|
|||||
|
أنا كاتبة تحاول أن تخترع نفسها كل يوم .. امرأة لا تطاق! أشعر انني تمردت أقل مما ينبغي .. عدم الأمان هو الذي حرضني على الكتابة والانتماء الى الورقة البيضاء غادة السمان امرأة كثيفة الحضور والغياب، حاضرة في الكتاب والكتب والمؤلفات التي تختزن الصور المفتوحة على مختلف الألوان والأحوال والأهوال، وغائبة في أغوار كل من يأنس بقراءتها، غائبة في خياله غائبة متسربة الى شتى اللحظات، كأنها، بكلماتها، تبث عطرا يتغلغل ويستقر دون أن يرى. غادة التي أحبت بيروت بكل ما تملك من حب، غادة التي كتبت الحب والكوابيس والتمرد والسفر والقبيلة والمرافئ والبحر والزمان والمكان، غادة "المتلبسة بالقراءة" عادت الى بيروت بعد غياب عنها دام 15 سنة في اوروبا وأمريكا، عادت وكأنها لم تغادر مدينة القلق الجميلة، حاملة حزمة من الأشواق والوعود الفاتنة. غادة قررت الاستقرار في بيروت والتخلي عن الغربة، لذلك هي اليوم في بيروت.. وقبل ان ترتب شؤون الاستقرار، طرقنا بابها ففتحت لنا ودار بيننا حديث شيق، وهذه وقائعه: * غادة السمان من أنت، من أين تأتين، أين تقيمين الى أين تذهبين، ما أسم ايامك وحياتك، من أي ايقاعات تطلعين وأي جحيم تراقين، ومن أي حب تنبتين.. وهل انت امرأة من حبر وورق؟ - أنا كاتبة تحاول أن تخترع نفسها كل يوم، ولذا فأنا امرأة لا تطاق! أقيم في الزلزال.. أطلع من ايقاعات العواصف أرقب جحيمي العربي كمن يحدق في وجهه داخل المرآة فأنا من بعض خيوط السجادة العربية الكبيرة الممتدة من المحيط الى الخليج. لعلى كاتبة دورتها الدموية من الحبر تسبح فيها أسماك مشعة هي حروف الابجدية العربي.
اختمر الشوق لبيروت * عادت غادة الى بيروت بعد غياب وغربة، لماذا العودة الآن، هل اختمرت ظروف العودة اليوم أكثر من قبل؟ - لا... لم تختمر ظروف العودة، لكن الشوق هو الذي اختمر، بيروت مدينة مقلقة وقلقة أكثر من أي وقت مضى، ولكنني مشتاقة الى عالمي العربي أكثر من أي وقت مضى أيضا! * الغياب عن بيروت ماذا غيب عنك وماذا أعطاك؟ - غيب عني أحبائي والذين كنت سأحبهم لو عرفتهم، هذا الغياب أعطاني فرصة عيش دورة دراسية في باريس عمرها خمسة عشر عاما عشتها في ظل الزخم الفكري والثقافي التنويري التعددي الابداعي، في مدينة هي بحق عاصمة من العواصم الثقافية للعالم. لقد عشت في جنيف وفي لندن وفي نيويورك لكن تجربتي مع باريس فكريا وثقافيا كانت الأطول وربما الأكثر ثراء. * ثمة من يقول ان اكتشاف بيروت يتم من خارجها كمن يقف على تلة عالية ويراقبها جيدا، هل عاشت غادة هذا الشعور أو انها ترى الأمور في غير معنى؟ - اكتشاف بيروت يتم من خارجها ومن داخلها في آن .. من الجميل ان نقف على تلة عالية ونرقب الامور من بعيد جدا، شرط أن نكون قبل ذلك قد اندسسنا في أحشاء المدينة وعشنا موتها وحياتها وذعرها وفرحها. وتلك حالي مع كابوسي المفضل بيروت! * أنت الآن في بيروت، بيروت غير التي غادرتها قبل أعوام، ما الذي تغير فيها وماذا تعني لك بيروت التي شهدت وتشهد تحولات متتالية؟ - لا تزال بيروت في نظري ساحة للصراع من أجل حرية الفكر العربي، ولا تزال عاصمة الحرية العربية بالمقياس النسبي، ولا تزال المعارك بين رعايا التنوير وبين أهل الميول الظلامية مندلعة. بهذا المعنى لم تتبدل بيروت كثيرا من حيث الجوهر وان كان اعداء الحرية يزدادون ضراوة ويرتدون أقنعة اكثر حذقا وقربا من نفوسنا للأسف ويتنكرون بوجوه أجداد لنا نحبها ونجلهم عن استعمالات البعض السياسية لهم. * البعد عن بيروت والكتابة عنها هو بمثابة الهروب ما رأيك؟ - ربما كان ذلك بمثابة الهرب منها إليها! بيروت حبيب مناكد يشتهي المرء الهرب منه ولا يفلح كل مرة. * كتبت يوما "لا بحر في بيروت"، واليوم تحقق ظنك بحر بيروت يردم ويردم معه نظرات العشاق الشاخصة الى البعيد، هل سنقرأ لك (لا عشق في بيروت)؟ - لا بحر في بيروت؟ معقول! لا حب في بيروت؟ أستعير عبارة أم كلثوم مع اسلوبها في تنغيمها "آهو دا اللي مش ممكن أبدا ..." عيون العشاق هي البحر الذي يستعصي على جرافات الردم بصخر النسيان أو الفتور.
منفية الى الحياة * أين كنت أثناء غيابك عن بيروت منفية، هاربة، مغتربة، مهاجرة، مطرودة...؟ - ثمة لحظات أشعر فيها أنني منفية الى الحياة، منفية الى قشرة الجسد، منفية الى كوكبنا وغربتي ليست غربة أوطان بل غربة انسان. وثمة لحظات أستطيع دائما التأكد انه ثمة فارق ما بين الغربة والوطن. ومهما اغتربت – حتى داخل جلدي – فالوطن مكاني الأصلي. * هل كنت أثناء غربتك تتابعين ما ينشر من الانتاج الأدبي والشعري في لبنان؟ - كنت اتابعه قدر الامكان، وبكثير من اللهفة والفضول، ولم يكن الأمر سهلا في باريس وسوها. ولطالما أثقلت على الأصدقاء وكلفتهم بشراء بعض الكتب لي لأظل أتابع، ما يدور.
أمتنا لم تصب بالعقم ابداعيا * جيل من الشعراء والكتاب الجدد كتبوا ونشروا وأسسوا لغة شعرية حديثة وملفتة، هل تعرفت على هذه التجارب وما هو رأيك فيها؟ - تعرفت على بعض هذه التجارب وخطف بعضها انتباهي. رأيي فيها ايجابي الى أبعد مدى، لست من المتلذذين بمعزوفة "مات الشعر العربي الأصيل" وأعتقد أن التجديد جزء من أصالتنا كعرب. أمتنا لم تصب العقم ابداعيا وما من مبدع رحل الا وسينبت مكانه شاب جديد في سنبلة العطاء العربي. أنا متحمسة وشبه منحازة للمبدعين الشباب والشابات. * كتابة ما بعد الحرب، ولنقل الجيل الجديد، هل تعتبرين أنها كانت بمستوى ما حدث أي انها كانت الانعكاس الطبيعي لماض ممزق؟ - انها الى حد بعيد الانعكاس الطبيعي الابداعي لماض ملتبس وممزق، لكن المطلوب منها أكثر من ذلك. أعني ينقص بعضها عنصر "الرائي" الذي يتجاوز ما كان. بعد ان يتمثله ليلقي ضوءا على ما قد يكون.. وهو عنصر يندر ان أجده في قاع نبرات بعض المبدعين الشبان، الخروج شعريا من دور "المفعول به" الى درو الشاعر "الفاعل" هو من أهم المطلوب – في نظري.
الكتابة مرادفة لاغيتال موتي * الكتابة في حياة غادة تكاد تكون الغذاء اليومي، هل الكتابة عندك هي مرادف للعيش؟ - الكتابة عندي مرادفة احيانا لاغتيال موتي الشخصي، انها اسلوبي في قتل الموت. حينما أكتب، أشبه طفلا يرمي بالحصى تنينا مرعبا يهاجمه وهو يرغي ويزبد وينفخ النار والرعد في وجهه. * هل تعتبرين الغربة مكانا آمنا ومحرضا على الكتابة؟ - ما من مكان آمن في كوكبنا ما دمنا نحمل الشعور بعدم الأمان في أي مكان يحرضنا على الكتابة، كمن يقاوم منافيه المتعددة بالانتماء الى الورقة البيضاء. * يتحدث البعض عن متعة ولذة الكتابة، فيما نجدها عند كنشاط ضروري لاستمرار الحياة وهنا فرق شاسع بين المتعة والنشاط، من أين ينبع، بالضبط، شعور الكتابة عند غادة؟ - هل الكتابة عندي "نشاط" أم "احباط"؟ لا أدري بالضبط. تراك لو استجوبت نحلة، لماذا تصنع عسلها او لو استجوبت نملة صغيرة مهرولة في الحقل او سنجابا يراقص شجرة ما الذي كانوا سيقولونه لك عن دافعهم لذلك؟ أنا اكتب فقط، وهذا كل شيء.. أكتب بعيدا عن الكلمات الكبيرة كلها، ودون أن أقول لك: أنا أكتب اذن أنا موجود.
ما زلت مشاغبة .. * غادة الكاتبة اليوم غير غادة الكاتبة في الثمانينات وقبلها، أين أنت اليوم في بحر الموضوع، الى أين وصلت وهل علقت، أم ما زلت تسبحين وتغوصين بمارة المجربة –المحترفة...؟ - ما زلت مشاغبة على العنكبوت والغبار وعبادة الفرد في حياتنا العربية، وتلك معركة بلا وصول وبلا بداية ولا نهاية. * كتابك القديم "الجسد حقيبة سفر" هل ينطبق هذا العنوان على جسدك وسفرك خصوصا وانك اليوم في سفر دائم؟ - ينطبق هذا العنوان على الناس جميعا وأنا منهم. كلنا حقائب سفر ترحل من الولادة الى الموت ولا تملك الا ان تطيع حين ينادى عليها لتستقل طائرتها الاخيرة. الاستقرار الوحيد الحقيقي هو ذلك الذي نعرفه في القبر، بيتنا النهائي. أما الرحم فمسكن مؤقت، لا يتجاوز عقد ايجارنا فيه تسعة أشعر! أليس جسدك حقيبة سفر بهذا المعنى؟ * ما علاقة كتاباتك بالمكان، هل للمكان تأثير على روحية الكتابة خصوصا وانك عشت في أماكن غير متشابهة وربما متناقضة؟ - ما زلت أقيم في الرحيل، مواطنة في جمهورية القلق استقر داخل الحركة، أشعر أحيانا انني أسافر في عدة طائرات معا في وقت واحد. ولهذا الواقع تأثير على "روحية" كتابتي. عشت غالبا في أماكن متناقضة غير متجانسة ولم أكن أنتقل في المكان فحسب بل وفي الزمان أيضا بين أوطان تعيش القرن التاسع وأخرى القرن الحادي والعشرين تلك الأمكنة المرادفة لعصور وأزمنة مختلفة طبعت حرفي بالتأكيد ولعلها وهبته قلقه ونزقه وتوتره. * لا أقول انك كتبت عن كل شيء، ولكن كتبك لامست التفاصيل في حياة الانسان ومكانه وعاداته وطقوسه. وكأنك تحاولين امساك العالم دفعة واحدة؟ - أحاول امساك الخيوط كلها، وتنزلق من بين أصابعي... ولكنني استمر في المحاولة أشبه بهذا المعنى شيخ همنغواي في "الشيخ والبحر" انني مثله فقد لا انتحر لكنني لا أتوقف عن المحاولة وفي هذا التحدي المستمر يكمن انتصاري.
ابنة البيت العربي * ثمة عادات تمردت عليها، وهذا التمرد كان الصورة الأجمل لغادة، إذا نظرت اليوم الى هذا التمرد كيف تشعرين، هل تندمين أو تشعرين انك كنت أقل تمردا.. والى أين أوصلك هذا الشعور بالتمرد؟ - أشعر انني تمردت أقل مما كان ينبغي لو تبعت مبادئ العقلانية حتى النهاية. مشكلتي الاساسية تكمن في انني تمردت دائما على ما أحبه لا على ما أكرهه ومن هنا صعوبة الأمر، تمردت على مجتمعي العربي ولكنني لم أقطع نفسي يوما عن اسرتي الكبيرة ولم أغادر عباءة قبيلتي ولم اجز جذوري في بيت جدي خلف الجامع الاموي في دمشق. لقد تمردت على ديكتاتورية الحب التي تطالبنا أحيانا بأن نفقد روحنا ونكون مجرد تكرار باهت لمن سبقنا، لكنني بقيت ابنة البيت العربي بكل سموه وسقطاته. * الى جانب التمرد هناك جرأة في كتاباتك، هل تعتبرين هذه الجرأة هي المكملة للتمرد وتاليا، كانت النافذة التي أضاءت لك ما هو معتم؟ - قد أبدو من الخارج جريئة في كتاباتي أما من الداخل فكل ما أفعله هو انني أخط بلا موارية وليكن ما يكون.
لست مصابة بلوثة التنظير * كتبت الرواية والشعر والمقالة وغيرها، لماذا هذا التنوع في الكتابة؟ - حينما أكتب، أحب أن أذهب في كل الاتجاهات وافتح الأبواب الوهمية بين الانواع الفنية الكتابية. * لك تجربة شعرية، ماذا عن هذا التنوع كشكل ومضمون اختارتهما غادة؟ - لست مصابة بلوثة التنظير، أي انني انطلق من الكتابة الحرة التلقائية كضحكة طفل، لا من نظرية اكرس حرفي ليكون تطبيقا لها. الكتابة حريتي الوحيدة المطلقة، وأمارسها كما يحلو لي حين يحلو لي، ولا أطلب مرتبة ولا موقفا ولا تصنيفا ولا حضورا في قائمة أو لائحة او في مسابقة أو اعجاب أو جائرة او تكريم كما يقول هنري ميشو. * في كتابك "حب" تقولين: "... فقد كانت مأساتنا يا حبيبي اننا عشنا حبنا ولم نمثله. وداعا يا غريب.. ووداعا يا انا.." أما زال هذا الحب على حالة في حياة غادة؟ - مازال هذا الحب على حالة داخل الكتاب، ولا تزال البطلة الي قالت هذا الكلام تعينه.. أما حياة غادة الكاتبة فحكاية أخرى.
الحب يشبه العداوة * قلت مؤخرا انك تهربين من الحب الى الصداقة، هل تجربتك في الحياة رسخت هذه القناعة لديك؟ - حكايا حبي ملطخة بالحبر ومثقلة بالندم الابجدي ولا أعرف أين تبدأ محبرتي وتنتهي عينا الحبيب. ثم ان الحب يشبه العداوة أكثر مما يشبه المودة، ثمة كر وفر ومشاعر مالحة كاوية، ورغبات مبطنة في احتلال الآخر - الصداقة شمس الأصيل الهادئة التي تضيء دون ان تحرق. ورغم ما تقدم كله، من منا يختار حقا قدره مع الحب؟ وهل يطلب الحب تأشيرة دخول الى القلب؟
لقاح ضد الكهولة * والآن الى أسئلة تقليدية لكن اجوبتك تخرجها من تقليديتها: ماذا يعني لك الرجل؟ - الرجل؟ ليس شرا كله، وأجمل ما فيه انه لا بد منه! * الحب؟ - قشرة موز ليس بيننا من لم ينزلق فوقها. * الندم؟ - طبقة من السكر تكسو بها ذنوبنا بعد اقترافها! * الجمال؟ - في عين الناظر. * الفرح؟ - امبراطور لا يحب العشاق والفقراء والشعراء. * الموت؟ - العشيق الاخير الذي يتقن احتواءنا. * الامومة؟ - لقاح ضد الخوف من الكهولة. * الأولاد؟ - رشوة الطبيعة لنا كي نذهب راضين الى موتنا. واهمين انهم قد يتابعوا مسيرتنا. * ما الجديد الذي ستقرأه قريبا لغادة؟ - كتاب جديد أعمل عليه ولن أقول لك شيئا عنه كي لا نخيب أمل القارئ (وأملي!) إذا فشلت في انجازه. خلف كل كتاب أصدره، ثلاثة كتب فشلت في انجازها.. ولذا أخاف من الحديث عن مواصفات طفلي قبل انجازه! |
|||||
|
|||||