|
|||||
|
إلى مي : في الرحيل الكبير أحبك أكثر فجرا، قبيل »الله أكبر« : لم تغمض عينيك بعد، ولا وضعت رأسك إلى يمينك وتوسدت حلمك ونمت! تريد أن تنام لكنك لا تستطيع.. رأسك كجرة مثقلة بالماء، توشك أن تسقطها فتنكسر! تبحلق الآن في اللاشيء، في الظلمة، في الخط الفاصل بين الأبيض والأسود من الفجر! وصور تتداخل في ذاكرتك الوهنة.. صور عديدة، صور مليئة بك، بانهزاماتك المتكررة.. انهزاماتك.. هذه التي تقض عليك مضجعك، وتسلبك تلك اللحظة الجميلة من النوم أو من النسيان.. تلقي بك في أحضان الصحو المقيت ساعة الفجر لتتذكر حبيبة طار طيفها كالحمام وما عاد! حبيبة قالت لك ذات بداية »إحساس قاس : أن تمتد يداك في الفراغ فتعود بلا شيء..«.. وها أنت تطارد طيفها كي تعود، تمد يديك في الفراغ فلا تجد غيره وحده يعربد ولا تعود بشيء أبدا.. وسفرك لا ينتهي ولا يتوقف عند محطة.. تظل مسافرا في الفراغ باحثا عنها حيث لا حد للفراغ، ولا أبعاد يمكن أن تلامسها هناك لضياعك!! وهي، صور مجنونة تتلاحق.. صور مليئة بأسباب اندحارك من جديد، هزيمتك العظيمة التي لم تعد تتوقف عند حد.. صور تحاول التقاطها كي لا تغيب.. صورها التي طارت في فضاء الغياب.. وكلما غامت الصورة ؛ أيقنت بحدسك السيئ أنك تفقد وجهك، وما تحمله الآن ليس سوى بداية زيف! من الخارج ينقل لك شباك غرفتك المجاور لروحك احتكاكات آخر الليل على الإسفلت.. سيارات مخمورة تعب الطرقات الآن، ويستهوي أصحابها أن يحرقوا إطاراتها في الإسفلت كما يطفئ المدخن، بلذة، سيجارته في منفضة السجائر! ولكأن ذاكرتك الآن إسفلت.. كأنها شارع يلاقي حتفه بفعل الاحتكاك.. أي قدر هذا الذي يشكل حكايتك بالخسارة والانهزام؟ أي حكاية هذه التي يجب أن تكون فيها كديك منتف الريش؟ أي خيبة هذه التي لابد أن تغنيك وتغنيها؟ أي نشيد هذا الملزم بأن تكتب تفاصيل انهزامه؟.. لستَ بطلا.. لا فارسا ولا صنديدا ولا شهيدا.. نعم.. لست سوى أنت المنهزم منذ رحيق الولادة الأولى، منذ أن جاءت بك أمك إلى هذه الدنيا في سبتمبر كئيب، تكتشف الآن أنه أسوأ الشهور في العالم!! ربما لأنه بداية الخريف! تولد في لحظة التساقط، لحظة الاصفرار.. ولذلك تعاستك مزمنة!! هل ينبغي الآن أن تصدق رسالة صديق »ستعيش متشردا ما دمت تحترف الألم«؟! لكنك لم تحترف ألما، ربما هو من اختارك.. وهذا هو السر.. أنك متشرد، والمشردون شاءت حكاياتهم أن ينالوا وافرا متميزا من الأحزان والانهزامات.. ولأنك متشرد أبدا، فقد احترفت الألم!! المرآة في السادسة صباحا : لا تظن أني أعكس وجهك.. أنا أعكس خطيئة والديك عندما أتيا بك إلى الدنيا!! لكنهما لا يعلمان ما يخبئوه القدر، ولذلك فرحا بك.. رغم أن والدتك كانت تعاني بلاء حملك، ورغم أن مدتك في أحشائها قد زادت عن الحد المفترض، ورغم أنك جئت للدنيا دون أن تشرف على مجيئك الصعب قابلة أو ممرضة!! ولذا دعنا نكن متفقين بأني لا أعكس وجهك.. لا تحدق فيه كثيرا، لأن العينين لن تكشفا لك سوى مزيد من التعاسة، ثم إنك مصاب بانحراف في قرنيتي عينيك ولذلك لا ترى جيدا، إلا من خلال منظار طبي!! لن تكتشف سوى تعاسة وأحزان معربدة.. لن تكتشف سوى أنك وهذه التعاسة صنوان، وأن وجهك والحزن كسطر عالق في ورقة بيضاء! لن تكتشف سوى مزيد من العذاب الذي أقرته عيناها ذات رحيل مفجع! عيناها اللتان تراهما الآن من خلالي، وتحاول أن تلامسهما لكنك لا تستطيع أن تصل إليهما، ولا أن ترى عينيك! ولذا فأنا لا أكشف إلا تعاسة مغرقة في القرف! والماء الذي تهيله الآن على ما تعتقده وجها لك، كما يهال التراب على جثة لم تكفن بعد، لن يفلح في أن يخلصك من تعاستك / وجهك في المرآة! الماء، يا سيدي العزيز، عدو خطير لك.. لأنه سيغسل الشوائب، ويجعل الرؤية سليمة وواضحة.. ساعتها ستتجلى كل فصول التعاسة التي تهرب منها ولا تستطيع إلا أن تلاصقها كجلدك! ولا الصابون أيضا.. ولا موسى الحلاقة سيفلحان في خلاصك.. هما الآخران عدوان لك!! في السيارة على الطريق عند السابعة وعشر دقائق : كل شيء.. كل شيء يذكر بك يا مي.. ليست رسائلك التي أخفيتها بعيدا عن نفسي، ولا صوتك الذي أوغل في ذاكرتي، ولا صورا لحياة عشتها في قِصَرٍ معك، هي وحدها ما يمكنه أن يذكرني بك.. لكأني لا أريد نسيانك، وأنا لا أريد!! كيف ينسى المرء نفسه!! كيف يتسنى له أن يتغافل عن روحه؟ كيف.. كل شيء.. كل شيء يذكر بك.. مجرد أن أنظر في المرآة في عينيّ أراك.. لم تعد عيني، صارت عينيك.. مجرد أن أفتح المذياع أو أستمع إلى أغنية أتذكرك.. كاظم، مارسيل، فيروز، ماجدة.. آآه يا ماجدة.. كم غنت »عيناك ليال صيفية ورؤى وقصائد وردية »وكم كنت عذبة الصوت يا مي! كانت تقول : عيناك يا حبيبي بحران من ألق.. وأنا أصبحت بعدك لا أرى بوضوح، حتى الماء ما عاد يغسل عني غبار هذه الحياة، فكيف يمكن أن أرى وأنا لا أملك قدرة النظر إلا من خلال زجاج؟!! حتى أن أنظر الآن في الشارع الممتد المملوء زحاما يذكرني بك.. كانت تقول »لا تنظر كثيرا للشوارع، فمن ستراهن هناك لسن إلا بنات شوارع!!.. »وتضغط أكثر على« شوارع »...غيورة حتى من الشارع الأسود.. يا وجعا يمتد كل حين في خاصرتي.. كهذا الزحام الذي يحاصرني الآن بعد ليلة مسهدة.. ما هن إلا بنات شوارع يخرجن الآن يلتقطن أنفاسهن المتعبة من ليلة مملوءة بالقيح! ما هن إلا وجع يثقل كاهلي عندما أدرك أن ثمة جوعاً عربد في الداخل، فأحالهن إلى الشارع!! الشارع الذي يزدحم الآن بالناعسين، بالفاترين، بأولئك الذين تحكي وجوههم قصصا لا تنتهي من الألم والضياع، الذاهبين إلى اعتيادية الوجع الصباحي كل يوم، المتخمين باضطرابات الحياة المملة!! وهم أيضا، جميعا، يذكرونني بك.. وجوههم المشتعلة بالغياب تذكرني بك يا مي.. حتى عندما يُسقِط المذياع لهيبه الصاعق كل صباح أتذكرك، عندما يعلن عن حصيلة جديدة من اليتامى والموؤدين، عن جنود سقطوا، وآخرين انهزموا.. عن مخططات واتفاقيات ومظاهرات.. عن نفط منهوب، ولصوص، وحكومات، وأسواق وووو.. أتذكرك.. »ألسنا جبناء..« هكذا تساءلت، ذات مساء متقيح، بسخرية العارف لذلك الأمر.. لذلك افتر ثغرها عن ابتسامة حزينة، ثم رتلت »فهنا يبكي على بعضيَ بعضي!!«.. عالم خائن، مليء بالوجوم.. قتلى.. دماء.. انهيارات.. حروب.. بغداد سقطت ولم يعد ثمة أمل لجريح في أن يمتطي صهوة حصانه الضائع!! وما لجرح بميت إيلام.. ماذا أيضا اليوم؟ وأنا الآن أمضي في فضاء ضائع.. أقتات وقتي ببلاهة الضعفاء.. أنتظر هذه الإشارة الحمراء أن تنطفئ كي تعلن أختها الخضراء السماح لي بمواصلة العذاب، ما زلت أتذكرك! ما بين رسالتها الأولى »للقائنا بوح الأماني الغائبة« ورسالتها الأخيرة »صعب أن نلتقي، هكذا شاؤوا، ولذلك لابد أن نرحل« ثمة رحلة جميلة من الحب الذي لا يتكرر، وثمة أحزان كتبناها قبيل الرحيل.. ألا تعسا للقبيلة التي حاصرت لقاءنا.. تبا للخذلان الذي شكل صورتنا الجبانة.. تبا لهذا العالم المقيت الذي أخذك مني يا مي!! على طاولة في مقهى صغير مع صديق يثرثر: كانت فاتنة، فاتنة ومغرية حتى آخر نقطة.. ولم أشبع.. ظننت أنني سأظل عطشا للأبد.. صدقني، هذه تختلف عن كل واحدة التقيتها.. لا تسخر مني، هذه المرة أقول كلاما جادا.. إنها ليست واحدة من اللائي لا يهمهن سوى بضعة ريالات تأخذها بعد جدل عقيم!! ليست كذلك.. إنها المتعة بذاتها!! هل جربت المتعة يا صاحبي؟.. لا تقل لي عزيزة أو أمل أو سوسن.. كلهن جميلات وكلهن ممتعات، ولكن عواطف هذه تنسيك الدنيا بما فيها، تبحر بك إلى أقاص بعيدة، إلى الغيوم.. إنك ستطير لو جربت الهوى معها.. ستنسى هذا العالم القلق.. ربما لن تراودك أحلام متيبسة، أو كوابيس نارية.. لن ترى في منامك أنك في صحراء، وأن الأرض تشتعل.. ستنسى العالم الذي يحترق.. ستنسى الخيانة التي تحاصرك، والضعف الذي يغتالك كل يوم.. ربما صرت قويا بعدها.. ربما رأيت أنك شهريار في ممرات ألف ليلة وليلة تمرح بصخب الأيام الحلوة التي مضت!! لا تقل لي كعادتك الذميمة : ماذا تركت لزوجة المستقبل؟ هذه الزوجة التي لا أعلم متى ستأتي، ولذلك لن أنتظرها.. لست مغفلا.. الفتيات يردن الكثير، وبقدر عطائك سيهبنك الحياة.. ثم لتعتبرني أقدم خدمة إنسانية.. هن لا يجدن حياتهن، وأنا أبحث عن متعتي! متعادلون.. كل يحقق رغبة الآخر!! تحسبني الآن عبثيا.. لا، أنت تدرك تماما أني لست كذلك.. اشرب شايك قبل أن يبرد، وتأكد أنني لست كذلك.. أتذكر زوينة.. زوينة زميلة الدراسة؟ أتذكرها؟ لا أعتقد أنك نسيتها.. الآن قد حلت مشاكلها الكثيرة.. تزوجت قبل أسابيع ـ وقد أهديتها باقة ورد للرحيل ـ هه، عندما مارسنا رغبتنا قلتَ بعدما أخبرتك »كيف تستطيع أن تواصل حياتها؟« الآن أتذكر ما قلته، وأقول : الفقر في بعض الأحيان ميزة! ماذا يملك أبوها المريض بالسكر غير الفقر؟ وأخوتها صغار، وما من أحد ليرفع الفقر سوى ضمان حكومي بسيط لا يكفي شراء الأدوية الضرورية!! لكنها استطاعت أن تكسب المال، وتأتي بالعلاج، وتشتري هاتفا متنقلا، وحاسبا لأخوتها، وتغير ستائر البيت كما تقول.. والجميع لم ينبس ببنت كلمة.. أما كيف جاء الزوج، فلا تسألني أنا!! وقد قالت بأنه رجل غني ومهم أيضا.. ربما لجأت إليها فيما بعد كي أحقق ما أريد.. هه.. لماذا وقفت؟ إلى أين تريد أن تذهب؟ لم تكمل شايك! أغضبت؟ لم أخبرك بعد عن أفعالها معي ليلة أمس.. أرجوك اقعد.. سأخبرك ماذا قالت.. سأخبرك أنها ليست عادية، ولا متسولة.. ليست كأي واحدة.. ستخال أن كلامها شعر تبحر فيه!! ثم إنها تعرفك! استرح واشرب شايك وسأخبرك ما قالت عنك! أعرف أنك محزون، وما قالته سيبهجك.. هل تريدها كي تنسى؟ تعال لا تذهب.. دع عنك أحزانك الآن ؛ واسمعني.. سأعرفك على عواطف.. فقط تعال لأكمل لك بقية الحديث.. شايك، ألن تكمل شايك!! مساء قبيل أن ينطفئ المصباح : جاهد نفسه ألا يفتح جهاز حاسبه الشخصي.. ارتشف الثمالة الأخيرة من كوب شايه الثالث.. كان مارسيل يشدو بهدوء : »أحن إلى خبز أمي وقهوة أمي ولمسة أمي....« تذكر والدته المريضة في البلد، تذكر أباه الذي يظن أنه الآن ينهك نفسه في العمل.. زفر.. عاد والتفت إلى الجهاز من جديد.. أغمض عينيه وانساب مع صوت مارسيل : »خذيني، إذا عدت يوماً وشاحاً لهدبُك وغطي عظامي بعشب تعمد من طهر كعبك وشدي وثاقي.. بخصلة شعر بخيط يلوح في ذيل ثوبك« أعاد فتح عينيه.. كان الضوء قلقا! تأفف عندما تذكر أنه كان لابد أن يخبر صاحب البناية للقيام بإصلاح مصابيح الإضاءة الضعيفة.. تأفف مجددا عندما تذكر قائمة الأعمال التي لم يقم بها : الفواتير، سلة المهملات، كتابة تقرير لرئيس قسمه في العمل عن المهمة التي لم يقم بها، الاعتذار لصديقه عن تركه وحيدا دون كلمة اعتذار أو انسحاب، ملابسه المتسخة التي تراكمت ولم يقم بإرسالها للغسيل... ضحك في سره عندما تذكر أنه كان لابد أن يتزوج.. عندها فتح الجهاز.. توقف مارسيل عن شدوه.. المسجلة عطبت من جديد.. عقد حاجبيه سخطا.. »آلات غبية، أجهزة عقيمة بلا فائدة!!«.. فتح بريده الإلكتروني، وكتب على سطور الشاشة اللامعة : »مي.. أينما كنت الآن.. أنا أحبـ....« وانطفأت الشاشة فجأة.. انطفأ الضوء كاملا، وساد السواد الأمكنة.. ٭ ٭ ٭ وهذه الليلة أيضا لن تنام!! |
|||||
|
|||||