|
|||||
|
ما الذي يوجد في هذا العالم مما لا نضحي به لأحبائنا في الآخر .. (سالمة بنت سعيد) حسناً إن هذا كل ما أعرفه الآن ، وأنا فعلاً لا أحتاج الى كل ما أعرفه ، ولكني ينبغي أن أعرف كل ما قد أحتاج اليه ، فمثلاً أنا لا أحتاج الى معرفة ما اذا كانت الدجاجة وجدت أولاً أم البيضة ، كما أنه ليس من الضروري لي أن أعرف ما اذا كان الخياط النسائي الملاصق لبيتي مشبوه السلوك أم لا ، ولا رغبة لي قي معرفة سر حزن جارتي العزباء الجميلة التي غالباً ما أراها صباحاً واقفة على عتبة باب منزلها تنتظر صديقتها لتقلها معها ، وكذلك لا أريد سؤال ذلك السمين ذي اللحية الطويلة المشعثة الأطراف الذي يبتسم لها يومياً كلما رآها وهوفي طريقه الى موقف الحافلة لماذا يبتسم ، في المقابل أصدقكم القول بأن لدي رغبة جامحة في معرفة لماذا كان صديقي الحميم يتمنى الموت مصدوماً بسيارة محملة بالورود من مختلف الأنواع والسلالات ، نعم ، أخيراً مات صديقي الميتة التي لطالما تمناها، مات مصدوماً بسيارة مترعة عن آخرها بالورود. ٭ ٭ ٭ حكت الفتاة المتزوجة حديثاً لبعلها قالت : عندما فتحت عيني في الصباح كانت نافذة الغرفة مشرعة ، رأيته ملتصقاً بأنفي ، راعني منظره ، ولماذا هو هنا ، في هذا الموقع بالذات وفي هذه النقطة بالتحديد ؟ طويل ، أحمر ، منفوخ ، يبحلق فيّ بعينه الوحيدة الكبيرة ، يتقاطر منه سائل يبلل السرير ، يا الهي هل يعقل هذا ؟ خرطوم مياه على سريري . قاطعها زوجها بعد أن قطع ضحكته الطويلة : - اذن لهذا السبب قمت بطرده - يا له من عامل مغفل . قال بأنه كان يرش زجاج النافذة التي انفتحت جراء ضغط الماء عليها وقد قام بتسلق الجدار لإغلاق النافذة وسحب الخرطوم معه . المغفل انطلقت ضحكة أخرى من الزوج قبل أن يقول : - مسكين ذلك المزارع ، ومن يعتني بحديقتنا بعد اليوم؟ ردها كان معلباً : - أوتسمي تلك حديقة خمس وردات وريحانتين وبعض الأعشاب الطفيلية التي نبتت وحدها - تباً ، لقد صرفت ٠٠٥ ريال على استصلاحها وزراعتها ولا تسمينها حديقة . حقاً أنتن النساء ... ٭ ٭ ٭ في النهار التالي لحادثة الخرطوم التقيت صديقي الذي بادرني: - اذا كانت أغلب الوفيات الآن تقع بسبب حوادث السير ، فاني أتمنى أن يكون موتي على يد سائق سيارة مترعة بالورود ضحكت قبل أن أقول : - ولماذا ليست ناقلة مياه مثلاً ؟ - أريد أن أغرق بالورود لا بالماء ، إني أحب الورود ٭ ٭ ٭ في ظهيرة قائضة كهذه أراني كوعل شرود تلبسه الجموح فهو شارد من لا شيء الى لا شيء آخر ، تفكرت ، نظرت الى النبتة التي كانت بجوار السرير المغروسة بداخل زجاجة فودكا سويدية ترتشف الماء على مهل ، تذكرت أني لم أغير الماء منذ ما يقارب الستة أشهر مع أن بائع المشتل القزم كان أوصاني بتغييره كل أسبوع ، حسناً لا بأس ، قلت في نفسي ، نهضت من الفراش بتثاقل وإعياء ـ أخرجت النبتة من الزجاجة ، نظرت الى أسفلها المعرورق ، فكرت ، انها تجاهد من أجل البقاء داخل هذه القنينة الصغيرة ، ولا شك انها تفتقد قريناتها اللاتي يحيين حياة طبيعية ، وضعتها جانباً وأخذت الزجاجة ، دلقت ماءها بعد أن شممته ، رائحته نباتية كرائحة الأرض بعد يوم ممطر ، نكستها وقرأت تاريخ شرائها وطولها عند الشراء بالسنتمتر وكنت قد دونت ذلك قبل ستة أشهر ، عبأتها بماء جديد ، (يا الهي هل يوجد ماء جديد وماء قديم؟!) ، أعدت القنينة الى مكانها جوار السرير ، ابتسمت ، تذكرت صديقي وأمنيته ، تناولت هاتفي النقال كتبت له رسالة مقتضبة مفادها أني اشتقت اليه ، لم يرد علي . ٭ ٭ ٭ بعد أن مت على سريري مدة ساعتين قمت ورششت وجهي بالماء أو رششت الماء بوجهي ، لا أعلم ، المهم اني بعدها ارتديت قطع الملابس المعتادة قطعة قطعة ، ودعت نبتتي التي بدت نضرة الآن ، ثم خرجت ، عدد قليل من البشر في الشارع في هذا الوقت ، اتجهت مباشرة الى المقهى الذي يسكن آخر الشارع حيث تعودت لقاء صديقي كل مساء ، بعدها نقرر أين نسفح ما تبقى من الوقت ، وجدته قد سبقني ، وكان يتضاحك مع (كاندس) النادلة التي قدمت من جنوب افريقيا ، تنحنحت قبل أن أجلس قبالته ، غادرتنا النادلة باسمة ، بادرني : - تأخرت - أنت الذي أبكرت في المجيء ، وأنا أعرف السبب كالعادة تضاحكنا ، كنا عند لقيانا نبوح بأسرارنا كلها حتى تلك التي أقسمنا الأيمان الغليظة على أن لا نبوح بها لمخلوق ، أخبرني عن صديقته ورحلتهما الى وادي بني خالد : - ما أروع المبيت في وادي بني خالد ، في العراء ، سحب على شكل ورود تتخاتل فوقنا، والنجوم زهور يهديها الله لمن يحبهم من البشر ، وقد أهداني الكثير منها تلك الليلة ٭ ٭ ٭ أخبرني أيضاً عن قصة دخوله الكنيسة لأول مرة : - دخلت مع (نتاشا) الكنيسة ذات مساء ، أجلستني على كرسي ، وتقدمت هي لتنتظم في جوقة كانت تردد فيما بدا أنه كلمات من كتاب مقدس : Father, You give us food from heaven Teach us to live by your wisdom And to love things of heaven by our sharing in this mystery بحت له أنا بدوري عن عقدتي مع المقاهي والسكر: - عندما أكون في مقهى كهذا مثلاً ، وربما تكون قد لاحظت ذلك ، لا أدري كيف تمتلئ المنضدة أمامي بحبيبات السكر كلما طلبت الشاي ، حتى في تلك البلاد البعيدة التي عشت بها عاماً ونيف ، عين المشهد يتكرر بالرغم من أن هناك أنواعاً عدة من السكر يقدمونها لك في المقاهي ، حبيبات ومكعبات ومربعات بيضاء وسمراء أحياناً ، لا أدري كيف تنفلت الحبيبات من تلك الكتل الصغيرة لتغطي أديم الطاولة . نتضاحك لبرهة ثم نصمت ، كسر هو الصمت بعد أن لاحظ بقعاً زرقاء تلطخ جيب دشداشتي : - آه .. قلمي عادة ينسكب على الورق وأحياناً يضطر لفعل ذلك داخل جيبي ، بالمناسبة اني أتبول كثيراً هذه الأيام وهذه احدى أعراض السكري ، بيد أني أصر على عدم استشارة أي طبيب - أتعلم لقد حلمت ليلة البارحة حلمي الأثير ، كنت على قارعة شارع وردي أهم بعبور ضفته الى الضفة الأخرى وكانت سيارة محملة بالور..... - بس ، بس ، كفى لا تكمل أعرف بقية الحلم علت قهقهاتنا فتركزت علينا أعين من في المقهى ، نظرت في عينيه فاذا بنظرة لم أفهمها . ٭ ٭ ٭ لا أنسى عندما قال لي ذات وهن ونحن نمشي تحت سماء ماطرة: - لا تدس على هذا الطين ، انه أنا وأنت والآخرون ، أنسيت؟ جراحات صاحبي كثيرة ، بعدد الحصى ، انه لا يعيش دون جراح ، جراحات يومية بل ساعاتية ، بعضها واقعي والآخر خيالي ، وهنا المشكلة . اذا كان يقود سيارته وأخطأ سائق خلفه أو أمامه في حركة كادت أن تؤدي الى حادث سير قال بأنها مؤامرة لاغتياله ، لو حدث أن كان جالسا في مقهى وأخطأ النادل في جلب الشراب أو تأخر قال بأنه مضطهد وشخص غير مرغوب فيه على هذه الأرض ، اذا مرض أشاع بأن الله يكرهه ، واذا غص عند الطعام صرخ بهستيريا : اليكم عني ، اليكم عني يا أولاد الحرام . ٭ ٭ ٭ ذات وهن آخر أيضا قال : - كم أمقت أولئك الحمقى والسذج الذين يتبادلون حماقات التهاني والأكاذيب في ذلك البرنامج الاذاعي ، حيث الكثير من الملق والقليل من الشفافية ، تبا لهم ، لماذا لا يتهادون التعازي أيضاً ؟ أوليس الموت مناسبة للاحتفاء ؟! أوليس حقيقة راسخة كالميلاد ؟! هل يطالب صديقي هنا بعيد جديد اسمه عيد الموت ؟! هل كان يمهد لموته المجاني؟! (أينما تكونوا يدرككم الموت) ، كيفما تكونوا يفاجئكم الموت ، أبناء من تكونوا يمحقكم الموت ، لا أعلم ، انني حقا لا أعلم . ٭ ٭ ٭ في محل الورود الأنيق جرد العامل الكميات والشتلات بكامل أنواعها ، وتبين نقصاً حادا في معظم الأصناف ، كرع جرعة من شايه الأحمر ، تذكر الطلبية التي كان حررها قبل أسبوع للمتعهد ، مضى حيث الهاتف ، ضغط بعض الأرقام ثم رفع السماعة : - ألم تصلكم طلبيتنا الجديدة ؟ - بلى ، ولقد أرسلنا لكم الشحنة منذ الصباح الباكر، ألم تصلكم بعد ؟ - لم يصلنا شيء ، قل لي من السائق هذه المرة ؟ - علي ، والسيارة ملأى بالورود حسب ما أردتم - ذلك السكير مرة ثانية - انه أفضل سائقينا يا رجل - سترك يا رب ، مع السلامة في ذلك الصباح الباكر مات صديقي ميتته التي لطالما حلم بها. |
|||||
|
|||||