|
|||||
|
١-
(نظرات الطفلة منى خلف الباب)
تتهادى الطرقات عبر أزيز المكيف، تخترق مخدة القطن وتتسرب إلى أحلامي؛ أبواق تنفخ في بيداء ـ تركها الليل منحة للشمس ـ نافخوها حافـّين بي يدورون بأقدام تحتك بالأرض ترسم دائرة تلتهب تحتهم كقرص الشمس، تتمايل أيديهم راقصة في الهواء، مركز الدائرة شجرة شوكية مربوطة أنا إليها، جحافل رعاة البقر هابّة في اتجاههم تلتحم برؤوس تهتز بأكاليل الريش. ريش الرؤوس ينتقـل إلى الخصور والشجرة الشوكية تبدلت؛ صارت نخلة جوز الهند، والفلاة إلى غابة والأبواق غدت طبولا تقرع، وجحافل الخيل إلى سيارات (جيب) راكـبوها هم رعاة البقـر أنفسهم. أفتح عيني، ضوء شفيف، السادسة مساء أو صباحا لا أدري طنين في رأسي، تتوقف الطرقات كالمخدرة أخذتني غفوة إلى أعماق نوم ساحر، تعود الطرقات تتوالى، صحوت على صرخة باسمي أعطاني قفص دجاجات وغادر لم نتكلم تم التسليم والاستلام باتفاق مسبق، وضعت القفص على الطاولة ودخلت الحمام الملحق بالغرفة، جاءني طرق وأنا في الحمام ثم غادر قبل خروجي، فتحت باب الغرفة بعد الانتهاء من الاغتسال تلفتّ في السطح لا أحد بسرعة أغلقت الباب بعد أخذ قفص الأرانب الموضوع قرب الباب، انفجار الشمس هذا اليوم لا يحتمل، ديك في قفص الدجاجات لم أطلبه ربما شك فيه لصغر سنه، هناك قفص حمامات على الأرض لا أدري متى جيء به تستدير وتهدل داخله، نقـّة عالية ـ اختـلعتتْ قلبي فزعا ـ صدرتْ من دجاجة تبيض. باب الغرفة يئن وينفتح أثناء قضمي كعكة آكلـُها بقرف ورعب تمثلتْ أمامي بائعة السميط وهي تدور بزنبيل السميط داخل دورة المياه، آخر مستحيل أقوم به الأكل داخل دورات المياه، كيف وصلت السميطة إلى يدي لا طعم لها رائحة دفرة تنفذ منها ومن فتحة الباب، الشمس اختفت، السطح مليء بالبط والأوز علون الشتلات الموزعة على حواف سور السطح كتاكيت ضاجة بالوصوصة أطأها بقدمي فتـلتزق بالأرض ثم ترتفع أرواحها مختـلطة بالهواء محـتـفظة بدمائها داخل أجسادها، لم أهتم باختفاء الدكة المنصوبة تحت العريش المواجهة غرفتي والمقام مكانها خرطوم مياه موصول بصنبور، وطشوت فيها سواطير وحبال وسكاكين وخرق بالية، أخذت منها ساطورا وأخرجت أقفاص الدجاج والحمام والأرانب بدأت بهـدم الأقفاص على من فيها بالساطور وملاحقة الهارب منها، تغافـلني الأرنب القط وعالجته بضربة فصلت جسده نصفين طوليين، جاءتني خطوات الطفلة ( منى ) تصعد الدرج ضحكت لمرأى خثرات الدماء على البلاط وقطع اللحم المتناثرة والمتداخلة بخشب الأقفاص صرتُ أنا واياها نرمي الأعضاء المقطعة في طشت سحبتـْه إلى منتصف السطح تضحك كلما علقت الدماء في يديها، أفزعتني صرختها المفاجئة: قتـلتِ قطك المدلل. رددتُ غير آسفة: اختلط علي أمره حسبته أرنبا. صعدت أمها فجـأة السطح، مسكتني من كتفي وضغطتهما: هاه أليست الدواجن مسلية، سآتيك بعشرات الأقفاص يوميا تتسلين بها. »غرفتي ملأى ؛ عمياء ألا ترى !!« دخلنا الغرفة في كل زاوية منها دجاجة تـنقر وأرنب يحـفر وحمامة تستدير، نظرتْ إلى ملبسي: بدليه!! كله دماء. هي لا تدري أن ملابسي هناك بعيدة وليس لي سواه. نادتْ الطفلة إلى الغرفة وطلبتْ أن تجلب جلبابا، خرجت الطفلة ووقفـتْ على سور السطح نادت ؛ جاءها رميا جلباب من أسفل، شرحته الأم بيديها من جانب واحد وقذفته في وجهي: لفيه !! وهاتي لباسك الأحمر أغسله. لففتُ الجلباب وكان بالإمكان لبسه كاملا دون شرح، ترفع أكمامه وأطرافه الطويلة ؛ لكن لم أناقش التفتُ إلى السميط على الطاولة: خذيه !! يشعرني بالـقرف اشتريته البارحة من بائعة في دورة مياه، هات خبزا آخر!! رفعتـْه إلى أنفها: جميل فيه رائحة الموت التي تحبين !!! فتـّتْ السميط للدواجن في الغرفة، ثم فتحتْ باب الدولاب وأخرجتْ قفة، فلـّتْ الصرة التي داخلها وبدأتْ تقذف بدوائر كعك كثيرة: روحا أمي وأبي، هنا في الغرفة تناما معك. »روحا أمك وأبيك في الكعك« أضحك وهي تسحبني إلى خارج الغرفة، ارتقينا طوبا مصفوفا محاذاة السور وأطللنا على حوش كبير، قالت: هنا يرقدان. في ضبابية شاهدتُ كومة تراب تترفع متناثرة عن امرأة غبراء تشبه بائعة السميط في دورة المياه، تبادلتْ الإشارة بالأيدي مع المرأة الواقفة بجانبي، ثم قامت من تحت الكومة نافضة التراب تقدمتْ ؛ قليلا وظهرتْ من فتحة الدرج متجهة إلينا وكنا مازلنا فوق الطوب، موجهة الكلام لي: إياك إياك تأكلي من الكعكات اللائي في القفة !!! »كيف وأنا أساسا أقرف منها ؟؟!!« تطلعـتْ إلى الجلباب الملفوفة به ثم قلبتـْه بيدها: جلباب زوجي، أعيدى خياطته !! »لم أشرحه كي أخيطه !!«. ظهرت الطفلة وفي يدها إبرة وخيط تناولتهما المرأه الغبراء وجذبتني نحوها فـلـّت الجلباب وعدلتـْه وشرعتْ تخيط الجنب المقدود، كنت أتألم كلما شاهدتُ الإبرة تخرج من الطرف الثاني اشتد الألم في جانبي الأيسر، أدنيت رأسي آملة انتهاءها رأيتها تخيط الجلباب على لحمي، أكملتْ غير مبالية بفزاتي المولولة وكانت إحداها متزامنة مع فتح عيني في عتمة الغرفة وطرقات متصاعدة تأتي من خارجها. أزحت جهاز التحكم عن بعد المخترق عميقا جنبي الأيسر، استقبلتني أنوار الصالة في طريقي إلى باب الشقة المرتجف من تتابع الطرقات ؛ صاحب العمارة يزفّ بشارة تخليصي من نقنقة الدجاج وخربشة الأرانب وصفق أجنحة الحمام وبشاعة بطبطة البط: اشتريتها كما أمرتني من البوّاب وزوجته وذبحـتها... خيّرتـُهم سكنى السطح بالمجان أو الطيور !!! مال رأسي يميـن صاحب العمارة ؛ فرأيت البوّاب وزوجته وطفلتهما ( منى ) مصطفيـن في الممر قبالة الباب يرمقونني بنظرة المنتقم المحروم وأنا أعـصر عـيني من وطأة الألم الذي أحدثه جهاز التحكم عن بعد المنغرز في جنبي مدة نومة مابعد الظهر. ٢- ( الرفض ) إلى والدي،،،،، كنت أهرول، في حين يقـف غير مبال برودةَ الهواء المصاحب زخمات مطر تسوط رقـبته وانحناءة ظهره، كـنت حافية يستطيل الدم على ساقيّ يجتمع دائرة تـنفجر وتـُمازج الماءَ الغـَـرِقَــَة فيه الأرض، مِلتُ وأنا أخفي وجهي ـ تحت ياقة لباسي ـ من تسلط المطر، دخلت حواريَ وأزقة كثيرة، ألتـفِـتُ لا أجدُه يتبعني، أمرّ به يلعـب بالكرة في باحة واسعة يُسدّدها إلى مرمىً بلا حارس. الدرج طويل ؛ الحجرة ليست في السطح ولا ملحقة بـربع من عشرات الغرف لكني داخلها، كلّ شيء فيها يدور الساعة على المنضدة، المروحة في السقف، أوراق شجر خلف النافذة، هناك غيمة استطالت في السماء تخـلـّتْ عن انبعاجها الرَغـْد ، تصعّـُـدُ القمر وتتبّـُع بصري ارتفاعَـه حتى حدود النافذة وتكـسّـُـر شعاعِه في عيني القطة النائمة تحت الأباجورة تطلب الدفء، هششتـُها حـُنـُوًّا على ملمسها الناعم من الحرارة المتكاثـفة، كأنها لا تعرفني ؛ هـبّتْ مسعورة، نسيتْ مرور أصابعي ليل نهار تحت ذقـنها وفوق عـنقها، شردتْ في جهة وتحطـّمت الأباجورة فى جهة، مازالت ارتجاجات المنضدة ؛ انكـفـت الساعة على وجهها وارتميتُ على السرير أنـفخ العلكة تستدير كبيرًا أنظرُ إليها، عـيناي تـلتصقان أرى أرنبة أنفي، أحسّ صداعـًا ودائرة تـنفجـر تغطى لزوجـتها وجهي. خرجـت من الحمام يتقاطر الماء من شعري ثم يتصاعد جريانه على جسمي ويبلل ملابسي، فتحت النافذة رشقـتُ بالمتبقي منه الحمامة وفرخيها، انتـفـض ريش الصغيرين وتراجعـت الأم عاجزة ـ في حضرة صغيريها ـ عن الخـفـوق، أخذتُ أحد الصغيرين، هناك في زاوية إضاءتها خافتة استـقـر. دوي وصوصة راجية مقهورة أتـتبّعُـها لا تصدر من اللذين أرى طيفهما خلف الزجاج ولا من المنكمش جواري. أكثر من مرة يسحب منقاره ويطيّـر قطرات الماء، غاصتْ حبة أرز في السجادة بهـزّة من رأسه، يبيع الحياة من أجل الفقد. وضعتُ الفرخ فوق أخيه ـ ليلا ـ فسقـط يتوسط الأم والأخ، تراجعـت الأم محافظة على وضعيّة جسمها المنكمش. الشمس تشرق والأم وفرخ واحد في زاوية، حُـنُـوها شديدٌ عليه، تنفـر من رائحة الآخر. ناديتُ مَـن كان يسمع لي.... يشمّ رائحة غيري فيّ يتراجع ويستدير كأني لستُ منه. |
|||||
|
|||||