يوسف يقول

 

قاسم حول (سينمائي وكاتب من العراق يقيم في هولندا)


انتظر المواطن يوسف في داره ولم يوقع  إنتماءه لا إلى بائع الصحف الذي يجاور البناية التي يسكنها ولا إلى الخياطة التي يجاور دكانها داره ولا إلى الحلاق في نهاية الشارع ولا إلى دلال العقارات في الطابق السابع من بناية دجلة، بعد أن رفض توقيع طلب انتمائه إلى موظف الدائرة الأمنية في المؤسسة الثقافية التي يعمل فيها.

قال المواطن يوسف، لست من هؤلاء ولا من هؤلاء .. علام الخوف إذاً؟!

الساعة الآن تشير إلى السابعة مساء حسب التوقيت المحلي.

يا إلهي .. مضت سبع سنوات ولم يعتقلني أحد على خلاف ما هو سائد .. ينبغي أن أوقع طلب الانتماء وبعكسه سأموت .. أوقع الطلب معنونا وتحته شعار أقسم بالله العلي العظيم أن لا أخون المبادئ، وإني أشعر بالفخر والإعتزاز بانتمائي هذا.

لم أوقع الطلب .. ومن لم يضع توقيعه على استمارة الانتماء فإنه يساق إلى المحاكمة ومن ثم بقرار يسبق المحاكمة يساق إلى المشنقة.

تحسس المواطن يوسف رقبته بعد أن تراءت له فكرة المشنقة وأحس أنه بخير وإنه لم يعتل بعد سلالم تلك الآلة المخيفة ليس في أنها تحقق النهاية بل لأنها رمز لازدراء الوطن والمواطن.

لا أحد يترصدني في الشارع .. ردد يوسف مع نفسه. لا توجد مراقبة.

من قال إذاً أنهم يضطهدون الفرد ويفسخون مخيلته وحريته ويحيلونها جحيما .. أنه محض افتراء، فلا أحد في الشارع يرقب الدار.

فجأة تبادر إلى ذهن يوسف صورة صاحبه فاروق الذي سرعان ما انهار ما أن جاءته استمارة الانتماء وأصبح عنصرا لا لون له ولا طعم ولا رائحة .. هه .. هه .. ثم قهقه يوسف .. هه .. هه .. وأحس بأن القهقهة شبيهة بقهقهة القائد العام للقوات المسلحة.

انتسب .. أيها المواطن .. سوف لن تخسر شيئا سوى حريتك .. وما هي الحرية .. كلمة .. كلمة لامعنى لها .. هه.. هه .. هه  ....

لبس يوسف معطفه وقرر أن يخرج لأول مرة بعد سبع سنوات من العزلة .. توقف عن أن يكون بعيدا عن المجتمع.. (الكل أصبح في بوتقة الانصهار سواي .. أنا غريب .. متميز .. ولكنهم شنقوا الجميع سواي).

الطريق بارد .. دس يداه في جيب معطفه ومسح أرنبة أنفه التي صارت حمراء من شدة البرد.

إجتمع رئيس المخابرات واستعرض قائمة من الأسماء وقال .. اتركوا يوسف .. سيأتي طوعا ويدق الباب ويطلب الإنتماء .. سوف تتحطم أعصابه عصبا عصبا .. ثم يأتي إلينا صاغرا ..

سكت الجميع .. أنهم يبحثون عن ضحية .. يريدون شخصا يضربونه ثم يعلقونه .. ويعبثون معه وهم يحبون مشاهير الناس ويوسف أحد مشاهير هؤلاء الناس .. يشعرون بمتعة متميزة لا تضاهيها متعة عندما يتعاملون مع إسم له وقع ورنين حلو في وجدان البشر ..

سيدي .. لقد مضت سبع سنوات دون أن يكتب قصيدة شعر واحدة .. قال أحد عناصر الاجتماع. أجاب القائد:

التراكم سينتج ملحمة شعرية نادرة في التاريخ الإنساني .. هذه الملحمة ستأتينا من تراكم يوسف مع الصمت والقلق .. هكذا رد رئيس المخابرات ثم نهض منفعلا وبدأ يدور حول المجتمعين ..

- أنتم لم تتعلموا جيدا بعد ولم تستوعبوا دروس الدورة الاستخباراتية في ألمانيا الديمقراطية التي استغرقت سبع سنوات وسبعة شهور وسبعة أيام وسبع ساعات وسبع دقائق وسبع ثوان بالتمام والكمال.. بعد هذه الفترة الطويلة من التدريب .. ماذا قالوا لكم فيها؟ الم يخبرونكم أن الانتظار يمكن أن يفل الأعصاب عصبا عصبا الواحد بعد الآخر .. إني أكاد أن أفقد صبري وأعاقبكم .. دعوا يوسف .. أتركوه .. هو نموذج متفرد لا يشبه الآخرين ونحن علينا أن نتمتع بانهياره .. مفهوم؟ أن نرسل له كل يوم طبقا من البيض وعلبة من السكر حيث لا يجدها المواطنون بسهولة في الأسواق ولا نتحرش به ولا نراقبه سيجعله يعيش في دائرة الخوف .. هكذا ينبغي التعامل مع يوسف.

بعد أن خرج يوسف من داره لأول مرة بعد سبع سنوات من الانتظار .. حلق ذقنه جيدا بعد ان استطال ووصل إلى ركبتيه .. فوجد الناس  في حيرة من أمرهم .. كانوا غرباء حقا .. يثرثرون ويقولون كلاما ليس له معنى .. سيارة الأجرة التي صعد فيها سمع فيها كلاما عن أسعار السكر المرتفعة وفقدان البيض من السوق .. واندهش .. كان يسمع كل يوم نقرا على باب داره وعندما يخرج لا يشاهد أحدا ولكنه كان يرى طبقا من البيض وكيسا من السكر عند باب الدار ولم يفهم ولم يعرف المرسل. كان يشك أن يكون البيض مسموما والسكر مسموما فيعمد على إلقاء البيض والسكر في برميل النفايات، واليوم هو يسمع حديث المواطنين عن أزمة البيض وأزمة السكر .. من يا ترى كان يرسل له طبق البيض وكيس السكر؟

نزل من سيارة الأجرة .. تقدم نحوه شخص غريب وقال له بالإسم (مرحبا أستاذ يوسف) أهلا وسهلا رد يوسف، ولكنه لم يعرف الشخص ثم اختفى الشخص الذي سلم عليه ..

ذهب يوسف نحو مكان تجمع سيارات الأجرة عله يعثر على الشخص الذي سلم عليه وعبثا حاول الوصول إلى ذلك الشخص.

من قال لكم أن تسلموا عليه؟ هكذا بدأ الاجتماع الثاني لمدير المخابرات مع عناصره.. قلت لكم أتركوه ينتظر.. بدون مراقبة. سيشعر بالخوف أكثر مما لو تمت مراقبته.. سوف ينخلق لديه شعور بالمراقبة المخفية.. سوف يشعر بمراقبة خارقة تراقب كل حركة من حركاته سوف يخاف حتى وهو في التواليت.. سيخاف أن ثمة من يراقبه وسوف يعدل سرواله.

مشى يوسف وحيدا في شارع خال .. تأكد أن الشارع ليس فيه بناية واحدة ولا عمود كهرباء يمكن أن تلصق عليه عدسة على شكل حبة العدس وتراقبه .. لا توجد شجرة في الشارع يمكن أن تلصق بها حبة العدس الكاميرا لتراقبه.. أراد أن يقول شيئا.. أن يتحدث بصوت عال حتى مع نفسه فانتابته مخاوف غريبة.. اراد أن يقول.. ليذهب العالم كله إلى الجحيم.. أنني أحتقركم.. أخاف منكم.. وأنتم حقراء.. ظالمون.. أنا.. أنا.. الشاعر المواطن، المواطن الشاعر العظيم الذي ينبهر لكتاباتي القراء الذين يمتلكون وعيا .. أريد أن أكتب وأقول كلمة شعرا مسرحا.. ها أنا ذا لست خائفا .. ليس لأني بطل ولكن لأن الشارع خال وأنا لا أشعر أن الشارع خال .. أحس أن ثمة من يراقبني .. كاميرا بحجم حبة العدس .. العدسة الكاميرا .. هه .. هه .. هه .. أنا لست بطلا .. إنني أؤمن أن الأوطان التي تحتاج إلى أبطال إنما هي أوطان بائسة.

هل تريد أن تبتاع علبة من المرطبات ؟ كوكا كولا مثلا؟

من أنت .. قبل لحظات كان الشارع خاليا .. من أين أتى الرجل وأين اختفى؟

لم يكن ثمة شخص ولا كوكا كولا .. وشعر أن فمه جاف ويشتهي زجاجة من شراب الكوكا كولا ..

مشى يوسف ولم يجد أحدا ولكنه كان يشعر بالجموع .. كان يشعر بوجود حركة دائبة ومدن وشوارع وعندما يستيقظ ويعي موقفه لا يرى أحدا ..

عاد يوسف إلى داره .. فتح دفترا سميكا وقرأ شعرا هائلا في كثافته الفكرية والجمالية واندهش من نفسه وعرف حينها لماذا هو مطلوب أن ينتسب .. أن كل ما يكتب ينم عن اللامنتمي .. عن الحر الواحد الغريب التائه الواهي العظيم المخذول المتسامي الطروب المتوحد الملعون الخائف الشجاع المتراكم الآهل للشيخوخة الصبي المتصابي الصغير الأهوج الأحمق المستغفل المنتبه الكائن في غرائب الكون المتفرد الياقوت الساكن في أعماق الصمت والضجيج المتكور على روحه الصغير بحجم رأس الدبوس العملاق مثل الجبل الواقف على قمته المتهاوي بهدوء حالم نحو القاع الذي يكتب بحور الشعر في الكلمات التلميذ الناصع السريرة المتمرد على معلمه في أوقات الدرس وأوقات الفراغ المحب لوالديه الهارب من أمه ومن صحبه المتوحد العملاق الساكت والضاج ..

استلقى يوسف على سريره .. سكت .. صمت .. تطلع إلى السقف وغفا.

لأول ليلة من لياليه المتعبة لم يحلم يوسف .. كان نوما بلا منام.

استيقظ من نومه مبكرا لأن الإنسان الذي ينام مرهقا لا يستيقظ باكرا وتداهمه أحلام تزيد من متاعبه وعندما لا يحلم الإنسان ولا تأتيه الكوابيس فإنما يستقيظ مبكرا وسعيدا ولكن يوسف لم يكن سعيدا ولم يشعر بطعم السعادة يوما ..

قال مع نفسه .. هو شخص واحد .. نفسه أراه على شاشة التلفزيون ونفسه رئيسا لتحرير الصحيفة ومديرا للاستخبارات ومطربا في الإذاعة وممثلا على المسرح وزبالا في الشارع ومعلما للتلاميذ وفلاحا بين غابات النخيل ووزيرا للخارجية وممثلا للوطن في الأمم المتحدة وسمسارا لتأجير الشقق والبيوت .. لماذا لا أقول له شكرا وأكسب رضا كل هؤلاء .. كيف أشكره .. أن أمد له يدي وأصافحه .. كيف الوصول إلى يديه .. هنا تكمن المشكلة. فلأجرب.

خرج يوسف إلى الشارع ومد يده كمن يصافح .. وبدأ يمشي بتؤدة ويده ممدودة تريد من يصافحها .. الجميع أبتعد عنه. صعد الباص ويده ممدودة. نزل من الباص ومشى في الشارع ويده ممدودة كمن يطلب المصافحة. صعد عربة يجرها حصان وعليها الحوذي صاحبها، صعد ويده ممدودة كمن يريد المصافحة. نزل من العربة مستعملا يده اليسرى في دفع الأجور .. وصل إلى حيث يعتمر قصر مهول في ارتفاعه وزخرفته مبني من المرمر الإيطالي الأسود كأنه نصب ليس لجندي مجهول بل لجنرال مجهول. شاهد خوذا ورشاشات ممدودة وفوهات وجهت صوبه فتوقف عن المشي. أعاد يده الممدودة إلى جيبه وانحرف قليلا ثم قفل راجعا. وصل شقته الصغيرة وجلس يبكي. ونام .. لم تكن ثمة أحلام وكوابيس مثل الليلة التي سبقتها وصحا مبكرا صافي الذهن وقرر أن يسلم على الرجل المتعدد المواهب والذي يعرف كيف يحكم الوطن وكيف يرفع صناديق القمامة من الشوارع ويرميها في سيارة الزبالة.

من الصعب الوصول إلى الرجل الساكن في القصر المهول المبني من المرمر. وفكر أن أفضل طريق للوصول إليه والسلام عليه هو أن يكتب عنه ديباجة من الشعر. قفز من فراشه وجلس أمام الحاسوب وبدأ يكتب ويكتب والكلمات تتوالى والصفحات تمتلئ يتداخل فيها الواقع بالخيال والصدق بالكذب والحقيقة بالزيف. لم يفكر وهو يكتب أن يبرر موقفا أو يجد تعليلا لكذبة أو تعليقا على حادث. كان يكتب دون أن يحسب عدد الصفحات. لا يعرف كم صفحة سطر على الحاسوب وبقي يفكر في أكثر العناوين إثارة ليعنون فيها ديباجة الشعر التي انتفت أن تنتمي إلى الشعر بل صارت دراسة موسوعية .. أفرغ على الحاسوب شحنة رغبة الكتابة لسبع سنوات توقف فيها عن ممارسة نشاطه الذهني المدهش الذي يتمتع به. أخرج عنوان الصحيفة الإلكتروني ووضعه على سطر يرسل إلى .. ورفع إصبعه لينقر على الفأرة الإلكترونية للحاسوب في زاوية يرسل. بقي رافعا أصبعه لدقيقة ثم لساعة ثم لنهار ولم ينم طوال الليل وهو جالس أمام الحاسوب ماسكا بالفأرة الإلكترونية وسبابته مرفوعة من بين الأنامل الخمسة ومر الليل والنهار والليل ثم إنهار وانحنى رأسه كأنه ثابت فوق حبل وليس على رقبة. ومع سقوط رأسه غافيا سقط إصبعه على الفأرة فأرسلت الديباجة إلى رئيس التحرير.

صحا في اليوم التالي ووجد نفسه نائما على الأرض إلى جانب الحاسوب فانتبه ونهض وأول شيء فعله خرج من الدار وذهب إلى بائع الصحف الذي يجانب البناية التي يسكنها واشترى الجريدة فوجد عنوانا في الصفحة الأولى وقد كتب فيه (يوسف يقول..) وقبل أن يقرأ الديباجة المنشورة وحتى قبل أن يدخل بيته وقفت سيارة مرسيدس بلون الخاكي ونزل منها شخص أنيق يلبس ملابس مدنية وقال له (تفضل أستاذ يوسف) دخل السيارة وانطلقت به حتى توقفت قرب البناية المرمرية التي يحيط بها العسكر ثم فتح الحاجز ودخلت السيارة ونزل منها يوسف ودخل بابا منقوشا من خشب الأبنوس الأصفر ومشى في رواق طويل ..


تصميم الحاسب الشامل