مشروع (ملحمة) لشخص عادي
(الخبيئة)

 

سمير عبد الفتاح (قاص من اليمن)


هامش افتتاحي :

( وافتح في المدى صفحة أقرب إلى البياض.. اثني أطرافها ثم تراكم في مداك.. ثم تراكم في فيض يأتي من بعيد .

وانتظر في المكان الأكثر وهماً .. تفتح بهبوب الريح عليك ، وأزدهر بدفقات الغبار ، واترك نفسك للركام.. توزع في مكانك الباهت.. أرح يديك جانباً وقل لهم ما تريد نزعه منك.. قل لهم عنك.. قل لهم ما استمسك بك وقادك إلى الوهم.

حدثهم عن ذاك النسيان الذي يريد أن يكون العالم كله ، أن يوزع نفسه عبر الأرجاء ، أن يستطيل ويتكعب ويتدور حول المكان.. أن يلقي بكل ما فيه عبر الفراغ الذي يفترض ملئه لما حوله.

أخبرهم عن تراكمك فيه.. عن حيزك الذي تفجر عبر الحواف الافتراضية للفراغ.. عن توقف تمددك لأنك أصبحت خارج المعنى والجدوى.)

هامش سيرة البطل :

(وذاك (أنا).. متشحاً باسم ينتحله كثيراً غيره.. وذاك (أنا) متشدقاً بركن صغير وخطواته أكثر انتساباً للفراغ.. وذاك (أنا) تشكل في سنوات لم تعد تقبل بأن يبتسم لها أحد.. وذاك (أنا) انتظمت خطواته في اللاجدوى واحتفلت به الخبيئة.)

ظلال الملحمة :

با عباس :

( وحدها تعبر المكان في منتصف الشارع.. وحدها تعبر فوق الرصيف الرملي الذي يمتد طويلاً ، تتمطى ويندلق جسدها في فراغات الهواء.. وحدها تعبر والعيون المليئة بالحصى تموج بالهذيان.. وحدها يخنقها الهواء المشبع بالدخان والرطوبة.. وحدها تطرق الشارع الفائر من الحرارة وينشد وراءها الصدى :

» أخرجوها في زمن التيه.. أخرجوها في تضاريس الرمل.. أسبلوا حول جفنيها الأرق وطعم الدم.. ويمموا وجوههم إلى الفضاء.. اسرجوا يديها ببقايا شريط فضي لعملة ورقية.. ومنحوها بقايا ابتسامات صدئة وضحكات خافتة.. زينوها برماد فتاة.. وضفروا الهواء حولها.. قادوها في مزالق التيه ، ثم ارخو يدهم وراءها. «

تفتح باب منزلها عند اكتمال الظهيرة.. تضع قدر ماء بجوار الباب ليشرب منه من يريد.. وتبقي بابها مفتوحاً لمن يريد الظلال.

ظلين يتخطيان الباب.. يصفق أحدهما بيديه منادياً بينما الآخر يوهج عينيه بتفاصيل المكان ، والصوت ينشد وراءهما »واحد للجوع وواحد للمجهول.. سيأكلان تضاريس الجسد المتهدل عند الزاوية.. ثم ييممون بأعينهم شطر الجسد المغسول. سيلتمون كحلقة، وصحن بلاستيكي سيجمع أيديهم.. سيتمددان مع الطنين وصوتها سيمنحها استكانة باردة. سيشاركهم غريب.. وسيقتطعون لجسد مخفي في غرفة جانبية قليلاً من طعام. سيرتد أحدهما ويستند للجدار بانتظار الاكتمال، ويحلق الآخر بحثاً عن الكمال «.

يا... سر :

( انفه حاد لا يحمل زوايا.. وجه أقرب للاسمرار وجسده للنحول. عيناه تلبسهما القلق طويلا.. عيناه أغمضتا على وقع ألم كبير قبل عدة سنوات وتنتظران فترة متبقية لتنفتحا على انتهاء الألم.)

سامي :

(أطرافه بالغة الالتفاف.. تتقاطع في طريق وهمي أقرب إلى السكون.. فجأة ينقبض الجسد الضئيل ويتوهج بثورة غير متوقعة.. ثم يعود الجسد للانكماش.)

العامري :

(من نافذة طابق ثان لفندق متواضع أطل برأسه.. نظراته تركزت على كراسي المقهى المقابلة.. فراغ الكرسيين على اليمين جعله يريح ذقنه على حواف النافذة وينتظر.)

ماريا :

(أسكنت نفسها في بلاد لم تألفها.. رأته ذات مساء والدماء تغطي جانب وجهه الأيمن.. أعطته منديلها.. وتوارت في أعماقه.)

عازف آلة الكمان :

(صمته المتولد من طبيعة مهنته يتفجر في المقهى المجاور للفندق.. يتكلم بالطريقة التي يعزف بها.. يذهب بالكلمات ثم يعود بها في نغمة طويلة مرتبة قبل أن ينتقل إلى جملة أخرى ، في هارموني يتواصل طوال فترة ضوء النهار وقليلا من فترة الليل. كان في الزاوية عندما أعطت ماريا (أنا) المنديل...)

افتتاحية الملحمة :

(واقتضى المكان ضفة للقلق وضفة للبكاء.. وأجرى بينهما الأشياء.. ابتسم المكان فتشكلت ضفة ثالثة بينهما فكان ( أنا).

الحكاية في المنتصف أو عند الابتداء لا فرق.. الحكاية في سطورها الأخيرة أيضاً لا فرق. الابتسامة مكفولة لسنوات قادمة ورسمت قبل سنوات طويلة. قبل خمسة وأربعين عاماً ابتل الوقت بلوثة ما من أصابع ملونة ، دار حول الجسد الصغير المسجى بين خيوط لزجة من الدم.. ولم ينتظر أن يمنحوا الجسد الصغير اسماً أو أن يغسلوه من الدم ، بل فتح صفحة بيضاء وأجراها فوق الجسد.

وعندما أسموه (أنا) لم يهتم.. فقط لطخ الورقة بالاسم وأخذ يجره وراءه.

(أنا) شخص عادي.. مكرر على امتداد هذه البسيطة ، يوجد من أشباهه المليارات. طقس يومه عادي مثله ، تكاد تفاصيل أيامه لا تختلف.. وإن حدث اختلاف في الأيام فهو يتكرر على مدار الأسابيع والشهور.

(أنا) انبثق من الزاوية التي يتقاطع أمامها شارعان.. انبثق فجأة وسال على الطريق الترابي. انبثق قبلها من قرية على الأطراف البعيدة من المدينة. في كلا المرتين انبثق بهدوء.. هدوء يتميز به كل أبناء القرى.. جسده أقرب إلى الضمور وشحوب يصاحب وجهه.. والاختلاف أن ثيابه ازدادت ثقوباً في انبثاقه الثاني.

في رحلته الأولى إلى المدينة حمل براءة أقرب إلى السذاجة وعنوانا لأحد أقاربه.. وقليلا من أمنيات.

البداية إذاً في أي نقطة.. الآن أو غدا.. أو حتى في أي يوم على امتداد خط الزمن.)

مقتطف من النص :

» ولا شيء منك استوثق الطريق.. ولا ابتسامة غطت الحيز.. أنت في المكان الذي لم يكن متاحاً لأحد البكاء فيه «

تفترض في المكان قابلية للصبر فتغرس جسدك داخله.. لكن المكان يبدي قلقاً منك ويتراجع بك للحافة ويلصقك بأقرب جدار وينزاح أبعد عنك.. تفترض في نفسك القدرة على مواءمة فكرتك مع الجدار ، لكن الجدار بإيعاز من المكان البعيد ينسلخ عنك ، فتجد نفسك وفكرتك في الفراغ.. تفترض أن للفراغ حيز يمكن أن يغطيك.. لكن الفراغ يتراجع ويغمر منطقة داخل المكان البعيد.

تبتسم مجدداً للمكان البعيد ، فيتراجع المكان للخلف قليلا.. ثم يطلق شيئاً ما عليك،تنطفئ فكرة الاقتراب وتغوص في فكرة أخرى.

» عند الباب - كعادة المرعوبين من وجود عالم أكثر جمالاً من قدرتهم على الاحتمال - وقفت أحاول الإنصات لذلك الألق الجميل المنحدر عند الغروب.. وقفت مستجمعاً طعم هزيمة أتلفت الكثير من مناطق الجسد الهشة.. هزيمة أصبحت هي الهواء الذي يمدنا بالحياة.. وقفت - كما تقتضيه الأصول لشخص عابر في فراغ لا يخصه ولا يمده بأدنى حرارة - وقفت بانتظار تحرر إحدى القدمين من خدر مفاجئ ودون شعور بالألفة أخذت أقلب النظرات في الوجوه الشاحبة التي تشبهني - وترفع هي الأخرى إحدى قدميها كمالك الحزين - وعندما استعدت للرحيل فاجأني عدم إفلات المكان لي.. لم يتشبث بي المكان تماماً،لكنه وضع حاجزاً أمامي ، فكان بداية لشيء ما لم استطع وضع اسم له. شيء يشبه تعلق ملابسك بسلك شائك.. سلك شائك يمنع سقوطك في هاوية ، ومع هذا يدمي جسدك. لا تعرف الشعور الواجب إبداءه.. الشعور بالفرحة أو بالألم.. لا تعرف أن كان احتضان السلك الشائك لك من أجل حمايتك من السقوط أو من أجل أن يمص دمك.. سلك يمنعك من الرحيل وفي نفس الوقت يطردك فتقف في نفس النقطة مبتور البداية والنهاية.

تحولت إلى كنتونه صغيرة.. بيت بدون أساس.. مساحة غير متألفة مع المحيط الذي وجدت فيه نفسها فجأة.

أصبح عليً الدفاع عن المساحة حولي.. أصبح عليً نحت تفاصيل لي لأشعر بالانتماء.

عوضاً عن المغادرة.. أو التفكير بها ظهر فعل التقوقع داخل المكان.. الاستسلام للقبضة بانتظار قبضة أقوى تحدد مسار الخطوة القادمة.

ربما كان الفخ بدائياً لكن ذاك الخدر المتولد من ضم القدمين للجسد لفترة طويلة كان يبرر استمرارية التقوقع وعدم التحرك.. أيضاً ذاك الوهم بالألفة أشاع كمية من الأحلام المتعاقبة استمدت فرصة تحققها من الاستمرار في هذه الحالة.

حتى الزمن يغافلني ويمر ولا أنتبه إلا بعد فترة من مروره.. أحاول إلصاق أي شيء مني بالجدائل التي يسحبها الزمن وراءه.. ابرر له عدم لعقه لي بأنني كنت نائما.. وأن الشوارع التي سار عليها كانت مسددوه أمامي.. أقول له الكثير.. أقول له أنني كنت يوماً أمتطي أعلاه.. انني قدته ذات يوم.


تصميم الحاسب الشامل