حياة كاملة

محمد علي اليوسفي (شاعر وكاتب من تونس)

شام 2005

  (تأويل)

 ياه!

 ها قد عدتَ إلى القول الجدِّي؛

 مُقِرًّا أن الشام »هي هي«!

 شام الله الأقدم،

 قُدَّتْ من حجرٍ دهري،

 يضمر باطنُ تربتها أكثر ممّا يبدي.

 ٭

 لا تتسرّعْ في استعداء المظهر مبدَا

 شأنك لمّا تزعم حبًّا أوّل؛

 فهنا؛

 لا أوّلَ...

 إلا منْ ركض وحدَه!

 صيف النَّهب

 أرَّخَ جدِّي لقرْنٍ ناقصٍ ؛

 أمسك بالتاريخ منْ قرنيْهِ .

 ليته وَصَفَ لي صيفًا واحدًا

               أهمله التاريخ...

 صمت في السياق

 أدْمَنْتُ الصمتَ خوفًا من شجاعة اليائسين (علَّموني وقفةَ العزِّ... وما تلاها) أنزِلُ في الأعتم من ذاتي مثل جبانٍ حقيقيّ ولدتْه أمُّه في بيت الخوف، وبعدها تلقَّتْه أيدي اليأس. لم أصدِّقْ حربًا واحدة؛ فلم أستيقظْ مضغوطًا كالبارود .

سيولة

 لو أنّ  تلك السنونوةَ اقتربتْ أو لم تقتربْ أكثر؛

 لو أنّ  تلك الأغنيةَ لم تتلاشَ أو بكَّرتْ في التلاشي؛

 لو أنني لم أكنْ هنا، كثيرًا، أو كنتُ هنالك أكثر؛

 لو أنّ روحي كانت أقربَ مني قليلاً، أو كانتْ أبعد؛

 لو أنني كنتُ، أولم أكنْ، لكنْ من دون أن أشعر؛

 لو أنّ هذه الكلماتِ لحظةٌ لا اسمَ لها فلم تُكْتَبْ...

 صيفُ القطرب

 وإليكمْ بواحدٍ منْ مزاعمي: أدَّعي أنَّ هناك صيفًا واحدًا يدوم؛ وإذْ ننساه أو نذْكرُه، يومضُ في مساءاتنا ياقوتُه الأخضر. أنا سمَّيتُه صيفُ القطرب؛ فيه يرفسُ الطفلُ الذي كان راكضًا بين الضلوع .

 عين شمَّاس: نبعٌ كان طفْلاً

 النّبْعُ الذي رآني طفْلاً؛ فَقَدَ غزارةَ الماءِ، والقفزةَ الجانبيَّةَ للسَّرطان.

 عندما زرْتُه البارحةَ، رآني واقفًا بمائه القديم.

 أوقات للصيْد

 أحيانًا، أفترضُ أنَّ لي عالَمًا وأسْكُنُه؛ لا لرغْبَةٍ، بل لأكذِّبَ ما يصدِّقُه الآخرون. لكنني أعودُ لأكذبَ مثلهم: أستيقظ مطوَّقًا بيقظة فخاخي، فأصفِّرُ لكلابي، وأذْهب للصيد.

 صيَّادون

 خرجوا من المدينة تنتظرهم أرنبٌ، تِرْغِلَّةٌ  وسمَّانة؛ تنتظرهم بطَّةٌ، قُبَّرَةٌ ودجاجةُ ماء؛ تنتظرهم يمامة؛


خرجوا من المدينة تنتظرهم حَذَفَة، إوزّة رماديّة  وغُرَّة؛  ينتظرهم زرزور، قطاة وحجلة؛ ينتظرهم قنفذ؛

 خرجوا من المدينة ينتظرهم خنزير برِّي، ابن آوى وثعلب؛ ينتظرهم فَنَك، نِمْس وظرْبان؛ تنتظرهم زُرَيْقاء؛

 من هنا، من هذه النافذة، انتظرْتُهم طويلاً فلم يعودوا.

 ومع آخر الليل أطلُّوا ثملين؛ فأيقظوني بصخبهم، وهم يثرثرون، مثلي، بأسماء الطرائد.

 طائرُ الصوت

 ما زال على كتفي طائرٌ يصيح : » هذه مُدُنٌ تُضَيِّعُنا وتبقى.«

 كهولة النهار

 بأقدامٍ مشَجَّرة تضرب في كثافة المجرى، وأصابع نفَّاذة تشفِّفُ الأغصان، يمْتصُّ الضّوءُ عُصارةَ حياتنا. نحن القادرين على القول »كلُّ شيء مرَّ «، ما زلْنا هنا. بعد قليل نقصد الشاطئ، نتعرّى كأغصانٍ مِنْ ضوء، ونُلْقي بظلالنا أكوامًا على الّرَّمْل؛ ذلك أنّ للظهيرةِ أشْباحَها، لكنّها من ضوءٍ، يفترس الظِّلال...

 الليل

 بالعظاية الساهرة،

 بالطائر النائم،

 بنباح كلابِه،

 بديكه الحارس،

 بمذابحه الخفيَّة،

 بالسِّيقان الملْتفَّة،

 بالثُّؤَباء،

 بأطوار الحواس،

 بالأحلام،

 بخُطَطِ الغد،

 بِدَويِّ الآلات،

 بعقْرَب الثّواني،

بآخر السَّاهرين،

باللصوص،

بشُرفات نجومِه،

بمنازلِ قمَرِهِ،

بشمس المنْقَلَبِ الآخر،

بهمْهَمات الموتى...

..............................

بهذا الدَّيْدَبانِ على الورقَة،

..............................

بي وبِكَ وبِهِمْ،

بغيابنا وغيابهم:

    اللَّيْلُ يعيش.

النَّمْلُ الخالد

لم تكنْ قوّةٌ لذلك الصيف حتى يدْفعَ بالماء المسترخي تحت الجسر؛ كان كعْبُ حذائكِ قد انغرز في بيتٍ للنّمْل، فأعطيناه وقتًا. الآن انتهى كلُّ شيء. لقد جاؤوا في صيفٍ آخر ليرَوْا الماءَ تحت الجسر مطاوعًا، في استرخائه، جاذبيَّةَ الباطن وأطوارَ الخفَّة. لا أدري مَنْ مِنْهم كرَّرَ كلماتي؛ بل ليس مطلوبًا مِنْ أحدهم أنْ يكرِّرَ كلماتي وهو ينحني على ذلك البيت أوعلى بيتٍ آخر للنَّمْل.

حياة كاملة

   مررْتَ لتترك وراءك، أثرًا ما؛

          لتحرّك كومةَ غبار

                 وبضع وُرَيْقات،

         في زقاق مُهمَل.

من أجل ذلك،

من أجل ذلك كله،

جئت،

لتقارع موتك،

مدججا بـ... حياة كاملة.


تصميم الحاسب الشامل