|
خطابُ توسُّل إلى وحشين أخضرين |
|
محمد علي شمس الدين(شاعر وناقد من لبنان) |
|
(1)
أرأيت ؟ إني أتوسّل إليهما الآن أمرّ بين نيسانين وأخاف أمرّ بين وحشين أخضرين كما يمرّ عنق بين شفرتين تلمعان وأخاف إنه وقت طويل مضى علينا ولم نكسبْ فيه بين يوم وآخر لا لحظة لليقين ولا لحظة للكفر لا لحظة للخلاص ولا لحظة للاندثار أخاف لأنني أنتمى إلى الكائنات البين بين أخاف لأنني أنتمي إلى الأوطان المعلّقة في الهواء كبهلوانات غير مدرّبة إلى بلادٍ من خيوط العنكبوت البرّاقة |
أخاف لأنني أخاف وطني
أخاف الله والشياطين العمائم والقلانسَ واللحى أخاف من الحقيبة في اليد ومن نظرةِ الجار وممّن يسأل عن اسمي ومكان عملي وموقف سيارتي وأخاف ممن يسأل عن قصيدتي وعن الحقيقة والمجاز ومن غموضي أخاف ومن وضوحي أخاف أخاف لأن الوقت ينفد سريعاً بين وقت وآخر يتقطّع مثل حبل رثّ من الغسيل ويتركني وحدي مثل راكب نسي موعد القطار أخاف من هذا اللاشيء من الفراغ المليء بالجماعات |
|
|
||||||
|
تمضي كالنمل
يدوسها خُفُّ جَمَل ويسحقها قَدَمُ فيل أخاف من أن يقتلني مُقنّع أخاف من أن يقتلني منْ لا يعرفني أخاف من أن أقتل نفسي عن طريق الخطأ أخاف من أن تُسجّل حادثة قتلي ضدّ مجهول أخاف وليس لي وقت بين نيسانين 13 ـــــ 13 1975 ـــ 2005 إلى أين؟ أخاف لأني سهم طائش أخاف لأني واقف على شرفةٍ عالية وخلفي من يتحرّك بريبةٍ ليدفعني إلى أسفل أخاف لأنني عليل ووجنتاي منتفختان أخاف لأنني أشبه رقصة الريح على الأسلاك ورقصة القِرَدة على وقْع دفوف القرّادين أخاف لأنني أمشي بين نيسانين كمن يمشي في اتجاهين متضادين في اللحظة نفسها أتبدّد |
أخاف لأنني أعمى
لا يسندني في الطريق أعمى آخر أخاف لأنني أتوكأ على الهاوية وأفقأ بطرف العصا عيون الضفادع التي أسير عليها في اتجاه المستنقع (2) تقول لي زوجتي: »نيسان خلف الباب« ماذا أفعل به؟ أقول لها: انهريه يذهبْ ككلب أقول لها: هو خلفنا ولكنه أمامنا يا امرأة بين نيسانين سقطت أعمارنا في البئر أخاف من الربيع هل تذكرين؟ حين كانت تتفتّح في بساتين لبنان، وعلى جباله، الزهور والبراعم، ويهبّ النسيم عليلاً في الغابات، وتنبثق من داخل الجبال والسفوح الينابيع، لترتسم |
|||||
|
|
||||||
|
خرائط الطبيعة الغنّاء...؟
أتذكرين؟ كان ثمّة في ربيع لبنان خريطة أخرى ترتسم بخيوط الدم في الشوارع والساحات ... في الرعب الجميل!؟ بين ربيعين سقطنا كخطأ في الحساب يا امرأة هل تذكرين الآن اين كنا نقيم في 13 نيسان 1975م؟ لقد مُسحَ عن الأرض بيتنا، ومسحت الأرض من تحته. لقد هدموه وسرقوه وأحرقوه. رأيت كتبي مشرّدة في الشوارع والحوانيت وعلى الأرصفة تباع هرّبت أولادي إلى أربع جهات الأرض لم يكن يعرفنا أحد. تذكرين بلا ريب، تلك الأوقات التي كُنا فيها ندور وندور، حول أنفسنا، في الساحات أو في الشوارع، ولا نعرف إلى أية جهة نمضي، نحمل أولادنا كما تحمل القطط أولادها، وتدور. لا الجنوب في مكانه ولا الشمال لا الشرق ولا الغرب لقد أنكرونا ثلاثاً قبل صياح الديك وعلى أسمائنا ذبحونا أخاف من الربيع وأكره الربيع |
تلعثمت اللغة في فمنا يا امرأة
ما الوطن؟ ما السكن؟ ما الآلهة؟ ما الشعر؟ ما الأغاني؟ ما الحرية؟ أتذكرين؟ في شهر انبثاق الحياة في الربيع، انحفرت خنادق عميقة في بيروت، وامتدّت الفخاخ في السهول والجبال، وكان ربيعاً فادح الجمال، أتذكرين؟ »نيسان خلف الباب« نعم اسمعي إليه يا امرأة إنه يدقّ بأجراسه الكثيرة ولكنه أيضاً يعوي إنه ينادي بأجمل أصواته ولكنه ينفخ في بوق مبحوح إنه يلوّح بغيوم بيضاء منتشرة في السماء ولكنه يستر ثقباً في السماء إنه يتنفسّ بالنسيم الناعم لكنْ تحشرج فيه العبوّات والألغام إنه يحمل باقات من ورودٍ حمراء لكنْ انتبهي للدم على أوراقها نيسان خلف الباب يتجمّل، يتدروش، يتوسّل أن تفتحي له وكالشهوة يفتح فمه الأحمر الناضج |
|||||
|
|
||||||
|
لكن احذري يا امرأة
احذري ثلاثاً لقد سبقه دم فادح دم جميل وجليل احذري من الخنجر خلف الظهر واحذري من المخالب تحت القفازات أكاد أبصر عينه الكاسرة أكاد... ... أشمّ الموتَ في ثيابه البيضاء انظري يا امرأة إلى ربيع لبنان انظري إلى... تسونامي بيروت بالأمس القريب هناك على شواطئ الجنّة؟ حيث المحيط الهندي يمتدّ على أقدام الجُزر كأحلام هادئة وحيث تلوذ المتعة للأمواج كان عشّاق ومتعبون وطالبون للذّة يستريحون لجمال الله على الشاطئ فجأةً ماتوا جميعاً كل نيسان يا امرأة مخيف »كل جمالٍ مرعب« كما خبرنا ريلكه |
أكنت تعتقدين حقاً يا امرأة أنّ رجلاً واحداً كان يمكن أن يموت من الحبّ أو من الرحمة قتلوه بألفٍ من الديناميت؟ أكنتِ تنتظرين أن يفغر الشارع شدقه فجأة ويقتل سيدّه؟ أكنت تنتظرين أن يموت ملك الربيع مكفناً بالربيع؟ وأن ينهدم السرير بالعاشق؟ . . . . بدّدوه حتى شاطئ المتوّسط وأمواجه البعيدة وزّعوه على إسفلت الشارع كما كان يوزع الخبز على الناس أراقوا دمه كخوابي الزيت المراقة وأعادوه إلى أساس المدينة كما ينبغي لحجر الزاوية أن يكون أرأيت يا امرأة أنّ كل ربيعٍ مسيح وأنّ كل جميل مقتول؟ |
|||||
|
||||||