بالأجوبة المستعجلة ولاتهمني الحرب بشكل مباشر »الميموزة« موظف في البلدية، ومن خلال الصحف يسّجل الأموات، وفي الليل يقرأ الشيخ النفزاوي (الروض العاطر). هنا أركّز على أن الموت تحول إلى رقم، ثم تقام حفلة عشاء (تاجر الأكفان - المدير المركزي للمستشفى، ورئيس قسم الطوارئ) يجلس كلُ واحدٍ منهم يحكي عن همومه (جارته - أمواله)، جارته التي تربي سلحفاة وتمارس معها حالات جنسٍ، ثم تشرب النبيذ في فنجان القهوة حتى لا تُعرف ماذا تشرب، وتسمع الآذان والخطبة ضد النساء، عالم شبه كفكاوي أصوّر من خلاله الرد على الحرب بعبث آخر.. أستخدم أساليب كفكاوية لقراءة ما حدث. وفي »الغزوة« كانت فرنسا من جهة، والجزائر من جهة ثانية، كنت أعمل في معهد ، وكان عندي مكتب في معبد حوّل إلى مركز ثقافي قريب من بيت »سنغور«واسم المكان »نورمانديا« كنت أنظر الى هذا المنظر (الخضرة والبقر) وكانت المفارقة أنا الجزائري الهارب من الموت أجد دراسة الموت أمامي »سوسيولوجيا الموت«، أي الموت البارد.. أنا القادم من الموت الساخن. هنا رجعت بالذاكرة إلى الجهة الأخرى تاريخ ما خور وهران.. وتاريخ المبغى. * في عملك الروائي»وحشة اليمامة« تقسم العمل إلى أبواب، وبالتّالي كأنك ترى العالم من خلال الأبواب، فهل لهذه الكلمة معنى جديد تقصده، أم أنها استمرار لمفهوم الفصول والتبويب التي طبعت الكتب العربية؟ = الاشتغال في النص على الموسيقى واللون تحتاج إلى التسميات، والمواقع في الرواية تحتاج إلى خلخلة، لذلك عملي الأخير كان تحت اسم »السوناتا« والكاتب الحقيقي هو الذي لا يلتزم بالطمأنينة ، وهو الذي تسكنه الريح والعواصف في خلخلة كلّ شيء من أجل بناء فلسفته ورؤيته.. فتسمية الأبواب جاءت في»طوق الحمامة« لابن حزم الأندلسي، والباب عندنا في الثقافة الرمزية له دلالات، فهو للضيافة، ولثقافة الحشمة، وللخيانة، والعشق.. فكلّ شيء يمرُّ عبر الباب، فإذا رأيت المدن العتيقة تجد الأبواب.. وهناك مجموعة من الطقوس عن الأبواب (حدوة الحصان - المفتاح) وللضيافة والأسفار والترحيب بالمسافر.. انطلاقاً من هذه الرموز يكون الباب دخولاً للمحرّمات وخروجاً من المحرّمات. ومن أجل تكسير الحصار فلم يكن العرب يعملون نوافذ لأن السماء الموجودة كانت باباً على الفضاء، والباب هو السلطة الحقيقية في المكان، من هنا كانت المرأة العربية حينما ترفض الزواج تأخذ الحذاء وتقلبه وتضعه على الباب، فيفهم الأب بأن البنت رافضة .. تلك إحدى طقوس الباب.. * تأخذنا كتاباتك إلى إرث ثقافي (عربي وعالمي) معاً.. تذكّرنا بكتب الرحلات.. و»جزيرة الماعز« لأرثر ميلر.. كيف توظف هذه الثقافات لتصبح ثقافة واحدة من خلال عمل روائي؟ = العرب فنّانون في السرد لما يتمتعون به من خصوصية العلاقة مع الزمن.. فعندما نتحدّث عن خصوصيتنا في رؤية العالم، وخصوصيتنا في رؤية الزمن.. أو حتى عندما نسمع »أم كلثوم« نفتح باباً على الزمن من خلال العلاقة الخاصة ، أو العلاقة مع الموسيقى.. في هذه الرواية كنت إلى حدٍّ ما أُحمّل هذه السردية جزءاً من ثقافة السرد القادمة من الأسلوب العربي، أو من حوادث الطفولة الخاصة بي.. فأنا أخ لسبع بنات كنت حينما أرى أخواتي يغنين في الأعراس مع أمّي.. كنت أشعر بالزهو والملكية..حاولت أن استعيد هذه الأجواء لأحكي عن عالم الغواية والغناء الذي كان يشكّل فرحاً.. هناك أشياء ولحظات حياتية علينا أن نقولها.. لأنّها تشكل جزءاً من العقلية .. مثلاً انتابني مرّة تفكير مؤرّق، فحين كنت صغيراً سمعت أمّي تقول لي حين شُلّت أختى: ما يزعجني هو هذه التي أصبحت عالة عليَّ.. هذه الأشياء علينا أن نستحضرها في الأدب لأنّها قوة الإنسان. * علاقة العرب مع الزمن هل هو تكوين مديد.. أم هي فتح على المطلق، أما هروب من الزمن الآني؟ = يجب أن نفكّر بأم كلثوم وهي تغني على ظهر الجمل.. هذه الهدهدة لا تزال نائمة على أذهاننا.. أعتقد أن علاقتنا بالوقت علاقة صحراوية.. فرغم أنني أعمل على الإنترنت فهناك شيء مازال يوجد داخلنا، فالصحراء أمُ أولى رحم ،أوّل الزمن، الروائي الكلاسيكي يبدو لي أنّه انتهى مع نجيب محفوظ، وانتهى مع بلزاك في الكتابة الفرنسية، وبدأ الزمن الحداثي مع بيكيت وكامي، وفي الأدب العربي بدأ مع (فهد اسماعيل) في الكويت، ففي رواية عن حرب بيروت يردد عبارة: »بطارية الترانزستور قد نفذت« ويفتح على زمن آخر. ومع زكريا تامر في القصة القصيرة، حيث فتح الكاتبان مجال الكتابة العربية على التفكير في أمور الزمن وحققا شيئاً أساسياً وهو القطيعة مع الكتابة المصرية المسطحة والوصفية، الكتابة تحتاج إلى محراب حداثي، وهذا المحراب هو الذي يجعلنا غير منقطعين عن الواقع، ولكن على قطيعة معه. أنا شخصياً يؤرّقني الزمن بسب حالنا العربي وأتساءل: هل نعيش القرون الوسطى الظلامية، أم أننا نعيش عصر الاتصالات السريعة. * هل تحدثنا عن زمنك الروائي الخاص ومعالمه الواضحة على صعيد التجربة الفنية والكتابية؟ = في كتاباتي الروائية لا وجود لزمن مستقيم لأن الحياة ليست أوتو ستراداً.. الحياة أنفاق تفتح على بعضها البعض، نحن نعيش أزماناً متقاطعة في زمن قادم (مستقبل) الى زمن مضى ويصحو فينا في كل لحظة الى زمن نريد أن نقبض عليه في الراهن (اللحظة).. لذا فلسفة الزمن في العمل الأدبي هي التي تجعل العملية الإبداعية مرتبطة بمجالها الإنساني العام.. مرتبطة بالذاكرة، مرتبطة بالحاضر.. ومفتوحة على المستقبل. في رواياتي (الغزوة إغفاءة الميموزا) فيهما من الاشتغال على فجيعة الزمن.. لأن الزمن هو الذي يحفظ المكان وليس العكس.. المكان يتلاشى والزمن القادم في رؤانا هو الذي يحفظ الأمكنة ويصونها من الزوال ويفتحها على إمكانات التحوير والتبدّل. * لماذا نكتب وما الذي تعنيه لك الكتابة؟ = إنّه سؤال محير لماذا نكتب..يبدو أنّ جذور العلاقة مع الكتابة هي جذور مرتبطة بعلاقة حبل السّرة مع أمّي، فحبل السرة كان يجب البحث عن تعويضه بطريقة ما لاسيما الكتابة. كانت أمّي مغنية وراوية ، وقد عشت طفولتي في حضن هذا الغناء وهذه الرواية، فالحكايات الشعبية التي كانت تغنيها أو ترويها لي أمّي باللغة البربرية تارة وباللغة العربية المكسّرة تارة أخرى ، وكنت امتلىء بهذا الصوت الفائض بالموسيقى حدّ النخاع، وحين ارتويت وسكرت من هذا الصوت وبدأت رحلة الأسفار، بدأ صوت أمّي يتبعني أينما ذهبت وكأنما حبل السرة لم يقطع أبداً ولعلي أذكر أوّل قصة قرأتها في حياتي هي قصة »العنزوقيون« لأنفوسو دوديه، وكانت أوّل جائزة أحصل عليها في آخر سنة من الدراسة الابتدائية، وحين قرأتها باللغة الفرنسية أوّل ما تساءلت أهكذا تكتب الكتب؟ وهل الكتب مملوءة ذئاباً وماعزاً وأنا الذي كنت أعتقد أنّها مملوءة حكمة وذهباً وفلوساً وإلاهات وآلهة. وحين طرحت السؤال في السنة التي تلتها على أوّل معلّم، من يكون الفونسو دوديه هذا؟ فقال لي المعلّم: إنّه من اكبر كتاب الفرنسية واكبر أدبائها، فعدت إلى حكاية العنز وقرأتها مرّة ومرّة وفي كلّ قراءة كانت أمّي المشاهد وكان صوتها يزاحم الفونسو دوديه، وكانت حكاياتها الشعبية تغرق حكاية العنزة والذئب التي لم تبدُ لي إلا تفصيلاً من تفاصيل أمّي بل شيئاً هامشياً من عوالمها الخارقة والسابحة في بحور الموسيقى وفانتازيا الأشياء، وفي اللحظة ذاتها قررت أن أكون كاتباً شعبياً لأمّي، وأن يكون بيني وبينها حبل سري لا يقطع، فأوّل ما بدأت به الكتابة كان إعادة تنظيم وكتابة حكايات أمّي في دفاتري المدرسية ، أو في الصفحات المتبقية من الدفاتر في نهاية العام. كنت أكتب ليلاً ونهاراً وأقول إنّ أمّي أعظم من الفونسو دوديه، ومنذ تلك اللحظة أصدقك القول أنني حينما أجلس لأكتب أسمع صوت أمّي يرنّ في أذني وأشعر بأنني لن أفي بعد حق حبل السرة و صوت المغنية وحق هواجس وعوالم الراوية..اكتب لأعيد للصوت ورقه وألقه ولأعيد إلى الغناء إسفلت الحروف...لأكتب لأعيد تصوير وجه أمّي وجسدها البربري الأشقر الغارق في جمال داعسٍ. أمّي التي كانت ممتلئة بالحياة والتي كانت تفسّر كلّ الأشياء مرتبطة بالطبيعة وبقوّة وبهاء الحياة. كنّا نجلس في الباحة ليلاً وكان بيتنا لايخلو من حصانٍ، وكان أبي فارساً وأديباً وقارئاً للأدب، يحبّ المتنبي ويقرأ القرآن، وقصص الرسل والأنبياء، والف ليلة وليلة، وكتب النحو، يتكلّم الأمازيغية وهو العربي، وكنا في باحة (الحوش) من بيتنا الشعبي. نسمع في آخر الليل من أصياف تلمسان حمحمة الحصـان، فأسأل أبي: مـاذا يقـول الحصـان؟ فيجيبني يا أمين: إنّه يحلم، إنّه يحلم، وكنت أحاول تفسير هذه الحمحمات، لكنّ كلّ ذلك كان عبثاً ولكن صوت حمحمة هذا الحصان بكلّ غموضه وبكلّ أبعاده متصلاً بصوت أمّي وغنائها مازال يتبعني وهو قدري وقدر الكتابة أيضاً، لهذا فأنا أكتب كي أحافظ على هذه الطفولة فيّ، وكي أقطع طريق الموت إليّ، أكتب كذلك من أجل الوفاء للحلم والوفاء لتراب ولرموز وحيوات عشتها وهي سلاحي وطاقتي التي تجعلني أنظر بقوّة إلى الأمام، وتجعلني أعشق بقوّة، هي رأسمالي الذي أفتح به بوابة الأمل حينما يسدل الظلام على الدنيا، أكتب كلّ ذلك كي أفتح فصول عشق مع امرأة هي زوجتي وصديقتي »ربيعة الجلطي« هي امتداد بشكل من الأشكال لأمّي في غنائها وجمالها، هو لقاء كي تعيش الأم وكي يعيش الحب ويعيش حبل السّرة وكي تعيش الكتابة وكي يغتال الفونسو دوديه.. أكتب من أجل الحرية لأن الحرية هي صنو الكلمة، فلا أدب بدون حرّية، أكتب يا صديقتي انطلاقا من إيماني المطلق بأنني أكتب دفاعا عن الأمّهات والنساء، دفاعاً عن التوازن المزلزل لأنّ واحدة من خصوصيات الأدب في اتزانه هو الزلزال، فلأدب ثابت حين يزلزل الثابت في الأدب.. أكتب للدفاع عن الجمال فهو الصلاة الوحيدة في الدنيا، وهو المحراب الأخير في الدنيا، وهو القلعة ضد الفساد، وهو الأقليم الذي فيه الليل والنهار يتقاطعان ويتمازجان. * بعد انتهائك من كتابة رواية ما، هل تشعر بأنّك كتبت العالم، أم أن لعبة الكتابة توازي لعبة القط والفأر؟ العلاقة مع الكتابة هي تماما مثل العلاقة بين القط والفأر، فكلّ ما انتهيت من رواية أشعر بأنني كتبت العالم فإذا بي في آخر الليل يضحك فيّ الشبح وأسمع الصدى يضحك ويقول لي إنّ العالم أوسع من هذه الكتابة او الرواية التي انتهيت منها، وأبدأ عملية أسطورة سيزيف أحمل الحجر إلى الأعلى ثمّ تسقط ، ولكن في هذه العملية عشق التعب ولذة المقاومة. أنا لست سيزيف لأنني أعرف في كلّ لحظة أنني لا أحمل نفس الحجرة ولا أحملها بنفس الأحاسيس، ففي كلّ ذرة من التراب صوت وحكاية وعمق وأثر الذين مضوا وأثر الذين يجيئون وهماً. الكتابة إذا بدء دائماً وحين تنتهي أو نعتقد انّها انتهت فلنعلم أنّ الكاتب هو الذي انتهى وليست الكتابة. * هل تشكلّ الكتابة لك غواية وطقساً، وكيف تتخلص من المخفر الداخلي لتمضي باتجاه الحرية في الكتابة؟ =الكتابة فتنة وغواية، والموضوعات التي نعالجها من سياسية،-فكرية -عشقية-اجتماعية- نفسانية-تتلوّن في كلّ دقيقة من هذا الممر الطويل من الزمن بلونٍ آخر، ففي الكتابة لاتوجد سبعة ألوان، بل توجد الألوان بأعداد لاحصر لها تركّب وتتقاطع، وفي كلّ عملية لذة وشهوة ومغامرة ومتعة وعذاب...أشياء كثيرة اعتقد أنني قبضت عليها في روايات ولكنّها لاتفتأ أن تظهر في كتب أخرى من كتبي ساخرة مني بأني لم أفككها ولن أستطيع تفكيكها لأنّها موضوعات مرتبطة بالخلود بالموت بالعشق، ومرتبطة أيضاً بوهم الإنسان، هذه الأشياء سيبقى يقولها السيزيفيون الآخرون الذين سيأتون من بعدنا، وسيحملون الحجرة لتسقط حتى يكتب السقوط، وتكتب الهاوية، ويكتب الرقم الأخير.لهذا يبدو لي أنّ الكتابة التي لا تكتب بعنف جسدي بارتباط بعلاقة شبقية مع الكلمات والجمل والنص وبياضه هي كتابة باردة تنتمي إلى المقابر..الكتابة عنفوان عملية أساسا جسدية...إننا نتلذذ والقلم هو سبيل الكائنات، يصطاد الكائنات ويلاحق الجمال. أنا عاشق للنبيذ وأكتب دائما برفقة قنينة نبيذ، ولعل طقوس النبيذ الجزائري تمنحني دفقاً خاصاً للذهاب إلى أعماقي للتخلص في لحظة الكتابة من كلّ مخفر مهما كان شكله ومحتواه سياسياً أو دينياً أو اخلاقيا هذا الوسيط يجعلني أعي جسدي قطرة قطرة في مثل هذه الحالة اكون كالمتصوّف أو درويش لا أفرّق مابين التمر وبين الجمر، »لكن ما أنا على وعي به أنني على صدق وعلى باب مفتوح دون حرج ودون رقيب مع نفسي ومع المحيط الذي أعيش فيه، في هذه اللحظات تجيء السياسة، ويجيء الاجتماع ويجيء الجسد، وتجيء اللغة بالعربية أوالفرنسية كما تشاء ودون قيد فأنسكب في اللغة أوتنسكب فيّ وابدأ التشكيل كمن يرسم لوحة يضيع فيها البدء بالنهاية، إذاً الاندماج في الكتابة أو اندماج الكتابة فيّ هو حالة لا أستطيع أن اصفها، وأصادقك القول أنني مرّات في ليلة كاملة لا أكتب إلا جملة واحدة وأشرب قنينتي نبيذ أو أكثر ،وأسمع كلّ أشكال الموسيقى.. مرّات أكتب وأنا بحاجة إلى الاستماع إلى أغنية عتيقة ولا يكون معي الشريط، ورغم ذلك اسمعها بدون صوت في عالم الاستحضار وهذا حدث معي حين كتبت في بلدان أوربية وأمريكية واستمعت إلى أمّ كلثوم وفيروز والروميتي (مغنية شعبية جزائرية)، هذا الاستحضار هو قوّتنا، واسمحي لي أن أقول لك هي نبوءتنا نبوءة الكاتب التي تجعله يخترق العادي والزمن بمفهومه الفيزيائي والمسافات بمفهومها الجغرافي الغيابي ليخلق عالماً كونياً من رموز ووهم كي يحاصر هذا العالم ويحاصر نفسه وكي يقرأ العالم و نفسه بكلّ فداحة الغموض. |
|||||
|
|||||