أقصوصات

 

توفيق فائزي (قاص من المغرب)


البعــــــث

 لم تنته الحرب إلا بعد أن أهلك الجنس البشري ولم تستطع بطن أنثى حمل المزيد من الأجنة، لم يبق من الفريقين اللذين تقاتلا حتى الموت إلا رجلان رجل من كل فريق، كانا في لحظات الاحتضار. وخلت الأرض من الناس. في انتظار الموت صار العدوان ينتظران غياب الإنسان من الوجود، كان شعورا قويا ولم يبال كلاهما بما كان يستفزه لحرب عدوه، فأي جدوى من أن يتقاتلا من أجل أفكار بائسة أدت بالإنسانية إلى الهلاك. وفي مرأى أحدهما للآخر لم يكن الحنين إلا إلى الوجه الإنساني وهو يهجر الأرض إلى الأبد. سيعود وحوش الزمن الغابر ليعمروا الأرض، لن تبكي السماء ولن تبالي بالأنفاس الأخيرة لآخر رجل يهلك. لم تكن الديار والعمران: طواحين الهواء، وآلات الصناعة بأشكالها الغريبة سوى رسوم بلا معنى، ومن يطل على المدن البهية- ومن يطل عليها؟- يضحك من جثث أهلها وهياكل عظامهم، يضحك وقد يبكي بكاء حسرة لا حسرة أعمق منها.

 لما بلغت الوحشة بالعدوين مبلغها لم يصبرا على الكلام. وبدأ صوتهما يقع من أنفسهما موقعا أي موقع، فهدوء الموت وأصوات الرياح وهي تعبث بما تركته الإنسانية وراءها، جعل من صوتهما روح المكان ولكنها روح تعيسة ويائسة.  يتخلل كلامهما البكاء الصادق والنواح الممزق.  حق لهما أن يبكيا وأن ينوحا  فلا نساء بقيت لتنوح ولتبكي. قال أحدهما مخاطبا: »لك يا عدوي شرف البقاء إلى هذا الزمان، ولك شرف توديع الإنسان من الأرض، تخيل يا عدوي ويا رفيقي في هذه اللحظات العالم دونك أو دوني، دون الإنسان. من يطل على العالم وهو خال من وجوهنا؟، ليتنا تركنا وراءنا من يعمر الأرض في سلام! كم من الزمان ستظل هذه الأرض دون أن ينطق إنسان؟ وهل سيبقى زمان بعدنا؟ سأصمت قريبا يا رفيقي كي تسمع غيابي« لم يلبث إلا قليلا وصمت إلى الأبد، وشد الحنين الآخر ليسمع الصوت الإنساني من جديد فبدأ الكلام وقص قصة الإنسانية على نفسه دون أن يغادر دقيقة  من دقائقها. احتفظ بما قاله في آلة تحفظ الأصوات، واطمأن أخيرا إلى أن الآلة ستردد  بعد هلاكه صوته.

 رجعت  الأرض إلى عزلتها، وعاد الصمت لا يكسره سوى أصوات الوحوش التي تمر لا تبالي بأشلاء الجثث وبقايا الآثار المدهشة.

 مرت ملايين السنين لم يعد فيها الإنسان سوى ذكرى باهتة وغطت رمال الجنوب  وثلوج   الشمال ما تركه الإنسان خلفه من عمران شاهق.

 إلا أن  وعدا كان ما زال ينتظر التحقق، وعد بالعودة، من أجل ذلك فتحت أبواب السماء، وأحدث ذلك صوتا ينذر بحدث لم تعهده الأرض وهي التي انتظرت طويلا وسئمت عزلتها، كانت السماء قد ملئت بكائنات لها وجوه تشبه وجوه البشر إلا أنها أكثر لطفا وإشراقا. بدأت تبحث عن البقايا في أعماق الصحاري وفي عمق جبال الجليد، تبحث عنها، لتخرج مما تبقى من الرفات الى الحياة من جديد، لتبعث الإنسان من جديد.

 في عالمنا

 استغربتُ: عالم الأرض ليس مدهشا، في عالمنا نحن، الناطقين ليسوا جنسا واحدا، بل أجناسا كثيرة، كلهم يتعايشون. أعلم أن ساكنة الأرض بقوة التخيل لا غير يتوهمون كائنات ناطقة أعلى ذكاء منهم. نحن نعايش هؤلاء حقا ولا نتوهمهم. ليسوا ملائكة ولا جنا. إنها كائنات ناطقة تعيش منفصلة عنا، ولكن يمكن وصلها متى أريد ذلك.

 أعاني من مشكل نفسي ولو أخبرت أحدا من الناطقين البشر لما تحمل ما أقصه وأنا لا أتحمل إخباره بذلك. الحل هو أن أزور ناطقا من تلك الكائنات. سيلقي سمعه إلي وسيخبرني بالحل، وقد يكون الحل هو أن أقص بلا حرج ما أعانيه.

 سأزوره غدا أو بعد غد، لا يهمني، فأنا سعيد لأن كائنات ناطقة لا تؤذي بالنميمة، ستسمع كلامي وسأطمئن إلى أنها لن تنقل ما ستسمعه كالبشر فهم يعذبهم الاحتفاظ بالسر. تلك الكائنات آبار مظلمة، واسعد أن ما تسره إليهم محفوظ.

 هي كائنات ناطقة لكنها طيبة.

 تزابن

 في طريق الرجوع إلى منزله أبصر في الحي أناسا جالسين على كراسي، قيل له إن أبا عبد الرحمن توفي في الخارج، وأبصر عبد الرحمن بعيدا متكئا حزينا.

 جلس الجالسون لتلقي التعازي، مرتبكا كان حين بدأ يعزيهم، فبدل أن يدعو الله بتعظيم الأجر قال ((عيدكم مبارك))، فقد صادف يوم وفاة أبي عبد الرحمن يوم العيد، فاختلط العيد في ذهنه بالموت ودعاء مباركة العيد في لسانه بدعاء العزاء.

 لم يكن يعرف أبا عبد الرحمن ولا عبد الرحمن إلا معرفة ملتبسة فكان يعزي ولا يعرف أقرباء الفقيد ولكنه تأمل عيون الجالسين فمن منها احمر بالدموع، ضاعف له المواساة. ارتبك حقا واختلط الأمر عليه يدعو ببركة العيد بدل أن يعزي في وفاة الفقيد.

 ما لبث أن بلغ موكب الجنازة، كيف ؟ لا أدري، فقد فاض زقاق من أزقة الحي بالناس،  ولم يمتلئ زقاق واحد بل سالت سيول من الناس والمواكب من كل الأزقة ولم يكن نعش واحد محمولا على الأكتاف، بل أربعة نعوش، كل نعش يكلل الموكب متوسطا إياه كتوسط أكوام التبن الحقول.

 ما كان بعيدا صار قريبا، وما لبث أن جرفه السيل فصار وسط المواكب، وما كان متفرقا تجمع فازدحم الناس وتدافعوا، لم يكن أمرا عارضا، فها هو يبصر أحدهم يزبن الآخر عمدا زبنا قويا حتى ارتطم المزبون برجل آخر وهذا بآخر، وكان كلما دفع أحدهم يرتمي بآخر فينتقم المدفوع من الدافع فيدفعه على آخر، وكان من يبتدئ زبن الآخرين سواء من حاذاه أو من تقدمه ولم يفسح له مكانا للمسير، أكثر ممن يرد على دفعه.

 تحولت المواكب إلى مسرح للتزابن، وتنافس الناس فقوي الدفع وطال الارتماء، واستشاط الغيظ ونسي الناس النعوش والموت.

  استمر التزابن حتى لقيت المواكب فسحة حين انتهت إلى شارع أكبر من جميع الأزقة الضيقة، فخف الدفع، ولم تتعد الدفعات إلى أخرى. وحين ولج الجميع المقبرة تمزقوا  وصار فتاتهم ملح المقابر. سلك الطريق إلى نعش أبي  عبد الرحمن، وحضر الدفن، ولما انتهى الجميع من توديع موتاهم تتبع الجميع صوت رجل غليظ يعظهم، فتحوموا حوله. كان يحثهم على الاعتبار  ودعاهم إلى الوحدة وعدم التزابن في الجنائز، ولما انتهى، تصافح الناس وتعانقوا : أهل الموتى والآخرون، وعفا بعضهم  بعض وغفر المدفوعون للدافعين.

 ما لبث أن نزل الظلام فخرج مع الآخرين من باب المقبرة وازدحم الناس ثانية إلا أنهم تدافعوا في رفق.

 في طريق الرجوع إلى الدار ناداه من كان يركب سيارة مرت تحاذيه، ركب، وجد عبد الرحمن. حين لاحت له  منازل الحي ثانية، استعد لشكره كي يكسر صمت الطريق الطويل.

 حلم

 كيف يحلم الإنسان أنه يقرأ شهادة وفاته؟ شهادة وفاة توفيق فائزي مع ما في الشهادة من تفاصيل الوفاة وتاريخه، وهل يحلم الإنسـان نفسـه يقرأ شهـادة وفاتــه؟ نعــم وهــذا ما حدث فعلا في حلم يوم 5/2/2003.


تصميم الحاسب الشامل