ميليجيا..
اندل(و)سيا، و التاريخ يؤجّج

 

بنعيسى بوحمالة (ناقد من المغرب)


ساعة رمق ذلك الصديق يوما حفنات حصى موضوعة فوق مكتبي، وكل حفنة مصفوفة بعناية وتلاصقها بطاقة صغيرة تحمل إمّا اسم بابل، أو قرطاج، أو أثينا، أو غرناطة.. كنت حملتها معي في أثناء زياراتي المتفرقة لهذه الحواضر الجليلة الدّارسة، لم يتمالك نفسه من فرط الاستغراب، بله الاستنكار فيما خيّل إليّ، فإذا به يسألني: بالله عليك قل لي ما الذي يغويك في هذه الأحجار الصّماء حتى تحتفي بها كل هذا الاحتفاء؟! قلت له: لربّما صعقتك إن أنا أخبرتك بأني لن أقايضها بسائر كنوز الدنيا.. أو تدري أنها قرائن أزمنة تليدة كان الناس فيها يتخاطبون بالشعر بينما كانت الآلهة تنزل من عليائها لتخالط البشر في درك الأرض كما يقول فريدريش هولدرلين.. إنها تميمات، إن شئت، أتملّك بها أزمنة رائعة ولّت وانقضت، أو فقهت لماذا هي إذن هنا؟

يوم وصلتني، صيف العام الماضي، دعوة للمشاركة في ندوة »الشعر والإنسانية« ستقام ضمن فعاليات مهرجان عالمي للشعر تستضيفه العاصمة الماليزية كوالالمبور، قلت، من فوري، يقينا أني لن أؤوب غانما أحجارا هذه المرة، لكن من أدراني فقد أعود فائزا بخبرات ومشاهدات ومرويات.. أعيد بها ترتيب صورة بلد لا تتعدى علاقتي به مقروءات - نتفا صحفية، هنا وهناك، أي أخبارا وتقارير إعلامية خفيفة تلامس الواقع الماليزي أكثر ممّا تتغوّره، بل قد أعود، ولعله الأهم بالنسبة لي، فائزا بما يستزيدني تواضعا حيال جغرافيات وشعوب وثقافات مغايرة..

فعلا تتلامح ماليزيا، وأنا أنظر إليها في الخارطة، مطوّحا بها في ذلك الصقع المتنائي من الكرة الأرضية لذا فإن الرحلة إليها ستكون، لا محالة، قطعة من جحيم، لكن لا بأس، فجاذبية البلد تهوّن من مشاقّ السفر إلى تلك التخوم الآسرة..

في الطائرة الذاهبة من الدار البيضاء صوب باريس شاء لي رقم مقعدي أن أعايش، على مدى الساعتين ونصف، شابّين أشقرين بعيون زرقاء، يرتديان سراويل قصيرة وقمصانا صيفية وينتعلان أحذية رياضية من جنس الماركات العالمية الرائجة في السنين الأخيرة.. ظننتهما، لأول وهلة، أروبيين قحّين.. ولردح كبير من عمر الرحلة سيستغرقهما صمت مرين ماداما قد استغرقهما الإنصات، عبر جهازي الوولكمان، إلى أغان غربية فيما حدست وإن لم أتبيّنها.. أمّا أنا فما كان مني إلاّ أن انكببت على الجرائد اليومية المثبتة قبالتي وخضت في تصفحها بتراخي من يدرأ أيّما قراءة مجهدة. إلى الآن ما زلت على ظنّي بالشابين الأشقرين في حين كانا هما، بأثر من انقطاعهما إلى الأنغام التي تتجرعها أذنهما، في حلّ من مجرد ولو الالتفات إليّ فأحرى تهشيم الحاجز النفسي الذي انتصب سريعا بيننا..

والمضيفة الرشيقة تسألني عن المشروب الذي أريد بعد وجبة العشاء بادرتها: جعّة من فضلك، وما أن أنهيت كلامي حتى دار أقربهما ناحيتي، وكانا قد تحرّرا من جهازيهما، ثم سألني، من غير ما مقدمات، هل الأخ مسلم؟ أجبته، مبتسما، بالإيجاب، ليس من جرأة السؤال لكن من وقع المفاجأة.. إذن فأنتما عربيان ومسلمان، أجابني، وهو يتفرس في هيئتي كمن يكتشفني، نعم، نحن من أصل جزائري وولدنا ونقيم مع أسرتينا في فرنسا.. كنا في زيارة اصطياف قصيرة إلى المغرب.. حقا إن المغرب لبلد رائع، لكن ردّ عليّ: هل يليق بمسلم أن يحلّل ما حرّمته الشريعة؟ قلت له: أعتقد بأن واحدة من مكرمات الإسلام أنه دين متفتح، متسامح، ومن الأنسب التعاطي معه من هذه الزاوية.. قال، بينما شغّل صديقه جهازه الموسيقي من جديد، إن ديننا لا يقبل أنصاف الحلول، إمّا أن تلتزم بتعاليمه كاملة غير منقوصة أو أن تدعه للمقتدرين عليه.. لكن لتقل لي أنت من جهتك، أفليس، ربّما ، وجودكم في بيئة مناوئة للأجانب، وللمسلمين بوجه خاص، يكاد يؤمّمها خطاب السياسي الفرنسي اليميني جان - ماري لوبين حول الخطر الإسلامي في فرنسا العلمانية، هو ما يفسر هذه الجذرية الإيمانية لدى المسلمين الذين يعيشون سواء في فرنسا أو في غيرها من الدول الغربية ، الشيء الذي يختلف مع واقع الأمور في البلدان العربية والإسلامية، فنحن نمارسه فطرة، ألا يعدّ الإسلام دين الفطرة؟ حاول أن تقرأ في هذا الشأن كتابات الجزائري محمد أركون والمغربية فاطمة المرنيسي حول الإسلام، المكتوبة باللغة الفرنسية التي تتقنها، إذ هناك، فيما أرى، أوجها عدة لقراءة عقيدتنا وتأوّلها.. أعرف هذه الكتابات، أجابني بنبرة يمازجها قدر من التشنج، بل لتأخذ مني أنت النصيحة بقراءة صحيح البخاري ومؤلفات طارق رمضان.. إن فيها عبرة ثمينة لمن يتوخى إسلام الأصول..

وحبل المحاورة الشائقة بيننا ينصرم، شيئا فشيئا، بسلاسة، وأيضا على نحو متحضّر يثلج الخاطر، ودّعنا بعضنا البعض في قاعة المغادرة. كان الشابان متبوعين بقطار سيقلّهما إلى مدينة تبعد عن باريس بحوالي ثلاثمائة كيلومتر، وفيما يعنيني أنا فقد كان ديدني اللحاق، توّا، بفندق أمضي فيه ليلتي ريثما آخذ طريقي، في الغداة، إلى كوالالمبور، أمّا رؤية الأهل وبعض الأصدقاء وزيارة »المولان روج« ومعهد العالم العربي.. فأشياء أرجأتها إلى ما بعد العودة..

ما إن أقلعت طائرة الجامبو العملاقة من مطار باريس حتى ذهب ذهني رأسا إلى وجهتي المتقصّدة، ترى كيف هي طبيعة ماليزيا، بشرها، ثقافتها، تقاليدها..؟ وأنا أبتني تساؤلاتي الاستباقية، وقد شاء لي رقم مقعدي هذه المرة أن أجاور، طوال اثنتي عشرة ساعة من الطيران، فتاتين بملامح آسيوية سافرة كانتا ضمن جحفل من الشبان العائدين من عطلتهم الصيفية في فرنسا منتهى ما تبادلناه من حديث كان استفساري إياهما عن التوقيت المحتمل هناك في كوالالمبور مقارنة مع توقيت باريس فكان أن أخبرتني إحداهما بأن هناك فارق ستّ ساعات يفصل بين المدينتين، وأنا أتساءل إذن كانت تخامرني لقطات متناثرة من أشرطة سينمائية أمريكية وبريطانية، صوّرت في ماليزيا، كنت قد شاهدتها في زمن بعيد فحفرت في وجداني صورة بلد غابوي حدّ التخمة، يعج بالسلاطين والبلاطات والنمور.. تحضرني مهابة برجي بتروناس المتسامقين في القلب من كوالامبور، رمز عظمة ماليزيا وتشامخها الاقتصادي، مخفورة بأسطورة الرجل الذي كان من وراء طفرتها النهضوية المذهلة، أعني الوزير الأول الماليزي السابق مهاتير محمد، سليل احد الزعماء الكونيين المرموقين ممّن بصموا تواريخ بلدانهم وانتزعوا لها مكانتها الساطعة في العالم، من أمثال البريطاني ونستون تشرشل، والهندي جواهر لال نهرو، والباكستاني علي بوتو، والألماني كونراد أديناور، والنمساوي برونو كرايسكي، والسويدي أولوف بّالم، والإسباني فيليبي كونزاليس.. كان بالي منهمكا في توضيب توقعاتي لبلد لمّا أزل أعرفه، إلى حدود تلك الآونة، على سبيل التجريد ليس أكثر.. لمشاهده وتلاوينه ومجرياته.. وبين الفينة والأخرى كنت ألحّ على ذاكرتي في استرجاع أسماء ونصوص شعرية ماليزية كنت قرأتها، فيما لا أنسى، منقولة إلى اللغة العربية في الدورية، طيّبة الذكر، »اللوتس« التي كانت تصدرها منظمة الكتّاب الأفرو - آسيويين..

كنت أتساءل.. أستحضر.. أرتب.. ولم يفتني سوى أن أفترض، مثلا، أني سألقى، بعد ساعات من الطيران، سيّدة ماليزية، باسم نورا زيان، تختزل لوحدها دينامية أمة برمتها وتنوب، بالتالي، مناب انفعالاتها وأشواقها وتطلعاتها الهائلة..

لم تخلد إلى النوم ما عدا الفتاتان الآسيويتان الجالستان إلى جواري، المهزولتان لكن الطافحة عيونهما فطنة وتوقّدا، وإنّما كامل الركاب تقريبا.. ولأن النوم يستعصي عليّ في حالات مثل هاته فقد لذت بالشاشة المسمّرة أمامي، والتي تجسم مسار الطائرة، فإذا بي أرى أنها الآن فوق قندهار الأفغانية، لكن ما حاجتها إلى هذا المسار ضدّا على آخر خطّطته لها مخيلتي يستأنس بالمسارات المستقيمة للطيور المهاجرة ! لا، لم يقع شيء من هذا، فبدلا من أن تنطلق من باريس مخترقة، رأسا، البحر الأبيض المتوسط وشبه الجزيرة العربية ثم لجة المحيط الهندي انتهاء إلى كوالالمبور سوف تجتاز ألمانيا، رومانيا، دول القوقاز، فإيران، فأفغانستان، فباكستان، فالهند، فخليج البنغال، لتأخذ في الانحدار، بمحاذاة سواحل الهند الصينية، قبل بلوغ ماليزيا العالقة بذيل التايلاند.. وهي في سماء قندهار تذكرت، تلقائيا، تماثيل باميان البوذية وما كان من كارثة تقويضها بدعوى استئصال حمولتها الوثنية المنكرة، وتذكرت، عفو الخاطر، الشابين الجزائريين ثم همست في نفسي ترى ماذا سيكون رأيهما في تصرف هابط من هذا القبيل يقترف باسم العقيدة؟ وإذ همست سرعان ما ترسمت إجابتهما، فهما لن يعدما إجابة بصدد هذه النازلة.. سيقولان، بلا ريب، وما لك وتضخيم الأمور وعزلها عن بعضها.. ألم يحدث أن أحرق المتطرفون اليهود المسجد الأقصى؟ ألم يدمر الكاثوليكيون كنائس البروتستانت والأنغليكان والمورمون..؟ ومالنا نشتطّ بعيدا في الوقائع المماثلة، حسبك أن تطل من سمائك، بعد هنيهة، على الهند فلقد تشاهد أعمدة دخان طرية، طالعة من حريق مسجد على يد بعض من غلاة الهندوس..؟

هلّلويا.. هلّلويا.. ولله في عباده المؤمنين شؤون..

مرحبا بكم في »ميليجيا«.. يلهج بها رجال الأمن والجمارك والمستخدمون في مطار »كليا« العجائبي.. »ميليجيا« وليس ماليزيا.. كذا كانوا ينطقونها بإنجليزيتهم المستعذبة وعينها ستتفتّق من لسان سائق سيارة الأجرة الهندي الذي سيوصلني إلى العاصمة..

وأنا أسترق النظر من نافذة السيارة التي تنتهب الطريق السّيار الحريري نهبا، مغالبا عياء الرحلة وإرهاقها، إلى مشاهد الطريق لم أبطئ، من روعة ما كانت تراه عيناي، في إدراك سرّ جاذبية الشرق الأقصى.. بذخ هذه البقعة المدوخة من الأرض: طبيعتها، طرائق المعيش الإنساني وفنونه، الاعتناقات الروحية الرفيعة.. ليس عجبا إذن أن تشكل آسيا مختبرا حيّا لأجيال من الرّحالة والأنثروبولوجيين والإثنوغرافيين والميثولوجيين والسيميولوجيين واللاهوتيين  والشعراء والروائيين والمسرحيين والرسامين والموسيقيين.. من أركان المعمور الأربعة.. تذكرت، بالمناسبة، الرّحالة المغربي المقدام، الذائع الصيت، ابن بطوطة، ومصنفه الكبير »تحفة النّظار«.. الرّحالة الإيطالي ماركو بّولو وتفويته التقنية الصينية في صنع العجائن وطبخها إلى إيطاليا، ومعها باقي العالم.. عالم الأساطير الروماني ميرسيا إلياد وتآليفه حول متخيلات وطقوس شعوب بّولينيزيا.. السيميولوجي الفرنسي الفذ، رولان بارت، الذي سيخلّد رحلته اليابانية بكتابه الجميل »إمبراطورية العلامات«.. الأم تيريزا، تلك القدّيسة الاستثنائية التي ستصوّب ذخيرتها الروحية صوب تعاسات فقراء كالكوتا ومعوزيها عوض أن تدمن استرحام أيقونات في دير ما بألبانيا.. الشاعر الرمزي الفرنسي بول كلوديل، سفير فرنسا أثناءها في بكين، وما أفادته مخيلته المسيحية الطهرانية من ثمرات الزّن والطاوية.. الشاعر والمسرحي الخارق، أنطونان أرتو، وعبوره لهذه الربوع مفتتنا بالتقاليد الفرجوية لآسيا والتي سيعدّها الأفق الممكن لمسرح قيد التهالك ما انفك يستمسك به الغرب.. الشاعر التصويري الأمريكي عزرا باوند الذي سيفقه، عن قرب، مدى ثراء الشعرية اليابانية والصينية، جماليات وموضوعات ورؤيات، ويرفد بها نصوصه الشعرية.. الشاعر السريالي المكسيكي، أوكتافيو باث، الذي سيرعى لفترة المصالح الدبلوماسية لبلده في الهند، وما استقطبته قصيدته من حساسية وعمق بصيرة.. الفيلسوف والروائي الفرنسي الشهير، أندري مالرو، وزير الثقافة أيام حكم الجنرال دوغول، ومغامراته في الصين والتيبت التي ستثمر روايته الفاتنة »التوضّع الإنساني«.. الروائية الفرنسية، مارغريت دوراس، التي ستقنص من مقامها الفيتنامي المديد روايتها البديعة »العاشق«.. الرسام الفرنسي، بول غوغان، الذي سيزهد في بهرج أروبا ونعيمها لقاء أضواء وألوان طازجة ستعثر عليها ريشته في حياة بدائية، صافية، هيّاتها له جزيرة تايتي، هناك في أرخبيل بّولينيزيا.. فريقي »البيتلز« و»الرولينغ ستون« وهما يتتلمذان من جديد على يد الموسيقار الهندي الحكيم، رافي شنكار، بحثا عن جملة موسيقية ميسمها الكمال، عن بلوغ مرتقى النرفانا مثلما يعتقد الهندوكيون..

و أنا أمعن النظر في لوحات جاهزة تغدقها عليّ الطبيعة.. أغوص ببصري في نضارة تبلغ حدّ التخمة يتهيّأ لي أني أذرع حديقة جيوراسية قائمة الذات، آيلة إلى فجر الأزمنة ولا تنقصها سوى قطعان الديناصورات والماموثات والسحالى الخرافية.. وأنا أتماهى مع ما أرى كانت السيارة تدنو من كوالمبور أكثر فأكثر وكلما ازداد دنوها أخذت تحتل ناظري هالة حاضرة جبارة تبدّت لي معها باريس، التي برحتها قبيل ساعات، على فخامتها، محض بلدة متواضعة.. حاضرة على الطراز الأمريكي: ناطحات سحاب تبزّ بعضها البعض معمارا وعلوّا.. شبكات طرق سيارة طولية وعنكبوتية.. ترامات وحافلات وسيارات خاصة ودراجات نارية مارقة.. راجلون ينغلون بهمّة إلى هذه الوجهة أو تلك.. مالاويون وصينيون وهنود يؤثثون محفلا بشريا خلاقا يصنع رخاء بلد وازدهاره.. ولكم سيلفتني ألاّ أحد، مثلا، من ممتطي الدراجات النارية، رجلا كان أو أمرأة.. كهلا أو شابا.. قد سوّلت نفسه، الأمّارة بالسهو، أن يجازف بالحركة ورأسه مجردة من خوذة واقية ! فمن خلال جزئيات كهاته يمكنك أن تلج إلى عقلية شعب، أن تقيس مقدار تمدّنه ومسؤوليته، ناهيك عن فائق النظام، عن فائض النظافة..

بعد سويعات قلائل، رمّمت فيها بدني المنهار ومزاجي المتعكّر جراء السفر، نزلت من غرفتي إلى قاعة المؤتمرات في الفندق حيث ستتم الجلسة الافتتاحية.. هاأنذا في القاعة بين جموع الضيوف أحيّي من أعرف ولا أعرف وبغتة وجدتني في حضرتها.. إنها هي لا أخرى سواها.. وشت إليّ بها أسارير محيّاها المتوهج وأريحية بسمتها الودودة ودماثتها السافرة.. »هاي«، نطقتها بصوتها الخفيض الكتوم.. الأخ من »المغربي« - أي المغرب باللغة الماليزية -.. اسمي نورا زيان.. أتمنى أن تكون تخفّفت من عناء السفر.. مرحبا بك في »ميليجيا«.. آمل أن تمضي أوقاتا ممتعة بين ظهرانينا..

هي باحثة في معهد التدبير الثقافي وصيانة التراث، امرأة في عقدها الرابع تقريبا، جميلة، مقدودة، ترتدي لباسها الوطني المزركش.. هادئة، حييّة، ولا مرة قد تجدها متبرمة.. تحلّ مشاكل هذا الضيف أو ذاك.. تجيب عن استفهام هذا وترشد ذاك.. تذكّر هذا الشاعر بموعد قراءته وذاك الباحث بموعد مداخلته.. امرأة من سلالة نادرة..

في الحفلة المسائية التي أعقبت جلسة الافتتاح الرسمي لوقائع الندوة والمهرجان سيتاح لي أن أكتشف مدى اغتناء التقاليد الماليزية وتنوعها، أزياء ولهجات وموسيقات.. أن أقف بالملموس على ما هو  أكثر دلالة، أن تقدم شاعرة، ومغنية استعراضية، مكسيكية مدعوة وصلات غنائية ورقصات ساخنة.. أن تتغنج، لا مبالية، بكسوتها غير المحتشمة.. أن تكثف عبر جسدها كامل ما في أمريكا اللاتينية من اعتناف وحسية وشغف بالحياة.. في فضاء غاصّ بنسوة ماليزيات محتشمات يصفقن لها ويهتفن غير متحرجات بل منتشيات وسعيدات..

هؤلاء النسوة سوف لن أتأخر في مصادفة شبيهات لهن، خلال الأيام الموالية، في الطرقات والساحات والأسواق والمرافق المختلفة يسرن، جنبا إلى جنب، مع مواطناتهن المتحررات، المرتديات سراويل الجينز والقمصان الرهيفة.. يسرن واثقات من ذواتهن.. يثرثرن ويضحكن سوية.. ذلك أنهن، جميعهن لا الوقورات ولا المتحررات، بنات صميمات لزمن حديث متسارع الوتيرة، كافّتهن يسهمن، استهداء بأخلاقية متنورة ومتسامحة، في ترجمة مجاز التّنين الاقتصادي إلى حقيقة فعلية والارتقاء بإبداعية بلدهم في مجالات صناعة النفط والمطاط وتكنولوجيا المعلوميات والرّفاه السياحي.. بما يقرّبه أكثر من مصافّ دول كالولايات المتحدة وألمانيا واليابان وكوريا.. سأرى مساجد فاتنة هندستها تجاور كبريات الشركات والمصارف والبورصات والفنادق.. سأرى ممكن التآخي بين حدّي العقيدة والحداثة.. في المساجد سألقى أفئدة موصولة بالعصر الذهبي للإسلام وفي »تشاينا تاون« سوف لن أتمتع بالمذاقات والنكهات المستلذة للطبيخ الصيني وكفى بل وسأفتح ذهني جيدا على بلاغة السوق الاستهلاكية الحديثة.. على تجارة تدار، سيان تعلق الأمر بحبّة فاكهة استوائية أو بآخر صرعة للمنظومات الإلكترونية، وفقا لنواميس العولمة وإملاءاتها.. لو أن الشابين الجزائريين يريان ما أرى.. كنت أسرّ بها لنفسي كلما التقطت إشارة من إشارات توفّق هذه الأمة إلى كسب معادلة العقيدة والحداثة..

هل تعلم بأننا كنا من أوائل من مدّوا يد المساعدة إلى هؤلاء الناس في بداية استقلالهم، وها أنت ترى إلى أين وصلوا هم وإلى أين ارتددنا نحن، لقد تجاوزونا، والحق يقال، بمسافة ضوئية؟! قالها لي، بنبرة أليمة، الملحق الثقافي بإحدى السفارات العربية في كوالالمبور، صعدت من أحشائه بحسرة ومرارة.. لحظتها استعدت الأمثولة التي يا ما كان يردّدها فقيدنا الفيلسوف المغربي محمد عزيز الحبابي حول السباق الحضاري المستحيل بين الغرب والعالم الثالث، والذي لشدّما كان يروق له تشبيهه بسباق الأرنب والسلحفاة، ففي زمن الصناعات الميكانيكية والكهربائية والتحويلية.. كان الغرب/ الأرنب متقدما طبعا على العالم الثالث/ السلحفاة، لكنه كان يتيح لهذه الأخيرة أن تراه ولو عن بعد، كان لا يزال في إطار الصورة، ومع انخراطه في عصر »تيك«، أي مع ظهور علوم »السيبيرنتيك«، »الأنفورماتيك«، »الجينيتيك«.. سيغيب أصلا عن ناظر سلحفاة تدب على مهل!

في غمرة الجلسات النقدية والقراءات الشعرية سيسنح لي بإدراك مبلغ الدقة التي يسيّر بها الشأن الثقافي من حيث استثمار الزمن وتسخيره، لكن سيسنح لي أيضا بتصحيح درايتي القاصرة بما يعتمل شعريا في بلد كماليزيا وأن أتعرف على أسماء وتجارب ونصوص.. كنت، قبلها، قد قرأت تحديدا للشاعر اليابانيين، الكلاسيكي باثيو والمعاصرة كازوكو شيريشي، والشاعرين الصينيين، الكلاسيكي لو يو والمعاصر بيي ضاو، وكدت أختزل هوية آسيا الشعرية في هذه الأسماء فإذا بي أعرف أن هناك شعراء ماليزيين مقتدرين ونابهين يكتبون سواء بالإنجليزية أو الماليزية كأحمد كمال عبدالله، زكريا علي، سوهيمي حاجي محمد، سالمياه إسماعيل، شو ليانغ، يو آن.. وربما كان الأبرز هو صمد السيّد.. مخلوق من سيماه.. وجهه القمحي.. شعر رأسه ولحيته المنسدلين كيفما اتفق.. من صمته وعزوفه.. تستوعب أنك بإزاء شاعر أصيل، أمّا وأنت تقرأ سيرته وبعض منجزه فلن تتوانى عن إدراجه في نفس الطبقة التي تضم قامات شعرية فارهة من عيار السويدي توماس ترانسترومر والفرنسي إيف بونفوا والأرجنتيني روبيرتو خواروث..

ليلة الاختتام لم يكن لطقس الوداع أن يتم دون أن تنثر عليه السيدة نورا زيان نزرا من رقتها وإنسانيتها.. قالت لي، فيما قالت، سأذهب العام المقبل، في زيارة عمل، إلى ليدن الهولندية ودبلن الإيرلندية.. ومباشرة سأطير إلى قرطبة، إلى أندل(و)سيا.. لهجت بها، كذا، ممدودة، مرخّمة، تزلزل شغاف القلب.. أفضت بها بلوعة، بحرقة، إن لم أقل بمأساوية.. أخبرتني بأنها لم تزر أيّما بلد عربي وجائز ألاّ تزور العالم العربي، على الأقل في المدى المنظور، لكن قرطبة بغية أخرى مستعجلة، مناداة عميقة من مكان / زمن يريد لها شوقها المستعر الغامض أن تجس نبضه هناك، كيانيا، وعن قرب.. وهي تشدّد على أندلسها، أندلس تعنيها دون سائر أمصار الأرض، لكأنني بها تود استدراجي إلى بؤرة حنينها الروحي الجارف إلى مسقط ضوء تلك البرهة الحضارية المتعالية في تاريخ الإسلام يوم كان العالم سديما مطبقا أو يكاد.. أو تبتغي نورازيان تمرية حاضر كوالالمبور الواعد في ذاكرة قرطبة الدارسة؟ هل هو التاريخ يجترح المواقيت.. يوقظ المواجد.. ويؤجج الحنايا؟

في رحلة العودة نذرت تفكيري، متملصا ما أمكنني من انطباعاتي الماليزية المتزاحمة، للتخطيط للأسبوع الذي سأقضّيه في باريس ومن حين لآخر كنت أعبث بالبطاقات الشخصية التي أمدني بها بعض الشعراء.. ولكم كانت دهشتي كبيرة وأنا أقرأ بطاقة شاعر ألماني، إذ بدلا من أن تقع عيني على عنوان له مفترض في برلين أو فرانكفورت أو ميونيخ.. ستقع على إحالة أخرى.. على كاتماندو العاصمة النيبالية.. كاتماندو بالتمام والكمال.. وإذن هناك سكناه عند سقف العالم وكمال انفصاحه وشفوفه مقايضا، من غير ندامة تذكر، رفاهية ألمانيا بطمأنينة الأعالي.. فمن ذا يستطيع أن يقول بأن آسيا لا تغري ولا تجذب؟!

لم أعد بحصوات كما عودتي بها من جغرافيات طاعنة في العتاقة لكني عدت غانما خبرات ومشاهدات ومرويات.. وأجمل من هذا محمّلا، من غير كتب ودواوين شعرية ماليزية مترجمة إلى الإنجليزية، بمجموعات شعرية/ تميمات باللغات الكورية والكمبودية والتايلاندية.. منزوعة من أيّما ترجمة كانت، ممنّيا نفسي بالمتعة الأخرى الخفية، الرمزية، التي يمكن أن يلقاها امرؤ، أحيانا، في الاستغلاق أو العماء اللغوي ! حريته، مطلق حريته، في تأويل ما تبطنه الأبجديات واللغات المتعذرة من أوعاء وانتواءات..

في آخر رسالة إلكترونية من نورازيان قالت إنها لم تزر بعد قرطبة، لكنها حذرتني ألاّ آخذ الأمر على محمل المزاح.. لا إنه جدّ في جدّ.. فإيّاك ثم إيّاك.. إنه حلم وطيد.. تلبية لمناداة عميقة لا يشغلني البتة أن أستطلع مكنونها.. فلتنتظر أن تصلك، يوما ما، بطاقة بريدية من قرطبة.


تصميم الحاسب الشامل