الخائنة

 

مازن حبيب (قاص من سلطنة عمان)


لقد صدقتها. فشعري أنا بني طويل، وعيوني مثل لون العسل، وأنا »حبُّوب«.

لقد قالت إنها ستتزوجني حين أكبر بعد عدة سنوات، وأنا صدقتها.  كانت تريني شعرها، وتقول إنه ليس ناعماً وإنَّ شعري ناعم، وهي تحبه.  ولذلك، فقد وعدتُ نفسي أن أكبر بسرعة، وأن أذهب إلى المدرسة كل يوم لأتعلم وأستطيع الزواج منها فهي ستنتظرني.

أتى ذلك اليوم الذي أحضرتْ لي بدلة بيضاء وباقة من الزهور لتطلب مني أن أحملها في يوم عرسها القريب من أحد الذين لا أعرفهم.  تفاجأت من ذلك، وحسبتها تمازحني كعادتها في البداية، ففي بعض الأحيان يقول الكبار كلاماً، ويبدو لي مخيفاً فأصدق ومن ثم يضحكون علي.  لا أستطيع التفريق بين الجد والهزل في أحيان كثيرة معهم، لكن الأمر كان حقيقياً هنا حين رأيتُ عمالاً يجلبون أخشاب »الكوشة« لحفلة العرس.  كان أملي الأخير أن ما قالته لي في البداية قد يكون صدقاً، وإنها تريد أن تفاجئني بعرضها أن أحمل الزهور.  كنتُ على أمل أن تقول لي لقد كنتُ أمزح، فأنتَ من سيتزوجني.  لكن كان الحديث عن هذا الشخص طوال الوقت، وعرفتُ أنه يعمل طيارًا في الجو.

لا أستطيع أن أصدق ما يجري الليلة.  فأنا أحبها وهي جميلة، وهي علمتني العد بالإنجليزية إلى العشرين، وهي كانت تساعدني في درس الحساب بعد العصر، وهي التي كانت تشاورني إن أردتُ إبقاء المصباح مفتوحاً في الليل حين أنام معها.  لقد نمنا كثيراً معاً وكانت تقص علي الحكايات المُسلّية قبل النوم، وتجيب على كل سؤال اسأله.

لبستُ الثوب، ولم أذهب إلى حفلة النساء حيث النقود الكثيرة تُنثر، وأصررتُ منذ البداية على الذهاب إلى حفل الرجال.  لقد كانت تستعطفني قبل يومين كي أحمل الباقة وألبس البدلة البيضاء وأمشي مع سعاد التي كانت بعمري أمامهما حين يمشيان باتجاه الكعكة بعد دخوله عليها؛ فأنا أجمل الصبية الموجودين هناك وسعاد أجمل الصبايا. لكني رفضتُ ثم ندمتُ وأقسمتُ أنني سأفعل أي شيء تريده إذا طلبتْ مني بالأمس أو حتى اليوم، لكنَّ أحداً لم يطلب مني ذلك مرة أخرى.

حين تقدّمتُ مع أبي وأخوتي للسلام والمباركة على العريس، انصدمتُ بما رأيت.  لقد كان الرّجل طويلاً.  وكان شعره قصيراً أسود، وعيونه ليست مثل عيوني، وهو ليس »حبّوبا« إذ لم يكن ينظر إليَّ في الأسفل حينما صافحته وقلت له: »مبروك«.  كانت حركاته ونظراته غير طبيعية طوال الوقت.  أتاني شعور عنيف لأرجع إليه وأقول له إنني أحببتها قبله بكثير-وهو لم يرها بعد- ولا ينبغي عليه أن يأخذها ويتزوجها عني، ولكن لم أستطع أن أفعل ذلك أمام الجميع، وأمام أبي.

لا أستطيع أن أفهم ما يحدث.  فأنا أجمل منه، وأنا عرفتها قبله، وأنا من كانت تحبني وتخبرني بذلك.  لماذا تفعل بي ذلك؟


تصميم الحاسب الشامل