السبابة

 

حمود الشكيلي (قاص من سلطنة عمان)


اسند رجل سبعيني ظهره على جدار بلون الكفن، تآخى عكازا الرجل مع كتفيه الهرمين، ظِلُ الجدار انقسم للأرض وللسماء، فجأة قابلته امرأة تشبهه في العمر،  مدّت ساقي رجليها في ظل الجدار، جسدها جلس يبحث عن دفء شمس الصباح، كان يسمع صوتها أكثر من أربعين سنة، أصبحت بعيدة عن مسبحتها طوال الأسبوع الأول من يناير الماضي، حرّكت سبابة يدها اليمنى في قطع »الأنترلوك« المفروشة لمواقف السيارات، تناثر صوتها في المكان، عندما أبّصر الله الرجل رأى سبابة حبيبته تتجول بين مواقف السيارات، لاحق سبابة حبيبته، طاردها،  أخذ بيدها، أمسكها، قبلها، لعق دمها، بكى عليها، دسها في جيبه، رجع لجداره، استراح بعد ركض لم يجربه أكثر من أربعين سنة، لم يجد سبابة حبيبته في جيبه، صرخ حتى أرجع الله السبابة، قبلها، وداعبها، لحسها بلسانه، أدخلها في فمه، أمسكها بطرف أصابعه، لم يدخن أكثر من أربعين سنة، أشعل السبابة بطرف لسانه، تلذذ بذكريات سبابة حبيبته، استحت السبابة من الذين مروا عليها في فم الرجل، اختفت بين الحشائش، أسندت ظهرها على غصن زهرة بيضاء، توارت الأعين في هموم المرضى، جف ريق  الرجل في جلد السبابة، تباهت  بريق الرجل في جلدها الخارجي، غاضت النساء من ريق الرجل في جلد السبابة، اختفت السبابة الصغيرة اللطيفة في رحيق وندى الزهرة البيضاء، طارت نحلة عسل خائفة من السبابة المتخفية في زهرتها البيضاء، صاحب دلة القهوة وتمر الفرض ما زال يشخر تحت سقيفة مواقف كبار الشخصيات، الذبابتان اللتان أكلتا التمر وشربتا قهوة الرجل النائم،  نامتا في عينيه، لم يحس الرجل بالذبابتين اللتين حاولتا إيقاظه، لكنه رأى  سبّابة  تبعد عنه  الذبابتين، طارت السبابة والدبي الذي شرب من ماء فناجين القهوة، نهض مرعوبا،  رأى ما يراه النائم في قيلولته، طرد الهلوسات، غسل وجهه بماء فناجين القهوة، لعن إبليس، مسح يديه في وجهه متشاهدا ومسبحا ربه،  غطى تمره الحائل، دسّ رأس الدلة في كيس خضراء، خرخشت ذبابة في الكيس التي خنقت رأس الدلة، مدّ يده اليسرى تحت زوجي حذائه القديم، اسقط رأسه في يده الممدودة، أمام عينيه المغمضتين رقصت السبابة على وقع الموسيقى التي أصدرتها  الذبابة من الكيس،  واصل شخيره ؛ حتى جاء ذو الكِبْر  بسيارته المرسيدس، زمّرت سيارته، لكن الرجل النائم لم يجاوبه، اكتفى بأن أخرج  لسانه في وجه صاحب السيارة، عيناه الغائرتان في محجريهما رمقتا صاحب السيارة، جثته تحت إطارات السيارة لم تصدر صوتا، رأى ذو الكِبْر  سبابة وحيدة، لم يجد لها يدا، حاول أن يتعرّف على هويتها، لكنه فشل في محاولته الأولى، ولم يهتم بها ؛ بعد أن تأكد من أن سبّابتي الرجل المدهوس تحت السيارة  لم تنفصل عن الجثة، سحب جثة الرجل الميت من رجله اليمنى، أبعده عن اللائحة  التي كتب عليها »موقف خاص لكبار الشخصيات«، غادر الموقف،   شهدت السبابة على ما فعل بالرجل الميت الذي لا يملك إلا قهوة وتمرا وذبابتين تغادرانه بين الحين والآخر،  اللذان لا يجيدان لغة الضاد، وجدا فرصة للتدخين، تدلّت  سماعتاهما  وربطتا العنق من رقبتين سمراوين، ثرثرا بلغة لا تجيدها  السبابة، لكنها كتبت »للأطباء فقط  التدخين ممنوع«.  

 تنفرد السبابة بدخول المستشفى في غير أوقات الزيارة الرسمية، ويحق لها أن تصطحب ما ترغب به من مأكولات ومشروبات، في لحظة  وحدتها  التفتت يمنة،  ويسرة،  ولم تر أحدا، في نفس خط  سيرها  تقدمت خطوات،  فجأة سمعت خطوات مشي تقترب منها، انتظرت فإذا بإبهام وسيم يمشي وحيدا دون يد، تقرّبت منه حتى عشقها، تجولا في أجنحة المستشفى، دخلا للمقهى ، صرخ كل الذين رأوا ولأول مرة في حياتهم سبابة وإبهاما دون يد، بعد أن مات بعض مرتادي المقهى  ؛ خرجا مسرعين وتواريا عن أعين الذين لم يموتوا بعد، راق لهما أن يختليا في غرفة خاصة،، وناما  في سرير بلون الكفن، استيقظت السبابة وحيدة، بعد أن قضى الإبهام حاجته، هرب، شكت أمرها لله، كان قد وعدها بالحب والإخلاص لكنه هرب هذه المرّة  دون أن تتأكد من نوع الخاتم في الإبهام،  خرج مرضى المستشفى وأطباؤهم،  قادتهم رائحة الرجل الميّت إلى مكان جثته، وجدوا جثة وحيدة ملقاة  خلف مبنى الطوارئ، تلذذت الحشرات والديدان بجثة الرجل الميّت، بكل ما آتى الله العقول من بداهة حاولوا التعرّف على هويّة الرجل، لكنهم فشلوا، لم  يتواصل التحقيق في معرفة سبب وفاة الرجل ! ولماذا لم يدفن بعد أن مات، أو قتل ؟ انتصبت سبابة وحيدة في أنفه، وظلّت تنفخ »وص، وص، وص«.

واصل الرجل السبعيني تأملاته في صوت امرأته التي تشبهه في العمر، لم يعد يرى وجهها، سمعها تسبح بسبابتها على قطع الأنترلوك التي افترشتها في صباح أول يوم من يناير الماضي.


تصميم الحاسب الشامل