|
|||||
|
كلما وقفت أمام الأقواس وقامات القرميد العجوز أحس بوخز في عينيّ. هذا الضوء العارم المضاعف يخترق السماء الزرقاء القاحلة ويتمدد فوق الحيطان الجيرية وأبواب الدكاكين المقفلة. كأن سرعته الخارقة تكثف الزمن في لحظة يتيمة تتناسخ فيّ بأحاسيس متشابهة. وهذه القطط الناعسة تحت ظلال السقائف، كأنها خالدة لا تتحرك في وجودها العدمي، محافظة على تكرارها المطلق بعناية. أمواج الضوء تتناسل وأحلامي الطائشة تفشل في مقاومة العزلة. بلغت ذروة السويداء ، فجلست في مقهى صغيرة مجاورة لـ(درب لغزاونة)، تركت الكرسي البلاستيكي يستقبل جسدي الفاتر. سأقيم فيه ثم أستعرض الاحتمالات الممكنة. الموت هذا الموت الذي يغزونا فجأة أو يمهد لنفسه بعذاب قصير أو طويل، لم يلاحقني هذه الأيام؟ الحياة، هذه الحياة التي تغمرنا بجسدها العاهر كأنها النقمة التي ليس بعدها جحيم ثم تحنو بجسدها فتغدو كاللذة الأولى التي ليس بعدها نعيم. الحياة عاهرة، والموت سمسار أرواح. شربت كأس الشاي بالنعناع وانصرفت هاربا من غناء شاب اندفع إلى دمي من مذياع المقهى كالطاعون؟! كلما وقفت أمام البوابة الخشبية الضخمة المرقشة بالمسامير النحاسية أنظر إلى عمرها السحيق تعبر رأسي صور وروائح و غصص ومتع . لم أكن قادرا على الحضور. لكن الرغبة شيء والمسؤوليات العائلية شيء آخر. استنشقت الهواء بعمق كأني سأغوص في بحيرة، ودخلت. عادوا من المقبرة، فازدادت الحركة والجلبة . وفود العائلة تتهاطل وطنين فوهات الغاز يتأجج. الأطفال يطردون إلى الخارج. أخرجت المقاريج والبراريد والصواني وكؤوس البلاّر من الخزائن النفيسة.وبدأت روائح الشاي تنتشر ممزوجة برائحة الجاوي وعود القماري. النساء يمرقن ؟؟من؟؟ إلى - ويتهافتن على الأشغال. أنظر إلى الحاضرين وقد تغيرت ملامحهم لم أعد أعرف منهم إلا القليل. وهذا القليل بيني وبينه شيء لا أستطيع اختراقه. جلسوا عل شكل غيتوهات صغيرة. الموظفون الكبار إلى جوار الموظفين الكبار، يستعرضون أحيانا علب السجائر الفاخرة التي يخرجونها من بدلهم الفانجيل أو الإيف سان لوران أو حتى البري أبورتي الباريسية أو الإيطالية. وأحيانا أخرى يطالبون بمياه معدنية أو مبخرة توضع أمامهم. أما الموظفون الصغار فيتكورون كقنافذ وينكمشون بدون أشواك، نظراتهم خجلة وكأنهم يحملون أوزار ذنوب لن تغتفر. ينظرون بين أرجلهم فقط، كأنهم يحتاطون من فقدان شيء عزيز عليهم. نهضت من ركني، راوغت الغيتوهات وخرجت. وقفت أمام البوابة المشعة بالمصابيح وتحت ضوئها رجلان من القوات المساعدة يحرسان الفراغ. يتحدثان عن استعدادات البلدية منذ شهور لهذه الوفاة، صبغوا المقبرة واتسخت وأعادوا صبغها عدة مرات وأعدوا عشب الحديقة وغرسوها بالأزهار، لكن سرعان ما أحرقتها الشمس وعبثت بها الأقدام، فأعدوا أخرى وأخرى ثم أغلقوا السّانية وطردوا باعة الماء وجمعوا المتسولين والمتشردين وأرسلوهم في العربة الأخيرة للقطار المتوجه إلى أبعد نقطة للسكة الحديدية لكنهم عادوا مرة أخرى وبأعداد متزايدة. ومع ذلك الميت لم يمت. دام هذا الكر والفر لعدة شهور قاسية وبدون فائدة. وحين يئسوا من موته وانصرفوا لمشاريعهم الشخصية وجني الأموال. مات فجأة فتستروا على الخبر إلى أن أعدت الأمور وأصلح ما أفسده الإهمال. التفتا بحذر خلفهما فلاحظا دخان سيجارتي المسافر مع عمود الضوء فسكتا وأخذا يتمشيان جيئة وذهابا يحاولان بتوجس تفادي النظر في اتجاهي.؟ قضيت الليلة بكاملها في مقهى المحطة. أمامي، القهوة السوداء الثالثة. أشربها على بطن فارغة من عشاء الميت الفاخر. حاولت تفادي المشاهد الدموية التي تعرضها إحدى القنوات الفضائية بتكرار أسطوري لكن محاولتي باءت بالفشل فرجع صوت المذيعة يأتي من كل جهات المقهى الشاغرة . ظهرت امرأة تحمل فوق ظهرها شيئا أكبر من حجمها. رأيتها تخرج من الجهة اليسرى للمقهى. فكت عقدة فوق صدرها وتركت الرزمة الضخمة تنزلق إلى الأرض وفوقها جلست متهالكة. التفتت جهتي وقالت: الله يخليك، كأس ماء. ناولتها كأس الماء، فدفعته إلى جوفها بلهفة.تنهدت وأعادت لي الكأس الفارغ وهي تقول: كأن الشمس هناك خلف هذه الظلمة، الله يلطف بنا. وافقتها برأسي وسألتها: إلى أين في هذا الليل؟ تأملتني قليلا. كما لو أنها تشاور نفسها إن كنت أهلا للثقة أم لا، وقالت: أنا أذهب إلى الأسواق المجاورة، أبيع فيها البال، أي الملابس المستعملة. التي ترسلها الدول الغربية كمساعدات للدول الفقيرة؟ نعم هي، وهنا تباع ولها سماسرتها ودواليبها. لاحظت عندما أمعنت النظر إليها أنها لا تزال شابة رغم أن الإرهاق والشمس قد عاثا في جسدها ووجهها. وأنها ليست أمية كغالبية فتيات البادية. فسألتها: لماذا امتهنت هذه الحرفة ؟ ابتسمت بسخرية وقالت: أنا درست في الجامعة ومعي إجازة في البيولوجيا. صدق حدسي، فمن طريقة كلامها، كنت أعرف أنها متعلمة، لكن أن تكون مجازة وفي البيولوجيا، فهذا في الحقيقة فاق كل توقعاتي. طبعا لا داعي الآن للسؤال عن الأسباب فهي معروفة ويمكن إيجازها في النقط التالية: فقر جل الأسر وهامشيتها الاجتماعية والسياسية و الاقتصادية. الاختبارات المهنية تسيطر عليها الرشوة والمحسوبية . فشل التعليم العمومي وعلى جميع المستويات. فشل الفكر التقدمي ومتاهته الجديدة بين التوافق والسلم والخصوصية و استلذاذ النفعية. انتبهت إلى شرودي فقالت: وأنت ماذا تفعل هنا؟ توقفت عن الإحصائيات الفارغة، وقلت: حضرت جنازة وأنتظر الكار. ضحكت حتى رأيت سواد أضراسها المنخورة بطعام الحي الجامعي دون شك. قامت من مكانها وتقدمت مني وقالت: يظهر أنك لا تعرف شيئا. سألت مندهشا من تصرفها: ماذا سأعرف؟ شدت ذراعي وسحبتني بلطف وقالت: تعال معي وستعرف. أخرجتني من المقهى وأوقفتني أمام كراج كبير في جانبه الأيسر باب صغير موارب قليلا وقالت أنظر إلى الداخل. فتحت الباب فلم أر شيئا سوى حلكة قاتمة ممزوجة بروائح مختلفة ميزت منها روائح الجوارب والبيض المسلوق. التفت إليها وقلت باسما: أنت تمزحين، لا أرى شيئا. تقدمت أمامي ودخلت للحظة ثم عادت وقالت: انظر الآن. وفي نفس اللحظة التي مددت فيها رأسي لأرى الحشود المكومة فوق بعضها البعض كمتاع أو أكياس أو صناديق تتصاعد منها روائح غريبة. في نفس اللحظة تعالى الصراخ والسباب و(التّهرنين). كانوا كلهم يحتجون على من أضاء المصابيح ذات الأسطوانات المتدلية فوق رؤوسهم ، بدوا لي تحت الضوء الأصفر كدجاج رومي. تراجعت إلى الوراء ووجدت المرأة تتفحص قسمات وجهي المصدوم. دخلت مرة أخرى وأطفأت الضوء وعادت وهي تشتم أحدهم، سمعته يقول لها: أنت مرة أخرى، تعالي تبيتي إلى جانبي وأعطيك دوري. هزت كتفيها وقالت: إبن الحرام دائما هكذا كلما رآني يتعمد إهانتي. عدنا إلى المقهى وتركتني أجلس وذهبت إلى الكنطوار، أطلت منه ونادت النادل بإسمه أظنها نادته بعبد الرحيم. خرج من الداخل، تهامسا بحميمية و رجع إلى الداخل ثم عاد يسحب معه عصا غليظة مثل التي يستعملها لاعبو البيزبول. قرأت في عينيه شرا فارتعدت ركبتي، وعندما تجاوزني، حمدت الله في نفسي. خرج عبد الرحيم ثم انعطف يسارا حينها أدركت أنه يقصد من أهان المرأة. عادت، فجلست فوق رزمتها الضخمة وقالت: دائما هكذا، يضربه ثم يعود إلى فعلته. سارعت للتساؤل عن هؤلاء قبل أن يعود النادل فقالت: كلهم ينتظرون الكار. لم أفهم، فهؤلاء يحتاجون إلى عدد من الكيران. طبعا، لكن الكار الوحيد لم يصل بعد. -منذ متى؟ -منذ سنين. -منذ سنين، هذا غير معقول! -كل واحد من هؤلاء يحفظ رقم دوره عن ظهر قلب ويعرف من قبله ومن بعده، لهذا فأحيانا عندما يتأكدون أن الكار لن يحضر إلا بعد مدة طويلة فهم يخرجون لقضاء مآربهم. لكن بالليل يعودون لأن الليل لا يؤتمن جانبه. ومن يدري فقد يدخل الكار على غفلة ولا يعلم به أحد. -وإذا حدث ذلك، من سيخبرهم بحضوره وهم مكدسون كالأموات داخل الكراج ؟ - وماذا أفعل أنا هنا، فالدور علي للحراسة. لم أتمالك نفسي فضحكت حتى برزت أضراسي المدمرة بحصى طعام الحي الجامعي. تفحصتني وكأنها تتأكد من قواي العقلية ثم قالت: لا تضحك كثيرا، سيأتي دورك. ــــــــــــــــــــــــــــــــ ٭ من مجموعة (النزول إلى القلب) التي هي قيد الإعداد للطبع. |
|||||
|
|||||