|
|||||
|
١- مسرّات صغيرة (إلى عدي مدانات) كنا قد فرغنا للتو من مشاهدة أحد الأفلام في أحد نوادي السينما حيث جلسنا في الغرفة الصغيرة في مدخل النادي لندخن بعد انقطاع دام ساعتين ولنستجمع أنفاسنا قليلاً قبل الانطلاق كل في طريقه.. قلت لصديقي القديم الذي لم أره منذ زمن بعيد والذي أعرف أنه يعاني من مشاكل صحية جدية .. - أترى .. هذا الفيلم الذي شاهدناه يقول بأن الفن هو بين يديك .. قريب منك جداً ولا حاجة إلى وجود قضايا كبيرة لتخلق فناً حقيقياً. وكنت أشير من طرف خفي إلى ماضي صديقي الحزبي المفعم بالأيدلوجيات .. وربما كنت أشير إلى ماضيّ أيضاً إذ أنني لم أكن بعيداً عن هذه القضايا الكبيرة وإن كنت أقل أيديولوجية من صديقي - إذا جاز التعبير. وافق صديقي بحماس على فكرتي مردداً : طبعاً .. طبعاً .. الفن - كما تقول - هو بين أيدينا ولسنا بحاجة أن نبحث عنه بعيداً .. - لا زلت تدخن ، علقت ، بعد أن اشعل صديقي سيجارته.. - أدخن قليلاً رغم أن الطبيب منعني كلياً بعد أن أجريت سلسلة من عمليات القلب. كنت على وشك أن أزجي إليه بنصيحة عن مدى خطورة ما يفعل. لكنني أمسكت لعلمي أنني سأفعل نفس الشيء لو كنت في مكانه مع أنني لم أجرِ سلسلة عمليات للقلب أو غيره بعد. - جيلنا .. ماذا يسمونه؟ جيل الستينيات .. أظن أنه وصل إلى نهاية الشوط .. هل أخبرتك أن صديقنا الشاعر أحمد أصدر مؤخراً مجموعة شعرية بعنوان »جيل الضحية« ولما سألته عما يقصد أجاب : أو لا تعرف .. انه جيلكم .. كان أمامنا بضع دقائق فقط لنغادر مبنى نادي السينما ولذلك أسرعت في القول وأنا أحس بشهية كبيرة للحديث أفتقدها منذ زمن بعيد .. كأنني أريد أن أعطي صديقي شيئاً من نفسي: - اسمع .. سأقول لك شيئاً .. أعرف أن الظروف كلها قاتمة وكئيبة وأن أحلامنا كلها قد تحطمت .. أعرف هذا كما تعرفه أنت ولا جدوى من الدخول في التفاصيل .. - ولكن .. بعيداً عن كل هذا .. بعيداً عن كآبة المشهد العام وعبثيته وسوداويته .. بعيداً عن كل شيء .. فقد اكتشفت أنه ما زال بوسعي أن أحظى ببعض المسرّات الصغيرة .. دون أن أشعر بالذنب .. مسرّات صغيرة مثل مشاهدة الفيلم الذي شاهدناه قبل قليل .. مسرّات تكون أحياناً أقل من صغيرة .. هذا الصباح استيقظت باكراً ورأيت من نافذتي عصفوراً يقف على شجرة سرو تتأرجح قليلاً .. وكان العصفور يزقزق .. ذلك العصفور كان سعيدا وقد نقل إلي شيئاً من سعادته .. وليلة أمس وقبل منتصف الليل ركبت الباص وكان مملوءاً بعمال متعبين تتطوح رؤوسهم لشدة تعب النهار ، لكن الباص كان دافئاً .. وأحسست أنني داخل أسرة .. كيف أقول هذا ؟ مسرّات صغيرة .. انتبه لها .. هي كل ما تبقى لنا .. وأخيراً سأقول لك .. فكّ حدادك الداخلي .. أعرف أنك في حداد غير معلن .. فك حدادك يا أخي .. فلم يبق لدينا الكثير من الوقت .. ٭ ٭ ٭ لابد أنني كنت مخلصاً وشفافاً وهو أمر فاجأني قبل صديقي وتساءلت بعد ذلك فيما إذا كان هذا من تأثير الفيلم الذي شاهدناه .. أما صديقي فقد كان يحدق فيّ بفضول كبير وهو يقول : - أرى أنك تزداد حكمة أيها العجوز .. ثم وقف فجأة وعانقني بحرارة ، مع أن هذا لم يحدث بيننا قط على مدى عشرات السنين .. وقال برقّة : - أتدري .. منذ الصباح وأنا أحس أنني بحاجة إلى حبّة دواء .. كنت سعيداً أنني منحت صديقي حبة دواء كان بحاجة إليها .. ومن يدري ؟. ربما كنت أمنحها لنفسي ؟! ٢-الحمامة الرابعة في بداية هذا الربيع وعندما حلّ الدفء اختارت حمامة أحد شبابيك بيتنا لتبني عشها فيه. وقد تابعت بسرور مع زوجتي وأولادي عملية بناء العش الذي بنته بصبر وأناة قشة قشة حتى اكتمل .. وبعد ذلك تضاعفت سعادتنا عندما لاحظنا أنها وضعت بيضتين في العش .. وأخذت تجثم فوقهما منذ تلك اللحظة. وقد اعتبرنا منذ اللحظة الأولى أن الحمامة ضيفتنا وأنها ربما اختارت بغريزتها مكاناً آمناً لا يهددها. وبالفعل لم يحاول أي منا ازعاجها. بل إنها مع مرور الوقت ألفت المكان وبدا أنها ألفت وجوهنا جميعاً. إذ أن كل واحد منا في البيت كان يزيح الستارة ليتفقد الحمامة، لكنها لم تكن تجفل أو تبدي أية إشارة للخوف .. لاحظنا أيضاً أن هناك حمامة أخرى تتناوب معها حضانة البيضتين وقلنا إنه زوجها ، ولكن المفاجأة أن ابنتي الصغرى والتي كانت تراقب الحمامة أكثر من أي واحد في البيت باعتبار أن الحمامة بنت عشها في شباك غرفة نومها ، أكدت أن هناك حمامة ثالثة تساهم في حضانة البيض وقالت بأنها متأكدة من ذلك لأنها تعرف كل الحمامات جيداً .. وكان هذا التأكيد مفاجئاً لي .. فأن تحضن حمامتان عشهما أمر عادي ، أما أن تساهم حمامة ثالثة في عملية الحضانة فأمر لم أسمع به من قبل .. وتساءلت فيما إذا كان هناك نوع من التعاون والتضامن بين الحمام مثل بني البشر وتساءلت بشيء من الخبث فيما إذا كان الذكر زوجاً لاثنتين من الحمام ؟! وهكذا أصبح الحديث عن الحمامات جزءاً يومياً لطيفاً ممتعاً في حياتنا .. بل إن زوجتي التي تكثر من التقاط الإشارات حيث تتفاءل بأشياء وتتشاءم من أشياء ، قالت بأنها متفائلة من وجود هذا العش في بيتنا وأنها قد سألت إحدى النساء المسنات فأكدت لها أن وجود الحمامة يعني أن »رزقة« في طريقها إلينا .. غير أنني لم أعرف ماهية هذه الرزقة ! .. إلى أن جاء يوم وكانت ابنتي ذات الثماني سنوات تلعب كعادتها على سطح المنزل عندما فتحت الباب بسرعة وقد علا الخوف وجهها وهي تقول بأن طائراً أسود حاول أن يهاجمها. فلم نعرف ماذا حدث إذ أن الطيور لا تهاجم البشر. ولكنها أضافت بأنها شاهدت حمامة تطير وهي خائفة .. وعلى الفور أسرعنا إلى العش لنجد أن الحمامة قد اختفت. غير أن البيضتين كانتا هناك ، وقد فكرنا أن غياب الحمامة قد يتسبب في أن تصبح البيضتين باردتين وبالتالي قد تتأخر عملية الفقس أو ربما لا تحدث أساساً ! لكننا استعدنا بهجتنا وفرحنا بعد حوالي الساعة عندما عادت إحدى الحمامات لتجثم على البيض .. غير أن الأمر لم يطل عندما وجدنا بعد ذلك أن العش أصبح خالياً من الحمام والبيض .. ويبدو أن الغراب قــام بفعلتـه بعــد أن حـدد مكــان العش في المــرة الأولى .. وقالت طفلتي بعد ذلك بأنها شاهدت الحمامات الثلاث وهي تحوم بهياج باحثة عن البيضتين في كل مكان .. وفاجأتني إلى حد أنها دفعت بالدموع إلى أطراف عيني عندما قالت: كم أتمنى أن أكون حمامة رابعة لأبحث مع الحمامات عن البيض المفقود. |
|||||
|
|||||