|
|||||
|
١- المطعم في منتصف سطح كل طاولة من طاولات المطعم الفسيح، وضعوا قطة محنطة ممتلئة، تتجه بجذعها ورأسها نزولا من الأعلى نحو الأسفل، وبين الأسنان الأمامية لكل قطة، وضعوا فأرا يفيض حجمه عن فم القطة الفاغر. قطط سوداء اللون كقصص الحكايات، وفئران مخططة بدورها وبألوان رمادية داكنة، وضعوها على الطاولات بدل باقات الزهور في الأواني الزجاجية الشفافة. ولأن الطاولات صغيرة الحجم، قد صممت ليشغلها واحد او اثنان فقط، فإن عددها كان وفيرا قياسا إلى مساحة المطعم، والقطط كانت بالتالي كثيرة العدد، وطول جذع الواحدة منها مع الرأس غير الصغير نحو نصف متر. وكان هناك نادلون نشطون بأرواب بيضاء ولكأنهم أطباء او محللو مختبرات، ينتشرون بكثافة بين الطاولات، ولم يكن هناك أحد من الرواد، غير ان حركة النادلين المفعمة بالانسجام والجدية والاستعجال، توحي إيحاء قوياً بأن الرواد او المدعوين على وشك الوصول. لقد قادتني قدماي وعلى غير هدى مني، للوقوف امام باب مطعمهم الذي لم أتبين اسماً له. وقفت على العتبة، وسرعان ما رأيت المشهد كله في هنيهات، وعلى الخصوص مشهد القطط المتماثلة المتكررة بعيونها النحاسية المضيئة، والتي يمتد جذع الواحدة منها نحو الأسفل إلى سطح الطاولة، وبالطبع شعرت بغثيان وفزع، وهو ما بدا لا شك على سحنتي، وهو ما قد لاحظه بعض النادلين، ممن كانوا على مقربة من الباب حيث وقفت، غير ان أي استغراب لم يبدر عن هؤلاء، إذ واصلوا تحضيراتهم بنشاط. وقد هاتفني هاتف باني إذا أطلت الوقوف لدقيقة واحدة متصلة، فإن قوة ما أو ريحاً قوية، سوف تهب من خلفي وتدفعني دفعا إلى الداخل، لكي أجلس قبالة قطة ممتلئة وفمها محشو بفار، وأن علي في تلك الحالة أن استلهم المشهد لفتح شهيتي على تناول الطعام. ولقد تمكنت بشق النفس من أن أتزحزح من مكاني، رغم الشك الذي يساورني، بأن الأمر لا يعدو أن يكون ديكورا فانتازيا لجذب الزبائن غريبي الأطوار، غير أنه بدا لي أن الحياة بدأت تدب فجأة في القطط، وأن الهلاك أخذ ينشب أنيابه في الفئران التعيسة، مما جعلني أحمل نفسي على المغادرة السريعة، حيث جعلت أجرجر أقدامي في الشارع الفرعي حيث يقع المطعم، ولم ألحظ أحداً من المارة في واضحة النهار، فيما كنت أغالب حاجتي لأن أبث مشاعري بطريقة ما لأحد ما،رغم تحفظي المعهود. على أن انبثاق جمهرة المارة في الشارع الرئيس الذي انعطفت إليه اخذ ينسيني الأمر شيئا فشيئا، وجعلني أمشي هائماً، وقد توطدت قناعة سابقة لدي بأن من يقبلون على تناول الطعام، وبالطريقة الاستعراضية التي تتم بها في المطاعم، إنما هي كائنات تحتفل بالتهام كائنات أخرى، وقد حررني استدعاء هذه القناعة من وطأة تلك المفاجأة غير السارة. ٢- كأنه من حرير لقد زال عنه الاحتقان : الزرقة الكامدة التي تعرفونها، والبشرة المتغضنة التي رأيتموها. عاد الصفاء إلى وجهه، وتورد جسمه وشفّ حتى صار كأنه من حرير. قال الابن الشاب ابنه الأكبر متهللا، وبإيمان خالص وحماسة ظاهرة فاجأت بعضنا نحن المتحلقين حوله،إذ جعله ذلك الإيمان وتلك الحماسة متفائلاً مستبشراً حد الوثوق. ولم يجد احدنا نحن المتجمهرين عند باب البيت ما يقوله غير التمتمة والهمهمة والموافقة بإيماءة الرأس. حتى قال أحدنا من كبار السن : - لقد شفي من المرض الآن. ذهب عنه المرض اللعين. المرض الذي كان ينهكه ويفتك به ويجعله في حال من الاحتقان. » بالضبط، لقد شفي أخيراً من المرض اللعين « قال الابن الأكبر الثلاثيني ابن المرحوم، الذي سبق أن فقد شقيقه الأكبر منذ زمن طويل، منذ ربما ثلاثين سنة. » بالضبط «. قالها موافقاً ومتهللا، وإضاف إلى تهلله ابتسامة صافية، حيية، راضية، وانعطف مندفعاً وصاعداً إلى سيارة الدفن كي يتخذ له مكاناً بجوار أبيه. ٣- شاهد عيان حدث ذلك في ساعة ازدحام، قبل الغروب في يوم الخميس الذي يسبق يوم العطلة، وحيث تجتذب أرصفة الشارع التجاري أعداداً غفيرة من المشاة والمتنزهين والمتسكعين، وممن يقصدون الشارع الشهير بغية الشراء، وحيث بات التسوق متعة الزمان الجديد. كان الطقس بداية الخريف في غاية الاعتدال، مما يشجع على الخروج والتجوال للمتسوقين وغير المتسوقين، من شبان عازبين ومن عائلات تتعرف بشغف على البضائع المعروضة، على نية الشراء هذا اليوم أو ذات يوم قريب. فإذا بشاب يشق الزحام فجأة، شاب طويل القامة رياضي البنية يحمل بين ذراعيه ما لا يتخيله أحد.. يحمل شابة، أجل شابة ترتدي بنطلون جينز مشدود، وترافقهما فتاة أصغر سناً منها. لقد أثار ظهورهما المفاجئ دهشة وذهول المارة رجالاً ونساءً ومن مختلف الأعمار، ولم يكتم كثيرون ضحكاتهم كالفتيات المتحررات المظهر، وحتى المحجبات، وكذلك الشبان العابثين. وهناك من عرض المساعدة بطريقة لائقة، ومن عرضها بأسلوب تهكمي.. وهناك من شهق أمام المفاجأة كالسيدات المتقدمات في السن. أما الشرطي الشاب الذي كان ينظم في تلك الأثناء سير المركبات، فقد اقترب منهما وحاول أن يقول شيئاً، لكنه لم يفلح إذ غلبته ضحكته، وتشككه في أن من واجبه التدخل في أمر كهذا. وأمام هؤلاء وسواهم فقد احتفظ الشاب بملامح الجد والثبات، بل إنه أخذ يرسل نظرات التحدي لمجايليه من شبان العشرينيات، هامساً بالحديث بين الفينة والأخرى إلى فتاته المحمولة التي كانت تتناوب إغماض وفتح عينيها، فيما تلتقط أذناها بعض التعليقات المتطايرة وغير المتوقعة، كقول أحدهم إنه فيلم يجري تصويره، وقول آخر إنها كاميرا خفية، وقول ثالث إنّ الفتاة مغمى عليها، فيما هي تتعلق برقبة الشاب الساخنة، وتجتهد لملمة شعرها المسدول، أما مرافقتهما المراهقة فقد بدت على شيء من الحرج وهو تتمتم بحديث إلى نفسها، أو تغافل رفيقيها وتختلس نظرات إلى البضائع المعروضة في الواجهات. لم يستغرق المسير على الرصيف المستقيم سوى بضع دقائق، ذلك أنّ الشاب كان يغذ سيره ويشق الزحام بعزم وتصميم، ليدرك هدفاً غير بعيد وسط حشد من النظرات الفضولية القوية والتعليقات المتناثرة لعشرات من المارة، الذين ربما بل بالتأكيد لم يصادفوا مشهداً كهذا من قبل. وما أن قطع ثلاثتهم مسافة لا تقل عن مائتي متر، حتى توقفوا أمام سيارة كورية حمراء اللون من طراز غير حديث، وسارعت الفتاة المرافقة إلى فتح الباب الخلفي للسيارة، حيث أمكن للشاب تمديد جسد الفتاة المحمولة ابتداء من رأسها ذي الشعر المسدول، وما أن نجح في ذلك وأغلق الباب، حتى أوقفه شرطي بملابس مدنية وتبادل معه الحديث. كنت في واقع الأمر أحد المارة الفضوليين الذين استوقفهم المشهد منذ بدايته. وقد لاحظت الشاب وهو يشير خلال حديثه للشرطي بيده، إلى موقع ما في الاتجاه الذي كان سائراً فيه حاملاً فتاته، وقد ندت على الشرطي ضحكة صافية مفاجئة، بعد أن فتح الشاب باب السيارة الخلفي، وجعل الشرطي ينظر مجدداً إلى الفتاة، ثم صافح الشرطي بحرارة الشاب، الذي لم يلبث وأن انطلق بالسيارة دون أن يهدأ فضول المارة. لم يكن مجرد فضول بل من علامات الغفل وسوء النية الشائع، فالجمع الذاهل وكنت في عداده، وبعشرات العيون المفتوحة والمحدقة، لم يلحظ جبيرة بيضاء تكسو الساق اليمنى للفتاة حتى القدم، مما يجعلها عاجزة عن المشي، وإذ لم يتمكن الشاب من إيقاف سيارته قرب عيادة العظام والمفاصل، حيث جاء بالفتاة للعلاج فقد صمم ببراءة نادرة على الخروج من العيادة، حاملاً الفتاة على ذراعيه في تحدٍ مثير لما هو مألوف. ذلك ما أفضى به الشرطي المدني مضيفاً في النهاية إنها خطيبة الشاب. لم يعرف أحد هوية الشاب، الذي رمقته عشرات العيون من قبل بنظرات الهزء، غير أنه نجح بلا شك وعلى طريقته في البرهنة لفتاته على مدى حبه لها. ولأنّ أحداً لم يلتقط صورة لذلك المشهد الفريد لإهدائها للشاب ولفتاته ذات الساق المصابة، والتي تتعلق برقبة خطيبها، فقد عزمت كشاهد عيان أن أروي ما حدث.. |
|||||
|
|||||